«أسبوع باريس» للخريف والشتاء المقبلين يؤكد أن الـ«هوت كوتور» بخير

بين الشاعرية والفنية... ربحت المرأة

من عرض إيلي صعب
من عرض إيلي صعب
TT

«أسبوع باريس» للخريف والشتاء المقبلين يؤكد أن الـ«هوت كوتور» بخير

من عرض إيلي صعب
من عرض إيلي صعب

لم يضاه حرارة باريس في الأسبوع الماضي، سوى غليانها بالأفكار والإبداع. فقد كانت تحتفل بموسم الـ«هوت كوتور» الذي عودنا أن يتبارى فيه مصممو أكبر بيوت الأزياء والمصممون المستقلون على حد سواء، في استعراض إمكانياتهم الفنية وخصب خيالهم. فهو موسم اختبار الأفكار الجديدة والتقنيات الحديثة التي يتم ترويضها بشكل كبير في موسم الأزياء الجاهزة فيما بعد. بالنسبة للمرأة فإنه يعني تحفا تدغدغ كل الحواس، وبالنسبة للمصممين فرصة لإطلاق العنان لخيالهم دون حسيب أو رقيب، إلى حد ما، لأنه حتى في الحالات التي لا يستطيعون فيها أن يشطحوا بأفكارهم، خوفا أن تفلت منهم زمام الأمور ويخسروا بعض الزبونات، فإنهم على الأقل يُحلقون بخيالهم إلى وجهات تعبق بالتاريخ والسحر والغموض يغرفون من كنوزها ويستكشفون أسرارها لينسجوها لنا، كل بطريقته. إيلي صعب وستيفان رولان مثلا سافرا بنا إلى الصين، فيما أخذنا زهير مراد إلى المغرب وغيرهم كُثر. لكن هناك أيضا من بقي متشبثا بإرثه معتمدا على أرشيفه لنسج خيوط تربط الماضي بالمستقبل، كما هو الحال بالنسبة لـ«ديور» و«شانيل» و«فالنتينو» على سبيل المثال.
الخلاصة أنه كان أسبوعا حافلا أعادنا إلى الزمن الجميل، حين كان موسم الهوت كوتور مختبرا لطرح أفكار قد تكون غريبة في بعض الأحيان، لكنها دائما ممتعة تفتح جدالات فنية أو اجتماعية. وليس أدل على هذا من عرض «ديور». فمصممة الدار ماريا غراتزيا تشيوري، تبنت القضية النسوية منذ التحاقها بها في عام 2016؛ الأمر الذي أكسبها ولاء المرأة من جهة، ووساما شرفيا رفيع المستوى من مارلين سكيابا، وزيرة الدولة للمساواة بين الجنسين، تسلمته في حفل كبير في أول يوم من الأسبوع، أي في اليوم نفسه الذي قدمت فيه تشكيلتها للخريف والشتاء المقبلين. في خطابها، أشادت الوزيرة بشجاعة المصممة الإيطالية في تناول قضايا حساسة بطريقة راقية، ومساهمتها القيمة في مجال الموضة. وبالفعل، ما نجحت فيه المصممة أنها طوعت الموضة لصالح المرأة، بحيث لم تُعد للدار أنوثتها كما أرساها المؤسس في عام 1947 فحسب، بل جعلتها دارا ناشطة نسوية أيضا، من خلال مطالبتها بالمساواة تارة، وبتمكين المرأة تارة. كل هذا مررته عبر شعارات تكتبها على «تي - شيرتات» تقدر بمئات الدولارات ومع ذلك تتلقفها الفتيات في كل أنحاء العالم بنهم. وسواء كان توجهها نابعا من قناعة شخصية أو كان حركة تسويقية ذكية، فإنها حققت المعادلة الصعبة بين التجاري والإبداعي. غير أن تشيوري في تشكيلتها لخريف وشتاء 2020 أكدت ما هو أكثر من ذلك: ثقة بالنفس أكثر من المعتاد انعكست على تشكيلة، يمكن القول إنها من أقوى وأجمل ما قدمته حتى الآن للدار. كل قطعة كانت بمثابة أداة للتعبير عن النفس. فالـ«هوت كوتير» حسب رأيها «خيار شخصي وخاص للغاية» لكون كل قطعة تُفصل على المقاس وبتصميم فريد غير متاح للجميع. لم تحتج إلى عدة ألوان لتوصل رسالتها هاته. اكتفت باللون الأسود لأنه «قريب جدا من نفسي» كما صرحت، ولأنه أيضا يعود بنا إلى أساسيات الدار في الخمسينات من القرن الماضي. اختفى اللون الرمادي الذي يميز مقر الدار الرئيسي والأيقوني في «30 أفينو مونتين» الذي كان مسرح العرض وتناثرت في أرجائه، بالمقابل، الزهور المتفتحة الأمر الذي خلق خلفية مثالية لأزياء غلب الأسود على نسبة 90 في المائة أو أكثر منها. كل هذا ساهم في أن يُضفي عليها غموضا دراميا افتقدته الدار في السنوات الأخيرة. هذه المرة لم تظهر الشعارات سوى في قطعة واحدة كتبت عليها «هل الملابس عصرية؟». سؤال كان عنوان كُتيب طرحه الفنان والكاتب والمعماري برنار رودوفسكي في عام 1944، قبل ثلاث سنوات فقط من إطلاق كريستيان ديور ما أصبح يُعرف بـ«ذي نيو لوك»، وتزامنا مع افتتاح أول معرض خاص بالموضة في متحف «موما»، وتناول فيه الكاتب علاقة البنايات بالموضة.
وكان جواب رودوفسكي عن سؤاله، أن الموضة ليست مجرد عملية إبداع بل أسلوب حياة. طبعا انتقد كيف تتغير بشكل سريع ولا تبقى على حال، إلا أنه أيضا اعترف بأن التصميم الجيد لا يعترف بزمن. المصممة الإيطالية فهمت وجهة نظره وأعجبت بها، إلى حد أنها تعاملت مع هذه التشكيلة من زاوية أنثروبولوجية أيضا، لكن بنظرة أكثر إيجابية ترد للموضة اعتبارها.
كانت إجابتها عن سؤاله أكثر تفاؤلا. فالموضة تعكس عصرها حتى عندما تعود إلى الماضي تتلمس رومانسيته وتحن إلى بريقه وألوانه البسيطة مثل الأسود. فالمرأة اليوم أصبح لها رأي مستقل ولا تحتاج إلى الخضوع لإملاءات غيرها حتى تفرض نفسها، بل تحتاج إلى خيارات متنوعة تعكس ذوقها وشخصيتها. لهذا كانت هناك كثير من القطع التي تقطر أنوثة وتلعب على نوع من الإثارة بشكل راق وجديد على المصممة، ظهر في الجوارب المخرمة أو المصنوعة من الدانتيل، والخصور المحددة، كما في التنورات المنسدلة على الجسم في استدارة محسوبة تُبرز ضمور الخصر. تشكيلة تقول باللون الأسود إن الأنوثة لا تتعارض مع المعاصرة، وإن للمرأة الحق في أن تختار ما يروق لها. كانت هناك أيضا لمسة معمارية في كثير من القطع، قد تعود إلى تأثير رودوفسكي عليها، أو إلى السيد كريستيان ديور نفسه. فهو الآخر كان يعشق الهندسة إلى حد أنه كان من الممكن أن يمتهنها لولا أن خطفه عالم الأزياء منها.
