مخزون اليورانيوم الإيراني يتخطى الاتفاق النووي

فريق المفتشين تفقد الكميات الموجودة... وظريف ينتقد الأوروبيين بشدة... وطهران ترهن «إينستكس» بالنفط

صور بثها التلفزیون الإيراني من تركيب أجهزة طرد مركزي من طراز «IR - 6» في التاسع من أبريل الماضي
صور بثها التلفزیون الإيراني من تركيب أجهزة طرد مركزي من طراز «IR - 6» في التاسع من أبريل الماضي
TT

مخزون اليورانيوم الإيراني يتخطى الاتفاق النووي

صور بثها التلفزیون الإيراني من تركيب أجهزة طرد مركزي من طراز «IR - 6» في التاسع من أبريل الماضي
صور بثها التلفزیون الإيراني من تركيب أجهزة طرد مركزي من طراز «IR - 6» في التاسع من أبريل الماضي

في خطوة متوقعة، أقرت طهران طي ورقة الحد المسموح به لتخزين اليورانيوم، في أول انتهاك لتعهداتها في الاتفاق النووي. وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية رسمياً تحقق فريق مفتشيها في منشأة نطنز من تجاوز إيران للحد المسموح به، وفق الاتفاق. وفي أول رد، سارعت الخارجية الإيرانية لتوجيه رسائل إلى الدول الأوروبية للتعجيل بإنقاذ الاتفاق النووي. وقال وزير الخارجية محمد جواد ظريف إنه اطلع على تخطي مخزون اليورانيوم وفق «الجدول الزمني»، في تحد لمطالبة الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق بضرورة الالتزام به رغم العقوبات الأميركية.
وتسارعت الخطوات السياسية أمس، بعدما قطعت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، شريط الأخبار المتعلقة بتطورات الملف الإيراني، وأفادت نقلاً عن مصدر مطلع قوله إن كمية إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.67 في المائة تخطت 300 كيلوغرام من سادس فلوريد اليورانيوم (يو إف 6)، ما يعادل 202.8 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب، مشيراً إلى قيام فريق من المفتشين الدوليين بعملية توزين ثانٍ لليورانيوم أمس، بعدما خضع لذلك الأربعاء الماضي.
وبذلك، نفذت طهران عملياً «المرحلة الأولى» من قرار المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني خفض تعهدات الاتفاق النووي، ومخزونها من المياه الثقيلة واليورانيوم المخصب، وهي خطوة حذرت منها أطراف الاتفاق النووي، ووصفتها الإدارة الأميركية بـ«الابتزاز النووي».
وبعد ساعات قليلة من إعلان طهران، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أمس، بياناً حول الخطوة الإيرانية، بعد تحقق مفتشيها الموجودين على الأرض من الخطوة، وقالت إن إيران نفذت تهديدها بتجاوز حد تخصيب اليورانيوم المنصوص عليه في اتفاق فيينا حول البرنامج الإيراني. وأوضحت في البيان: «نستطيع تأكيد أن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، قد أبلغ مجلس محافظي الوكالة بأنها تحققت في الأول من يوليو (تموز) من تجاوز إيران الحد الأقصى المسموح به لإجمالي مخزون اليورانيوم المخصب (بموجب الاتفاق)». وأبلغت الوكالة الدول الأعضاء بأن مخزون إيران بلغ 205 كيلوغرامات، في حين يبلغ الحد المنصوص عليه في الاتفاق النووي 202.8 كيلوغرام، بحسب «رويترز».
وقبل البيان، قالت الوكالة الدولية، رداً على الإعلان الإيراني، إن مفتشيها الموجودين على الأرض يتحققون من كميات إيران.
وأتي إعلان إيران، أمس، بعد 3 أيام من مفاوضات جرت بين طهران وأطراف الاتفاق النووي، تحت سقف اللجنة المشتركة في الاتفاق، برعاية الاتحاد الأوروبي، في فيينا.
والخميس الماضي، أفادت «رويترز» عن مصادر دبلوماسية في فيينا، اطلعت على بيانات للمفتشين النوويين التابعين لوكالة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، بأن كمية اليورانيوم المخصب لم تتخطَ الحد الأقصى المسموح به، بموجب اتفاقها مع القوى الكبرى، لكن هذه المصادر قالت إن إيران بصدد تجاوز هذا الحد خلال أيام.
