تقرير إسرائيلي يكشف إخفاء وثائق وشهادات عن فظائع «النكبة»

تعزز الرواية الفلسطينية حول معارك 1948

صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
TT

تقرير إسرائيلي يكشف إخفاء وثائق وشهادات عن فظائع «النكبة»

صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)

عزز تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية حول إخفاء السلطات الإسرائيلية وثائق سرية تتعلق بالفظائع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين في عام 1948، بما في ذلك جرائم الإبادة والتطهير العرقي، من رواية الفلسطينيين حول ما حدث وكيف طُردوا قسراً من وطنهم، وأضعف الرواية الإسرائيلية القائمة على أن الفلسطينيين هم الذين بدأوا بذبح اليهود وأن العرب هم الذين طلبوا منهم مغادرة بيوتهم إلى حين انتهاء المعركة.
ونشرت الصحيفة الإسرائيلية تحقيقاً مطولاً بشأن دفن السلطات الإسرائيلية مئات الوثائق في خزنات حديدية في إطار عملية منهجية لطمس أي أدلة حول «النكبة»، المصطلح الذي يستخدمه الفلسطينيون للإشارة إلى عمليات التهجير القسري الجماعي عام 1948 والتي طالت أكثر من 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم في فلسطين التاريخية. وأصبح هؤلاء اليوم أكثر من ستة ملايين لاجئ يطالبون بحق العودة وترفض إسرائيل الاعتراف بهم.
ويُظهر التحقيق الذي حمل عنوان «الدوائر الأمنية تخفي في خزينتها وثائق حول النكبة»، أن السلطات الإسرائيلية تعمد إلى إخفاء وثائق النكبة بشكل لا يُدين إسرائيل ويُضعف أي دراسة تاريخية حول الأمر.
وجاء في التحقيق أن طواقم وزارة الجيش الإسرائيلي تنفّذ عمليات استطلاع مستمرة لفحص وإزالة وثائق تاريخية متعلقة بالمشروع النووي وعلاقات إسرائيل الخارجية والشهادات المتعلقة بالنكبة.
وبدأت «هآرتس» التقرير بكشف تفاصيل مجزرة نفذتها العصابات الصهيونية في قرية الصفصاف الفلسطينية في الجليل الأعلى خلال عملية أُطلق عليها «حيرام»، وراح ضحيتها 52 رجلاً قيّدتهم العصابات الصهيونية ووضعتهم في بئر وأطلقت النار عليهم بشكل جماعي، فيما كانت النساء يتوسلن ويطلبن الرحمة.
وتحدث التقرير عن الجثث التي وجدها الفلسطينيون لاحقاً وكانت 61 جثة، إضافة إلى تسجيل ثلاث حالات اغتصاب إحداها لفتاة عمرها 14 سنة قُتلت بإطلاق النار عليها، ناهيك بتقطيع أصابع إحدى الضحايا بسكين بهدف سرقة خاتمها.
وكُشف إخفاء هذه الوثائق للمرة الأولى من قِبل معهد «أكفوت» لأبحاث الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. وقالت المؤرخة تمار نوفيك إنها لاحظت خلال قيامها بأبحاث حول النكبة أجزاء من المستندات منزوعة. وأضافت: «استغرق الأمر مني وقتاً للتفكير في إمكانية اختفاء المستندات ببساطة». وعندما أصرت نوفيك وسألت عن مكان وثيقة معينة، قيل لها إن وزارة الحرب وضعتها في صندوق آمن.
