«الباريسي»... تغيرات النسيج الاجتماعي في الدول العربية الناشئة

الراوية الأولى للكاتبة البريطانية من أصل فلسطيني إيزابيلا حمد

«الباريسي»... تغيرات النسيج الاجتماعي في الدول العربية الناشئة
TT

«الباريسي»... تغيرات النسيج الاجتماعي في الدول العربية الناشئة

«الباريسي»... تغيرات النسيج الاجتماعي في الدول العربية الناشئة

رواية «الباريسي» هي الراوية الأولى للكاتبة البريطانية من أصل فلسطيني إيزابيلا حمد (27 عاماً). وقد نشرت الرواية مطلع هذا العام عن دار «جوناثان كيب»، التابعة لـ«راندوم هاوس»، ونالت منذ صدورها ترحيباً نقدياً ملحوظاً في بريطانيا وأميركا.
تدور أحداث الرواية على هامش الثورة العربية الكبرى ضد السيطرة العثمانية، وفي أثناء غليان المنطقة قبيل الحرب العالمية الأولى، من خلال مدحت كمال، الشاب الفلسطيني الذي رحل من نابلس إلى مارسيليا على متن باخرة أبحرت من الإسكندرية سنة 1915، لدراسة الطب في جامعة مونبيليه. ومدحت هو الابن الوحيد للحاج طاهر من زوجته الأولى، عزيزة التي توفيت وهي شابة تاركة إياه بعمر لا يتجاوز السنتين.
كان الحاج طاهر، بعقلية التاجر الذكي المستشرفة، يخطط لبناء أول مشفى في نابلس، ولن يجد خيراً من ابنه لإدارة المشفى وترؤس طاقمه. وقد أمن الحاج طاهر سكناً لابنه في بيت أحد أساتذة الجامعة، الدكتور فريدريك مولينو.
يلتقي مدحت في رحلة الأيام الأربعة، على متن السفينة، بفاروق العظمة السوري، مدرس اللغة العربية في السوربون المقيم في باريس، لتنعقد بينهما صداقة وأخوة حميمية ستستمر لسنوات مقبلة، بعد أن ينتقل مدحت للإقامة في باريس، وتحديداً في منزل فاروق الواقع في حي سان جيرمان.
ستبدأ رحلة الاستكشاف المعرفي لمدحت منذ وصوله لمحطة القطار في مونبيليه، حيث يجد بانتظاره فتاة شابة اسمها جانيت، كلفها مضيفه الدكتور مولينو باستقباله. وجانيت هي البنت الوحيدة للدكتور فريدريك، وقد فقدت والدتها بحادث تراجيدي وكانت لا تزال مراهقة.
تمر السنة الأولى بسرعة، ويتعرف مدحت خلالها على عادات وتقاليد المجتمع الفرنسي، عبر مناسبات كثيرة تدعوه إليها العائلة المضيفة، وكان دوماً محط انتباه كل من يعرف أن الشاب ذا الشعر الغامق والهيئة الأنيقة... هو العربي أو المشرقي، «لا أوغينتال»! ويندهشون أكثر حين يعرفون أنه يحضر لدراسة الطب، ويتحدث الفرنسية بشكل جيد.
كان مدحت سعيداً من جهة بهذه التجربة المعرفية، ومتضايقاً ممن تعاملوا معه كشخص من الدرجة الثانية أو الثالثة... قادم من الصحراء.
يقول لجانيت في إحدى المرات: «لا فرق بين هذه التلال وشبيهاتها في فلسطين، أو بين الأشجار والأزهار هنا وهناك... نابلس مدينة جميلة، وكذلك القدس والإسكندرية والقاهرة ودمشق. ولدينا جامعات قد لا تكون بعراقة مونبيليه أو باريس، ولكنها موجودة».
ستساعده جانيت على التخلص من شعور الخوف تجاه الغرباء: «لا تخف كما خفت أنا حين درست الفلسفة مع مجموعة من الذكور في باريس. كانوا يدفعونني للشعور كما تشعر الآن، بأنني أقل منهم، لكنني تخلصت من ذلك مع الوقت، امنح نفسك وقتاً».
يسير كل شيء بين مدحت وجانيت باتجاه تشكل قصة حب رقيقة هشة في الوقت نفسه، هي انعكاس لحالتيهما. فمدحت حدد والده مستقبله، وجانيت قرر والدها مصيرها، بانتقالها إلى مونبيليه. إلا أن قصة حبهما ستجهض، فقد اكتشف مدحت أن د. مولينو يراقبه، ويطبق عليه تجاربه الاستشراقية كفأر مخابر: كيف يأكل، وكيف يشرب، وكيف ينظر لجانيت، وكيف يجيب عن الأسئلة... إلخ.
مطعوناً بقيمته ومشاعره، سيغادر مدحت كمال مونبيليه متجهاً لباريس، حيث يصبح نزيلاً دائماً في منزل فاروق العظمة، الذي بدوره يشكل ملتقى القوميين العرب في باريس. هناك يلتقي مدحت بهاني مراد، المحامي الشاب اللامع الناشط من أجل استقلال الدول العربية عن السلطنة العثمانية والانتدابات البريطانية والفرنسية، التي كانت بدأت تتخمر أمام أعينهم.
يقرر مدحت دراسة التاريخ، الأمر الذي يخفيه عن والده وأقربائه في نابلس، حيث الجميع ينتظر الاحتفال بعودة «الدكتور مدحت».
في تلك المرحلة الباريسية تتشكل شخصية مدحت، وسيصبح لقبه لاحقاً في نابلس «الباريسي»، فقلما يشارك في الحلقات السياسية في البيت؛ كان يفضل عيش تجربته كشاب فشل في قصة حبه الأهم، عبر التنقل بين أحضان فتيات الليل اللواتي كن بالنسبة له تنويعات فاشلة وتخييلية عن جانيت.
