«تفاهمات سورية» أميركية ـ روسية لإضعاف إيران ومحاربة الإرهاب

واشنطن استأنفت قصف متطرفين في ريف إدلب

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة العشرين» في اليابان نهاية الشهر الماضي (أب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة العشرين» في اليابان نهاية الشهر الماضي (أب)
TT

«تفاهمات سورية» أميركية ـ روسية لإضعاف إيران ومحاربة الإرهاب

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة العشرين» في اليابان نهاية الشهر الماضي (أب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة العشرين» في اليابان نهاية الشهر الماضي (أب)

أسفرت المفاوضات بين واشنطن وموسكو عن «تفاهمات سورية» تسمح للجيش الأميركي بتوجيه «ضربات جراحية» في شمال غربي سوريا تستهدف متطرفين قريبين من تنظيم «القاعدة» يشكلون «خطراً على الأمن القومي الأميركي»، بالتزامن مع قيام روسيا بـ«خطوات صامتة» لتحجيم نفوذ إيران في المؤسسات العسكرية والأمنية السورية.
وكان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قدم للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي منتصف مايو (أيار) الماضي بحضور المبعوث الأميركي جيمس جيفري، مسؤول الملف السوري في الإدارة الأميركية، خطة من 8 نقاط، هي: العمل لتنفيذ القرار «2254»، والتعاون في ملف محاربة الإرهاب و«داعش»، وإضعاف النفوذ الإيراني، والتخلص من أسلحة الدمار الشامل، وتوفير المساعدات الإنسانية، ودعم الدول المجاورة، وتوفير شروط عودة اللاجئين، إضافة إلى إقرار مبدأ المحاسبة عن الجرائم المرتكبة.
روسيا استمعت بإيجابية إلى الخطة الأميركية، لكن الخلاف كان حول تسلسل تنفيذها. بعد ذلك، جرت مفاوضات سياسية وأمنية شملت الاجتماع الثلاثي في القدس الغربية بين رؤساء مجالس الأمن القومي الأميركي والروسي والإسرائيلي، إضافة إلى محادثات جيفري مع نظرائه في الخارجية الروسية. كما قام المبعوث الأميركي بجولة شملت عواصم بينها باريس وبروكسل وبغداد.
بحسب المعلومات المتوفرة لـ«الشرق الأوسط»، حدد جيفري «النجاح الأميركي» في سوريا بتحقيق مجموعة أهداف شملت وقف النظام «عمليات القمع» ووقف تهديداته للدول المجاورة، وعدم وجود تهديد بالأسلحة الكيماوية، وعودة اللاجئين، ومغادرة إيران، ومحاربة الإرهاب، ووقف تهديدات «داعش». وأبلغ المسؤول الأميركي محاوريه بأن واشنطن «تدرك تعقيدات البيئة» التي يعمل فيها بوتين في سوريا وهي «تريد مساعدته»؛ رغم صعوبة معرفة ما يريده بوتين بالضبط، وعراقيل داخل الإدارة الأميركية بسبب اتهامات بتدخل روسي في انتخابات عام 2016.
وكان لافتاً أن الجانب الروسي سمع مطالب أميركا (وإسرائيل) بانسحاب إيران العسكري من سوريا وخروج جميع القوات وعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل 2011، لكن في الوقت نفسه حرص المسؤولون الروس على إرسال «رسائل طمأنة» لإيران ونفي حدوث «صفقات على حسابها»، إضافة إلى ربط مسؤولين روس «خروج إيران بخروج القوات الأميركية من سوريا وتفكيك قاعدة التنف».
ولوحظ أن إسرائيل شنت غارات «على مواقع إيران في سوريا هي الأعنف منذ مايو (أيار) الماضي» بعد أيام على الاجتماع الثلاثي في القدس الغربية، حيث إن روسيا لم تشغل منظومة صواريخ «إس300» التي نشرتها في سوريا، واكتفت بحملة إعلامية ضد الغارات على عكس صمت سياسي وإعلامي بعد غارات سابقة. تزامن ذلك مع قيام الرئيس بشار الأسد بتغييرات جذرية في قيادة أجهزة الأمن الأربعة.