لهذا تشير المصممة إلى أن الأسود قد يكون لونها المفضل الذي تعتمده كثيرا على المستوى الشخصي، إلا أنها لم تتبنه في هذه التشكيلة لهذا السبب، بل لأنه أفضل وسيلة لتسليط الضوء على الأحجام والخطوط الهندسية. فكل قطعة كانت تحتفل بفن العمارة من خلال نحت جسد المرأة، سواء تعلق الأمر بالفساتين أو التنورات السخية التي تستحضر حقبة الخمسينات من القرن الماضي، أو جاكيت الدار الأيقوني «ذي بار جاكيت» أو المعاطف المفصلة على الجسم بأكتاف ناعمة، مؤكدة رأي رودوفسكي بأن كلا من فن العمارة والموضة يقوم على توازن الأحجام.
وإذا كانت ماريا غراتزيا تشيوري قد ألقت بتحية، ولو غير مباشرة، إلى مؤسس الدار، فإن تحية فيرجيني فيار، مصممة «شانيل» الجديدة للمصمم الراحل كارل لاغرفيلد، كانت بالبنط العريض. حولت «لوغران باليه» إلى مكتبة ضخمة مكونة من ثلاثة طوابق يمكن الوصول إليها بواسطة سلالم حديدية، تحتضن كتبا لأدباء ومؤلفات لكبار المفكرين والفلاسفة من أمثال ستاندال وفلوبير وأفلاطون وأرسطو وهوميروس وغيرها من الأسماء القديمة والمعاصرة على حد سواء. كانت المكتبة إشارة إلى شغف المصمم الراحل بالكتب، إذ يقال إنه كان يمتلك الآلاف منها وكان قارئا نهما لها. خليفته فيرجيني ترجمت هذا الشغف، من زاوية ثقافية اعتمدت فيها على أحذية من دون كعوب وياقات عالية، بعضها يُعقد على شكل فيونكة، ونظارات للقراءة. لم تكن المرأة التي رسمتها طاغية الأنوثة أو مثيرة، من الناحية الحسية، بقدر ما كانت راقية وهادئة، قد تكون سكرتيرة تنفيذية أو سيدة أعمال أو محامية.
لكن من الخطأ القول إن فيارد تناست أو تجاهلت الآنسة غابرييل شانيل. فتيمة الكتب المرتبطة بكارل لاغرفيلد كانت مجرد جسر يربط بينها وبين المؤسسة التي كانت تؤمن مثل فيارد بأن الأناقة لا تتعارض مع الراحة والعقل والذكاء، وبأن الـ«هوت كوتور» يجب ألا تقتصر على مناسبات المساء والسهرة. في أول عرض لها في موسم الأزياء الراقية، لم تقم فيارد بثورة، بمعنى تغيير جذري لرموز الدار، ربما لأنها عملت مع لاغرفيلد لعقود، منذ 1997، إلى حد أنهما انصهرا معا وأصبح لهما الأسلوب والنظرة الفنية نفسهما. كان واضحا أنها ركزت على الاستمرارية، ولم تر داعيا لخض المتعارف عليه أو التشويش على وصفة ابتكرها المصمم الراحل وأكدت أنها ناجحة لثلاثة عقود تقريبا. الإضافة الجديدة أنك تشعر بأن هناك لمسة أكثر نعومة وخفة مقارنة بالمواسم الماضية. تفسير المصممة أنها تصورت «امرأة أنيقة من دون تكلف» وهو ما جسدته في انسيابية الخطوط من خلال بنطلونات واسعة تُذكرنا بتصاميم كوكو شانيل في الثلاثينات من القرن الماضي، والأحذية المنخفضة ومعاطف التويد الطويلة مع تخلص أغلبها من الصرامة. لكن رغم هذه النعومة التي تستشفها بين الخيوط والثنيات، فإن فيارد لم تتجرأ أن تخرج عن النص الذي تعودت عليه وأكدت السنوات أنه ناجح. فقد كانت هناك أيضا قطع مفصلة بياقات عالية، تحدد العنق وتؤطره، باللون الأبيض تبدو وكأنها تحية لكارل لاغرفيلد. وإذا كانت الأغنية التي تقول: «أريد فقط أن أكون امرأة» والتي رافقت جزءا من العرض، تلميحا أو رسالة لأي شيء أو حتى اختيارا لا شعوريا، فإن فيرجيني فيارد ربما تريد أن تضخ الدار بالمزيد من الأنوثة والنعومة، وهو أمر لن يُزعج زبونة الدار على الإطلاق.
ستيفان رولان
كان المصمم هادئا قبل عرضه، وهو ما قد يستغربه أي متابع للأفلام الوثائقية عن الموضة. فالصورة المترسخة في البال عن الأجواء خلف الكواليس، هي صورة خلية نحل تضج بالحركة بحيث لا يمكنك أن تخطو أي خطوة قبل التأكد منها حتى لا تدوس على أحد. لكن ستيفان رولان فند هذه الصورة. كان مبتسما ومرتاحا، فيما كان هدوء تام يسود الركنين المخصصين للماكياج والبروفات في دار الأوبرا، مسرح العرض. المتابع لمسيرة هذا المصمم الفرنسي يعرف أن هدوءه لا ينبع فقط من خبرته الطويلة بل أيضا من راحة نفسية وثقة اكتسبتها مؤخرا وتستشفهما من حديثه وتفاؤله. ثقته بنفسه لم تكن يوما مشكلة، فقدراته الفنية لا يُعلى عليها، لكن ثقة الآخر به كانت دائما هي السؤال. والمقصود هنا الدعم المادي في وقت أصبح فيه من الصعب على المصممين المستقلين أن يقدموا عروضا ضخمة من دون تمويل، بعد أن التهمت المجموعات الكبيرة قسطا كبيرا من السوق وفرضت استراتيجيات من الصعب على الكل مجاراتها. لكن ستيفان، الذي كان دائما يسبح ضد التيار بأسلوبه المعماري، يؤكد أنه وجد ضالته مؤخرا في الفنان والمعماري الصيني المعروف سونغ دونغ. اكتشفا صدفة أن هناك قواسم كثيرة مشتركة بينهما، وكانت النتيجة تعاونهما مع بعض في الموسم الماضي حين قدم المصمم تشكيلة استلهمها من أعمال الفنان. هذه المرة تطور التعاون وتوسع بالمعنين المجازي والحرفي. فقد اصطحبه سونغ دونغ في رحلة إلى بلده الصين، وفتح له أبوابا لا تُفتح للجميع، اكتشف فيها حضارة عريقة تلفها كثير من الأسرار. يقول ستيفان في لقاء جانبي قبل عرضه، إنه انبهر بما رآه في المدينة القرمزية المحرّمة من قصور منيعة وتحف وآثار نادرة «لقد سمعت كثيرا عن الصين وزرتها من قبل، لكني هذه المرة اكتشفت جوانب خفية ما لم أكن أتصور وجودها، خصوصا أني دخلت أماكن غير مفتوحة للسائح العادي. هذه الزيارة زادت من انبهاري وألهمتني كثيرا». جسد المصمم هذا الانبهار في تشكيلة أطلق عليها عنوان «روح إمبراطورة صينية عصرية»، طبعتها الألوان القوية، التي تستحضر ألوان المجوهرات، مثل الأصفر والأحمر والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. طبعتها أيضا خطوط هندسية مأخوذة من فن العمارة الصينية، تظهر حينا في الموتيفات، وأحيانا في الأكتاف المقوسة التي كان يقطر بعضها بريقا بأحجار الكريستال. الجديد فيها غياب التصاميم المنحوتة، بزواياها المحسوبة، التي ميزته في المواسم الماضية، وحلت محلها انسيابية تستحضر الطبيعة الصينية وبيوتها التقليدية وبعض الأحجام الواسعة، المستوحاة من الكيمونو أضافت إليها لمساته الباريسية حداثة.

