الأسواق التركية ترتد في وجه إردوغان بعد عزله محافظ «المركزي»

الأسواق التركية ترتد في وجه إردوغان بعد عزله محافظ «المركزي»

تراجع الليرة والسندات المقوّمة بالدولار... وخبراء: القادم أسوأ
الثلاثاء - 7 ذو القعدة 1440 هـ - 09 يوليو 2019 مـ رقم العدد [ 14833]
انكمش الاقتصاد التركي بشدة للربع الثاني على التوالي في مطلع 2019 (رويترز)
أنقرة: سعيد عبد الرازق
تراجعت الليرة التركية في بداية تعاملات الأسبوع أمس (الاثنين)، وفقدت نحو 3 في المائة من قيمتها، متأثرة بمرسوم عزل محافظ البنك المركزي، مراد شتينكايا، الذي أصدره الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، السبت.
وبلغ سعر صرف الليرة التركية في بداية تعاملات الأمس نحو 5.77 ليرة للدولار في الأسواق التركية، في حين بلغ سعرها نحو 7.75 ليرة للدولار الواحد في أسواق آسيا. كما تراجعت السندات الحكومية التركية المقومة بالدولار. وأفادت بيانات بأن السندات تراجعت في شتى الآجال، إذ تراجعت إصدارات 2020 و2030 و2041 بنحو سنت في التعاملات المبكرة.
وأطاح إردوغان يوم السبت الماضي بمحافظ البنك المركزي التركي، قبل انتهاء مدة خدمته بالوظيفة بعام كامل، وعين نائبه مراد أويصال بدلاً عنه، وأرجع السبب إلى رفضه الانصياع لأوامره بخفض أسعار الفائدة عن مستوى 24 في المائة.
وقال إردوغان في اجتماع مع أعضاء حزبه في إسطنبول، السبت: «أبلغناه مراراً خلال اجتماعات اقتصادية أنه ينبغي خفض أسعار الفائدة. أبلغناه أن خفض سعر الفائدة سيسهم في خفض التضخم. لم يفعل ما كان ضرورياً».
وكان البنك المركزي قد قرر في سبتمبر (أيلول) 2018 رفع سعر الفائدة إلى 24 في المائة للحد من انهيار الليرة، التي وصلت إلى أدنى مستوياتها في أغسطس (آب) مسجلة 7.24 ليرة للدولار، ما تسبب في ارتفاع معدل التضخم بصورة غير مسبوقة ليصل إلى أعلى مستوى في 15 عاماً خلال أكتوبر (تشرين الأول)؛ حيث سجل 25.24 في المائة.
وخلافاً للنظريات الاقتصادية، يرى إردوغان أن خفض سعر الفائدة يؤدي إلى خفض التضخم.
ومن غير المتوقع أن يتمكن محافظ البنك الجديد مراد أويصال من التخفيف من السياسة النقدية المشددة للبنك؛ وإن كان مراقبون يتوقعون أن يرضخ لضغوط إردوغان، الذي يصنف نفسه عدواً للفائدة، خلال اجتماع لجنة السياسات النقدية للبنك في 25 يوليو (تموز) الجاري.
وفي بيان مكتوب أصدره أويصال عقب تعيينه، قال إنه سيعمل «بشكل مستقل» على تطبيق أدوات السياسة النقدية التي تركز على تحقيق الهدف الأساسي المتمثل في استقرار الأسعار، والحفاظ على هذا الاستقرار.
وانكمش الاقتصاد التركي بشدة للربع الثاني على التوالي في مطلع 2019، فيما نالت أزمة العملة وارتفاع معدل التضخم وأسعار الفائدة من الإنتاج الكلي بشكل كبير.
وتفاقمت الخلافات بين إردوغان وصهره وزير الخزانة والمالية برات ألبيراق من جانب، ومحافظ البنك المركزي من جانب آخر، بسبب تمسك الأخير بالسياسة المالية المتشددة للبنك، ورفضه خفض سعر الفائدة. وضغط إردوغان وألبيراق عليه لتقديم استقالته؛ لكنه رفض ذلك، فقام إردوغان بعزله بموجب صلاحياته الرئاسية التي اكتسبها في ظل النظام الرئاسي، والتي تمكنه من إصدار مراسيم بتعيين وإقالة كبار الموظفين دون الرجوع إلى البرلمان.
وانتقد مصرفيون وخبراء قرار إردوغان واعتبروا أنه نال مباشرة من استقلالية البنك المركزي. ورأوا أنه يذكر المستثمرين بمن هو المسؤول الفعلي عن السياسة النقدية في تركيا، ويجدد المخاوف بشأن رؤية إردوغان غير التقليدية في الاقتصاد؛ خصوصاً فيما يتعلق بخفض سعر الفائدة وتأثيره على التضخم.
وانتقد حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، قرار إردوغان، معتبراً أنه «سيقوض مصداقية البنك». وقال المتحدث باسم الحزب فايق أوزتراك: «من عزلوا محافظ (المركزي) فجأة فقدوا الحق في المطالبة بالثقة في اقتصاد البلد. أضحى البنك المركزي أسيراً في القصر»، في إشارة إلى قصر الرئاسة.
