جدة تتألق في موسمها الصيفي وتستضيف مزادها الفني الأول

وزارة الثقافة السعودية و«كريستيز» في المزاد الخيري «الفن للبلد»

زوار أمام عمل الفنان راشد الشعشعي
زوار أمام عمل الفنان راشد الشعشعي
TT

جدة تتألق في موسمها الصيفي وتستضيف مزادها الفني الأول

زوار أمام عمل الفنان راشد الشعشعي
زوار أمام عمل الفنان راشد الشعشعي

جدة ووسطها التاريخي المعروف بـ«البلد» تعيش حالة من النشاط الواضح، بحضور كثيف يتحدى الطقس الحار. تمتلئ الطرق الضيقة المتعرجة بزوار البلد التاريخية التي تكتسي بالألوان الملونة التي تضيئ مبانيها العتيقة. وفي عربات «غو كارت» ينطلق زوار معرض مزاد كريستيز الخيري «الفن للبلد» من أمام مبنى عتيق كان مقراً للقنصلية الإنجليزية في القرن الماضي متجهين للمعرض. ينشغل الركاب على الطريق بتصوير المباني القديمة بنوافذها الخشبية المميزة «الرواشين» وتتوقف العربات في ساحة صغيرة أمام أشهر بيوت جدة التاريخية، وهو «بيت نصيف»، حيث يقام المزاد اليوم الأربعاء.
البيت يرحب بزواره كعادته دائماً وعبر درجاته الحجرية الواسعة نعبر للداخل حيث تعرض أكثر من 40 لوحة فنية لفنانين من السعودية ومن خارجها، تبرع بها أصحابها الفنانون أو من يقتنونها ليخصص ريعها لبناء متحف البلد في جدة التاريخية.
الحضور كثيف للمعرض، ولكنه كان أكثر خلال اليومين الماضيين، حيث كان مفتوحاً للجمهور، يقول مايكل جيها رئيس مجلس إدارة «كريستيز» الذي كان واقفاً في وسط المعرض: «سعيد جداً بهذا العرض، العدد الكثيف من الزوار كان مدهشاً». أما هالة خياط الخبيرة الفنية بـ«كريستيز» فتأخذ على عاتقها التجول معي عبر اللوحات التي امتدت على طابقين.
تشير خياط للعرض وتقول: «سعيدين جداً بوجودنا هنا في جدة. للمرة الأولى تقوم (كريستيز) بالتعاون مع وزارة الثقافة السعودية لتنظيم هذا المزاد الخيري وستحضر مزايدة أميركية (أوكشنيير) لإدارة المزاد من أميركا».
- جولة فنية بطعم التاريخ
من الأعمال الموجودة لفنانين عرب تشير الخبيرة للوحة الفنان سمير صايغ، «واو»، وهي من فنون الخط العربي وإلى جانبها نرى لوحة بها ثنائية بين اللونين الأبيض والأسود تحمل عنوان «صراع»، وهي تعبر عن ثنائية التغيير في المنطقة العربية. اللوحة لفنان شاب سوري من اللاجئين للبنان واسمه عقيل.
تعلق على عمل للفنان السعودي راشد الشعشعي: «أجد عمله من أجمل الأعمال يتميز بالتنفيذ المتقن جداً، العمل له طبقات متعددة من التركيب والمعنى أيضاً. من بعيد كأننا نرى لوحة إسلامية بالأقواس والزجاج الملون ولكن عند الاقتراب نجد أن ما نعتقد أنه تشابكات من الحديد المشغول بجمال مميز، نرى أن الفنان استخدم عنصراً لا يمكن توقعه، وهو مجموعة من السلال البلاستيك التي تستخدم في عرض الخضراوات والفواكه في «السوبر ماركت»، وفي الخلفية الألوان التي نظنها زجاجاً ملوناً ما هي إلا أغلفة منتجات تجارية من المشروبات والمأكولات، تقول إن العمل يمثل «تعليقاً على التسليع والاستهلاك، وكأنما الفنان يعبر عن تأثير الاستهلاك الغربي على الثقافة المحلية».