إيلي صعب
مثل ستيفان رولان، توجه المصمم إيلي صعب إلى الصين. وفيما ركز الأول على معالم الصين ومبانيها وتحفها في كل تفاصيله تقريبا، فإن إيلي دخل إلى قصورها وبلاطاتها، مؤكدا أن موسم «الهوت كوتير» يُقسم المصممين إلى فئتين. فئة تميل إلى استعراض الفنية أو تشطح بخيالها إلى عوالم فانتازيا لتبيعنا الحلم، وفئة تفهم زبوناتها وتخاطبهن بلغة يفهمنها ويتفاعلن معها بسهولة. إيلي صعب ينتمي إلى الفئة الثانية. فهو لا يحب الفذلكة وتعقيد الأمور، بقدر ما يصب كل طاقته في إضفاء الجمال والسحر مع رشة كبيرة من الحرفية على تصاميمه. ورغم ذلك فمن الظُلم القول إنه يستكين إلى المضمون أو يتقيد بالسيناريو الذي كتبه منذ زمن بعنوان الأنوثة والرومانسية، من دون تطويره. صحيح أن أساسياته لا تتغير إلا أن تفاصيلها تخضع دائما لعدة تطويرات تجعلها تبدو دائما مواكبة للعصر وتؤكد أنه يفهم المرأة بالفطرة. في تشكيلته هاته مثلا كانت هناك لمسات لم نعهدها في عروضه من قبل، من ناحية الأحجام والياقات العالية والبنطلونات الواسعة. كانت هناك أيضا لمسات مألوفة، والمقصود بالمألوف هنا كل ما هو مرغوب من قبل المرأة، فيما يخص الإثارة الراقية من خلال الفتحات المحسوبة التي خلقت توازنا مطلوبا.
يقول إنه لم يستطع أن يقاوم جاذبية الصين. أثارته بعظمتها وحضارتها العریقة، لهذا وجد نفسه مندفعا نحوها ليغوص في حريرها وتطريزاتها وألوانها. هدفه كان لف المرأة بهالة من الغموض والسحر الشرقي، وهو ما برز في إطلالات بأكتاف عریضة تشبه أجنحة أو قببا، وطبعات تجريدية تُجسد أشكال نباتات أو كائنات من التراث الصیني. حتى التطريزات التي باتت لصيقة بأسلوبه، أخذت منحى صينيا وإن حرص على إضافة لمسته الخاصة والسخية.
فقد ظهرت هذه التطريزات في سترات واسعة تحددها أحزمة مستلهمة من حزام الـ«أوبي» العريض، ومعاطف على شكل كیمونو، بعضها بأكمام واسعة وطويلة إلى جانب «كابات» وفساتين، بل وحتى في بنطلونات واسعة. ولم تقل الألوان جمالا وقوة عن التصاميم.
فهي الأخرى جاءت غنية بالأحمر القاني والبنفسجي الغامق والذهبي تتراقص على أقمشة مثل المخمل والساتان والتافتا، مُزیّنة بالریش والتول.
لكن أكثر ما يُحسب لإيلي صعب في هذه التشكيلة أنه لم يغرف من رموز الصين بشكل حرفي، فجنب تصاميمه المظهر الفولكلوري وفي الوقت ذاته أعطى التصاميم الصينية التقليدية مثل الكيمونو وحزام الـ«أوبي» وغيرها بُعدا عصريا جديدا، وهو ما ستعتبره أي صينية احتراما لها ولثقافتها. لهذا ليس ببعيد أن نقول إن رحلته هاته قد تكون أيضا لفتة تسويقية ذكية لمخاطبة هذه الزبونة التي يشهد لها عالم الترف بالقوة حاليا. فالسوق الصينية من أهم الأسواق حاليا، وتضم شريحة لا تستهين بها الموضة، بل وتحسب لها ألف حساب، لكونها لا تعشق الـ«هوت كوتير» فحسب بل تمتلك الإمكانيات لاقتنائها، مع العلم أن هذه الشريحة تنطق اسم إيلي صعب بسهولة منذ سنوات.