ووصف نايجل رينديل، كبير المحللين بمؤسسة ميدلي للحلول التجارية في لندن، قرار إقالة محافظ البنك المركزي بالخبر السيئ للأصول التركية. وقال: «إردوغان يتدخل مجدداً في تشغيل البنك المركزي؛ لأنه يعتقد أنه يعرف ما هو أفضل، وهو ليس كذلك، فهذا القرار يؤثر بشدة على مصداقية البنك، في الوقت الذي بدأت فيه نسب التضخم بالتراجع». وأشار إلى أن احتمال حدوث عمليات بيع في الليرة يجعل أي خفض في سعر الفائدة على المدى القريب موضع تساؤل، فمن المرجح أن تخفض الأسواق الليرة.
وقال كريستيان ماجيو، رئيس استراتيجية الأسواق الناشئة في شركة «تي دي سيكيورتيز» في لندن: «سنشهد بالتأكيد رد فعل سلبياً على الليرة. من الواضح أن هذه محاولة لخفض أسعار الفائدة، وإلا فإن إردوغان ما كان ليقيل شتينكايا قبل عام». وأضاف: «ربما تنخفض أسعار الفائدة في ظل سياسة تخفيف القيود أكثر مما كان متوقعاً بالفعل؛ لكن معدلات أسعار الفائدة على المدى الطويل ربما تتحرك في الاتجاه المعاكس، وسيؤثر هذا سلبياً على الأسهم».
ورأى بيوتر ماتيس، استراتيجي لدى «رابوبنك»، أن قرار إقالة شتينكايا يقوض مصداقية البنك المركزي، الذي ربما يبدأ في رفع سعر الفائدة الطارئ الذي أعلن عنه في سبتمبر بشكل أسرع بكثير مما كان متوقعاً سابقاً، بدءاً بخفض كبير في الاجتماع القادم.
وسبق أن عبر الرئيس التركي عن استيائه من الإبقاء على أسعار الفائدة عند معدلاتها السابقة، كما مارس ضغوطاً على البنك المركزي لتخفيض سعر الفائدة من أجل إنعاش الاقتصاد، وهو ما رفضه البنك المركزي في يونيو (حزيران) الماضي؛ حيث قرر الإبقاء على أسعار الفائدة عند معدلاتها.
واعتبر إينان دمير، الخبير الاقتصادي التركي في «نومورا إنترناشيونال» بلندن، أن «سهولة إقالة محافظ البنك المركزي تشكل سابقة خطيرة، لا بد أن يكون لها تأثير على سلوك السياسة النقدية في المستقبل». وتابع: «أعتقد أن الأسواق سوف تتحرك إلى خفض الأسعار بشكل أكبر في الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية».
وقال تيموثي آش، الخبير الاستراتيجي في بلوباي في لندن: «كانت هذه فرصة لتحديث وتجديد المصرف المركزي التركي بشخص من الخارج ذي جاذبية حقيقية في السياسة النقدية، وهذه الفرصة ضاعت».
أما زياد داود، كبير اقتصاديي منطقة الشرق الأوسط في وكالة «بلومبرغ»، فقال إنه «إذا كان هدف إردوغان هو خفض أسعار الفائدة، فإن قرار تغيير المحافظ قد يأتي بنتائج عكسية. تم تحديد الظروف الاقتصادية لخفض سعر الفائدة في وقت لاحق من هذا الشهر». وأضاف: «سوف يتساءل المستثمرون عما إذا كان هناك ما يبرره حقاً من البيانات الاقتصادية، أو ما إذا كانت تمت إقالته تحت ضغط من الحكومة. القرار يعزز الغموض الذي يكتنف الاقتصاد، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية الحالية التي تواجه تركيا».
وأشار إلى أن «تسليم منظومة الصواريخ الروسية (إس – 400)، المتوقع في وقت قريب، أدى إلى توتر العلاقات مع الولايات المتحدة، ويمكن أن يؤدي إلى فرض عقوبات»، محذراً من تكرار سيناريو الصيف الماضي، عندما أدت مجموعة العقوبات الأميركية وانعدام مصداقية البنك المركزي إلى «سقوط الليرة الحر».
في سياق آخر، كشفت وزيرة التجارة التركية، روهصار بيكجان، عن إغلاق أكثر من 15 ألف شركة محلية وأجنبية في تركيا خلال عام 2018. وقالت، في رد على سؤال بالبرلمان، إن القطاع التجاري شهد إغلاق 14277 شركة تركية من أصل 85552، وإغلاق 983 شركة أجنبية من أصل 17973 شركة، جميع شركائها يحملون الجنسيات الأجنبية، بينما بلغ عدد الشركات التي حولت نشاطها 1857 شركة، مقابل 1252 شركة تم دمجها، مشيرة إلى أن الشركات تتوزع بين كثير من المدن التركية، أكثرها عدداً في مدينة إسطنبول، تليها العاصمة أنقرة.
وقال النائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض بتركيا، عمر فتحي غورر، إن «تأثير الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2018 ظهر بشكل جلي على الشركات»، مشيراً إلى أن هناك شركات كبرى في تركيا تقدمت بطلب إعلان إفلاسها.
تركيا إقتصاد تركيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة