«أسبوع باريس» للخريف والشتاء المقبلين يؤكد أن الـ«هوت كوتور» بخير

بين الشاعرية والفنية... ربحت المرأة

من عرض إيلي صعب
من عرض إيلي صعب
TT

«أسبوع باريس» للخريف والشتاء المقبلين يؤكد أن الـ«هوت كوتور» بخير

من عرض إيلي صعب
من عرض إيلي صعب

لم يضاه حرارة باريس في الأسبوع الماضي، سوى غليانها بالأفكار والإبداع. فقد كانت تحتفل بموسم الـ«هوت كوتور» الذي عودنا أن يتبارى فيه مصممو أكبر بيوت الأزياء والمصممون المستقلون على حد سواء، في استعراض إمكانياتهم الفنية وخصب خيالهم. فهو موسم اختبار الأفكار الجديدة والتقنيات الحديثة التي يتم ترويضها بشكل كبير في موسم الأزياء الجاهزة فيما بعد. بالنسبة للمرأة فإنه يعني تحفا تدغدغ كل الحواس، وبالنسبة للمصممين فرصة لإطلاق العنان لخيالهم دون حسيب أو رقيب، إلى حد ما، لأنه حتى في الحالات التي لا يستطيعون فيها أن يشطحوا بأفكارهم، خوفا أن تفلت منهم زمام الأمور ويخسروا بعض الزبونات، فإنهم على الأقل يُحلقون بخيالهم إلى وجهات تعبق بالتاريخ والسحر والغموض يغرفون من كنوزها ويستكشفون أسرارها لينسجوها لنا، كل بطريقته. إيلي صعب وستيفان رولان مثلا سافرا بنا إلى الصين، فيما أخذنا زهير مراد إلى المغرب وغيرهم كُثر. لكن هناك أيضا من بقي متشبثا بإرثه معتمدا على أرشيفه لنسج خيوط تربط الماضي بالمستقبل، كما هو الحال بالنسبة لـ«ديور» و«شانيل» و«فالنتينو» على سبيل المثال.
الخلاصة أنه كان أسبوعا حافلا أعادنا إلى الزمن الجميل، حين كان موسم الهوت كوتور مختبرا لطرح أفكار قد تكون غريبة في بعض الأحيان، لكنها دائما ممتعة تفتح جدالات فنية أو اجتماعية. وليس أدل على هذا من عرض «ديور». فمصممة الدار ماريا غراتزيا تشيوري، تبنت القضية النسوية منذ التحاقها بها في عام 2016؛ الأمر الذي أكسبها ولاء المرأة من جهة، ووساما شرفيا رفيع المستوى من مارلين سكيابا، وزيرة الدولة للمساواة بين الجنسين، تسلمته في حفل كبير في أول يوم من الأسبوع، أي في اليوم نفسه الذي قدمت فيه تشكيلتها للخريف والشتاء المقبلين. في خطابها، أشادت الوزيرة بشجاعة المصممة الإيطالية في تناول قضايا حساسة بطريقة راقية، ومساهمتها القيمة في مجال الموضة. وبالفعل، ما نجحت فيه المصممة أنها طوعت الموضة لصالح المرأة، بحيث لم تُعد للدار أنوثتها كما أرساها المؤسس في عام 1947 فحسب، بل جعلتها دارا ناشطة نسوية أيضا، من خلال مطالبتها بالمساواة تارة، وبتمكين المرأة تارة. كل هذا مررته عبر شعارات تكتبها على «تي - شيرتات» تقدر بمئات الدولارات ومع ذلك تتلقفها الفتيات في كل أنحاء العالم بنهم. وسواء كان توجهها نابعا من قناعة شخصية أو كان حركة تسويقية ذكية، فإنها حققت المعادلة الصعبة بين التجاري والإبداعي. غير أن تشيوري في تشكيلتها لخريف وشتاء 2020 أكدت ما هو أكثر من ذلك: ثقة بالنفس أكثر من المعتاد انعكست على تشكيلة، يمكن القول إنها من أقوى وأجمل ما قدمته حتى الآن للدار. كل قطعة كانت بمثابة أداة للتعبير عن النفس. فالـ«هوت كوتير» حسب رأيها «خيار شخصي وخاص للغاية» لكون كل قطعة تُفصل على المقاس وبتصميم فريد غير متاح للجميع. لم تحتج إلى عدة ألوان لتوصل رسالتها هاته. اكتفت باللون الأسود لأنه «قريب جدا من نفسي» كما صرحت، ولأنه أيضا يعود بنا إلى أساسيات الدار في الخمسينات من القرن الماضي. اختفى اللون الرمادي الذي يميز مقر الدار الرئيسي والأيقوني في «30 أفينو مونتين» الذي كان مسرح العرض وتناثرت في أرجائه، بالمقابل، الزهور المتفتحة الأمر الذي خلق خلفية مثالية لأزياء غلب الأسود على نسبة 90 في المائة أو أكثر منها. كل هذا ساهم في أن يُضفي عليها غموضا دراميا افتقدته الدار في السنوات الأخيرة. هذه المرة لم تظهر الشعارات سوى في قطعة واحدة كتبت عليها «هل الملابس عصرية؟». سؤال كان عنوان كُتيب طرحه الفنان والكاتب والمعماري برنار رودوفسكي في عام 1944، قبل ثلاث سنوات فقط من إطلاق كريستيان ديور ما أصبح يُعرف بـ«ذي نيو لوك»، وتزامنا مع افتتاح أول معرض خاص بالموضة في متحف «موما»، وتناول فيه الكاتب علاقة البنايات بالموضة.
وكان جواب رودوفسكي عن سؤاله، أن الموضة ليست مجرد عملية إبداع بل أسلوب حياة. طبعا انتقد كيف تتغير بشكل سريع ولا تبقى على حال، إلا أنه أيضا اعترف بأن التصميم الجيد لا يعترف بزمن. المصممة الإيطالية فهمت وجهة نظره وأعجبت بها، إلى حد أنها تعاملت مع هذه التشكيلة من زاوية أنثروبولوجية أيضا، لكن بنظرة أكثر إيجابية ترد للموضة اعتبارها.
كانت إجابتها عن سؤاله أكثر تفاؤلا. فالموضة تعكس عصرها حتى عندما تعود إلى الماضي تتلمس رومانسيته وتحن إلى بريقه وألوانه البسيطة مثل الأسود. فالمرأة اليوم أصبح لها رأي مستقل ولا تحتاج إلى الخضوع لإملاءات غيرها حتى تفرض نفسها، بل تحتاج إلى خيارات متنوعة تعكس ذوقها وشخصيتها. لهذا كانت هناك كثير من القطع التي تقطر أنوثة وتلعب على نوع من الإثارة بشكل راق وجديد على المصممة، ظهر في الجوارب المخرمة أو المصنوعة من الدانتيل، والخصور المحددة، كما في التنورات المنسدلة على الجسم في استدارة محسوبة تُبرز ضمور الخصر. تشكيلة تقول باللون الأسود إن الأنوثة لا تتعارض مع المعاصرة، وإن للمرأة الحق في أن تختار ما يروق لها. كانت هناك أيضا لمسة معمارية في كثير من القطع، قد تعود إلى تأثير رودوفسكي عليها، أو إلى السيد كريستيان ديور نفسه. فهو الآخر كان يعشق الهندسة إلى حد أنه كان من الممكن أن يمتهنها لولا أن خطفه عالم الأزياء منها.