وكانت إيران قد أعلنت، في مايو (أيار)، أنها ستوقف التزامها بالحدّ من مخزونها من المياه الثقيلة واليورانيوم المخصب الذي كانت قد تعهدت به، وفقاً للاتفاق الموقع في فيينا. والإعلان كان من المفترض أن تتجاوزه الخميس الماضي، لكن ذلك تأجل، وتباينت المصادر حول أن تكون الخطوة «سياسية» أو «فنية»، عشية اجتماع استثنائي جرى في فيينا الجمعة.
وبعد محادثات فيينا، اتهمت طهران الدول الأوروبية بعدم تقديم ما يكفي من الدعم التجاري لإقناعها بالعدول عن تجاوز حد تخصيب اليورانيوم المنصوص عليه في الاتفاق النووي.
وأعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، في 17 يونيو (حزيران) الماضي، أن إيران ستتخطى 300 كيلوغرام في كميات اليورانيوم خلال 10 أيام، وحذرت الاتحاد الأوروبي من نفاد الوقت.
وبعد ساعات من إعلان وكالة «فارس» أمس، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إن بلاده تجاوزت الحد المسموح لاحتياطيها من اليورانيوم، وقال لوكالة «إيسنا» الحكومية إنه «بناء على معلومات بحوزتي، تجاوزت إيران حدّ الـ300 كلغ» من سادس فلوريد اليورانيوم المنخفض التخصيب (يو إف 6)، مضيفاً: «أعلنا مسبقاً (عن تجاوز الحد)»، موضحاً أن الإعلانات المسبقة لإيران بهذا الصدد تبين «بوضوح ما سنقوم به» لاحقاً.
وتخصيب اليورانيوم بمستوى منخفض نسبته 3.6 في المائة من المواد الانشطارية هو أول خطوة في عملية ربما تسمح لإيران في نهاية الأمر بتوفير مخزون كافٍ من اليورانيوم عالي التخصيب لبناء رأس نووية.
وصرح ظريف في هذا الصدد: «أعلنا بوضوح ما نريد فعله، وسنعمل وفق ذلك، ونعتبر أنه من حقنا (القيام بذلك)، في إطار (ما تسمح به) خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)»، وزاد: «مثلما أعلنا بعد اجتماع (الجمعة) أن الخطوات الأوروبية لم تكن كافية، ستواصل إيران برنامجها المعلن»، وأضاف أن «المرحلة الأولى قيد التنفيذ، وهي تشمل كميات اليورانيوم والمياه الثقيلة، وستكون المرحلة التالية التي نقوم بتنفيذها (تخطي) سقف نسبة التخصيب 3.67».
كذلك، رد ظريف على انتقادات داخلية لاذعة تعرضت لها الحكومة والوزارة الخارجية بعد المستجدات الأخيرة بشأن آلية الدفع الخاصة، وقال إنها «ليست كافية». ورغم تحفظه على طبيعة عمل الآلية، قال ظريف إن «الآلية ليست رداً مناسباً على مطالب إيران والتعهدات الأوروبية، لكنها تحظى بقيمة استراتيجية»، مشيراً إلى أن الآلية «تبعد أقرب حلفاء الولايات المتحدة منها».
وبالتزامن مع ظريف، أوضحت مواقف المسؤولين الإيرانيين أن الحكومة الإيرانية ترهن تفعيل الآلية الأوروبية (إينستكس) بمبيعات النفط الإيراني، وتحدي العقوبات الأميركية على قطاعها النفطي.
ورداً على سؤال حول ما إذا كانت «إينستكس» ستدفع واشنطن إلى فرض عقوبات على دول أوروبية، قال ظريف: «هذه مشكلة الأوروبيين، يتعين عليهم حل مشكلتهم».
وترك ظريف الباب مفتوحاً أمام عودة بلاده لتعهداتها النووية، في حال قامت الأطراف الأخرى بالخطوات المطلوبة، على حد تعبيره. وقال إن دخول بلاده إلى مسار خفض التعهدات «يتسق» مع المادة 36 من الاتفاق النووي. وخاطب الأوروبيين قائلاً: «إذا كان الاتفاق النووي يحظى بقيمة لدى الأوروبيين، مثلما يزعمون، يجب أن تكون الضمانات ذات قيمة في داخل الاتفاق»، معتبراً الخطوات الإيرانية متطابقة مع ما اعتبره «حفظ الاتفاق النووي عبر تنفيذ الضمانات».