«فالنتينو»
مسك ختام الأسبوع، كان عرض «فالنتينو». وكالعادة لم يخيب مصممها بيير باولو بكيولي الظن، بل رفع مستوى الأندروفين في الجسم بشكل غير مسبوق. بالنسبة للمصمم، كان العرض فُرصته ليُبرهن أمام أعيننا حبه للحرفية والأعمال اليدوية، وإيمانه بالجانب الإنساني في الوقت ذاته. وهذا ما عبر عنه في آخر العرض بمرافقته الأنامل الناعمة التي تعمل معه وتسهر على كل التفاصيل لتحية الجمهور. بعضهن، تعدين الخمسين من العمر، ركضن إلى مؤسس الدار فالنتينو غارافاني الذي كان جالسا في الصف الأمامي يعانقنه ويهنئنه. فهؤلاء عملن معه قبل أن يتقاعد ويسلم مقاليد الدار إلى مصممين شباب، آخرهم هو بيكيولي، الذي أثبت أنه خير خلف لخير سلف.
هذا الجانب الإنساني عبر عنه المصمم أيضا باستعانته مرة أخرى بمجموعة من العارضات من أجناس وألوان وأشكال مختلفة، مفسرا أن المصور إيرفين بين، أو بالأحرى صورة التقطها في عام 1974 بعنوان «عوالم كثيرة في غرفة صغيرة» تحتفل بالتنوع الثقافي، هي التي ألهمته، وأشعلت اهتمامه هذا، مشددا على أن الجانب الإنساني لا يقتصر فقط على اختلاف الجغرافيا واللون. تجدر الإشارة إلى أن اهتمامه بالتنوع الإثني ليس جديدا عليه، إذ سبق له أن استعان في الموسم الماضي بـ45 سمراء من بين 65 عارضة شاركن في العرض.
هذه المرة شكلت السمراوات نصف العارضات، لكنه لم يقتصر على اللون، بل استعان أيضا بعارضات تجاوز بعضهن الأربعين من العمر بكثير، مثل العارضة السابقة لورين هاتون، 75 عاما، التي شاركت في العرض بفستان أخضر فوقه معطف رمادي وقفازات برتقالية مائلة للأحمر. لم يكن مظهرها نشازا أمام عارضات في عمر الزهور مثل الشقراء جيجي حديد أو السودانية الأصل أدوت أكيش، وهي تتهادى في فستان من التافتا بكشاكش بلون الزمرد استغرق صنعه 903 ساعات. الرسالة التي أوصلها المصمم لنا وهي أن الـ«هوت كوتير» ليست لامرأة بلون واحد أو جنسية محددة أو مقاييس معينة، رغم أنها تقوم على فكرة الشخصي والفريد. فكما قد تكون لامرأة من آسيا أو من أوروبا أو أميركا فقد تكون لامرأة من الشرق الأوسط أو أفريقيا. ما يجعلها خاصة وشخصية أنها مفصلة على مقاس امرأة واحدة لديها الإمكانيات لشرائها، أما في عالم بيير باولو بكيولي فإن هذا التفرد أو الـ«خاص» لم يُخرج المرأة العادية من اللعبة، بل أتاح لها الفرصة للاستمتاع بها كفن ولو للحظات، وهنا تكمن قوته وشاعريته.
انتهى العرض بتصفيقات حارة مصحوبة بدموع ساخنة. كانت شاعريته أكثر من تحمل البعض. كن يمسحن هذه الدموع وهن يُبررنها بالقول إنه عُملة نادرة في الوقت الحالي. وهن مُحقات إذا كانت الفكرة أنه لا أحد قبله نجح في أن يُضفي على الأحجام الضخمة والتصاميم الدرامية، هذه الواقعية المفعمة بالحداثة. فلا أحد يمكن أن يصف أحجامه بالمسرحية أو السريالية. فعلى المستوى التجاري أيضا أكد أنه يتمتع بلمسة ميداسية، بدليل أن كل قطعة يطرحها تؤجج الرغبة فيها.

السر في التفاصيل
> «هل لا تزال الهوت كوتور مهمة وضرورية مقارنةً بعدد زبوناتها التي تشير الأرقام إلى أنهن، في أحسن الحالات، لا يتعدين الألف في العالم أجمع؟». سؤال يطرحه المتشائمون في كل عام تقريباً. والجواب يكون دائماً أنها ضرورية كأي فنٍّ راقٍ.
الفرق أن المكان الطبيعي لأي قطعة تخرج من مشاغل باريس لهذا الأسبوع، هو خزانة امرأة تُقدرها وتعرف قيمتها عوض المتاحف، مع أن بعضها يجد طريقه إلى المتاحف أحياناً. المتحمسون لهذا القطاع متفائلون بأن عدد الزبونات في تزايد بفضل انفتاح أسواق نامية تحركها شريحة شابة تواقة لكل ما هو فريد. والفريد لا يعني فقط التصاميم الباذخة، بل أيضاً التفاصيل الدقيقة التي يمكن أن يستغرق تنفيذها آلاف الساعات. فهذه هي التي تُميزها وتُبرر أسعارها. وإذا كانت الزبونة الجديدة باتت تفرض رأيها وتطالب بالكثير، فإن المصممين كانوا مستعدين لطلباتها حسبما تؤكده عروض خريف 2019 وشتاء 2020.



ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء
TT

ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

منذ ظهورها الأول في المباراة الافتتاحية لـ«بطولة رولان غاروس 2026»، رسمت اليابانية ناومي أوساكا صوراً لافتة. رغم أنها عوّدتنا إياها، فإنها تفاجئ وتثير الجدل في كل مرة. حديثاً، دخلت ملعب «سوزان لينغلن» في فستان أقرب إلى ما نراه على منصات عروض الأزياء أو في مناسبات السجاد الأحمر. تتقدّم بخطوات واثقة وتنورة من التول تتطاير من خلفها. قالت إن السويسري كيفن جيرمانييه صممها خصيصاً لها. ثم تصل إلى مقعدها، تنزعها لتكشف عن الزي الذي ستخوض به المباراة، وتُحقق لاحقاً الفوز على منافستها الألمانية لورا سيغموند.

أوساكا لدى وصولها لمواجهة لورا سيغموند (أ.ف.ب)

لم يكن أقل إبهاراً أو غرابة من التنورة. فهو مطرز بالترتر والخرز بتوقيع شركة «نايكي». حتى هي كانت تعرف مسبقاً أنه دخيل على لعبة التنس بسبب لمعانه الشديد، إلا إن حب الموضة ولفت الأنظار كان أقوى من العملية.

خالفْ تتميز

مشهد دخول أوساكا ومشيتها يستحضر للبعض مقولة «خالفْ تُعرف»، لكن في حالة ناومي أوساكا، ربما يكون الأدق أن نقول «خالفْ تتميّز». فالبطلة اليابانية ليست بحاجة إلى لفت الأنظار؛ إذ حققت ما يكفي من الإنجازات لتضع اسمها بين أبرز لاعبات التنس في العالم. لكن هذا لا يمنع أن حضورها الرياضي باتت تُحدده خياراتها الشخصية المتعلقة بإطلالاتها. أمر برّرته في مقابلات سابقة بأنه طبيعي بالنسبة إليها؛ لأنها تُعبّر به عن جانب آخر من شخصيتها. ثم إنها، في نهاية المطاف، تعشق الموضة وتستمتع بها، شأنها شأن ملايين النساء؛ مما يجعلها لا تفصل بين اللاعبة التي تتحدث إنجازاتها عن موهبتها وإصرارها، والإنسانة التي تسعى إلى التميز في عالم تتشابه فيه القمصان والتنورات الرياضية إلى حد بعيد. يذكر أن شغفها بعالم الموضة بلغ حدّ أنها في عام 2021، بين مشاركتَيها في بطولتَي «مدريد» و«إيطاليا» المفتوحتين، لم تقاوم رحلة خاطفة عبر الأطلسي لحضور حفل «ميت غالا» في نيويورك.