لهذا تشير المصممة إلى أن الأسود قد يكون لونها المفضل الذي تعتمده كثيرا على المستوى الشخصي، إلا أنها لم تتبنه في هذه التشكيلة لهذا السبب، بل لأنه أفضل وسيلة لتسليط الضوء على الأحجام والخطوط الهندسية. فكل قطعة كانت تحتفل بفن العمارة من خلال نحت جسد المرأة، سواء تعلق الأمر بالفساتين أو التنورات السخية التي تستحضر حقبة الخمسينات من القرن الماضي، أو جاكيت الدار الأيقوني «ذي بار جاكيت» أو المعاطف المفصلة على الجسم بأكتاف ناعمة، مؤكدة رأي رودوفسكي بأن كلا من فن العمارة والموضة يقوم على توازن الأحجام.
وإذا كانت ماريا غراتزيا تشيوري قد ألقت بتحية، ولو غير مباشرة، إلى مؤسس الدار، فإن تحية فيرجيني فيار، مصممة «شانيل» الجديدة للمصمم الراحل كارل لاغرفيلد، كانت بالبنط العريض. حولت «لوغران باليه» إلى مكتبة ضخمة مكونة من ثلاثة طوابق يمكن الوصول إليها بواسطة سلالم حديدية، تحتضن كتبا لأدباء ومؤلفات لكبار المفكرين والفلاسفة من أمثال ستاندال وفلوبير وأفلاطون وأرسطو وهوميروس وغيرها من الأسماء القديمة والمعاصرة على حد سواء. كانت المكتبة إشارة إلى شغف المصمم الراحل بالكتب، إذ يقال إنه كان يمتلك الآلاف منها وكان قارئا نهما لها. خليفته فيرجيني ترجمت هذا الشغف، من زاوية ثقافية اعتمدت فيها على أحذية من دون كعوب وياقات عالية، بعضها يُعقد على شكل فيونكة، ونظارات للقراءة. لم تكن المرأة التي رسمتها طاغية الأنوثة أو مثيرة، من الناحية الحسية، بقدر ما كانت راقية وهادئة، قد تكون سكرتيرة تنفيذية أو سيدة أعمال أو محامية.
لكن من الخطأ القول إن فيارد تناست أو تجاهلت الآنسة غابرييل شانيل. فتيمة الكتب المرتبطة بكارل لاغرفيلد كانت مجرد جسر يربط بينها وبين المؤسسة التي كانت تؤمن مثل فيارد بأن الأناقة لا تتعارض مع الراحة والعقل والذكاء، وبأن الـ«هوت كوتور» يجب ألا تقتصر على مناسبات المساء والسهرة. في أول عرض لها في موسم الأزياء الراقية، لم تقم فيارد بثورة، بمعنى تغيير جذري لرموز الدار، ربما لأنها عملت مع لاغرفيلد لعقود، منذ 1997، إلى حد أنهما انصهرا معا وأصبح لهما الأسلوب والنظرة الفنية نفسهما. كان واضحا أنها ركزت على الاستمرارية، ولم تر داعيا لخض المتعارف عليه أو التشويش على وصفة ابتكرها المصمم الراحل وأكدت أنها ناجحة لثلاثة عقود تقريبا. الإضافة الجديدة أنك تشعر بأن هناك لمسة أكثر نعومة وخفة مقارنة بالمواسم الماضية. تفسير المصممة أنها تصورت «امرأة أنيقة من دون تكلف» وهو ما جسدته في انسيابية الخطوط من خلال بنطلونات واسعة تُذكرنا بتصاميم كوكو شانيل في الثلاثينات من القرن الماضي، والأحذية المنخفضة ومعاطف التويد الطويلة مع تخلص أغلبها من الصرامة. لكن رغم هذه النعومة التي تستشفها بين الخيوط والثنيات، فإن فيارد لم تتجرأ أن تخرج عن النص الذي تعودت عليه وأكدت السنوات أنه ناجح. فقد كانت هناك أيضا قطع مفصلة بياقات عالية، تحدد العنق وتؤطره، باللون الأبيض تبدو وكأنها تحية لكارل لاغرفيلد. وإذا كانت الأغنية التي تقول: «أريد فقط أن أكون امرأة» والتي رافقت جزءا من العرض، تلميحا أو رسالة لأي شيء أو حتى اختيارا لا شعوريا، فإن فيرجيني فيارد ربما تريد أن تضخ الدار بالمزيد من الأنوثة والنعومة، وهو أمر لن يُزعج زبونة الدار على الإطلاق.
ستيفان رولان
كان المصمم هادئا قبل عرضه، وهو ما قد يستغربه أي متابع للأفلام الوثائقية عن الموضة. فالصورة المترسخة في البال عن الأجواء خلف الكواليس، هي صورة خلية نحل تضج بالحركة بحيث لا يمكنك أن تخطو أي خطوة قبل التأكد منها حتى لا تدوس على أحد. لكن ستيفان رولان فند هذه الصورة. كان مبتسما ومرتاحا، فيما كان هدوء تام يسود الركنين المخصصين للماكياج والبروفات في دار الأوبرا، مسرح العرض. المتابع لمسيرة هذا المصمم الفرنسي يعرف أن هدوءه لا ينبع فقط من خبرته الطويلة بل أيضا من راحة نفسية وثقة اكتسبتها مؤخرا وتستشفهما من حديثه وتفاؤله. ثقته بنفسه لم تكن يوما مشكلة، فقدراته الفنية لا يُعلى عليها، لكن ثقة الآخر به كانت دائما هي السؤال. والمقصود هنا الدعم المادي في وقت أصبح فيه من الصعب على المصممين المستقلين أن يقدموا عروضا ضخمة من دون تمويل، بعد أن التهمت المجموعات الكبيرة قسطا كبيرا من السوق وفرضت استراتيجيات من الصعب على الكل مجاراتها. لكن ستيفان، الذي كان دائما يسبح ضد التيار بأسلوبه المعماري، يؤكد أنه وجد ضالته مؤخرا في الفنان والمعماري الصيني المعروف سونغ دونغ. اكتشفا صدفة أن هناك قواسم كثيرة مشتركة بينهما، وكانت النتيجة تعاونهما مع بعض في الموسم الماضي حين قدم المصمم تشكيلة استلهمها من أعمال الفنان. هذه المرة تطور التعاون وتوسع بالمعنين المجازي والحرفي. فقد اصطحبه سونغ دونغ في رحلة إلى بلده الصين، وفتح له أبوابا لا تُفتح للجميع، اكتشف فيها حضارة عريقة تلفها كثير من الأسرار. يقول ستيفان في لقاء جانبي قبل عرضه، إنه انبهر بما رآه في المدينة القرمزية المحرّمة من قصور منيعة وتحف وآثار نادرة «لقد سمعت كثيرا عن الصين وزرتها من قبل، لكني هذه المرة اكتشفت جوانب خفية ما لم أكن أتصور وجودها، خصوصا أني دخلت أماكن غير مفتوحة للسائح العادي. هذه الزيارة زادت من انبهاري وألهمتني كثيرا». جسد المصمم هذا الانبهار في تشكيلة أطلق عليها عنوان «روح إمبراطورة صينية عصرية»، طبعتها الألوان القوية، التي تستحضر ألوان المجوهرات، مثل الأصفر والأحمر والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. طبعتها أيضا خطوط هندسية مأخوذة من فن العمارة الصينية، تظهر حينا في الموتيفات، وأحيانا في الأكتاف المقوسة التي كان يقطر بعضها بريقا بأحجار الكريستال. الجديد فيها غياب التصاميم المنحوتة، بزواياها المحسوبة، التي ميزته في المواسم الماضية، وحلت محلها انسيابية تستحضر الطبيعة الصينية وبيوتها التقليدية وبعض الأحجام الواسعة، المستوحاة من الكيمونو أضافت إليها لمساته الباريسية حداثة.

