تقرير إسرائيلي يكشف إخفاء وثائق وشهادات عن فظائع «النكبة»

تعزز الرواية الفلسطينية حول معارك 1948

صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
TT

تقرير إسرائيلي يكشف إخفاء وثائق وشهادات عن فظائع «النكبة»

صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)

عزز تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية حول إخفاء السلطات الإسرائيلية وثائق سرية تتعلق بالفظائع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين في عام 1948، بما في ذلك جرائم الإبادة والتطهير العرقي، من رواية الفلسطينيين حول ما حدث وكيف طُردوا قسراً من وطنهم، وأضعف الرواية الإسرائيلية القائمة على أن الفلسطينيين هم الذين بدأوا بذبح اليهود وأن العرب هم الذين طلبوا منهم مغادرة بيوتهم إلى حين انتهاء المعركة.
ونشرت الصحيفة الإسرائيلية تحقيقاً مطولاً بشأن دفن السلطات الإسرائيلية مئات الوثائق في خزنات حديدية في إطار عملية منهجية لطمس أي أدلة حول «النكبة»، المصطلح الذي يستخدمه الفلسطينيون للإشارة إلى عمليات التهجير القسري الجماعي عام 1948 والتي طالت أكثر من 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم في فلسطين التاريخية. وأصبح هؤلاء اليوم أكثر من ستة ملايين لاجئ يطالبون بحق العودة وترفض إسرائيل الاعتراف بهم.
ويُظهر التحقيق الذي حمل عنوان «الدوائر الأمنية تخفي في خزينتها وثائق حول النكبة»، أن السلطات الإسرائيلية تعمد إلى إخفاء وثائق النكبة بشكل لا يُدين إسرائيل ويُضعف أي دراسة تاريخية حول الأمر.
وجاء في التحقيق أن طواقم وزارة الجيش الإسرائيلي تنفّذ عمليات استطلاع مستمرة لفحص وإزالة وثائق تاريخية متعلقة بالمشروع النووي وعلاقات إسرائيل الخارجية والشهادات المتعلقة بالنكبة.
وبدأت «هآرتس» التقرير بكشف تفاصيل مجزرة نفذتها العصابات الصهيونية في قرية الصفصاف الفلسطينية في الجليل الأعلى خلال عملية أُطلق عليها «حيرام»، وراح ضحيتها 52 رجلاً قيّدتهم العصابات الصهيونية ووضعتهم في بئر وأطلقت النار عليهم بشكل جماعي، فيما كانت النساء يتوسلن ويطلبن الرحمة.
وتحدث التقرير عن الجثث التي وجدها الفلسطينيون لاحقاً وكانت 61 جثة، إضافة إلى تسجيل ثلاث حالات اغتصاب إحداها لفتاة عمرها 14 سنة قُتلت بإطلاق النار عليها، ناهيك بتقطيع أصابع إحدى الضحايا بسكين بهدف سرقة خاتمها.
وكُشف إخفاء هذه الوثائق للمرة الأولى من قِبل معهد «أكفوت» لأبحاث الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. وقالت المؤرخة تمار نوفيك إنها لاحظت خلال قيامها بأبحاث حول النكبة أجزاء من المستندات منزوعة. وأضافت: «استغرق الأمر مني وقتاً للتفكير في إمكانية اختفاء المستندات ببساطة». وعندما أصرت نوفيك وسألت عن مكان وثيقة معينة، قيل لها إن وزارة الحرب وضعتها في صندوق آمن.
ولم تجد نوفيك، في مسألة قرية الصفصاف، أي اسم ولا من يقف وراء المجزرة التي وقعت فيها.
وقالت «هآرتس» إن القرية التي تم بناء مستوطنة زراعية على أنقاضها، شهدت جرائم حرب ارتكبها مقاتلو اللواء السابع، وإن المستند الذي عثرت عليه نوفيك، والذي لم يكن معروفاً للمحققين، يدعم الادعاءات بهذا الشأن، ويمكن أن يكون دليلاً إضافياً على أن النظام السياسي كان يعرف ما يجري بالضبط.
وفي سياق محاولتها معرفة تفاصيل حول الوثيقة وكاتبها، التقت نوفيك مع المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، الذي نشر كتباً حول المجازر إبان النكبة ونشوء قضية اللاجئين. وتبين أن موريس اطّلع على وثيقة مشابهة للغاية وموجودة في أرشيف «يد يعري» في أحد «الكيبوتسات». لكن عندما عادت نوفيك إلى الأرشيف من أجل الاطلاع على الوثيقة، فوجئت بأنها غير موجودة. وعندما سألت عن سبب اختفائها قيل لها إن الوثيقة أدخِلت إلى خزنة بأمر من مسؤولين في وزارة الأمن. وقال موريس إنه اطّلع على وثيقة للجيش الإسرائيلي تتعلق بمجزرة دير ياسين، لكن عندما عاد لاحقاً طالباً الاطلاع عليها مجدداً تبين له أنها سرية ولا يمكن الاطلاع عليها.
وكان لافتاً أن إخفاء الكثير من الوثائق تم بمصادقة مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، ضد القانون، ودون أي إذن قانوني، بل في بعض الحالات تم إخفاء وثائق كانت معدة للنشر من قِبل الرقابة العسكرية، ثم نُقلت إلى أقبية حيث دُفنت هناك.