...وإطلالة أخرى لأوساكا قبل مباراتها مع الأميركية إيفا جوفيك (أ.ف.ب)

بين الكلاسيكية والترفيه

في مؤتمر صحافي حديث، علّقت على الموضوع قائلة: «أشعر أن الموضة وسيلتي للتعبير، فأنا لا أتحدث كثيراً؛ لذلك أترك لملابسي هذه المهمة، لا سيما أنها تسمح لي بأن أكون جريئة وحرة في ما أختار». وأضافت: «أعتقد أن هذا هو الجانب الممتع الذي أشعر أننا فقدنا شيئاً من روحه في التنس». في المؤتمر نفسه، تشير إلى أن الفضل في هذه الروح «خفيفة الظل» التي بتنا نراها حالياً يعود إلى كل من سيرينا وفينوس. فقد سبقتاها في اعتماد الأزياء المثيرة للجدل ضمن إطلالاتهما من دون أن يتأثر أداؤهما الرياضي.

وعلى الرغم من أنها ليست من بدأت ثقافة «الاستعراض» في ملاعب التنس، فإنها في كل ظهور لها تثير جدلاً واسعاً، بين من يرى فيه تجاوزاً لقواعد التنس الكلاسيكية، التي تقدر الرقي والمظهر الرصين في كل تفاصيل اللعبة، وبين معجبين بجرأتها، عادّين أن أسلوبها يعكس ثقافة العصر وروح العصرنة. أما هي، فوصفته بالترفيه وبمفهوم المتعة التي ترتبط بالرياضة عموماً.

في لقاء مع «بي بي سي»، أشادت اللاعبة البريطانية السابقة أنابيل كروفت بناومي أوساكا، ووصفتها بالشجاعة، مشيرة إلى أن اختيار الظهور بإطلالة غريبة ولافتة يفرض قدراً من الضغوط والتوقعات؛ «إذ لا يكفي أن تثير الانتباه، بل ينبغي أيضاً أن تثبت حضورها داخل الملعب».

في المقابل، كانت للاعبة لورا سيغموند، التي خسرت أمام أوساكا في المباراة الافتتاحية، وجهة نظر مختلفة تماماً. لم تُخفِ استياءها وتحفّظها على تداخل الموضة مع الرياضة، قائلة إنها تأتي إلى الملعب «للعب التنس؛ لا لتقديم عرض أزياء».

بين مدرستين

حتى قبل انطلاق المباراة بينهما، بدا المشهد كأنه صراع بين توجّهين أو مدرستين مختلفتين للتنس: واحدة تميل إلى استثمار البعد البصري بالاستعراض والمبالغة، ورؤية أخرى تتمسك بالطابع التقليدي للتنس بصفته رياضة قائمة على الأداء أولاً وأخيراً.

إطلالة ناومي أوساكا في «بطولة أستراليا المفتوحة» بداية العام قالت إنها مستوحاة من قنديل البحر (إ.ب.أ)

في نهاية هذه المباراة، خرجت أوساكا فائزة، مؤكدة قدرتها على الانتقال ذهنياً من حالة الاستعراض إلى عقلية المنافسة، بقولها: «لقد اعتدت الأمر وأصبح طبيعياً بالنسبة إلي». وهذا ما انعكس على أدائها داخل الملعب، الذي غلبت عليه الثقة والهدوء. وأضافت: «لا أعتقد أن الأمر معقد بالنسبة إليّ؛ عكس ما يراه البعض. لحظات دخولي ملاعب البطولات الكبيرة أشعر فيها بأنني أقرب إلى الفنانة الاستعراضية، أو على الأقل بأنني جزء من عالم الترفيه. أليس الرياضيون، في نهاية المطاف، جزءاً من صناعة الترفيه؟ أنا فقط أعبّر عن ذلك بطريقتي».

وإذا كانت إطلالات «رولان غاروس» الأخيرة قد أثارت الاهتمام، فإنها ليست الأولى من نوعها في مسيرة أوساكا. فقد اعتاد متابعوها انتظار المفاجآت التي تُتحفهم بها كل مرة تدخل الملاعب. ففي «بطولة أستراليا المفتوحة» هذا العام، دخلت إلى الملعب مرتدية قبعة عريضة الحواف مع طرحة طويلة. وكأن هذه التفاصيل وحدها لا تكفي، فحملت مظلة بيضاء زادت من جرعة الدراما. وقبل ذلك، خلال «بطولة الولايات المتحدة المفتوحة» العام الماضي، ظهرت بتسريحة ذيل الحصان مزينة بورود حمراء براقة تتناغم مع زيها الأحمر.

المجوهرات تدخل المنافسة

اللاعبة البيلاروسية أرينا سابالينكا ومجوهرات فاخرة (أ.ف.ب)

أوساكا لم تكن وحدها من أشعلت الجدل بشأن العلاقة المتنامية بين الرياضة والموضة. فاللاعبة البيلاروسية أرينا سابالينكا خطفت بدورها جانباً من الأضواء بإطلالة مؤلفة من طبقات متعددة جمعت بين زي أحمر وشبكة سوداء خفيفة، مع لمسات حمراء امتدت حتى طلاء أظافرها. لكن ربما تكون المجوهرات التي ظهرت بها خلال المباراة أكبر ما فتح نيران النقاشات، إذ تزيّنت بقلائد متراصة، إضافة إلى أقراط فاخرة تضم أكثر من «200 قيراط من حجر الغارنيت، و23 قيراطاً من الألماس».

اللاعبة البيلاروسية أرينا سابالينكا وطلاء أظافر أحمر ومجوهرات فاخرة (إ.ب.أ)

بعد أن طُرحت تساؤلات بشأن مدى عملية هذه المجوهرات في الملعب، ردّت قائلة: «لم أشعر بثقلها على الإطلاق، لكنني أتفهّم كيف قد تبدو كذلك لمن يشاهدها من بعيد». أما تبريرها اختيار هذه الإطلالة، فكان بسيطاً ومباشراً: «يهمني أن أبدو بمظهر جميل. فهذا يمنحني الثقة، وهو ما ينعكس على أدائي الذي يكون أفضل».