الفنان التونسي الشهير نجا مهداوي يجاور الشعشعي بلوحة مميزة، تقول هالة خياط: «نجا يعمل بيده دائماً، له تكنيك في الكتابة بالخط العربي، ولكن المنتج النهائي لا يمكن قراءته، هو يريد من المشاهد أن يرى فقط جماليات الخط». أعمال مهداوي تتميز بجماليات عالية جداً تجذب المتفرج للألوان والتعرجات والثنيات لخطوط متقاطعة ومتعانقة وبأطراف متطايرة كأنما هي مجموعة من الخيوط الملونة التي تنتظم فيما بينها لتكون شكلاً بديعاً بكل المقاييس.
إلى جانب عمل مهداوي هناك عمل للفنانة السعودية مها الملوح من بدايات أعمالها التي استخدمت فيها الأشعة لتماثل أجهزة الأشعة في المطارات التي تمسح مقتنيات المسافرين واستخدمت مها المفردات البسيطة في الحياة اليومية، فهناك الألعاب والأمشاط و«المكحلة» التقليدية للنساء في السعودية تحديداً، تشير هالة خياط إلى أن ذلك يعبر عن معاناة المسافرين العرب مع التنميط في المطارات الغربية حيث ارتبطت صورة المواطن العربي بالإرهاب.
من عمل مها الملوح نمضي لعمل آخر للفنان السعودي عبد الناصر الغارم الذي اشتهر باستخدام الأختام الرسمية لتكوين أعمال فنية تتناول أفكاراً مثل البيروقراطية والالتزام، وربما عمله هنا أصبح علامة معروفة تعبر عن الفنان بشكل كبير جداً وعمله هنا هو بعنوان «الختم - إن شاء الله». ترى هالة خياط أن العمل يعبر عن البيروقراطية في الدول العربية، وتعليق من الفنان على ذلك بعبارة «قليل من الالتزام».
هناك عمل آخر للفنان معاذ العوفي «التشهد الأخير» عن المساجد المهجورة في الصحراء، أما الفنان أحمد عنقاوي، الذي يركز على الأشكال الهندسية وتقاطعاتها، وخصوصاً في فن الخشب المستخدم في الحرف القديمة لصناعة النوافذ والأبواب الخشبية في مباني جدة ومكة القديمة، تشير هالة خياط إلى أن الفنان استخدم مهارته في تشكيل الخشب في تقديم «لانهائية من الاحتمالات» في عمله الفني.
- رواد الحركة التشكيلية
العرض يترامى بأعمال لفنانين من الرواد في الحركة التشكيلية السعودية أمثال عبد الحليم رضوي وعبد الله حماس وعبد الله الشيخ وطه الصبان وعبد الرحمن السليمان. ولفنانين من العالم العربي مثل أسامة بعلبكي وعمل بديع التشكيل والتنفيذ يصور منظراً من بيروت يتميز بضربات الفرشاة السخية والألوان التي توحي بفترة ما بعد غروب الشمس.
أما لوحة الأمير بدر بن عبد المحسن - أول مرة تعرض لوحه له - اسمها: «إلى أين» أشخاص منظورها من أعلى وكأننا نراها أعلى منا ونرى آثار أقدامهم، تطرح اللوحة تساؤلات وجودية هامة.
من أعمال الرائد عبد الحليم الرضوي تعلق هالة خياط على لوحة «دون عنوان 2»: «الفنان دائماً يعبر عن المدن ومبانيها، لا نعرف أين هذه المدينة ولكن هناك مآذن ومبانٍ في الخلفية، قد تكون في جدة أو المدينة، هناك عناصر إسلامية موجودة تجذبنا للوحة، إضافة إلى عبارات دينية مثل التشهد.
