تقرير إسرائيلي يكشف إخفاء وثائق وشهادات عن فظائع «النكبة»

تعزز الرواية الفلسطينية حول معارك 1948

صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
TT

تقرير إسرائيلي يكشف إخفاء وثائق وشهادات عن فظائع «النكبة»

صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)

عزز تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية حول إخفاء السلطات الإسرائيلية وثائق سرية تتعلق بالفظائع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين في عام 1948، بما في ذلك جرائم الإبادة والتطهير العرقي، من رواية الفلسطينيين حول ما حدث وكيف طُردوا قسراً من وطنهم، وأضعف الرواية الإسرائيلية القائمة على أن الفلسطينيين هم الذين بدأوا بذبح اليهود وأن العرب هم الذين طلبوا منهم مغادرة بيوتهم إلى حين انتهاء المعركة.
ونشرت الصحيفة الإسرائيلية تحقيقاً مطولاً بشأن دفن السلطات الإسرائيلية مئات الوثائق في خزنات حديدية في إطار عملية منهجية لطمس أي أدلة حول «النكبة»، المصطلح الذي يستخدمه الفلسطينيون للإشارة إلى عمليات التهجير القسري الجماعي عام 1948 والتي طالت أكثر من 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم في فلسطين التاريخية. وأصبح هؤلاء اليوم أكثر من ستة ملايين لاجئ يطالبون بحق العودة وترفض إسرائيل الاعتراف بهم.
ويُظهر التحقيق الذي حمل عنوان «الدوائر الأمنية تخفي في خزينتها وثائق حول النكبة»، أن السلطات الإسرائيلية تعمد إلى إخفاء وثائق النكبة بشكل لا يُدين إسرائيل ويُضعف أي دراسة تاريخية حول الأمر.
وجاء في التحقيق أن طواقم وزارة الجيش الإسرائيلي تنفّذ عمليات استطلاع مستمرة لفحص وإزالة وثائق تاريخية متعلقة بالمشروع النووي وعلاقات إسرائيل الخارجية والشهادات المتعلقة بالنكبة.
وبدأت «هآرتس» التقرير بكشف تفاصيل مجزرة نفذتها العصابات الصهيونية في قرية الصفصاف الفلسطينية في الجليل الأعلى خلال عملية أُطلق عليها «حيرام»، وراح ضحيتها 52 رجلاً قيّدتهم العصابات الصهيونية ووضعتهم في بئر وأطلقت النار عليهم بشكل جماعي، فيما كانت النساء يتوسلن ويطلبن الرحمة.
وتحدث التقرير عن الجثث التي وجدها الفلسطينيون لاحقاً وكانت 61 جثة، إضافة إلى تسجيل ثلاث حالات اغتصاب إحداها لفتاة عمرها 14 سنة قُتلت بإطلاق النار عليها، ناهيك بتقطيع أصابع إحدى الضحايا بسكين بهدف سرقة خاتمها.
وكُشف إخفاء هذه الوثائق للمرة الأولى من قِبل معهد «أكفوت» لأبحاث الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. وقالت المؤرخة تمار نوفيك إنها لاحظت خلال قيامها بأبحاث حول النكبة أجزاء من المستندات منزوعة. وأضافت: «استغرق الأمر مني وقتاً للتفكير في إمكانية اختفاء المستندات ببساطة». وعندما أصرت نوفيك وسألت عن مكان وثيقة معينة، قيل لها إن وزارة الحرب وضعتها في صندوق آمن.
ولم تجد نوفيك، في مسألة قرية الصفصاف، أي اسم ولا من يقف وراء المجزرة التي وقعت فيها.
وقالت «هآرتس» إن القرية التي تم بناء مستوطنة زراعية على أنقاضها، شهدت جرائم حرب ارتكبها مقاتلو اللواء السابع، وإن المستند الذي عثرت عليه نوفيك، والذي لم يكن معروفاً للمحققين، يدعم الادعاءات بهذا الشأن، ويمكن أن يكون دليلاً إضافياً على أن النظام السياسي كان يعرف ما يجري بالضبط.
وفي سياق محاولتها معرفة تفاصيل حول الوثيقة وكاتبها، التقت نوفيك مع المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، الذي نشر كتباً حول المجازر إبان النكبة ونشوء قضية اللاجئين. وتبين أن موريس اطّلع على وثيقة مشابهة للغاية وموجودة في أرشيف «يد يعري» في أحد «الكيبوتسات». لكن عندما عادت نوفيك إلى الأرشيف من أجل الاطلاع على الوثيقة، فوجئت بأنها غير موجودة. وعندما سألت عن سبب اختفائها قيل لها إن الوثيقة أدخِلت إلى خزنة بأمر من مسؤولين في وزارة الأمن. وقال موريس إنه اطّلع على وثيقة للجيش الإسرائيلي تتعلق بمجزرة دير ياسين، لكن عندما عاد لاحقاً طالباً الاطلاع عليها مجدداً تبين له أنها سرية ولا يمكن الاطلاع عليها.
وكان لافتاً أن إخفاء الكثير من الوثائق تم بمصادقة مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، ضد القانون، ودون أي إذن قانوني، بل في بعض الحالات تم إخفاء وثائق كانت معدة للنشر من قِبل الرقابة العسكرية، ثم نُقلت إلى أقبية حيث دُفنت هناك.