ولم تجد نوفيك، في مسألة قرية الصفصاف، أي اسم ولا من يقف وراء المجزرة التي وقعت فيها.
وقالت «هآرتس» إن القرية التي تم بناء مستوطنة زراعية على أنقاضها، شهدت جرائم حرب ارتكبها مقاتلو اللواء السابع، وإن المستند الذي عثرت عليه نوفيك، والذي لم يكن معروفاً للمحققين، يدعم الادعاءات بهذا الشأن، ويمكن أن يكون دليلاً إضافياً على أن النظام السياسي كان يعرف ما يجري بالضبط.
وفي سياق محاولتها معرفة تفاصيل حول الوثيقة وكاتبها، التقت نوفيك مع المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، الذي نشر كتباً حول المجازر إبان النكبة ونشوء قضية اللاجئين. وتبين أن موريس اطّلع على وثيقة مشابهة للغاية وموجودة في أرشيف «يد يعري» في أحد «الكيبوتسات». لكن عندما عادت نوفيك إلى الأرشيف من أجل الاطلاع على الوثيقة، فوجئت بأنها غير موجودة. وعندما سألت عن سبب اختفائها قيل لها إن الوثيقة أدخِلت إلى خزنة بأمر من مسؤولين في وزارة الأمن. وقال موريس إنه اطّلع على وثيقة للجيش الإسرائيلي تتعلق بمجزرة دير ياسين، لكن عندما عاد لاحقاً طالباً الاطلاع عليها مجدداً تبين له أنها سرية ولا يمكن الاطلاع عليها.
وكان لافتاً أن إخفاء الكثير من الوثائق تم بمصادقة مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، ضد القانون، ودون أي إذن قانوني، بل في بعض الحالات تم إخفاء وثائق كانت معدة للنشر من قِبل الرقابة العسكرية، ثم نُقلت إلى أقبية حيث دُفنت هناك.
واضطلع قسم كامل في وزارة الدفاع الإسرائيلية بالأمر، وهو قسم «مالاب» الذي يعد الأكثر سرية هناك. وشن موظفو هذا القسم جولات بحث كثيرة في الوثائق التاريخية، وأخفوا شهادات جنرالات حول قتل مدنيين وتدمير قرى.
واعترف يحئييل حوريف، الذي شغل منصب رئيس «مالاب» لمدة عقدين حتى عام 2007، في حديث مع صحيفة «هآرتس»، بأنه بدأ هذه العملية المستمرة حتى الآن، وبأن الجهود المبذولة لإخفاء أحداث 1948 هي جهود منطقية وضرورية، حسب رأيه، من أجل تقويض مصداقية الدراسات حول تاريخ مشكلة اللاجئين. وأضاف أن «الحكم على ادّعاء باحث مدعوم بوثيقة ليس كالحكم على ادّعاء لا يمكن إثباته أو تفنيده».
ومع ذلك، نجح باحثون في العثور على وثائق، بعضها يناقش المذابح والترحيل من قِبل لجنة سياسية في حزب «مبام»، وتتضمن أيضاً نقاشاً حول «أعمال خطيرة» في قرية دويمة. أحد الأعضاء اتهم عصابة يهودية تُعرف باسم «ليحي» بهذا. وفي وقت لاحق، تحدث عن نهب في مناطق اللد والرملة وبئر السبع. وتقول «هآرتس» إن إحدى أكثر الوثائق فظاعةً عن تاريخ قضية اللاجئين الفلسطينيين، كتبها عضو في قسم خدمة المعلومات التابع لمنظمة «الهاغانا»، ووثّق خلالها السبب الحقيقي لإفراغ البلاد من سكانها العرب. وهذه الوثيقة كانت أساس مقالة نشرها بيني موريس في عام 1986 وتناولت هجرة العرب. وبعد سنوات، عاد فريق «مالاب» إلى المستند وأمر بالحفاظ على سريته. ولم يكن بإمكان «مالاب» أن يعرف أنه بعد بضع سنوات سيجد الباحثون نسخة من المستند وسينقلونه إلى الرقيب العسكري الذي سيوافق على نشره دون تحفظات.