ووجه ظريف انتقادات شديدة اللهجة إلى الأوروبيين، قال فيها إن «الفقرات 1 إلى 3 في الملحق الثاني من الاتفاق النووي تنص صراحة على الخطوات الأوروبية، ونتائج خطواتهم»، وقال إن «اتخاذ الخطوات في الفقرات الثلاثة ليست كافية، إنما الإيرانيون يريدون نتائج تلك الخطوات، وفق ما ينص عليه الاتفاق».
وزعم ظريف أن أوروبا قطعت 11 وعداً لبلاده، عقب يومين من الانسحاب الأميركي من الاتفاق، وقال: «لا ندري إن كانت مقدمة التعهدات أصبحت عملية أو لا. ومع ذلك، لا معنى لـ(إينستكس) من دون تنفيذ التعهدات».
ومن بين الوعود التي حصلت عليها إيران في 3 اجتماعات جرت خلال العام الماضي، بحسب ظريف، ضمان بيع النفط، وضمان النقل، وضمان عودة موارد إيران، واسترداد أموال النفط.
وكشف وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه، على هامش اجتماع «أوبك» في فيينا أمس، عن مطالب إيرانية واضحة أمس بشأن الآلية، قائلاً إن «(إينستكس) لا تتجاوب (مع مطالب إيران) من دون دفع أموال النفط».
وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغريني، أول من أمس، تشغيل «إينستكس»، وضخ الأموال إليها، في سياق محاولات أوروبا للالتفاف على العقوبات الأميركية التي أعاد ترمب فرضها على إيران منذ انسحابه من الاتفاق النووي في مايو (أيار) 2018.
وأول من أمس، قال محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، إنه يجب أن تمتد «إينستكس» إلى السلع كافة، بما فيها النفط، مضيفا: «إذا كان للأوروبيين محاذير مؤقتة من شراء النفط، يمكن مناقشة تدشين خط ائتمان مالي طويل المدى لاسترداد مبيعات النفط المقبلة»، وزعم أن الأوروبيين قدموا مقترحاً سابقاً من هذا النوع.
وقال ظريف، في كلمة منفصلة، إن إيران «لن ترضخ أبداً لضغوط الولايات المتحدة... على أميركا محاولة احترام إيران... إذا أرادوا الحديث مع إيران، فعليهم إبداء الاحترام»، وأضاف: «لا تهددوا إيران أبداً... إيران لا ترضخ للضغوط، وترد باحترام عند معاملتها باحترام».
وبالتزامن مع تصريحات ظريف، نقلت «رويترز» عن المتحدث باسم وزارة الخارجية، عباس موسوي، قوله إن خطوات إيران المتعلقة بتقليص التزاماتها بموجب الاتفاق النووية «يمكن العدول عنها». وطالب الدول الأوروبية بتسريع وتيرة جهودها لإنقاذ الاتفاق، ونقل عنه التلفزيون الرسمي قوله: «الوقت ينفد منهم لإنقاذ الاتفاق».
وكثفت واشنطن ضغوطها على طهران في مايو (أيار) لإجبارها على تعديل سلوكها الإقليمي، ووقف تطوير الصواريخ الباليستية، وأصدرت أوامر إلى كل الدول بوقف استيراد النفط الإيراني. وأدرجت إدارة ترمب «الحرس الثوري» على قائمة المنظمات الإرهابية. ومنذ ذلك الحين، يتصاعد التوتر في الخليج.
وأرسلت واشنطن قوات إضافية إلى الشرق الأوسط لردع التهديدات الإيرانية، وكادت مقاتلات أميركية أن تشن ضربات جوية على إيران الشهر الماضي، بعد إسقاط طهران طائرة أميركية مسيرة.
وكان ترمب قد دعا إلى إجراء محادثات مع النظام الحاكم بإيران «دون شروط مسبقة». ونشرت الولايات المتحدة لأول مرة مقاتلات شبح من طراز «إف - 22» في الخليج، وفق ما أعلنه الجيش الأميركي الجمعة، في إطار تعزيز واشنطن وجودها العسكري، وذلك بعد يومين من تلميح ترمب إلى توجيه ضربة جوية إلى إيران، في حرب لا يتوقع «أن تطول كثيراً».
ورد ظريف على ترمب بأن فكرة «الحرب القصيرة مع إيران هي مجرد وهم»، وأضاف: «من يبدأ الحرب ليس من ينهيها».
وقال قائد غرفة العمليات في «الحرس الثوري»، غلام علي رشيد، أمس، إن «رد إيران سيكون قاسياً على أي عدوان»، وأضاف: «نحذر من أن فترة ونطاق الحرب ليس تحت سيطرة أحد».
ونقلت وكالة «مهر» الحكومية عن رئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في البرلمان الإيراني قوله أمس: «إذا هاجمتنا أميركا، فلن يتبقى في عمر إسرائيل سوى نصف ساعة فقط».



قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
TT

قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تعترف المصادر الفرنسية بأن الزيارة السريعة التي أجراها وزير الخارجية، جان نويل بارو، إلى لبنان وإسرائيل، لم تسفر عن نتائج مباشرة. غير أن ذلك لا يعني أنها لم تكن «مفيدة». فالساعات القليلة التي أمضاها بارو في البلدين وفرت له الفرصة لتوجيه مجموعة من الرسائل للسلطات اللبنانية والإسرائيلية خصوصاً أنه ذهب إلى المنطقة للترويج لخطة غرضها دفع الطرفين، رغم الحرب القائمة بين «حزب الله» وإسرائيل، للجلوس إلى طاولة المفاوضات المباشرة، وهو المبدأ الذي قبله الجانب اللبناني وكان يطالب به الجانب الإسرائيلي منذ شهور.

الوزير بارو يصافح نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر قبل اجتماعهما الجمعة (رويترز)

وفي هذا الخصوص، تقول مصادر دبلوماسية فرنسية إن هناك «مساحة لإطلاق محادثات غير مسبوقة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية»، مضيفة أن بارو أوصل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي مفادها بأن هناك «فرصة تاريخية يتعين اقتناصها والسير بها من أجل تسوية دائمة... يفترض بها أن تؤسس إطاراً جديداً للعلاقات اللبنانية - الإسرائيلية، وأن تتيح وضع حد لحالة الحرب القائمة بينهما منذ عام 1949». وهذا الهدف منصوص عليه في «الورقة» الفرنسية التي تطمح أيضاً إلى «ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل وتعبيد الطريق من أجل سلام وأمن ينعم بهما الطرفان».

وبالطبع، وفرت الزيارة للوزير الفرنسي الفرصة ليعيد تأكيد استعداد باريس لتقديم المساعدة؛ بما فيها اللوجيستية عن طريق استضافة المفاوضات. ويبدو أن الزيارة كسرت الجليد بين باريس وتل أبيب؛ مما تؤشر إليه اللهجة الفرنسية «المعتدلة» إزاء إسرائيل.

وجود مساحة للتفاوض ولكن...

بيد أن «مساحة المفاوضات» التي تراها باريس لا يبدو أن الطريق إليها سالكة؛ أقله في الوقت الحاضر، ومن غير حدوث تطورات تتيح الوصول إليها. ففرنسا نفسها، وفق تحليل مصادرها، تعرف أن «إسرائيل لا تريد المفاوضات اليوم»، وأن ثمة «عوائق» من الجانبين اللبناني والإسرائيلي... فـ«حزب الله» يربط بين الحرب التي يخوضها مع إسرائيل، وحرب إسرائيل وإيران. وفي الجانب الآخر، ترفض إسرائيل قبول وقف أحادي لإطلاق النار وترفض أن يكون شرطاً لخوض غمار المحادثات المباشرة.

وبكلام آخر، فإن إسرائيل تريد استنساخ ما حدث في غزة لجهة «التفاوض تحت النار»، وهو ما أشار إليه ميشال عيسى، السفير الأميركي لدى لبنان الجمعة. وخلاصة باريس أن «زمن التفاوض لم يحن بعد». ورداً على سؤال: متى يمكن أن يحين؟ فإن الطرف الفرنسي يربطه بالتطورات الخاصة بتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي أقرتها السلطات اللبنانية بالنسبة إلى «حزب الله»، في إشارة واضحة إلى نزع سلاحه وحصره في قوى الدولة الشرعية. في المقابل، وبانتظار تطورات لن تأتي قريباً، فإن باريس تريد من إسرائيل أمراً رئيسياً؛ هو الامتناع عن اجتياح أرضي واسع النطاق لجنوب لبنان.

