غالبية الأتراك يرون أن النظام الرئاسي لم يفد بلادهم

إمام أوغلو يبدأ عمله في بلدية إسطنبول بـ«صلاحيات مقيّدة»

رئيسة فرع حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول كنان كفطانجيوغلو لدى وصولها أمس إلى المحكمة حيث تواجه حكما بالسجن إذا أدينت بتهمة إهانة الرئيس على تويتر (أ.ف.ب)
رئيسة فرع حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول كنان كفطانجيوغلو لدى وصولها أمس إلى المحكمة حيث تواجه حكما بالسجن إذا أدينت بتهمة إهانة الرئيس على تويتر (أ.ف.ب)
TT

غالبية الأتراك يرون أن النظام الرئاسي لم يفد بلادهم

رئيسة فرع حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول كنان كفطانجيوغلو لدى وصولها أمس إلى المحكمة حيث تواجه حكما بالسجن إذا أدينت بتهمة إهانة الرئيس على تويتر (أ.ف.ب)
رئيسة فرع حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول كنان كفطانجيوغلو لدى وصولها أمس إلى المحكمة حيث تواجه حكما بالسجن إذا أدينت بتهمة إهانة الرئيس على تويتر (أ.ف.ب)

كشف استطلاع رأي، أجرته شركة «ميتروبول» البارزة في هذا المجال في تركيا، عن ارتفاع نسبة الأتراك الرافضين للنظام الرئاسي الذي خوَل للرئيس، رجب طيب إردوغان صلاحيات وسلطات غير مسبوقة لأي رئيس تركي. وأوضح الاستطلاع الذي أجري في منتصف يونيو (حزيران) الجاري أنه إذا أعيد الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي أجري في 17 أبريل (نيسان) 2017. وتم بموجبه إقرار النظام الرئاسي، فإن 58.6 في المائة من المواطنين الأتراك سيختارون النظام البرلماني. بينما سيختار 39.4 في المائة النظام الرئاسي. ورأى 50.7 في المائة من عينة الاستطلاع أن النظام الرئاسي لم يكن مفيدا لتركيا، مقابل 30.8 في المائة رأوا أنه مفيد. وبحسب الاستطلاع، اعتبر 48.6 في المائة من المشاركين أن الاقتصاد هو أكبر مشكلة تواجه تركيا، فيما رأى 15.6 في المائة أن البطالة هي المشكلة الأكبر.
وأعاد الفوز الكبير الذي حققه مرشح المعارضة التركية لرئاسة بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو فتح النقاش حول النظام الرئاسي الذي دخل حيز التنفيذ عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة في 24 يونيو (حزيران) 2018. ووجَّه رئيس حزب الشعب الجمهوري، زعيم المعارضة التركية، كمال كليتشدار أوغلو، دعوة صريحة إلى الأحزاب السياسية في البلاد للعمل معاً من أجل إلغاء النظام الرئاسي والعودة إلى النظام البرلماني. وقال في كلمة بالبرلمان، الثلاثاء، «علينا العمل معاً لإلغاء نظام الرجل الواحد، الذي يكفل للرئيس رجب طيب إردوغان، الاستئثار بكافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، كي نؤسس نظاماً ديمقراطياً قوياً».
بدأ رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو مهام عمله مجددا أمس (الجمعة) بعد أن تسلم المنصب للمرة الثانية عقب فوزه في انتخابات الإعادة. وجرى تسليم وثيقة رئاسة البلدية من جانب اللجنة العليا للانتخابات، أول من أمس، وسط تجمع حشد ضخم ضم الآلاف من أنصار حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة والذي ينتمي إليه إمام أوغلو، وحزب الجيد الحليف معه في إطار «تحالف الأمة» ومواطنين من مختلف الانتماءات أمام مبنى رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى رافعين علم تركيا للاحتفال بعودته إلى رئاسة البلدية التي تسلمها لمدة 18 يوما فقط عقب فوزه بفارق ضئيل نسبيا على يلدريم في الانتخابات المحلية التي أجريت في 31 مارس (آذار) الماضي، قبل أن تلغي اللجنة العليا للانتخابات نتيجة الاقتراع. وقال إمام أوغلو، في كلمة أمام الحشد الجماهيري الضخم الذي غابت عنه التغطية المباشرة من جانب القنوات التركية التي يخضع أغلبها لسيطرة مباشرة أو غير مباشرة للحكومة: «اليوم هو احتفال بالديمقراطية، احتفال بإسطنبول... سكان إسطنبول أعطوا درساً لحفنة من الناس الذين أرادوا إلحاق الأذى بالديمقراطية». وفاز إمام أوغلو في جولة الإعادة الأحد الماضي بنسبة 54.2 في المائة من أصوات الناخبين مقابل 44.9 في المائة لمنافسه بن علي يلدريم حيث وسع الفارق عن الجولة الأولى للانتخابات من نحو 14 ألف صوت إلى نحو 800 ألف صوت. وانتقد مراقبون تجاهل وسائل الإعلام لنقل خطاب إمام أوغلو على الهواء نظرا لأن مدينة إسطنبول تعد أهم المدن التركية، كما أن انتخاباتها شهدت جدلا واسعا بسبب رفض الرئيس رجب طيب إردوغان الاعتراف بنتيجة الجولة الأولى. وعقب الفوز الكبير لإمام أوغلو الأحد الماضي توقع محللون أتراك أن مهمته لن تكون سهلة على الإطلاق وقد يصطدم بالكثير من العقبات الإعلامية والسياسية والبيروقراطية، في