ويتطرق المستند (الوثيقة) إلى إخلاء القرى العربية، ويقول إن «70% من العرب غادروا فلسطين بتأثير من العمليات العسكرية اليهودية»، وهذا يتناقض مع الرواية الإسرائيلية القائمة على أن قضية اللاجئين سببها دعوة جهات سياسية عربية الفلسطينيين إلى مغادرة مدنهم وقراهم لحين الانتصار على اليهود.
وترتب هذه الوثيقة أسباب الهجرة حسب الأهم، وهي «أعمال عدائية يهودية مباشرة ضد الناطقين بالعربية»، ثم، ثانياً ما تركه ذلك من تأثير على القرى المجاورة، وثالثاً تصرفات المنشقين من عصابتي «الإرغون» و«ليحي»، ثم تأتي أوامر المؤسسات والمنظمات العربية، ثم نشاطات سرية يهودية لتهريب السكان العرب، وأخيراً أوامر الإخلاء. وجاء في الوثيقة أنه «من دون شك فإن العمليات العدائية كانت السبب الأساسي لحركة السكان». وتحدثت الوثيقة عن مكبرات الصوت باللغة العربية وكيف أثبتت نجاعتها في مناسبات عدة واستُّغلت أفضل استغلال، كما تحدثت عن نقض العصابات الإسرائيلية اتفاقات مع العرب وكيف ساعد هذا على هرب بعض العرب من قرى قريبة.
واحتوت الوثيقة على ملحق يصف أسباب تهجير سكان عشرات القرى العربية. ومن هذه الأسباب «القضاء على القرية بأيدينا»، أو «قتل الكثيرين» من سكانها، أو بسبب «نصيحة يهودية ودية» أو «بعد سطو وقتل وهجوم على بيت الأيتام».
ولم يكتفِ مسؤولو وحدة إخفاء الوثائق بذلك، وإنما طاردوا أي شهادة، حتى ولو كانت شفوية، حول النكبة. وفي مرحلة ما وضع أفراد هذا الجهاز أيديهم على تسجيلات سلسلة مقابلات مع شخصيات عامة وعسكريين إسرائيليين سابقين، أجراها «مركز رابين» في بداية سنوات الألفين، في إطار مشروع لتوثيق عملهم في السلك الحكومي. وحوّل الجهاز مقاطع واسعة من هذه المقابلات إلى سرية.
وتقول «هآرتس» إنه تم حذف مقاطع من شهادة الضابط الإسرائيلي أرييه شاليف، الذي تحدث عن طرد سكان قرية صبرا إلى ما وراء الحدود، كما تم حذف مقاطع من مقابلة مع اللواء إيلاد بيليد الذي تحدث عن حرب عصابات وحرب وجودية، وتحدث عن تحذيرات للعرب بمجازر وشيكة وكذلك تفجير منازل.
قسم آخر من الوثائق أراد «مالاب» أن يخفيه تم أخذه من محادثة بين الدكتور ليف طوف والميجور جنرال (أفراسا) تمير الذي قال إنه قام، وفقاً لسياسات ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، بتدمير قرى عربية بأكملها حتى لا يعود إليها اللاجئون.
وتسريب هذه الوثائق يزيل الثلج عن رأس جبل كبير من الجليد. ويأتي في وقت تندلع فيه معركة سياسية وقانونية حول مكانة اللاجئ الفلسطيني وعلى من تنطبق هذه الصفة. وفي عام 2010 تم تمديد فترة السرية على الوثائق إلى 70 سنة منذ النكبة، ثم في فبراير (شباط) الماضي تم تمديد الفترة إلى 90 سنة، أي حتى 20 سنة أخرى.



«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
TT

«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)

دخلت عملية «فجر اليمن» شهرها الثاني بتأكيد رئاسي على استمرارها حتى استعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع صدور تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة، في حين تسبب قصف حوثي بصاروخ باليستي في سقوط قتلى وجرحى في عملية وصفتها الحكومة اليمنية بـ«جريمة حرب».

وشهدت المواجهة العسكرية في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع رقعة المعارك بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية في محافظات تعز ولحج ومأرب والجوف، وتزايد المخاوف على المدنيين والملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في بيان للمجلس، الخميس، استمرار العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدمتها إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وقال المجلس إن القوات المسلحة نفّذت، منذ الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكثر من 40 ألف عملية استهداف عسكرية في مختلف الجبهات، أسفرت، وفق حصيلته، عن تحييد نحو 20 ألفاً من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير وإعطاب أكثر من خمسة آلاف آلية ومعدة عسكرية.

مقاتلو الجيش اليمني في أحد المواقع بمحافظة الجوف (أ.ف.ب)

وتعكس هذه الأرقام، حسب المجلس، حجم العمليات العسكرية خلال الشهر الأول، في حين تتواصل المواجهات على عدة محاور، وسط تحركات حكومية لإعادة ترتيب بعض القيادات العسكرية والأمنية.

وبينما واصلت الجماعة الحوثية أعمالها العدائية واستهدافها للمدنيين والمنشآت الحيوية المدنية داخل البلاد وخارجها، إلى جانب استخدام مقرات أممية للعمليات العسكرية، كشف تقرير أممي عن استمرارها في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة.

كما أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين في الساحل الغربي مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

معارك متعددة

أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع عسكرية في منطقتي الصراري بمديرية صبر الموادم وصنمات بمديرية المسراخ في محافظة تعز (جنوب غرب)، عقب هجمات شنتها بمساندة المقاومة الشعبية، تزامنت مع غارات جوية وضربات نفذتها طائرات مسيّرة استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية.

وأفادت مصادر محلية بأن الطيران الحربي شنّ، فجر الجمعة، سلسلة غارات استهدفت تمركزات وتحصينات وآليات للجماعة في مديرية حيفان ومحيط مدينة التربة، دون إعلان حصيلة رسمية للخسائر.

وشهدت مناطق عديدة في محافظة لحج مواجهات عنيفة، تركزت بصورة خاصة في جبهة منطقة الزريقة التابعة لمديرية المقاطرة، حيث أفادت مصادر عسكرية بتنفيذ الحوثيين هجوماً التفافياً على خمسة مواقع، قبل أن تتمكن القوات المدافعة مسنودة بالمقاومة من استعادة موقعَين منها، في حين تتواصل المواجهات في مديرية المضاربة وجبال كهبوب المطلة على باب المندب.

وأسفرت المواجهات في الزريقة، وفق حصيلة ميدانية أولية نقلتها مصادر قيادية، عن مقتل 11 من أفراد القوات المشتركة وإصابة 23 آخرين، ولم تُعرف أعداد الإصابات في أوساط الحوثيين، فيما استمرت الاشتباكات مع وصول تعزيزات عسكرية من الطرفَين.

وامتد التصعيد إلى محافظتي مأرب والجوف، حيث أعلنت القوات الحكومية إحراز تقدم في مرتفعات الدحيضة وجبال حويشان شرقي الجوف، والسيطرة على مواقع وتحصينات وأسلحة، ضمن عمليات تستهدف فتح الطريق باتجاه مدينة الحزم.

مقاتلو الجيش والمقاومة في تعز استعادوا مواقع مهمة من يد الحوثيين (غيتي)

وفي مأرب، تواصلت المواجهات في وادي حلحلان بمديرية رغوان، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت خاضعة لسيطرة الحوثيين، والتقدم باتجاه منطقة محازيم ماس، عقب اشتباكات وهجمات متبادلة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

وتتزايد المخاوف من انعكاسات اتساع القدرات الصاروخية والجوية الحوثية على أمن المنطقة والممرات البحرية، خصوصاً مع استمرار التهديدات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