نقف أمام عمل للفنان عبد الله الشلتي «الطواف حول الكعبة» وتقول هالة خياط: «التقنية هنا جميلة جداً». يعبر الفنان عن الطواف بنثرات من اللون الأبيض تصبح كتلاً من اللون الأبيض المتماوج تمضي سوياً في تناغم روحي ولوني بديع.
هناك أيضاً لوحة للفنان عبد الله حماس قد تكون امرأة من منطقة عسير بالقبعة الخصف التي تميز الزي التراثي للمنطقة.
- عبد الرحمن السليمان والتحسر على ما ضاع
في الطابق الثاني ألتقي الفنان السعودي عبد الرحمن السليمان من رواد الفن السعودي وعمل له في المزاد «أثر أندلسي» أسأله إن كان العمل مستوحى من الأندلس بالفعل وبالعمارة هناك؟ يقول بتواضع وهدوء محبب: «كنت في زيارة للأندلس وانتابني نوع من التحسر على ما ضاع منا»، أسأله إن كان يهتم بالعمارة ويقول: «أهتم بالمكان دائماً والمكان بإنسانه». يعبر السليمان في عمله على القضايا الإنسانية «بالإيجاز قدر الإمكان» حسب تعبيره. يجد السليمان أن الحديث عن أعماله أمر صعب: «أنا أسوأ من يتحدث عن أعماله» ويرى أن اللوحة «لا يمكن شرحها»، المشكلة بالنسبة له أن يواجه أسئلة في تفاصيل العمل ومقصده من العمل.
- راشد الشعشعي والنحت بالضوء
خلال الجولة ألتقي بالفنان راشد الشعشعي وأجدها فرصة لأسأله حول عمله المعروض هنا، يقول: «أستخدم الضوء من الخلف في أعمالي، أحاول أن أنحت فكرة الضوء مثل ما كان الفنانون المسلمون يفعلون في استخدام الضوء في دور العبادة باستخدام الزجاج المعشق. كأنهم كانوا ينحتون بالضوء ويغيرون في ألوانه لخلق حالة من الروحانية داخل المكان، هنا أستخدم السلال البلاستيكية المستخدمة في نقل الفواكه وبيعها، بالإضافة لصور من السوبر ماركت لسلع مختلفة ولكن التي استخدمتها هنا هي سلع للتجميل والمتعة». يشير الشعشعي للرموز المستخدمة في العمل ويقول: «هنا يمكنك رؤية رمزين لهما أهمية كبيرة، الأول هو القوس الإسلامي والثاني هو النجمة الثمانية عند الآشوريين والمستخدمة في الفن الإسلامي، «النجمة كانت رمزاً للأنثى، أتحدث عن حالة التسليع في ظل الرأسمالية والطبقية التي قد تخلق من الإنسان سلعة وخاصة الأنثى».
أسأله عن فكرة التسليع وربطها بالأنثى يقول: «إذا نظرنا للعمل فنحن كالواقف أمام ثلاجة في السوبر ماركت وعلى مستوى سوريالي نتخيل أننا أمام زجاج معشق في دار عبادة، حالة مزدوجة ما بين الروحانية التي تنبذ التسليع، في نفس الوقت الرأسمالية تجبرك على النزعة الاستهلاكية». تتدخل هالة خياط في خيط الحوار بقولها: «هناك حالة من الروحانية وعكسها». يضيف الشعشعي: «تماماً، على سبيل المثال في رمضان نجد البضائع في (السوبر ماركت) وقد اتخذت أشكالاً إسلامية وزخرفات، هم يستخدمون الصبغة الدينية لتسويق السلع». أترك العرض، وفي ذهني معانٍ وأفكار كثيرة من الأعمال المعروضة لأخرج للهواء الدافئ والزحام في باحة نصيف، بينما تحضر عربات «الغو كارت» المزيد من أفراد الجمهور المتعطشين لرؤية الأعمال الفنية ولتجربة جديدة تجمع ما بين جمال جدة التاريخية وما بين التعبيرات الفنية المستوحاة من حياة كل منا في هذا العصر.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.