إيلي صعب
مثل ستيفان رولان، توجه المصمم إيلي صعب إلى الصين. وفيما ركز الأول على معالم الصين ومبانيها وتحفها في كل تفاصيله تقريبا، فإن إيلي دخل إلى قصورها وبلاطاتها، مؤكدا أن موسم «الهوت كوتير» يُقسم المصممين إلى فئتين. فئة تميل إلى استعراض الفنية أو تشطح بخيالها إلى عوالم فانتازيا لتبيعنا الحلم، وفئة تفهم زبوناتها وتخاطبهن بلغة يفهمنها ويتفاعلن معها بسهولة. إيلي صعب ينتمي إلى الفئة الثانية. فهو لا يحب الفذلكة وتعقيد الأمور، بقدر ما يصب كل طاقته في إضفاء الجمال والسحر مع رشة كبيرة من الحرفية على تصاميمه. ورغم ذلك فمن الظُلم القول إنه يستكين إلى المضمون أو يتقيد بالسيناريو الذي كتبه منذ زمن بعنوان الأنوثة والرومانسية، من دون تطويره. صحيح أن أساسياته لا تتغير إلا أن تفاصيلها تخضع دائما لعدة تطويرات تجعلها تبدو دائما مواكبة للعصر وتؤكد أنه يفهم المرأة بالفطرة. في تشكيلته هاته مثلا كانت هناك لمسات لم نعهدها في عروضه من قبل، من ناحية الأحجام والياقات العالية والبنطلونات الواسعة. كانت هناك أيضا لمسات مألوفة، والمقصود بالمألوف هنا كل ما هو مرغوب من قبل المرأة، فيما يخص الإثارة الراقية من خلال الفتحات المحسوبة التي خلقت توازنا مطلوبا.
يقول إنه لم يستطع أن يقاوم جاذبية الصين. أثارته بعظمتها وحضارتها العریقة، لهذا وجد نفسه مندفعا نحوها ليغوص في حريرها وتطريزاتها وألوانها. هدفه كان لف المرأة بهالة من الغموض والسحر الشرقي، وهو ما برز في إطلالات بأكتاف عریضة تشبه أجنحة أو قببا، وطبعات تجريدية تُجسد أشكال نباتات أو كائنات من التراث الصیني. حتى التطريزات التي باتت لصيقة بأسلوبه، أخذت منحى صينيا وإن حرص على إضافة لمسته الخاصة والسخية.
فقد ظهرت هذه التطريزات في سترات واسعة تحددها أحزمة مستلهمة من حزام الـ«أوبي» العريض، ومعاطف على شكل كیمونو، بعضها بأكمام واسعة وطويلة إلى جانب «كابات» وفساتين، بل وحتى في بنطلونات واسعة. ولم تقل الألوان جمالا وقوة عن التصاميم.
فهي الأخرى جاءت غنية بالأحمر القاني والبنفسجي الغامق والذهبي تتراقص على أقمشة مثل المخمل والساتان والتافتا، مُزیّنة بالریش والتول.
لكن أكثر ما يُحسب لإيلي صعب في هذه التشكيلة أنه لم يغرف من رموز الصين بشكل حرفي، فجنب تصاميمه المظهر الفولكلوري وفي الوقت ذاته أعطى التصاميم الصينية التقليدية مثل الكيمونو وحزام الـ«أوبي» وغيرها بُعدا عصريا جديدا، وهو ما ستعتبره أي صينية احتراما لها ولثقافتها. لهذا ليس ببعيد أن نقول إن رحلته هاته قد تكون أيضا لفتة تسويقية ذكية لمخاطبة هذه الزبونة التي يشهد لها عالم الترف بالقوة حاليا. فالسوق الصينية من أهم الأسواق حاليا، وتضم شريحة لا تستهين بها الموضة، بل وتحسب لها ألف حساب، لكونها لا تعشق الـ«هوت كوتير» فحسب بل تمتلك الإمكانيات لاقتنائها، مع العلم أن هذه الشريحة تنطق اسم إيلي صعب بسهولة منذ سنوات.