تقرير أممي يكشف عن استمرار الحوثيين في الحصول على قدرات عسكرية عبر شبكات معقدة (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، كشف تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقدة، ومكونات تجارية ومدنية مزدوجة الاستخدام، تشمل أنظمة الملاحة والبطاريات والمحركات وأجهزة التحكم الإلكتروني المستخدمة في تصنيع وتطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وأشار التقرير إلى اعتراض شحنات ومكونات عسكرية خلال عام 2025، فضلاً عن محاولات الحصول على مواد كيميائية تدخل في تصنيع الوقود الصاروخي والمتفجرات، بينها بيركلورات الأمونيوم ونترات الصوديوم، محذراً من أن استمرار هذه الإمدادات يعزّز قدرات الجماعة بعيدة المدى ويشكل تهديداً للملاحة والتجارة الدولية.

مجزرة أخرى في الوازعية

في الساحل الغربي، أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وقالت وزارة التخطيط والتعاون الدولي إن الجماعة تستغل الحصانة القانونية للمقرات الأممية لتغطية أنشطتها العسكرية، مطالبة الأمم المتحدة بالتحقيق في هذه الاتهامات والعمل على إخلاء المبنى من العناصر المسلحة والأسلحة. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المزاعم.

وفي تطور ميداني آخر، سقط قتلى وجرحى إثر استهداف سوق الحضارة الشعبي في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، الجمعة.

وبينما أعلنت وزارة الصحة في حكومة الحوثيين، غير المعترف بها، مقتل 20 شخصاً وإصابة 15 آخرين على الأقل، حمّلت السلطات المحلية في تعز الجماعة مسؤولية الهجوم، ونفت أن يكون ناجماً عن غارات جوية لـ«التحالف»، مؤكدة، استناداً إلى إفادة غرفة العمليات، عدم تنفيذ الطيران الحربي أي عمليات في مديرية الوازعية خلال ذلك اليوم.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني، ماجد النزيلي، إن الحوثيين استهدفوا السوق بصاروخ باليستي، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، واصفاً الهجوم بأنه «جريمة حرب» تعكس، حسب تعبيره، استهداف الجماعة للمدنيين كلما تعرضت لخسائر ميدانية أو أخفقت في إطلاق صواريخها.

مقاتلو الجيش اليمني في تعز عقّدوا مهمة الحوثيين في حصار المدينة واقتحامها (أ.ف.ب)

واتهم النزيلي الجماعة بتعريض أمن المنطقة وحرية الملاحة وخطوط التجارة الدولية للخطر، داعياً المجتمع الدولي إلى تصنيفها منظمة إرهابية وتجفيف مصادر تمويلها وقطع إمدادات السلاح عنها، ومؤكداً استمرار القوات الحكومية في عملية «فجر اليمن».

من جهتها، حذرت السلطة المحلية من أن الهجمات الصاروخية الحوثية العشوائية، بما فيها استخدام الصواريخ الباليستية، تعرّض حياة المدنيين للخطر. وشددت على أن الأسواق والتجمعات السكانية مشمولة بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.

ودعت السلطات إلى توثيق ملابسات الحادثة وحفظ الأدلة المادية وإخضاعها لفحص فني مستقل. كما حثت السكان على الابتعاد عن مواقع سقوط المقذوفات وعدم لمس مخلفاتها أو نقلها، وإبلاغ الجهات المختصة، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بإدانة استهداف المدنيين ودعم جهود التحقيق والمساءلة.

وتزامن التصعيد مع تغييرات في بعض المواقع العسكرية والأمنية، إذ أصدر الرئيس العليمي قراراً بتعيين قيادة جديدة لمحور أبين العسكري، بالتوازي مع قرارات لوزارة الداخلية شملت 11 تعييناً في قيادة وإدارات الشرطة بالمحافظة، في خطوة تأتي ضمن تحركات حكومية لإعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية بالتزامن مع اتساع العمليات على الجبهات.


الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
TT

الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)

أعلنت الجماعة الحوثية في اليمن عن تخصيص نحو 10 ملايين دولار للإنفاق على عائلات قتلاها وجرحاها ومفقوديها في التصعيد العسكري خلال أسبوع واحد، في إجراء يثير استنكاراً واسعاً داخل مناطق سيطرتها التي تشهد أزمة معيشية حادة وانقطاع رواتب الموظفين العموميين منذ سنوات.

ودشنت الهيئة العامة لرعاية أسر قتلى الجماعة، أواخر الشهر الماضي، برنامجاً واسعاً للإنفاق على أتباع الجماعة وأسر قتلاها وجرحاها، بتكلفة إجمالية بلغت نحو 9.34 مليون دولاراً (5 مليارات و443 مليون ريال يمني، حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 530 ريالاً)، ضمن فعالياتها السنوية التي تطلق عليها «أسبوع الشهيد».

ويشمل الإنفاق مشروعات غذائية وطبية وتقديم معونات نقدية. ووفقاً لكلمة القيادي الحوثي صالح حمزة، نائب رئيس الهيئة، خلال فعالية التدشين، فإن المشروعات المُعلنة تستهدف إحياء الذكرى السنوية لقتلى الجماعة، فضلاً عن تنفيذ برامج الرعاية الدورية والتمكين الاقتصادي، وتوسيع مجالات الدعم الموجهة لأسر القتلى والجرحى والمفقودين.

وإلى جانب ذلك، تهدف الجماعة إلى توزيع سلال غذائية بقيمة 3.36 مليون دولاراً (1.8 مليار ريال)، وهدايا رمزية بقيمة 2.61 مليون دولاراً (1.4 مليار ريال)، بالإضافة إلى مشروعات تمكين اقتصادي ورعاية دورية موجهة حصراً لمنتسبي الجماعة وعائلاتهم.

غالبية الموارد المالية الخاضعة للحوثيين تذهب لصالح التعبئة والحشد والدعاية (إعلام حوثي)

وضاعفت الجماعة الحوثية، خلال الأعوام الأخيرة، من تسخير الموارد المالية والاقتصادية في خدمة مشروعها، حيث تحدث القيادي حمزة عن تسخير مليارات الريالات خلال العام الماضي، لتنفيذ مشروعات نقدية وصحية وغذائية موجهة حصراً لأسر القتلى والجرحى والمفقودين.

حصر المساعدات بالولاء

تُتَّهم الجماعة بتوظيف موارد الدولة وعائدات هيئتي «الزكاة» و«الأوقاف»، وهما كيانان موازيان أنشأتهما خلال السنوات الماضية، لتعزيز التعبئة العسكرية والولاء السياسي، بدلاً من توجيهها لتخفيف المعاناة الاقتصادية العامة.

ويرى سكان في صنعاء أن الجماعة تواصل تبديد الأموال على مشروعات تستهدف ذوي قتلاها وجرحاها، بالتوازي مع إحياء مناسبات تروج لأفكارها الطائفية، بينما تتجاهل معاناة الملايين الذين يواجهون أوضاعاً معيشية قاسية، في ظل أزمة إنسانية تتفاقم عاماً بعد آخر.

قيادات حوثية أثناء تدشين برنامج الرعاية الاجتماعية الخاص بأتباع الجماعة (إعلام حوثي)

ويقول موظف عمومي في صنعاء، طلب إخفاء اسمه، إنه، وبينما بات عاجزاً عن توفير الاحتياجات الأساسية لعائلته التي تضم 5 أطفال، تذهب الجماعة إلى تخصيص المليارات لعائلات قتلاها، وبرامج لا تتجاوز أتباعها، ما يثير شعوراً بالغاً بالمرارة لديه والآلاف الذين لا يستطيعون تلبيه احتياجات عائلاتهم.

ويستنكر حرمان ملايين اليمنيين من الطعام والعلاج والتعليم، مقابل تخصيص هذه المبالغ لعدد محدود من العائلات بسبب ولائها.