الفترة الفلسطينية من حياة مدحت ستبدأ بسرعة، ويتمثل أبرز أحداثها بزواجه من فاطمة، ابنة الحاج نمر حمد، الفقيه الإسلامي أخو المحافظ السابق لنابلس. إلا أن زواج مدحت وفاطمة، كشابين توّاقين لتشكيل أسرة مرموقة، على أساس نسَبيهما وثروات عائلتيهما، سيسفر عن بداية متعثرة بأسرع مما توقع مدحت. يصله نبأ وفاة والده في القاهرة، بجلطة قلبية، بعد أيام قليلة من زواجه. وسيتم يتم دفن الحاج طاهر على عجل. وتقوم زوجته ليلى بتوزيع الميراث، بين أولادها وبين مدحت وجدته. لكن حين يعود مدحت إلى نابلس، سيجد أمامه خبراً أسوأ من خبر وفاة الأب، وهو أن والده المتوفي قد سجل تجارته باسم زوجته ليلى.
يجد مدحت نفسه على أرض رخوة، بسبب وفاة أبيه من جهة، وفقدانه الميراث من جهة أخرى. وتأخذه دوامة أفكار مضطربة: ماذا عساه يفعل... وهو من كان يتباهى أمام أهل زوجته بنسبه وثروته؟!
تتسارع أحداث الفترة الفلسطينية، التي تمتد بين العشرينات وأوائل 1936، وتشير الرواية لتشكيل مجموعات الثوار، بقيادات قادمة من سوريا، كعز الدين القسام، وتعرّج قليلاً على المحاكمات الثورية التي يقيمونها على عجل لمحاسبة «الخائنين» وإعدامهم.
صدفة عمياء تقود مدحت للطابق العلوي في البيت الذي كان له مرة قبل الزواج، وأصبح فيما بعد سكناً لوصفي ابن عمه، ليعثر في إحدى الغرف على رسالة كانت قد أرسلتها جانيت له منذ سنوات بعيدة، إلا أن والده قد أخفاها عنه.
في لحظة خيبة عاصفة، وقهر من والده الذي حرمه من ميراثه، وصادر عليه حتى عاطفته، بحرمانه من حق الاطلاع على رسالة موجهة له تحديداً، سيصاب مدحت بانهيار عصبي، ويقع في حالة هياج يفقد خلالها السيطرة على نفسه، فيصب انتقامه الأعمى ضرباً لهاني مراد صديقه الذي رافقه لزيارة بيت العائلة في ذلك النهار.
يتم إدخال مدحت للعلاج في دار الراهبات في نابلس، إلا أن ابن عمه جميل وصديقه هاني مراد يقرران نقله لدار المجانين في بيت لحم، حيث يدير المركز كادر إنجليزي.
يزداد مدحت عزلة وحزناً، وبضغط من جدته، وتدبير من زوجته، يتمكنون من إخراجه من المصحة، والعودة به إلى نابلس.
جميل، ابن عم مدحت وصديق الطفولة والمراهقة، الذي كان دوماً محط إعجاب مدحت، سينضم للثوار، ويشارك في عمليات هجوم ضد جنود بريطانيين، لينتهي به المطاف للموت وإعلانه شهيداً.
كان موت جميل صادماً بالنسبة لمدحت الذي سيغسل جسده ويضمد جراحه ويكفنه ويدفنه ويشرب قهوة عزائه، مستحضراً في كل لحظة تلك الأيام التي لن تستعاد بين نابلس والقسطنطينية.
تعكس الرواية حالة المزيج الإثني الذي عرفته المنطقة عبر التاريخ، حيث تعايش الجيران المسيحيون وبعض العائلات اليهودية الأصلية، وأيضاً الأرمنية التي يمر ذكرها كأصحاب مهن عريقة ومستحدثة، كالتصوير مثلاً والصياغة وتجارة القماش؛ تعايش مفتقد بسبب هجرة اليهود المتزايدة إلى فلسطين، وليس فقط بسبب الانتداب.
ترصد الكاتبة، عبر سرد الشخصيات، ما طرأ على النسيج الاجتماعي من تغيير، فالثوار أوعزوا للفلسطينيات بارتداء الحجاب كي يتم تمييزهن عن اليهوديات والمسيحيات، وحين يتأكدون من هوية الأهالي يطالبونهم بالمال والسلاح.
استخدمت الروائية لغة الذكريات، وقصة الحب التي قتلتها الثقافات المتناقضة، على أرضية لحظة زمنية حارة مهمة من نشوء الدول العربية الحديثة، لترسم خطوطاً متعددة توازت وتشابكت عبر الأمكنة بين باريس ونابلس والقدس والقاهرة.
وكما يلاحظ في كتابات كثير ممن يكتبون بالإنجليزية والمتأثرين بأصولهم العربية، تمتلئ هذه الرواية بكثير من المفردات العربية، مثل: «تيتا» ويا الله وحرام وزيت وزعتر وأبو زيد الهلالي، عدا عن أسماء الشخصيات والأمكنة.
«الباريسي» هي الرواية الأولى للكاتبة الشابة إيزابيلا حمد، وقد أهدتها لـتيتا، وكل التفاصيل تعد بكاتبة متميزة تدخل تحت جلد شخصياتها الحقيقة والمتخيلة بأسلوب يمزج بين ستاندال وفلوبير.
وفي احتفاء الكاتبة البريطانية المهمة زيدي سميث برواية «الباريسي» الصادرة هذا العام، قالت: «تكتب إيزابيلا بروح نثرية متطلعة وذكاء». أما صحيفة «الغارديان»، فرحبت باكتشاف «موهبة فريدة».



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».