وبالفعل كانت النتيجة أنها افتتحت مشوارها في البطولة بفوز مريح على الإسبانية جيسيكا بوزاس مانيرو بمجموعتين دون رد.

ويعكس الجدل المتصاعد بشأن أوساكا ومثيلاتها كيف أصبحت البطولات الكبرى في التنس مساحة تتداخل فيها المنافسة الرياضية مع الصورة الإعلامية والهوية البصرية، في وقت باتت فيه بعض النجمات يُنظر إليهن بوصفهن رموزاً ثقافية وعلامات تسويقية بقدر ما هن لاعبات داخل الملعب.

جاكيت «بومبر» غطي فستانها المطرز بالترتر (أ.ف.ب)

بالنسبة إلى المتابع، فإن نسخة هذا العام من «بطولة رولان غاروس النسائية» تحديداً، لم تعد محصورة في تبادل الكرات، بل امتدت إلى الأزياء والمجوهرات، بحيث تبدو أوساكا خصوصاً كأنها تلتقط التحول في طبيعة الرياضة الحديثة، ودور اللاعب الذي لم يعد مجرد رياضي يقتصر حضوره على الأداء داخل الملعب، بل شخصية عامة، وربما حالة قادرة على توفير محتوى إعلامي دسم، وفي الوقت ذاته إرسال إشارات نحو عوالم الموضة والأزياء ودور المجوهرات، قد تعود عليها بعقود مجزية.


عروض «الكروز» لـ2027... بين الحلم والربح

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
TT

عروض «الكروز» لـ2027... بين الحلم والربح

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)

انتهت عروض «الكروز» لعام 2027 منذ أكثر من أسبوع، ولا تزال أصداؤها تتردد في أوساط الموضة. السبب؟ تزامنها مع نقاشات وأخبار تفيد بتعافي بعض بيوت الأزياء الكبيرة، مثل «شانيل»، من الأزمة التي عصفت بصناعة الموضة والرفاهية عموماً، واستمرار معاناة بعضها الآخر، مثل «غوتشي»، وسط محاولات لاستعادة التوازن.

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)

يذكر أن عروض «الكروز» ذات أهمية كبيرة لهذه الدور؛ لأنها الأطول بقاء في المتاجر، والأكثر قدرة على مخاطبة مختلف المواسم والفصول، مما يجعلها الأعلى ربحية. من هذا المنطلق، من الطبيعي ألا تبخل بيوت الأزياء الكبيرة عليها بأي جهد أو تكلفة؛ إذ حوّلتها فرصةً لا تُفوّت لـ«تدليل» زبوناتها عبر اصطحابهن إلى وجهات بعيدة ومثيرة تتيح لهن فرصة الانغماس في عالم كل دار، ومن ثم توطيد علاقتها بهن.

إطلالة من عرض «ديور» بمتحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (رويترز)

الأماكن ودلالاتها

في العقود الأخيرة تحوّلت عروض هذا الخط إلى ما يشبه استعراضات متنقلة، تُختار لها أعلى الوجهات إبهاراً ورمزية. فالأماكن هنا لا تقل أهمية عن الأزياء نفسها، بوصفها وسيلة لإيصال الرسائل الإبداعية وتحقيق أهدافها التجارية على حد سواء. لذلك؛ لا يكون اختيارها عشوائياً أو لمجرد البحث عن أشعة الشمس ودفئها، بل تحمل كل مدينة دلالاتها الخاصة المرتبطة بهوية الدار ورؤيتها في تلك المرحلة.

وتكتسب المرحلة حالياً أهمية استثنائية في ظل ما تشهده صناعة الموضة العالمية من تحوّلات، وتصاعد الضغوط على العلامات الكبرى لإيجاد توازن بين الإبداع والربحية. من هنا، تتحول كل وجهة إلى أداة سرد بصري متكاملة، وهو ما أكدته العروض الأخيرة، بكشفها عن الخيط المشترك بينها جميعاً، الذي يتمثل في توظيف المكان مرآةً لهوية الدار؛ سواء أكانت راسخة أم في طور التشكل.

فستان مبتكر من مجموعة «شانيل» (إ.ب.أ)

في حين اختارت «شانيل» بلدة بياريتز المرتبطة تاريخياً بغابرييل شانيل نفسها؛ لتأكيد صورة الرفاهية في المنتجعات الفرنسية والعودة إلى الجذور تحت قيادة ماثيو بلازي، فقد اتجهت «ديور» إلى لوس أنجليس؛ المدينة التي تختصر ثقافة الشهرة وصناعة الصورة والحلم الأميركي، في عرض عكس العلاقة المتنامية بين الموضة وثقافة المشاهير في «هوليوود»، إلى جانب الأسلوب التجريبي الذي يسعى جوناثان سوندز لترسيخه داخل الدار.

من عرض «ديور» الذي احتضنه متحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (رويترز)

أقيم هذا العرض في متحف «لاكما» ضمن مشهد سينمائي متكامل ضم سيارات «كاديلاك» وسينوغرافيا مستوحاة من عالم السيارات الأميركية في خمسينات القرن الماضي. كانت فيه لمسة من دراما «هوليوود» الكلاسيكية، وإشارة إلى العلاقة التاريخية الطويلة بين «ديور» وصناعة السينما.

«غوتشي» وثقافة الاستهلاك

أما «غوتشي» فبدلاً من اختيار موقع شاعري أو تاريخي، فقد ذهبت مباشرة إلى ميدان «تايمز سكوير» في نيويورك. لا قصور ولا مناظر حالمة... فقط شاشات عملاقة وإعلانات تجارية وفوضى حضرية تجسد ثقافة الاستهلاك الحديثة في أوضح صورها. والمفارقة أن المدينة شهدت في الفترة نفسها تقريباً، افتتاح متجر ضخم لـ«برايمارك»؛ إحدى أبرز العلامات الشعبية المتهمة بتكريس مفهوم الموضة السريعة.

فهم ديمنا ثقافة الاستهلاك وترجمها بالاستعانة بالمؤثرات والنجوم وفتيات المجتمع مثل باريس هيلتون (أ.ف.ب)

تحت هذا المفهوم، يبدو ديمنا، المديرُ الإبداعي الجديد للدار، كأنه يبعث برسالة مفادها بأن «غوتشي» تحت إدارته لا تبحث عن الرومانسية والنخبوية بقدر ما تبحث عن التأثير الجماهيري الواسع وتحقيق الربح الذي يراوغها منذ سنوات.

فاختيار نيويورك، وتحديداً «تايمز سكوير»، لم يكن مجرد بحث عن موقع صاخب يلفت الانتباه، بل جاء محمّلاً بدلالات رمزية وتجارية تنسجم مع رؤية ديمنا، المعروف بإثارته الجدل من خلال تناوله ثقافة الاستهلاك بأسلوب شبه فلسفي، يجمع بين التهكم والسخرية.