تسوّق فرنسا، في هذا السياق، لمجموعة من الحجج؛ لعل أقواها أن اجتياحاً يعقبه احتلال لمساحات من الأراضي اللبنانية يعدّ خطأً كبيراً. وأول نتائجه أنه يوفر لـ«حزب الله» شرعية جديدة تحت عنوان «مقاومة الاحتلال وتحرير الأراضي» ستساعده على استعادة كل شعبيته داخل بيئته. فضلاً عن ذلك، فإن عملية عسكرية كبرى ستترتب عليها نتائج إنسانية كارثية؛ وهي واقعة فعلياً قبل أن تنطلق عملية كهذه؛ بالنظر إلى أعداد الضحايا والنازحين والدمار. وخلاصة باريس أن إسرائيل سوف ترتكب «خطأً استراتيجياً» في حال حدثه، وأن تجاربها الاحتلالية في لبنان منذ سبعينات القرن الماضي وحتى اليوم يجب أن تمنعها من تكرار أخطاء الماضي. وأحد العناصر التي ركز عليها بارو في لقائه جدعون ساعر، وزير الخارجية الإسرائيلي، تأكيده أن النجاحات التكتيكية العسكرية لن توفر الأمن لإسرائيل إن لم تكن منخرطة في إطار استراتيجية سياسية ودبلوماسية؛ مما يعيد الأمر إلى المربع الأول؛ أي المفاوضات والحل السياسي.

التنسيق مع الجانب الأميركي

رغم أن باريس تَعدّ أن «الشروط غير متوافرة من أجل إطلاق المفاوضات» المباشرة، فإن مصادرها ترى، في المقابل، أن ثمة إمكانية لتجاوز هذه العوائق، وهي تعمل على ذلك بالتعاون والتنسيق مع الجانب الأميركي.

بيد أن الأمور تتعقد عند الاستفهام عمّا إذا كانت الإدارة الأميركية؛ المهتمة بالمفاوضات والساعية إلى تيسيرها، راغبة في «لجم» التصعيد الإسرائيلي في لبنان، الذي يعدّ أحد عناصر المصاعب الرئيسية الحائلة دون التقدم على درب المفاوضات. ويأتي الجواب بالنفي. فباريس ترى أنه في نظر الإدارة الأميركية أن واشنطن وتل أبيب تخوضان حرباً مشتركة ضد إيران، وحرب إسرائيل ضد «حزب الله» جزء منها، كما أن «حزب الله» هو امتداد لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وبالتالي؛ فإن واشنطن ليست في وضع يخولها ممارسة الضغوط على إسرائيل في الظروف الراهنة.

وبكلام آخر، تَعدّ باريس أن إسرائيل تمتلك ضوءاً أخضر من واشنطن لتفعل في لبنان ما تريده؛ باستثناء ضرب بعض المرافق الحيوية والاستراتيجية كالمطار والمرفأ، وكان يعتقد سابقاً أن الكهرباء من ضمن المرافق المشمولة، ولكن يبدو أن إسرائيل لا تحترم «التعهد» الأخير، والدليل على ذلك ما نفذته باستهدافها محولاً كهربائياً رئيسياً في بنت جبيل. وهذه المقاربة الأميركية لا تمنع واشنطن من الوقوف إلى جانب جلوس لبنان وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات. واستبق الرئيس ترمب أي تقدم في هذا الاتجاه بتعيين صهره جاريد كوشنر ممثلاً له في أي مفاوضات من هذا النوع.

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تقول باريس إن الهدف الأول من زيارة بارو الثنائية كان توفير الدعم للسكان في البلدين. لكن بارو حمل في المقام الأول دعماً للحكومة اللبنانية «الغارقة في مستنقع حرب لم تخترها». وحرص بارو على التعبير عن دعم بلاده القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في جلسته الشهيرة يوم 2 مارس (آذار) الحالي بالنسبة إلى منع الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله» ومصادرة السلاح وأيضاً ترحيل إيرانيين إلى بلادهم. وشدد بارو على ضرورة أن تنفَّذ القرارات الحكومية وأن تنجح السلطات في فرض سيادة الدولة على كل أراضيها إزاء «حزب» ينفذ أجندة خارجية على حساب لبنان.