استمالة العائلات الفقيرة

يرى مراقبون أن الجماعة تسعى إلى استمالة الأسر الفقيرة واستثمار أوضاعها المعيشية لتعزيز ولائها، وإقناعها بدفع مزيد من أبنائها للانخراط في القتال على الجبهات.

من جهته، يبدي رب عائلة فقيرة حسرته من سماعه عن إنفاق المليارات على فعاليات ومشروعات الجماعة، بينما توضع الأسر الفقيرة أمام خيارات قاسية؛ بين تقليص احتياجاتها الأساسية أو الاستدانة، في ظل غياب مصادر دخل مستقرة وتراجع فرص الحصول على المساعدات.

عناصر حوثيون بينهم طفل في فعالية مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني في صنعاء (أ.ف.ب)

وفي ريف العاصمة المختطفة صنعاء، يقول موظف تربوي إن استمرار انقطاع الرواتب دفع آلاف المعلمين إلى البحث عن أعمال بديلة لتوفير الحد الأدنى من احتياجات أسرهم، في وقت تتواصل فيه الحملات التعبوية والإنفاق الحوثي على الأتباع، مشيراً إلى عجز المعلمين عن توفير احتياجات أبنائهم بعد سنوات طويلة قضوها في خدمة التعليم.

ويأتي هذا الإنفاق الموجه في وقت تصنف فيه الأمم المتحدة الوضع في اليمن بوصفه إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني ملايين السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين من انعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الأساسية.


التصعيد الحوثي يضاعف الضحايا ويهدد بانهيار إنساني شامل

استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
TT

التصعيد الحوثي يضاعف الضحايا ويهدد بانهيار إنساني شامل

استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

سجّلت منظمات طبية محلية ودولية عاملة في اليمن ارتفاعاً ملحوظاً في المعدل اليومي لضحايا التصعيد العسكري الحوثي إلى 132 شخصاً، مقارنة بنحو 93 ضحية خلال الأسبوع الماضي، وتصدرت محافظة لحج قائمة المحافظات المتضررة نتيجة استمرار المعارك وقصف الحوثيين للتجمعات السكانية بالصواريخ والمسيّرات.

وأظهر أحدث تقرير لـ«كتلة الصحة» أن إجمالي الضحايا المسجلين لدى مركز عمليات الطوارئ الصحية حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بلغ 9730 شخصاً (7959 مصاباً و1771 وفاة)، بزيادة قدرها 658 حالة خلال 5 أيام فقط.

وشهدت محافظة لحج (الجنوب الغربي) 309 حالات تشكل 47 في المائة من إجمالي الضحايا الجدد، في حين سجلت محافظة مأرب أعلى معدل للوفيات بـ36 حالة وفاة من أصل 172 ضحية (بنسبة 21 في المائة)، من بينها 117 ضحية (شملت 20 وفاة) سُجلت في يوم 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وحده بمديريتي الجوبة وحريب وجبهة الجوف.

الحوثيون تسببوا في مقتل وإصابة أكثر من 9.7 ألف يمني (إعلام محلي)

وعلى الصعيد الميداني والإنساني، حذّر التقرير الصادر عن الكتلة (التي تضم 31 قطاعاً صحياً) من تدهور الخدمات في الساحل الغربي؛ حيث توقفت المرافق الصحية الثلاثة المدعومة من الشركاء في مديرية الوازعية، وتَعذّر جمع بيانات شهر أكتوبر في مديرية ذباب جراء قيود الوصول.

وتزامن ذلك مع تجاوز أعداد النازحين 320 ألف شخص، وفق منظمة الهجرة الدولية، تركز معظمهم في الشهرين الماضيين.

مؤشرات وبائية

وشهدت مديرية المضاربة والعارة بلحج نزوح 43 ألف شخص منذ مطلع العام الماضي، وتستضيف عدن حالياً أكثر من 56 ألف نازح، بينما تضاعفت أسعار السلع الأساسية في تعز بين 3 إلى 5 أضعاف.