غير أن مقاربته في هذا العرض بدت مختلفة... فهو يُدرك تماماً ما تعانيه «غوتشي» من تراجع في المبيعات، كما يعرف أن مهمته الأساسية تتلخّص في إعادتها إلى الواجهة بوصفها أهم جوهرة في تاج مجموعة «كيرينغ». والنتيجة أن العرض كان أشبه بإعلان عن هذه الرغبة في استعادة موقعها ظاهرةً شعبية عالمية.

سيندي كروفورد وفستان يجمع الكلاسيكية بالمعاصرة في عرض «غوتشي» (رويترز)

كانت نيويورك، بثقافتها الصاخبة وإيقاعها السريع وهوسها بالنجاح والمال، الوجهة المثالية لرؤية ديمنا، الذي لا يبدو معنياً فيها بترسيخ مفهوم الفخامة الهادئة. فهو يتوجه هنا إلى القاعدة الجماهيرية الواسعة التي تضم أثرياء جدداً لا يرفضون الشعارات البارزة والقطع اللافتة، من دون أن ينحرف تماماً عن إرث «غوتشي» القائم على الحرفية الإيطالية والذوق الأرستقراطي.

عاد ديمنا إلى إرث توم فورد في كثير من الإطلالات (رويترز)

ما فعله أنه أخذ هذا الإرث وأغرقه في فوضى بصرية صاخبة؛ ألواناً ونقوشات. ففي يوم العرض، أضاءت الشاشات الرقمية العملاقة «تايمز سكوير»، لتكرس ذلك التقاطع الذي يجسد هوس أميركا بالاستهلاك والتسويق. امتلأت هذه الشاشات بمنتجات بتوقيع «غوتشي»؛ من الشوكولاته والمياه إلى الحيوانات الأليفة، ومن السيارات حتى أدوية لإطالة العمر... في مشهد بدا كأنه تجسيد لحلم تجاري مكتمل الأركان، تدعمه شعارات جذابة وصور آسرة مهدت لعرض لم يكتف فيه المصمم بعارضات الأزياء الشهيرات، بل استعان أيضاً بمشاهير الـ«سوشيال ميديا» وفتيات المجتمع المخملي، مثل باريس هيلتون، ونجوم السينما والرياضة مثل توم برايدي.

لاعب الكرة السابق توم برايدي في عرض «غوتشي» (رويترز)

فالصورة الثقافية الراهنة بالنسبة إلى ديمنا تشمل كل هؤلاء، إلى جانب شريحة الأثرياء الجدد المهووسين بالموضة والسلع الفاخرة.

من هذا المنطلق، أطلقت الدار على العرض عنوان «غوتشي كور» في إشارة، وفق شرحها، إلى جوهرها الإيطالي، وإلى «تنوع مدينة نيويورك». أما كيف ترجم ديمنا هذا القول فنياً، فكان عبر خزانة ترتكز على قطع أساسية تحمل هوية الدار الإيطالية بالخط العريض، لكن بنكهة تجارية بحتة.

فمثل معظم بيوت الأزياء العالمية، تعيش «غوتشي» مرحلة من القلق والتذبذب الاقتصادي نتيجة تراجع المبيعات وخفوت الزخم الذي رافق طفرة ما بعد الجائحة. هذا إلى جانب فتور حماس المتسوقين بعد الارتفاعات الحادة في الأسعار من دون ابتكارات فنية موازية تبررها.

من عرض «ديور» الذي احتضنه متحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (أ.ف.ب)

لذلك راهنت «غوتشي»، مثل «شانيل» و«ديور»، على مصممين شباب لتحفيز مبيعاتها واستعادة بريقها، وهو ما يُفسِر ميل هؤلاء المصممين؛ من ماثيو بلازي في «شانيل»، إلى جوناثان آندرسون في «ديور»، وديمنا في «غوتشي»، إلى الماضي، أو بالأحرى إلى الفترات التي شهدت فيها البيوت التي تسلموا زمامها، عصراً ذهبياً. هذا العصر بالنسبة إلى جوناثان يرتبط بجون غاليانو، وبالنسبة إلى ديمنا بإرث توم فورد... لذلك؛ فقد افتُتح العرض ببدلات مفصلة بإحكام وفساتين مفعمة بالأنوثة، في إشارة واضحة إلى ما قدمه فورد في منتصف التسعينات من القرن الماضي.

لغة البيع الجديدة

غير أن ديمنا لا يستطيع البقاء طويلاً داخل حدود المضمون. كما لا يستطيع كبح جماح نزعاته الفنية، والتالي كان من المتوقع أن يعيد تفكيك هذه الرموز بأسلوبه الساخر معبراً عن موقفه من البورجوازية، من خلال عودته إلى الأشكال المستوحاة من الحياة اليومية والواقع الاستهلاكي المعاصر.

ويبقى السؤال المطروح حالياً: هل سيتمكن من بيع فكرة «غوتشي» بوصفها علامة ديمقراطية للجميع لا للنخبة فقط؟ هذا ما يأمله ويسعى لتحقيقه، وعبّر عنه بوضوح في هذه التشكيلة.

في المقابل، بدا جوناثان آندرسون أكثر انشغالاً بالتجريب والبحث؛ إذ حملت مجموعته كل بصماته المألوفة، من التفصيل الدقيق والأحجام النحتية والخطوط الانسيابية غير المكتملة، إلى الإشارات الثقافية والفنية المتعددة. والنتيجة أن العرض جاء مشبعاً بالأفكار والصور، لكن من دون حسم واضح في الرؤية؛ وهذا مما يجعل تجربته مختلفة كأنه لا يزال في رحلة بحث عن موقعه في الدار.

إطلالة تحتفي بكوكو شانيل التي افتتحت معملاً خاصاً بالـ«هوت كوتور» في بياريتز الفرنسية عام 1915 (إ.ب.أ)

وبين ديمنا وآندرسون، يقف ماثيو بلازي أعلى توازناً وثقة؛ إذ نجح منذ وصوله إلى الدار في تحديث صورتها من دون إحداث قطيعة مع ماضيها، أو إشعار زبوناتها الوفيات بأن هويتها تتعرض للتفكيك. هذه الرؤية المتوازنة انعكست إيجابا على مبيعاتها، بدليل أنها الأفضل حظاً من حيث الأداء والنتائج، وفق مؤشر «ليست» الذي صنّفها «أوسعَ العلامات رواجاً وشعبية». فمنذ التحاقه بها، ارتفعت إيراداتها بنسبة اثنين في المائة العام الماضي لتصل إلى 19.3 مليار دولار، في وقت سجل فيه قسم الأزياء والمنتجات الجلدية لدى مجموعة «إل في آم آش» المالكة «لوي فويتون» و«ديور» تراجعاً بنسبة اثنين في المائة، فيما انخفضت مبيعات مجموعة «كرينغ» المالكة «غوتشي» بنسبة 10 في المائة.