«فالنتينو»
مسك ختام الأسبوع، كان عرض «فالنتينو». وكالعادة لم يخيب مصممها بيير باولو بكيولي الظن، بل رفع مستوى الأندروفين في الجسم بشكل غير مسبوق. بالنسبة للمصمم، كان العرض فُرصته ليُبرهن أمام أعيننا حبه للحرفية والأعمال اليدوية، وإيمانه بالجانب الإنساني في الوقت ذاته. وهذا ما عبر عنه في آخر العرض بمرافقته الأنامل الناعمة التي تعمل معه وتسهر على كل التفاصيل لتحية الجمهور. بعضهن، تعدين الخمسين من العمر، ركضن إلى مؤسس الدار فالنتينو غارافاني الذي كان جالسا في الصف الأمامي يعانقنه ويهنئنه. فهؤلاء عملن معه قبل أن يتقاعد ويسلم مقاليد الدار إلى مصممين شباب، آخرهم هو بيكيولي، الذي أثبت أنه خير خلف لخير سلف.
هذا الجانب الإنساني عبر عنه المصمم أيضا باستعانته مرة أخرى بمجموعة من العارضات من أجناس وألوان وأشكال مختلفة، مفسرا أن المصور إيرفين بين، أو بالأحرى صورة التقطها في عام 1974 بعنوان «عوالم كثيرة في غرفة صغيرة» تحتفل بالتنوع الثقافي، هي التي ألهمته، وأشعلت اهتمامه هذا، مشددا على أن الجانب الإنساني لا يقتصر فقط على اختلاف الجغرافيا واللون. تجدر الإشارة إلى أن اهتمامه بالتنوع الإثني ليس جديدا عليه، إذ سبق له أن استعان في الموسم الماضي بـ45 سمراء من بين 65 عارضة شاركن في العرض.
هذه المرة شكلت السمراوات نصف العارضات، لكنه لم يقتصر على اللون، بل استعان أيضا بعارضات تجاوز بعضهن الأربعين من العمر بكثير، مثل العارضة السابقة لورين هاتون، 75 عاما، التي شاركت في العرض بفستان أخضر فوقه معطف رمادي وقفازات برتقالية مائلة للأحمر. لم يكن مظهرها نشازا أمام عارضات في عمر الزهور مثل الشقراء جيجي حديد أو السودانية الأصل أدوت أكيش، وهي تتهادى في فستان من التافتا بكشاكش بلون الزمرد استغرق صنعه 903 ساعات. الرسالة التي أوصلها المصمم لنا وهي أن الـ«هوت كوتير» ليست لامرأة بلون واحد أو جنسية محددة أو مقاييس معينة، رغم أنها تقوم على فكرة الشخصي والفريد. فكما قد تكون لامرأة من آسيا أو من أوروبا أو أميركا فقد تكون لامرأة من الشرق الأوسط أو أفريقيا. ما يجعلها خاصة وشخصية أنها مفصلة على مقاس امرأة واحدة لديها الإمكانيات لشرائها، أما في عالم بيير باولو بكيولي فإن هذا التفرد أو الـ«خاص» لم يُخرج المرأة العادية من اللعبة، بل أتاح لها الفرصة للاستمتاع بها كفن ولو للحظات، وهنا تكمن قوته وشاعريته.
انتهى العرض بتصفيقات حارة مصحوبة بدموع ساخنة. كانت شاعريته أكثر من تحمل البعض. كن يمسحن هذه الدموع وهن يُبررنها بالقول إنه عُملة نادرة في الوقت الحالي. وهن مُحقات إذا كانت الفكرة أنه لا أحد قبله نجح في أن يُضفي على الأحجام الضخمة والتصاميم الدرامية، هذه الواقعية المفعمة بالحداثة. فلا أحد يمكن أن يصف أحجامه بالمسرحية أو السريالية. فعلى المستوى التجاري أيضا أكد أنه يتمتع بلمسة ميداسية، بدليل أن كل قطعة يطرحها تؤجج الرغبة فيها.