21 ألف نازح يعيشون في مخيمات لا تخضع لأي إشراف (الأمم المتحدة)

ورصد التقرير ظهور 28 موقعاً جديداً أو معاد فتحها للنازحين تؤوي 21273 شخصاً دون أي إدارة متخصصة أو إشراف إنساني، إلى جانب 105 مواقع تضم 74456 شخصاً في مديريات غرب تعز، التي انتقلت السيطرة عليها إلى الحوثيين خلال الشهر ذاته.

وتواجه الاستجابة الإنسانية عجزاً حاداً؛ إذ تموِّل منظمة الصحة العالمية 9 فرق طبية متنقلة فقط من أصل 30 إلى 40 فرقة مستهدفة، و4 مراكز ثابتة من أصل 25 إلى 35 مركزاً، وسط حاجة ملحة للتنسيق مع الوحدة التنفيذية للمخيمات لتحديد نقاط تجمع مناسبة لتقديم الخدمات.

وفي الجانب الوبائي، سُجل انخفاض مستمر في إصابات الكوليرا بالمحافظات الخمس الأكثر تضرراً، متراجعة من 639 حالة في الأسبوع الأربعين إلى 443 حالة في الأسبوع الثالث والأربعين، مع الإشارة إلى أن بيانات الأسبوع الرابع والأربعين غير مكتملة بنسبة 23 في المائة.

تراجع في الإصابة بالكوليرا بنحو 200 حالة خلال أسبوع (الأمم المتحدة)

وبناءً على ذلك، حدّدت منظمة الصحة العالمية 23 مديرية، يقطنها 2.25 مليون نسمة كأولوية لطلب جرعة واحدة من لقاح الكوليرا الفموي من المجموعة التنسيقية الدولية.

فجوات الرعاية الصحية

وعلى مستوى الإمدادات والتمويل، تسببت القيود بتعطيل حركة المساعدات، حيث أُلغيت رحلات الجسر الجوي إلى صنعاء، المقررة يومي 29 أكتوبر و3 نوفمبر (تشرين الثاني)، ولا تزال الشحنة الطبية التجريبية الثانية للمنظمة (بوزن 10 أطنان) بانتظار التنسيق مع برنامج الأغذية العالمي لنقلها إلى تعز.

ويأتي ذلك في ظل أزمة تمويل خانقة، حيث لم يتم تمويل سوى 12 في المائة فقط من الخطة الإنسانية التي تغطي 90 يوماً؛ إذ تلقت منظمة الصحة العالمية 3.7 مليون دولار من أصل 31 مليون دولار مطلوبة، ما يترك عجزاً قدره 27.3 مليون دولار.

يمنيون نزحوا بسبب الهجمات الحوثية في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات بضواحي عدن (أ.ب)

حتى في حال إقرار دعم إضافي بقيمة 7.3 مليون دولار يجري نقاشه مع الجهات المانحة الأوروبية والصندوق المركزي للطوارئ، فإن 65 في المائة من الخطة سيبقى بلا تمويل، ما يهدد استمرارية الاستجابة لما بعد نهاية العام.

واختتم التقرير بالإشارة إلى 4 حلقات مفقودة وغير ممولة في سلسلة رعاية المصابين. تشمل: نظام إحالة المرضى، وتوفير موقع جراحي من المستوى الثاني، وتوسيع وحدات العناية المركزة (بما في ذلك توفير الوقود لـ77 مرفقاً صحياً)، إلى جانب خدمات إعادة التأهيل بعد الخروج.

وبين أن غياب خدمات إعادة التأهيل بعد الخروج يؤدي إلى تكدس المرضى في الأقسام الجراحية لعدم إمكانية تسريحهم بأمان، ما يقلص القدرة الاستيعابية للمستشفيات ويحرم الحالات الجديدة من تلقي العلاج.