خلاصة ما ستسعى إليه فرنسا في الأيام والأسابيع المقبلة عنوانه مواصلة الحراك الدبلوماسي بالتعاون والتنسيق مع الطرف الأميركي، وممارسة الضغوط للدفع باتجاه المفاوضات المباشرة. بيد أن مشكلة باريس أنها تفتقر إلى الأوراق التي تمكنها من التأثير على مسار الأحداث، وأن الرهان على المساندة الأميركية لن يكون بالضرورة رهاناً رابحاً.


بزشكيان يدعو مجموعة «بريكس» إلى لعب دور مستقل في «وقف الاعتداءات ضد إيران»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان يدعو مجموعة «بريكس» إلى لعب دور مستقل في «وقف الاعتداءات ضد إيران»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

ذكرت سفارة إيران لدى الهند في منشور على منصة «إكس» اليوم (السبت)، أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قال إن هناك حاجة إلى «وقف فوري» لما وصفه بأنه عدوان أميركي إسرائيلي، من أجل إنهاء الحرب والصراع الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط.

وتحدث بزشكيان هاتفياً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في وقت سابق اليوم.

وأبلغ بزشكيان مودي بضرورة وجود ضمانات لمنع تكرار مثل هذا «العدوان» في المستقبل. ودعا أيضاً الدول الأعضاء في مجموعة «بريكس» إلى الاضطلاع بدور مستقل في وقف العدوان على إيران.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (أ.ب)

وذكرت السفارة الإيرانية لدى الهند أن بزشكيان قدم اقتراحاً لإطار عمل أمني إقليمي يضم دول غرب آسيا، من أجل ضمان السلام دون تدخل أجنبي. وذكر مودي في منشور منفصل على «إكس» في وقت سابق اليوم، أنه ندد بالهجمات على البنية التحتية الحيوية في منطقة الشرق الأوسط، خلال نقاشه مع بزشكيان.

وأكد مودي أهمية ضمان حماية حرية الملاحة، وبقاء الممرات الملاحية مفتوحة وآمنة.


إسرائيل تحذر من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترمب الحرب

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تحذر من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترمب الحرب

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)

تدفع إسرائيل نحو مواصلة حربها مع إيران رغم تصاعد الضغوط الدولية لوقفها، في وقت تحذر فيه من أن أي إنهاء مبكر للعمليات قد يمنح طهران «انتصاراً فعلياً»، وفق مصدر إسرائيلي كبير، في صورة تعكس تناقضاً بين تسريع الهجمات والاستعداد لاحتمال قرار مفاجئ من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف القتال.

ونقلت القناة «12» الإسرائيلية عن المصدر أن إسرائيل ترصد ضغوطاً شديدة لإنهاء الحرب، ولا تستبعد أن يفعلها الرئيس ترمب في أي لحظة، «لكن إذا حدث ذلك فعلاً فسيخرج الإيرانيون منتصرين».

وجاء في تقرير للقناة الإسرائيلية أن تل أبيب تراقب ضغوط أطراف إقليمية لإنهاء الحرب في أعقاب الهجمات الإيرانية المتزايدة ضد بنى تحتية في المنطقة، بالتزامن مع توسع دائرة الاتصالات المباشرة مع البيت الأبيض لوقف إطلاق النار، فيما تدرس واشنطن الأمر.

وقال المصدر الإسرائيلي للقناة «12» إن «هذا السيناريو يمثل نقطة حرجة (...) إذا نجحت الضغوط في إنهاء الحرب، فسيخرج الإيرانيون منتصرين»، على حد تعبيره.

وتدرك إسرائيل أن الرئيس الأميركي قد يتخذ قراراً منفرداً بوقف العملية العسكرية، ما يدفعها للتأهب على المستوى العسكري إلى جانب تسريع وتيرة الهجمات لتعظيم الإنجازات.

وتعززت الشكوك في قيام ترمب «بأي شيء في هذه الحرب»، بعدما تنصل علناً من الهجوم الإسرائيلي على منشآت الغاز في إيران، رغم التنسيق معه مسبقاً وبشكل مباشر، كما تقول القناة «12».