السر في التفاصيل
> «هل لا تزال الهوت كوتور مهمة وضرورية مقارنةً بعدد زبوناتها التي تشير الأرقام إلى أنهن، في أحسن الحالات، لا يتعدين الألف في العالم أجمع؟». سؤال يطرحه المتشائمون في كل عام تقريباً. والجواب يكون دائماً أنها ضرورية كأي فنٍّ راقٍ.
الفرق أن المكان الطبيعي لأي قطعة تخرج من مشاغل باريس لهذا الأسبوع، هو خزانة امرأة تُقدرها وتعرف قيمتها عوض المتاحف، مع أن بعضها يجد طريقه إلى المتاحف أحياناً. المتحمسون لهذا القطاع متفائلون بأن عدد الزبونات في تزايد بفضل انفتاح أسواق نامية تحركها شريحة شابة تواقة لكل ما هو فريد. والفريد لا يعني فقط التصاميم الباذخة، بل أيضاً التفاصيل الدقيقة التي يمكن أن يستغرق تنفيذها آلاف الساعات. فهذه هي التي تُميزها وتُبرر أسعارها. وإذا كانت الزبونة الجديدة باتت تفرض رأيها وتطالب بالكثير، فإن المصممين كانوا مستعدين لطلباتها حسبما تؤكده عروض خريف 2019 وشتاء 2020.



حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
TT

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

من متاجر الجمعيات الخيرية والأسواق الشعبية، إلى منصات إعادة البيع على الإنترنت، يغيّر جيل زد علاقته بالموضة والاستهلاك. فالقطعة المستعملة لم تعد علامة على التوفير، بل أصبحت أحياناً أكثر جاذبية من الجديدة، والعثور على حقيبة فاخرة أو معطف نادر بسعر زهيد قد يكون إنجازاً يستحق الاحتفال به على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان شعار الموضة، لعقود طويلة، واضحاً: كلما ارتفع السعر، ارتفعت القيمة. وكانت أسماء دُور الأزياء العالمية وشعاراتها الكبيرة كافية لمنح صاحبها شعوراً بالتميز والمكانة.

أصبح اقتناء قطعة فريدة من محلات الملابس المستعملة أمراً يدعو للتفاخر (غيتي)

فبالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء «جيل زد» والأجيال الأصغر سناً، لم تعد الأناقة مرتبطة بالضرورة بشراء الجديد أو دفع مبالغ كبيرة مقابل قطعة تحمل اسماً شهيراً، بل أصبح البحث عن قطعة مميزة، بسعر معقول، وربما مستعملة، جزءاً من ثقافة جديدة في التسوق تعرف باسم Thrifting أو التسوق من متاجر الملابس المستعملة.

ففي عالم تنتشر فيه الملابس نفسها بآلاف المتاجر، يبحث الشباب عن شيء مختلف؛ قطعة لا يرتديها الجميع، أو سترة قديمة لم تعد تُنتَج، أو حقيبة تحمل طابعاً من زمن آخر.

لهذا أصبحت متاجر الملابس المستعملة والأسواق الشعبية ومتاجر الجمعيات الخيرية وجهاتٍ يقصدها الشباب بحثاً عن «الكنوز المخفية».

هناك من يفضل المتاجر الخيرية التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة (غيتي)

قد يدخل المتسوق متجراً لا يعرف ماذا سيجد فيه، ثم يخرج منه بمعطف مميز أو حذاء من علامة معروفة أو حقيبة عتيقة، وكل ذلك مقابل مبلغ قد لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من سعر القطعة الجديدة. وهنا تكمن متعة الـThrifting ليست المتعة في الشراء وحده، بل في الاكتشاف.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لو بقي تسوق المستعمل محصوراً في المتاجر والأسواق، لربما لم يكن ليصل إلى المكانة التي يحتلها اليوم.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة.

على منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، أصبح الشباب يصورون جولاتهم داخل متاجر الملابس المستعملة، ويعرضون ما عثروا عليه، ويكشفون عن الأسعار، ويشرحون كيفية تنسيق القِطع القديمة مع الملابس الحديثة.

انتشرت مقاطع ما يُعرف بـThrift Hauls، حيث يستعرض المستخدمون مجموعة من مشترياتهم، كما تحولت فكرة العثور على قطعة فاخرة بسعر منخفض إلى نوع من المحتوى الذي يثير الفضول والإعجاب.

وأصبح السؤال ليس: «لماذا تشتري ملابس مستعملة؟»، وإنما: «ماذا استطعت أن تجد؟»،

وهكذا نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل ما كان يُنظَر إليه بوصفه وسيلة لتوفير المال إلى ثقافة وموضة لها جمهورها ولغتها ومؤثروها.

وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في قلب المعادلة ونشر هذه الظاهرة (غيتي)

تختلف تجربة التسوق من شخص إلى آخر، فهناك من يستمتع بالتجول في الأسواق الشعبية وأسواق الشوارع، حيث تختلط الملابس القديمة بالأحذية والحقائب والإكسسوارات.

وهناك من يُفضل المتاجر الخيرية، التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة، بينما تذهب عائدات المبيعات إلى دعم الأعمال الخيرية. وآخرون يبحثون عن متاجر متخصصة في القطع القديمة أو منصات إلكترونية تجمع البائعين والمشترين في سوق واسعة للمنتجات المستعملة. وفي جميع الحالات، أصبحت عملية البحث نفسها جزءاً من التجربة.

اكتسب متجر ليفتيز «Lefties» الذي نشأ لتصريف فائض ملابس «زارا» بأسعار مخفضة جماهيرية لدى الشباب (موقع ليفتيز)

المفارقة أن الاهتمام بالملابس المستعملة، أو من موسم مضى، لم يلغِ اهتمام الشباب بالعلامات الفاخرة، بل على العكس، هناك سوق متنامية للمنتجات الفاخرة المستعملة.

فالحقيبة التي تبدو بعيدة المنال عندما تكون جديدة، يمكن أن تصبح أكثر قابلية للشراء عندما تكون مستعملة. والمعطف الذي يبلغ سعره آلافاً عند طرحه للمرة الأولى، قد يصبح في متناول شاب يبحث عنه بعد سنوات.

وأحياناً تكون القطعة القديمة أكثر جاذبية من الجديدة، خصوصاً إذا كانت نادرة أو من مجموعة لم تعد متوفرة.

ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك، فقد تحولت الملابس المستعملة لدى بعض الشباب إلى مشروع تجاري صغير.

فهُم يبحثون عن القطع المميزة في المتاجر الخيرية والأسواق الشعبية، ويعرفون العلامات التي تحظى بطلب مرتفع، ثم يشترونها بأسعار منخفضة ويعيدون بيعها عبر الإنترنت. قد تكون حقيبة فاخرة، أو سترة من علامة معروفة، أو حذاءً نادراً. وبعد العثور على القطعة، تبدأ مرحلة أخرى: تنظيفها، وتصويرها، وكتابة وصف جيد لها، ثم عرضها للبيع على إحدى منصات إعادة البيع.

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

وبذلك يمكن أن تتحول هواية البحث عن الملابس المستعملة إلى مصدر دخل إضافي.

بل إن بعض الشباب طوّروا معرفة واسعة بالعلامات التجارية والأسعار واتجاهات السوق، فأصبحوا يتعاملون مع القطع المستعملة ليس بوصفها ملابس فحسب، وإنما بوصفها سلعاً قابلة لإعادة البيع والاستثمار.

القديم مستدام

هناك سبب آخر وراء شعبية هذه الظاهرة؛ وهو الاهتمام المتزايد بالاستدامة.

فبدلاً من شراء الملابس الجديدة باستمرار، والتخلص منها بعد فترة قصيرة، يمنح شراء الملابس المستعملة القطعة عمراً أطول، ويقلل الحاجة لإنتاج قطعة جديدة، لكن اختزال ظاهرة الـThrifting في الاستدامة وحدها سيكون تبسيطاً لها.

فالشاب قد يشتري مستعملاً لأنه أرخص، أو لأنه يريد قطعة لا يملكها أحد من أصدقائه، أو لأنه يبحث عن تصميم قديم، أو لأنه يريد إعادة بيعها وتحقيق ربح منها، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل انتهى عصر الماركات؟

الجواب: لا ليس بالضرورة، فجيل زد لا يدير ظهره تماماً للعلامات التجارية الفاخرة، لكنه يبدو أكثر استعداداً لإعادة تعريف العلاقة بها وتغيير تسميتها.

قد يرتدي شاب سترة اشتراها من متجر خيري ببضعة جنيهات، إلى جانب حذاء مستعمل من علامة فاخرة وساعة قديمة وحقيبة عثر عليها في سوق شعبية. بالنسبة إليه، لا تكمن قيمة الإطلالة في أن تكون جميع القطع جديدة أو باهظة الثمن، بل في الطريقة التي جرى بها جمعها وتنسيقها.


الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)

يتجدد موعد جوائز «فاشن تراست أرابيا» من جديد في دورتها لعام 2026، حاملة معها أسماء جديدة وآمالاً كبيرة من مواهب تسعى إلى ترسيخ حضورها على خريطة الموضة والأزياء العالمية. كالعادة، واستباقاً لحفل توزيع الجوائز في آخر الشهر، كشفت المؤسسة عن القائمة النهائية للمرشحين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كلهم يتنافسون على سبع جوائز قيمة، «مادياً ومعنوياً ولوجستياً» يُعلن عنها في الدوحة في 28 من الشهر الحالي.

21 مصمماً يحلمون بالجائزة بكل ما تحمله من دعم مادي ولوجستي (فاشن تراست أرابيا)

ويأتي اختيار المرشحين عموماً، عقب عملية تقييم تتولاها اللجنة الاستشارية التي تضم أسماء عالمية مؤثرة على ساحة الموضة، من رؤساء تنفيذيين في بيوت أزياء كبيرة ومصممين عالميين إلى مشترين وغيرهم. ومن المقرر أن يلتقي المرشحين لجنة التحكيم لتقديم أعمالهم ومشروعاتهم، قبل الإعلان عن أسماء الفائزين السبعة خلال الحفل الختامي الذي سيقام مساء 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بحضور نجوم سيحطّون الرحال في الدوحة من كل أنحاء العالم.

6 فئات تحتفي بتنوع التصميم

تتوزع القائمة النهائية للمرشحين على ست فئات، تعكس تنوع مجالات التصميم واتساع مساحات الإبداع في صناعة الأزياء.

ففي فئة الأزياء الجاهزة، تضم القائمة ريانة هيمسكر، من الجزائر، وسارة ماني بوروتش من الأردن، وأحمد حسن من السعودية.

سارة ماني بوروتش من الأردن المرشحة عن فئة الأزياء الجاهزة (فاشن تراست أرابيا)

أما فئة أزياء السهرة والمساء، فيتنافس عليها كل من سيندي أبي شالا من علامة «CIN»، وحيدر كريم من علامة «أوسكار كراي»، وكلاهما من لبنان، إلى جانب دانا رياض من علامتها «دانا رياض» من فلسطين.