إطلالة تحتفي بكوكو شانيل التي افتتحت معملاً خاصاً بالـ«هوت كوتور» في بياريتز الفرنسية عام 1915 (إ.ب.أ)

ووفق مذكرة حديثة صادرة عن «مورغان ستانلي»، فقد نجحت «شانيل» في تحقيق نمو لافت هذا العام، وإذا استمرت على هذه الوتيرة، فإنها يمكن أن تكون من كبرى دور الأزياء حظاً. عرضها الأخير في بياريتز أكد أن لمسة ماثيو بلازي من ذهب؛ إذ التقط فيه خيوطاً قديمة صاغها بأسلوب معاصر تصعب مقاومة سحره.

وهكذا تبدو عروض «الكروز» اليوم أكثر من مجرد أزياء موسمية أو عروض في أماكن بعيدة... ولعام 2027، كانت مساحة تختبر فيها كل دار هويتها، وقدرتها على إقناع عالم متغير بأن الفخامة لا تزال حلماً للمتلقي وفناً بالنسبة إلى صناعها.


هل يحلّ قميص بسعر 69 دولاراً مشكلة المقاس؟

بمكن للعميلة أن تختار التفاصيل بنفسها وفق ذوقها الخاص (سوميسورا)
بمكن للعميلة أن تختار التفاصيل بنفسها وفق ذوقها الخاص (سوميسورا)
TT

هل يحلّ قميص بسعر 69 دولاراً مشكلة المقاس؟

بمكن للعميلة أن تختار التفاصيل بنفسها وفق ذوقها الخاص (سوميسورا)
بمكن للعميلة أن تختار التفاصيل بنفسها وفق ذوقها الخاص (سوميسورا)

هل يمكن الحصول على قميص مفصل على المقاس وحسب الطلب بسعر 69 دولاراً فقط؟ حتى عهد قريب، كان الأمر لا يُصدَق، لكنه في عصر الإنترنت والتكنولوجيا أصبح حقيقة تُلبِي متطلبات امرأة ربما لا تكون مقاساتها تقليدية، وفي الوقت ذاته أخرى ترى أن الأناقة تكمن في النسبة والتناسب.

ما لا يختلف عليه اثنان أيضاً أن القميص قطعة أساسية في خزانة أي امرأة أنيقة، سواء كان أبيض أو بلون سماوي هادئ. يمكنه أن يرتقي بأي إطلالة إلى أقصى درجات الأناقة، بشرط أن يتم اختياره بشكل جيد. والاختيار هنا لا يتعلق بالألوان أو حتى القماش فحسب، بل بواحدة من أكثر المشكلات شيوعاً: المقاس. فما يبدو مناسباً على شماعة أو على عارضة أزياء، قد لا يناسب امرأة عادية، بحيث يفقد توازنه عند الكتفين أو يضيق أو يتسع عند منطقة الصدر أو لا يستقر دائماً كما ينبغي عند منطقة الخصر.

قميص مفصل حسب المقاس يوفر الراحة والأناقة في الوقت ذاته (سوميسورا)

السبب بسيط، وهو أن القمصان الجاهزة تُبنى عموماً على قالب واحد، يتم تصغيره أو تكبيره فقط دون مراعاة اختلافات الجسم الدقيقة. فكرة تفصيل قميص على المقاس كانت إلى عهد قريب مُستبعدة لأسباب عدة، أبرزها التكلفة. علامة «سوميسورا» Sumissura انتبهت إلى هذه الثغرة؛ فعملت على توفير قميص مفصل على المقاس بسعر يبدأ من 69 دولاراً فقط، تضع عليه المرأة لمساتها الخاصة أيضاً.

العلامة المتخصصة في الأزياء المصممة حسب الطلب عبر الإنترنت، أطلقت حديثاً مجموعة من القمصان النسائية، على شكل اقتراحات، تُصمَّم وفق قياسات كل عميلة مع إمكانية اختيار القماش واللون والتصميم الذي يروق لها ويناسبها.

قميص مفصل حسب المقاس يوفر الراحة والأناقة في الوقت ذاته (سوميسورا)

تقول الشركة إن التكنولوجيا نفسها المعتمَدة في تفصيل البدلات والسترات، تستخدم في تصميم وتنفيذ القمصان؛ ما يمنحها دقة في التفاصيل والمقاس. تشرح تيريزا ماركو، مديرة التصميم، بأن تصميم هذه القطعة جاء بعد أن تم التمكن في مجال البدلات والسترات والمعاطف «لم نُرد إطلاق القمصان بسرعة. فهو قطعة قد تبدو بسيطة، إلا أنها لا تسمح بالخطأ وبالتالي يجب أن تكون مثالية وإلا فقدت جمالها». تطرح الشركة حالياً خمسة تصاميم تتراوح بين الرسمي والكاجوال؛ إذ يتميز الرسمي بأكتاف واضحة وياقات صارمة، والكاجوال بخطوط أخف وأحياناً من دون أكمام لتناسب مناسبات المساء والسهرة. في كل الأحوال، يمكن اختيار التصميم المناسب، كذلك اللون والقماش.

تتباين التصاميم التي يمكن الاختيار منها بين الرسمي والكاجوال (سوميسورا)

وترى الشركة أن التفصيل حسب الطلب يدعم مفهوم الاستدامة؛ إذ يُنتج القميص بعد طلبه فقط، وهذا يعني أنه لا مخزون ولا فائض، وكذلك لا تخفيضات نهاية الموسم. وحسب بيانات القطاع، فإن نحو 30 في المائة من الملابس المنتجة عالمياً لا تباع، في حين تؤكد الشركة أن نسبة الهدر لديها تقترب من الصفر؛ وهذا ما يمنحها موقعاً مختلفاً في سوق مزدحمة بالعلامات العالمية والمنتجات المنخفضة السعر.

الممثلة والمغنية أريانا ديبوس لدى حضورها عرض «كارولينا هيريرا لخريف 2026 (كارولينا هيريرا)

تجدر الإشارة إلى أن القميص الأبيض لم يعد مجرد قطعة رسمية للنهار، منذ أن ارتقت به المصممة كارولينا هيريرا إلى مرتبة قطعة مسائية تظهر في كل عروضها تقريباً مع تنورة مستديرة بفخامة أو مع توكسيدو. وأكد مع الوقت أنه فعلاً قطعة تضاهي الفستان الأسود الناعم في تأثيره وسهولة تنسيقه.