طائرة حربية إسرائيلية في طريقها للمشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

«لا يفهمون ترمب تماماً»

مع ذلك، تأمل إسرائيل في أن الرئيس الأميركي لن يوقف العملية في الوقت الحالي، وأن يواصل جهوده لإجبار النظام الإيراني على الاستسلام، خصوصاً بعد تصريحاته التي قال فيها إنه «قادر على إنهاء الحرب، لكنه لا يريد». وأضاف: «لا أريد وقف إطلاق نار مع إيران».

وعلق مصدر إسرائيلي بالقول إنها «علامة على تصميم ترمب على مواصلة الحرب وتحقيق الحسم».

ويوضح تقرير القناة «12» أنهم في إسرائيل «لا يفهمون ترمب تماماً، لذلك يحاولون تصعيد الهجوم»، مشيرة إلى «وضع هدف جديد للحرب يتمثل في الإطاحة بقدرات (الحرس الثوري) للسيطرة على إيران».

وقال مسؤول أمني كبير: «الجهد الرئيسي الآن هو إفشال سيطرة (الحرس الثوري)؛ لأن الانطباع بأن النظام الإيراني حصين هو صورة خاطئة، وقد تسفر الضربات القوية المستمرة عن تفتته».

وتعهد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بزيادة وتيرة الغارات على إيران بشكل كبير هذا الأسبوع.

وقال كاتس بعد اجتماع لتقييم الوضع الأمني مع كبار قادة الجيش وأجهزة الأمن في مقر وزارة الدفاع إن «وتيرة الضربات التي ستنفذها القوات الإسرائيلية والجيش الأميركي ضد نظام الإرهاب الإيراني والبنى التحتية التي يعتمد عليها ستزداد بشكل كبير هذا الأسبوع».

وأضاف كاتس في محاولة لتبديد الشكوك حول نية ترمب: «الحملة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ستتواصل ولن نتوقف ما لم تتحقق كل أهداف الحرب».

وجاءت تصريحات كاتس قبل أن يزور روضة أطفال تعرضت لأضرار في ريشون لتسيون جنوب تل أبيب، وهناك عاد وقال إن القتال سيستمر.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن تصريحات كاتس تؤشر إلى أن القتال سيتواصل أيضاً أثناء عطلة عيد الفصح بداية الشهر القادم.

مع ذلك، ليس من الواضح بعد كيف تريد إسرائيل إحباط ما تصفه بـ«سيطرة الحرس الثوري» على إيران.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين قتلوا في الضربات الإسرائيلية يوم 28 يونيو 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

اغتيال المزيد...

وقالت مصادر أمنية إسرائيلية لموقع «واللا» إن الجيش حاول اغتيال المزيد من قادة النظام في إيران، من دون أن يتضح إلى أي حد نجح في ذلك، مشيرة إلى «هجمات واسعة النطاق نُفذت في إيران ليلة (السبت)، استهدفت شخصيات بارزة، بانتظار أن يجمع الجيش المعلومات الاستخباراتية».

وأضافت المصادر: «في حال نجاح هذه الهجمات، فستكون ضربة أخرى للنظام الإيراني وقدرته على تبني سياسات متطرفة ضد إسرائيل والولايات المتحدة والمواطنين الإيرانيين».

في هذا السياق، لا تزال إسرائيل تتعقب المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، رغم التقارير المتواترة التي تلقي الكثير من الغموض حول مصيره، لكن ثمة تقييماً جديداً يفيد بأنه «على قيد الحياة وإصابته ليست خطيرة».

وقالت صحيفة «يديعوت» إن الإيرانيين لا يظهرون خامنئي علناً ولا ينشرون فيديوهات له، متبعين سياسة تضليل لتعزيز الغموض.

وقالت «يديعوت» إن افتراضاً سائداً في إسرائيل يزعم أن خامنئي لا يمارس مهامه ولا يصدر تعليمات لمرؤوسيه، وأن أعضاء في «الحرس الثوري» هم من يملأون هذا الفراغ، بعدما كانوا «يعاملون مجتبى خامنئي سابقاً كدمية في أيديهم»، حسب تعبير الصحيفة.