ظل استحواذ إردوغان على جميع السلطات في البلاد في ظل النظام الرئاسي الذي أقر في تركيا العام الماضي. وتعمدت وسائل الإعلام التركية، باستثناء القليل النادر منها عدم ذكر اسم أكرم إمام أوغلو صراحة للتقليل منه وإطلاق وصف «مرشح حزب الشعب الجمهوري» عليه حتى لا يعلق بأذهان الناس، لكنه تكتيك أثبت فشله في ظل التوظيف الناجح لوسائل التواصل الاجتماعي من جانب إمام أوغلو، التي استطاع من خلالها النفاذ إلى مختلف شرائح المجتمع وبخاصة الشباب إضافة إلى المناظرة التلفزيونية التي بثتها قناة «فوكس» الخاصة قبل جولة الإعادة بأسبوع واحد والتي كانت حاسمة في ترجيح كفة إمام أوغلو وحسم أصوات المترددين لصالحه.
ويتمتع إمام أوغلو بشخصية كاريزمية قادرة على النفاذ إلى مختلف شرائح الناس، وهو ما اعتبره مراقبون، مصدر قلق للرئيس التركي الذي ظل مستحوذا على المشهد السياسي والإعلامي منذ أكثر من عقدين، والذي لم يتقبل فكرة أن يصعد سياسي مغمور مثل إمام أوغلو إلى صدارة المشهد السياسي والإعلامي بهذه القوة، التي استدعت إلى الأذهان بدايات إردوغان في إسطنبول عندما فاز برئاسة بلديتها عام 1994. وفي أولى خطوات التضييق على إمام أوغلو، بهدف عرقلة عمله في رئاسة البلدية، والبلديات الأخرى التي خسرتها حكومة العدالة والتنمية أصدرت الحكومة قرارا يقلص من صلاحيات رؤساء بلديات المدن الكبرى. واستبقت وزارة التجارة التركية تسلم إمام أوغلو منصبه، وأصدرت قرارا يوم الأربعاء الماضي يقضي بسحب صلاحية تعيين مديري الشركات المرتبطة ببلدية إسطنبول، وعددها 30 شركة، من رئيسها، ونقلها إلى مجلس البلدية، الذي يمتلك حزب العدالة والتنمية أغلبية أعضائه.
وأثار هذا القرار جدلاً واسعاً في أوساط حزب الشعب الجمهوري، الذي اتهم الحزب الحاكم بإعاقة عمل الفائز برئاسة بلدية إسطنبول، بالإضافة إلى الخطر الذي يمثله السياسي الليبرالي الشاب على مستقبل إردوغان نفسه في السلطة، بعد ظهور أصوات تنادي بتجهيزه لمنافسة إردوغان في الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2023. ويبلغ إجمالي المبيعات السنوية للشركات التابعة لبلدية إسطنبول وحدها نحو 24 مليار ليرة، أو ما يعادل أكثر من 4 مليارات دولار، لن يستطيع رئيس البلدية التصرف فيها إلا بموافقة أغلبية أعضاء مجلس البلدية وهم من حزب العدالة والتنمية.
وظهرت أولى الآثار المترتبة على قرار وزارة التجارة التركية بشكل ملموس في العاصمة أنقرة، حيث فشل المسؤولون الذين عينوا في مجلس إدارة شركة «خلق إيكميك» (خبز الشعب) من جانب رئيس بلدية أنقرة الجديد منصور ياواش التابع لحزب الشعب الجمهوري في الحصول على موافقة من السجل التجاري، التابع لغرفة تجارة أنقرة، التي يترأسها غورسيل باران، وهو ابن عم زوجة إردوغان، وفقاً لتقارير وسائل الإعلام التركية.
وكان معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، ذكر في تقرير قبل أيام، أن إردوغان يمتلك خطة بديلة حال خسر مرشحه بن علي يلدريم مجددا أمام نجم المعارضة الصاعد أكرم إمام أوغلو، مشيرا إلى أنه لن يسارع إلى إضعافه فور جلوسه على مقعده، خوفاً من احتجاجات واسعة النطاق، بل إنه سيعاود استخدام مخطط المقاربة التدريجية التي استخدمها بعد انتخابات 31 مارس، والتي امتدت على مدى خمسة أسابيع، حيث اضطر إمام أوغلو للانتظار لأكثر من أسبوعين قبل تولي مهام منصبه رسمياً، ثم سمح له الرئيس بتولي المنصب لأقل من 3 أسابيع، قبل أن يطلب من لجنة الانتخابات إبطال النتائج وإبعاده من منصبه، لتستجيب اللجنة في أقل من 48 ساعة.
وتوقع التقرير أن يتأنى إردوغان في اتخاذ خطوات من شأنها إضعاف سلطة إمام أوغلو، مع تمريره تشريعاً برلمانياً عبر نواب العدالة والتنمية والحركة القومية للحد من صلاحياته، وصولاً إلى الخطوة الأكثر فتكاً بالخصم، وهي وقف تمويل المدينة ماليا، وهو الأمر الذي سيؤدي لانهيار الخدمات، ومن ثم انهيار شعبية رئيس البلدية بالتبعية، خاصة في ضوء اعتماد البلديات في تركيا على الحكومة المركزية في ثلثي ميزانيتها.
وتصديقا لذلك، قال إردوغان في حديثه لمجموعة من الصحافيين، أثناء وجوده في اليابان لحضور قمة العشرين: «لن ندعم إمام أوغلو إلا إذا أتى بمشاريع واقعية لصالح إسطنبول، ولكن إذا أتى بمشاريع غير مقبولة، فلن ندعمها أبداً»، لكنه لم يحدد المعايير التي على أساسها سيجري تقييم المشاريع. في المقابل، قال نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري أونال شفيق أوز، إن «إسطنبول مدينة كبيرة وميزانيتها ضخمة، ومن المحتمل أن يحاول إردوغان عرقلة مصادر تمويلها، لكن لديها العديد من الفرص للحصول على تمويلها الخاص».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.