واضطلع قسم كامل في وزارة الدفاع الإسرائيلية بالأمر، وهو قسم «مالاب» الذي يعد الأكثر سرية هناك. وشن موظفو هذا القسم جولات بحث كثيرة في الوثائق التاريخية، وأخفوا شهادات جنرالات حول قتل مدنيين وتدمير قرى.
واعترف يحئييل حوريف، الذي شغل منصب رئيس «مالاب» لمدة عقدين حتى عام 2007، في حديث مع صحيفة «هآرتس»، بأنه بدأ هذه العملية المستمرة حتى الآن، وبأن الجهود المبذولة لإخفاء أحداث 1948 هي جهود منطقية وضرورية، حسب رأيه، من أجل تقويض مصداقية الدراسات حول تاريخ مشكلة اللاجئين. وأضاف أن «الحكم على ادّعاء باحث مدعوم بوثيقة ليس كالحكم على ادّعاء لا يمكن إثباته أو تفنيده».
ومع ذلك، نجح باحثون في العثور على وثائق، بعضها يناقش المذابح والترحيل من قِبل لجنة سياسية في حزب «مبام»، وتتضمن أيضاً نقاشاً حول «أعمال خطيرة» في قرية دويمة. أحد الأعضاء اتهم عصابة يهودية تُعرف باسم «ليحي» بهذا. وفي وقت لاحق، تحدث عن نهب في مناطق اللد والرملة وبئر السبع. وتقول «هآرتس» إن إحدى أكثر الوثائق فظاعةً عن تاريخ قضية اللاجئين الفلسطينيين، كتبها عضو في قسم خدمة المعلومات التابع لمنظمة «الهاغانا»، ووثّق خلالها السبب الحقيقي لإفراغ البلاد من سكانها العرب. وهذه الوثيقة كانت أساس مقالة نشرها بيني موريس في عام 1986 وتناولت هجرة العرب. وبعد سنوات، عاد فريق «مالاب» إلى المستند وأمر بالحفاظ على سريته. ولم يكن بإمكان «مالاب» أن يعرف أنه بعد بضع سنوات سيجد الباحثون نسخة من المستند وسينقلونه إلى الرقيب العسكري الذي سيوافق على نشره دون تحفظات.
ويتطرق المستند (الوثيقة) إلى إخلاء القرى العربية، ويقول إن «70% من العرب غادروا فلسطين بتأثير من العمليات العسكرية اليهودية»، وهذا يتناقض مع الرواية الإسرائيلية القائمة على أن قضية اللاجئين سببها دعوة جهات سياسية عربية الفلسطينيين إلى مغادرة مدنهم وقراهم لحين الانتصار على اليهود.
وترتب هذه الوثيقة أسباب الهجرة حسب الأهم، وهي «أعمال عدائية يهودية مباشرة ضد الناطقين بالعربية»، ثم، ثانياً ما تركه ذلك من تأثير على القرى المجاورة، وثالثاً تصرفات المنشقين من عصابتي «الإرغون» و«ليحي»، ثم تأتي أوامر المؤسسات والمنظمات العربية، ثم نشاطات سرية يهودية لتهريب السكان العرب، وأخيراً أوامر الإخلاء. وجاء في الوثيقة أنه «من دون شك فإن العمليات العدائية كانت السبب الأساسي لحركة السكان». وتحدثت الوثيقة عن مكبرات الصوت باللغة العربية وكيف أثبتت نجاعتها في مناسبات عدة واستُّغلت أفضل استغلال، كما تحدثت عن نقض العصابات الإسرائيلية اتفاقات مع العرب وكيف ساعد هذا على هرب بعض العرب من قرى قريبة.
واحتوت الوثيقة على ملحق يصف أسباب تهجير سكان عشرات القرى العربية. ومن هذه الأسباب «القضاء على القرية بأيدينا»، أو «قتل الكثيرين» من سكانها، أو بسبب «نصيحة يهودية ودية» أو «بعد سطو وقتل وهجوم على بيت الأيتام».
ولم يكتفِ مسؤولو وحدة إخفاء الوثائق بذلك، وإنما طاردوا أي شهادة، حتى ولو كانت شفوية، حول النكبة. وفي مرحلة ما وضع أفراد هذا الجهاز أيديهم على تسجيلات سلسلة مقابلات مع شخصيات عامة وعسكريين إسرائيليين سابقين، أجراها «مركز رابين» في بداية سنوات الألفين، في إطار مشروع لتوثيق عملهم في السلك الحكومي. وحوّل الجهاز مقاطع واسعة من هذه المقابلات إلى سرية.
وتقول «هآرتس» إنه تم حذف مقاطع من شهادة الضابط الإسرائيلي أرييه شاليف، الذي تحدث عن طرد سكان قرية صبرا إلى ما وراء الحدود، كما تم حذف مقاطع من مقابلة مع اللواء إيلاد بيليد الذي تحدث عن حرب عصابات وحرب وجودية، وتحدث عن تحذيرات للعرب بمجازر وشيكة وكذلك تفجير منازل.
قسم آخر من الوثائق أراد «مالاب» أن يخفيه تم أخذه من محادثة بين الدكتور ليف طوف والميجور جنرال (أفراسا) تمير الذي قال إنه قام، وفقاً لسياسات ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، بتدمير قرى عربية بأكملها حتى لا يعود إليها اللاجئون.
وتسريب هذه الوثائق يزيل الثلج عن رأس جبل كبير من الجليد. ويأتي في وقت تندلع فيه معركة سياسية وقانونية حول مكانة اللاجئ الفلسطيني وعلى من تنطبق هذه الصفة. وفي عام 2010 تم تمديد فترة السرية على الوثائق إلى 70 سنة منذ النكبة، ثم في فبراير (شباط) الماضي تم تمديد الفترة إلى 90 سنة، أي حتى 20 سنة أخرى.



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.