وفي فئة الإكسسوارات، وصلت إلى المرحلة النهائية علياء زكي من لبنان، ومريم المالكي من قطر، وصفاء بودخانة من تونس.

دانا رياض من من فلسطين المرشحة عن فئة أزياء السهرة (فاشن تراست أرابيا)

وتضم فئة المجوهرات فاروج فارتان كازانجيان من علامة «هاري في» من مصر، ليال السلطان من علامة «إلورا» من الكويت، وجويل خراط من لبنان.

أما جائزة فرانكا سوزاني، الخاصة بالمواهب الواعدة، فتتنافس عليها ليلى الطوايا من فلسطين والأردن، ويوسف زغيب من لبنان، وزينة عيسى من سوريا.

وفي فئة تكنولوجيا الأزياء، تشمل القائمة شيماء وفاطمة العلاة من مصر، وسيرين قبيسي من لبنان وآمنة حسين من تونس.

جويل خراط من لبنان المرشحة عن فئة المجوهرات (فاشن تراست أرابيا)

وكعادة «فاشن تراست أرابيا» في استضافة مصممين من بلد بعيد وتخصيص جائزة سابعة مستقلة للمصممين المشاركين منها، تشمل الجائزة هذا العام المكسيك، لتكون الدولة الضيفة.

ويخضع المرشحون المكسيكيون لآلية التحكيم نفسها المعتمدة لبقية المتنافسين، في خطة تعكس توجهاً نحو توسيع آفاق التواصل بين المواهب الإبداعية في أسواق مختلفة، وتعزيز فرص التعاون وتبادل الخبرات على المستوى الدولي. ويأتي هذا التعاون بدعم من «فوغ» المكسيك وأميركا اللاتينية، انطلاقاً من أهمية بناء شبكات مهنية عابرة للحدود، وتوفير بيئات داعمة للمصممين الشباب تساعدهم على تطوير أعمالهم وتوسيع حضورهم. وتضمن قائمة المرشحين عن المكسيك، باتريسيو كامبيلو عن علامة «كامبيلو» والثنائي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» وكاميلا بانز عن علامة «بانزو».

الثنائي المكسيكي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» (فاشن تراست أرابيا)

المنح المالية والإرشاد المهني:

ولا تقف أوجه الدعم التي توفرها المؤسسة عند حدود التكريم؛ إذ تشكل المنح المالية وبرامج الإرشاد المهني جانباً أساسياً من منظومة عملها. ويحصل الفائزون على منح تتراوح قيمتها بين 100 ألف و200 ألف دولار، حسب حجم النشاط التجاري لكل مصمم، في حين تبلغ قيمة المنحة المخصصة للفائز بجائزة «فرانكا سوتساني» للمواهب الواعدة 50 ألف دولار.

في فئة تكنولوجيا الأزياء تشارك كل من شيماء وفاطمة العلاوي من مصر (فاشن تراست أرابيا)

وفي امتداد للدعم التجاري، الذي يعدّ من أهم العناصر التي يحتاج إليها أي مصمم شاب، تعرض مجموعات الفائزين في فئات الأزياء الجاهزة وأزياء السهرة والإكسسوارات والمجوهرات لدى الشريكين التجاريين للمؤسسة، «هارودز» و«أوناس» على مدى موسم، بما يتيح للمصممين فرصة الوصول إلى أسواق أوسع وجمهور دولي.

كما تشمل برامج الدعم عاماً كاملاً من الإرشاد المهني المصمم وفق احتياجات كل فائز بالتعاون مع «براند X سوسايتي». ويشارك المصممون الفائزون أيضاً في برنامج إرشادي خاص يمتد يومين في لندن، تنظمه المؤسسة مع «ذي بيستر كوليكشن» والمجلس البريطاني للأزياء و«براند Xسوسايتي».

وتعكس هذه البرامج توجهاً يتجاوز منح الجوائز المالية إلى مواكبة المصممين في مراحل تطورهم المهني، ومساعدتهم على التعامل مع متطلبات الصناعة، من بناء العلامة التجارية إلى التوسع التجاري والانفتاح على الأسواق العالمية.

من الاكتشاف إلى حضورها العالمي

تأسست «فاشن تراست أرابيا» عام 2018 مستلهمة تجربة «فاشن تراست يو كي» أي البريطانية، وهي مؤسسة غير ربحية تقوم رؤيتها على توفير فرص عملية للمصممين الذين بلغوا مرحلة الاستعداد لدخول الأسواق العالمية، لكن يفتقدون إلى الدعم المالي والتوجيه الاستراتيجي وبرامج الإرشاد، وهو ما تقدمه المؤسسة بالتعاون مع خبراء وشخصيات ذات خبرة واسعة في صناعة الأزياء. فغايتها منذ تأسيسها لا تقتصر على الاحتفاء بالأسماء الجديدة، بل تمتد إلى تهيئة الظروف التي تمكّن هذه المواهب من بناء مسارات مهنية مستقرة، وتطوير علامات تجارية قادرة على المنافسة خارج حدود المنطقة