واضطلع قسم كامل في وزارة الدفاع الإسرائيلية بالأمر، وهو قسم «مالاب» الذي يعد الأكثر سرية هناك. وشن موظفو هذا القسم جولات بحث كثيرة في الوثائق التاريخية، وأخفوا شهادات جنرالات حول قتل مدنيين وتدمير قرى.
واعترف يحئييل حوريف، الذي شغل منصب رئيس «مالاب» لمدة عقدين حتى عام 2007، في حديث مع صحيفة «هآرتس»، بأنه بدأ هذه العملية المستمرة حتى الآن، وبأن الجهود المبذولة لإخفاء أحداث 1948 هي جهود منطقية وضرورية، حسب رأيه، من أجل تقويض مصداقية الدراسات حول تاريخ مشكلة اللاجئين. وأضاف أن «الحكم على ادّعاء باحث مدعوم بوثيقة ليس كالحكم على ادّعاء لا يمكن إثباته أو تفنيده».
ومع ذلك، نجح باحثون في العثور على وثائق، بعضها يناقش المذابح والترحيل من قِبل لجنة سياسية في حزب «مبام»، وتتضمن أيضاً نقاشاً حول «أعمال خطيرة» في قرية دويمة. أحد الأعضاء اتهم عصابة يهودية تُعرف باسم «ليحي» بهذا. وفي وقت لاحق، تحدث عن نهب في مناطق اللد والرملة وبئر السبع. وتقول «هآرتس» إن إحدى أكثر الوثائق فظاعةً عن تاريخ قضية اللاجئين الفلسطينيين، كتبها عضو في قسم خدمة المعلومات التابع لمنظمة «الهاغانا»، ووثّق خلالها السبب الحقيقي لإفراغ البلاد من سكانها العرب. وهذه الوثيقة كانت أساس مقالة نشرها بيني موريس في عام 1986 وتناولت هجرة العرب. وبعد سنوات، عاد فريق «مالاب» إلى المستند وأمر بالحفاظ على سريته. ولم يكن بإمكان «مالاب» أن يعرف أنه بعد بضع سنوات سيجد الباحثون نسخة من المستند وسينقلونه إلى الرقيب العسكري الذي سيوافق على نشره دون تحفظات.
ويتطرق المستند (الوثيقة) إلى إخلاء القرى العربية، ويقول إن «70% من العرب غادروا فلسطين بتأثير من العمليات العسكرية اليهودية»، وهذا يتناقض مع الرواية الإسرائيلية القائمة على أن قضية اللاجئين سببها دعوة جهات سياسية عربية الفلسطينيين إلى مغادرة مدنهم وقراهم لحين الانتصار على اليهود.
وترتب هذه الوثيقة أسباب الهجرة حسب الأهم، وهي «أعمال عدائية يهودية مباشرة ضد الناطقين بالعربية»، ثم، ثانياً ما تركه ذلك من تأثير على القرى المجاورة، وثالثاً تصرفات المنشقين من عصابتي «الإرغون» و«ليحي»، ثم تأتي أوامر المؤسسات والمنظمات العربية، ثم نشاطات سرية يهودية لتهريب السكان العرب، وأخيراً أوامر الإخلاء. وجاء في الوثيقة أنه «من دون شك فإن العمليات العدائية كانت السبب الأساسي لحركة السكان». وتحدثت الوثيقة عن مكبرات الصوت باللغة العربية وكيف أثبتت نجاعتها في مناسبات عدة واستُّغلت أفضل استغلال، كما تحدثت عن نقض العصابات الإسرائيلية اتفاقات مع العرب وكيف ساعد هذا على هرب بعض العرب من قرى قريبة.
واحتوت الوثيقة على ملحق يصف أسباب تهجير سكان عشرات القرى العربية. ومن هذه الأسباب «القضاء على القرية بأيدينا»، أو «قتل الكثيرين» من سكانها، أو بسبب «نصيحة يهودية ودية» أو «بعد سطو وقتل وهجوم على بيت الأيتام».
ولم يكتفِ مسؤولو وحدة إخفاء الوثائق بذلك، وإنما طاردوا أي شهادة، حتى ولو كانت شفوية، حول النكبة. وفي مرحلة ما وضع أفراد هذا الجهاز أيديهم على تسجيلات سلسلة مقابلات مع شخصيات عامة وعسكريين إسرائيليين سابقين، أجراها «مركز رابين» في بداية سنوات الألفين، في إطار مشروع لتوثيق عملهم في السلك الحكومي. وحوّل الجهاز مقاطع واسعة من هذه المقابلات إلى سرية.
وتقول «هآرتس» إنه تم حذف مقاطع من شهادة الضابط الإسرائيلي أرييه شاليف، الذي تحدث عن طرد سكان قرية صبرا إلى ما وراء الحدود، كما تم حذف مقاطع من مقابلة مع اللواء إيلاد بيليد الذي تحدث عن حرب عصابات وحرب وجودية، وتحدث عن تحذيرات للعرب بمجازر وشيكة وكذلك تفجير منازل.
قسم آخر من الوثائق أراد «مالاب» أن يخفيه تم أخذه من محادثة بين الدكتور ليف طوف والميجور جنرال (أفراسا) تمير الذي قال إنه قام، وفقاً لسياسات ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، بتدمير قرى عربية بأكملها حتى لا يعود إليها اللاجئون.
وتسريب هذه الوثائق يزيل الثلج عن رأس جبل كبير من الجليد. ويأتي في وقت تندلع فيه معركة سياسية وقانونية حول مكانة اللاجئ الفلسطيني وعلى من تنطبق هذه الصفة. وفي عام 2010 تم تمديد فترة السرية على الوثائق إلى 70 سنة منذ النكبة، ثم في فبراير (شباط) الماضي تم تمديد الفترة إلى 90 سنة، أي حتى 20 سنة أخرى.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.