التقدم في خط واشنطن - موسكو تناول الملف الثاني المتعلق بمحاربة الإرهاب. وأولى «ثمرات» ذلك كانت استهداف الجيش الأميركي اجتماعاً لقياديين من تنظيم مرتبط بـ«القاعدة» بداية الشهر الحالي، في ضربة هي الأولى للولايات المتحدة في هذه المنطقة منذ أكثر من عامين.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية شنّ غارة ضد «قيادة تنظيم (القاعدة) في سوريا استهدفت منشأة تدريب قرب محافظة حلب» شمالاً. واستهدفت العملية، وفق البيان، «عناصر من تنظيم (القاعدة) في سوريا مسؤولين عن التخطيط لهجمات خارجية تهدد مواطنين أميركيين وشركاءنا ومدنيين أبرياء». وأعلن تنظيم «حراس الدين» استهداف «المعهد الشرعي» التابع له في ريف حلب الغربي ما أسفر عن مقتل «ثلة من الإخوة المجاهدين».
وتشكل منطقة شمال غربي سوريا وفق بيان القوات الأميركية «ملجأً آمناً ينشط فيه قياديون من تنظيم (القاعدة) في سوريا لتنسيق أنشطة إرهابية والتخطيط لاعتداءات في المنطقة وفي الغرب».
وإذ أخذت واشنطن على موسكو عدم استهدافها المكثف للمتطرفين المرتبطين بـ«القاعدة» شمال سوريا، شن الجيش الأميركي سلسلة عمليات في إدلب في بداية 2017. وفي مارس (آذار) 2017، قتل 46 شخصاً في قصف استهدف شمال سوريا. وأعلنت واشنطن حينها أنها نفذت غارة ضد تجمع لتنظيم «القاعدة»، يقع على بعد أمتار قليلة من مسجد. وفي نهاية فبراير (شباط) عام 2017 قتل الرجل الثاني في صفوف «القاعدة» أبو هاني المصري بغارة أميركية.
لكن منذ مارس 2017، لم تعلن واشنطن عن أي ضربة ضد متطرفين في إدلب، وتوقف القصف. وقالت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» وقتذاك إن التوقف حدث بطلب روسي وبسبب خلاف داخل إدارة الرئيس دونالد ترمب حول ذلك. وفي مايو 2017، جرى التوصل إلى تفاهم بين الجيشين الأميركي والروسي لـ«منع الاحتكاك» حدد شرق الفرات (إضافة إلى قاعدة التنف ومنبج غرب الفرات) منطقة نفوذ برياً وجوياً لأميركا وحلفائها، ومناطق غرب الفرات براً وجواً منطقة نفوذ لروسيا وحلفائها وتفاهماتها (مع تركيا في مناطق «درع الفرات» و«غضن الزيتون» وإدلب مثلاً).
وأكدت مصادر أن الغارة الجديدة بداية الشهر جاءت في إطار تفاهم تم التوصل إليه، حيث شعرت الولايات المتحدة بضرورة قصف هؤلاء المقاتلين. والتقى بوتين وترمب على هامش «قمة العشرين» في أوساكا اليابانية الأسبوع الماضي. لكن لم يطرح الملف السوري إلا من زاوية التصعيد الإيراني والتوتر التركي.
في موازاة ذلك، تواصل موسكو وأنقرة العمل لتنفيذ اتفاق «خفض التصعيد» في إدلب عبر تجنب هجوم شامل من قوات الحكومة على الشمال السوري، وعزل المتطرفين بإجراءات متفاهم عليها. كما تواصل أنقرة وواشنطن التفاوض على إقامة «منطقة أمنية» بين جرابلس وفش خابور شمال شرقي سوريا في محاذاة الحدود السورية - التركية. ولا يزال الخلاف الأميركي - التركي قائماً على عمق «المنطقة الأمنية» ودور الجيش التركي ومصير «وحدات حماية الشعب» الكردية، حليفة واشنطن في «قوات سوريا الديمقراطية».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.