مالي تكشر عن أنيابها... والتونسيون يتحسرون بعد التعادل مع أنغولا

موريتانيا تتجرع هزيمة ثقيلة في ظهورها الأول بأمم أفريقيا ومهاجمها يدخل التاريخ

المسكاني قائد منتخب تونس يسجل من ركلة الجزاء في مرمى أنغولا (رويترز)
المسكاني قائد منتخب تونس يسجل من ركلة الجزاء في مرمى أنغولا (رويترز)
TT

مالي تكشر عن أنيابها... والتونسيون يتحسرون بعد التعادل مع أنغولا

المسكاني قائد منتخب تونس يسجل من ركلة الجزاء في مرمى أنغولا (رويترز)
المسكاني قائد منتخب تونس يسجل من ركلة الجزاء في مرمى أنغولا (رويترز)

كشر المنتخب المالي عن أنيابه في بطولة أمم أفريقيا التي تستضيفها مصر حتى 19 يوليو (تموز) المقبل، ووجه تحذيرا شديدا إلى منافسيه بالمجموعة الخامسة بانتصاره الكبير على نظيره الموريتاني بنتيجة 4 - 1. ووضع ضغوطا على المنتخب التونسي الذي سقط في فخ التعادل مع نظيره الأنغولي 1 - 1.
على ملعب السويس، استطاع المنتخب الأنغولي انتزاع نقطة تعادل ثمينة من نظيره التونسي لترتفع حدة المنافسة في المجموعة الخامسة سخونة، خاصة مع اعتلاء مالي صدارتها.
وتقدم يوسف المساكني، العائد إلى صفوف منتخب تونس بعد غياب طويل للإصابة، بهدف من ركلة جزاء في الدقيقة 34 من الشوط الأول، لكن أنغولا نجحت في التعادل عبر دجالما في الدقيقة 73.
وأعرب الفرنسي الآن جيريس مدرب تونس ولاعبيه عن خيبة أملهم من النتيجة خاصة أنهم حذروا قبل اللقاء من صعوبة اللقاء الأول. وستشكل هذه النتيجة عامل ضغط على الفريق التونسي الذي كان مرشحا لتصدر مجموعته، خاصة مع انتصار مالي الكبير وإظهار أنها منافس صعب. ودخل منتخب تونس بطولة أمم أفريقيا الموسعة هذا العام للمرة الأولى إلى 24 منتخبا.
وهو يتطلع للقب ثانٍ في تاريخه بالمسابقة بعد الأول 2004 على أرضه. وقال المدرب الآن جيريس عقب اللقاء: «أجد صعوبة في تفسير تواضع مستوى فريقي
خاصة بالشوط الثاني». وأضاف: «بغض النظر عن النتيجة لا يمكن أن نشعر بالرضا عن المستوى الذي قدمناه أمام أنغولا. لم نكن في مستوى التوقعات... واجهنا صعوبات على الجانب الخططي وافتقدنا الفعالية... ليس هناك الكثير لقوله».
وواصل: «سنحاول البحث عن تفسير لأسباب الأداء. لم يكن هناك علامات سابقة تدل على أننا يمكن أن نقدم مثل هذا المردود... سنرى إن كانت المشكلة بدنية أو أنها صعوبة البدايات أو أن المباراة الأولى دائما صعبة. لم نخض المباراة مثلما كان متوقعا».
وبدا أن منتخب تونس جاهز لتحقيق بداية قوية في البطولة بعد أن حقق ثلاثة انتصارات ودية بنتيجة 2 - صفر على العراق و2 - 1 على كرواتيا وصيف بطل كأس العالم و2 - 1 على بوروندي.
وأكد مدرب تونس أن فريقه مطالب بمعالجة الأخطاء وتجاوز بدايته السيئة قبل خوض المباراة الثانية الصعبة جدا ضد مالي يوم الجمعة المقبل.
وتابع المدرب الذي سبق له تدريب منتخب مالي: «أعرف كل لاعبي مالي وستكون مباراة مهمة وصعبة».
وقال رامي البدوي مدافع تونس: «لم نقدم مستوانا المعتاد، وقد يرجع الأمر إلى الخوف من التعثر في بداية المشوار».
وأضاف: «كنا نسعى لتحقيق انتصار في بداية المشوار يرفع معنوياتنا لكن للأسف خسرنا نقطتين. لكن لم نكن في يومنا ولم نحقق نتيجة إيجابية، لكن المباراة انتهت بأخف الأضرار، سنحاول التدارك في المباراتين المقبلتين».
واعترف ياسين مرياح مدافع تونس بأن فريقه قدم أداء سيئا وقال: «بعدما أخفقنا في فرض أسلوبنا وفتحنا أمام المنافس المجال للتقدم للهجوم».
وأضاف: «يجب أن نطوي الصفحة سريعا ونستعد للمواجهة المقبلة أمام مالي لتعويض البداية السيئة».
كما أعرب اللاعب البديل الفرجاني ساسي عن خيبة امله وقال: «أكيد التعادل غير مرضٍ لنا، كنا نحب أن ننتصر في أول مباراة بالبطولة. تقدمنا بهدف وأتيحت لنا فرص لإضافة أهداف أخرى لكن لم نستغلها. كنا الطرف الأول». وأضاف: «المنافس حسن من أدائه في الشوط الثاني وضغط للعودة في النتيجة، ومن غلطة دفاعية اقتنص هدف التعادل. حاولنا مجددا تسجيل الهدف الثاني لكن دون نجاح».
وأرجع ساسي أسباب خسارة نقطتين إلى أن فريقه دخل المباراة وهو يشعر أن الفوز مضمون استنادا إلى الشعور المضلل الذي تركته المباريات الودية.
وقال ساسي: «المباريات الودية خدعتنا. بدأنا المباراة وكأننا الفائزين. سجلنا هدفا ولم نستطع الحفاظ عليه».
وأضاف ساسي: «أنغولا أظهرت خطورة بعدما سجلت هدف التعادل وضغطت وكادت تسجل الهدف الثاني. توفرت لنا أيضا بعض الفرص، المباراة لم تكن سيئة، وإذا لم ننتصر فإنه من الجيد أيضا ألا نخسر».
وما يزيد من تعقيد نتيجة تونس، هو أن منافسها في الجولة الثانية المنتخب المالي قدم أقوى أداء تهديفي حتى الآن في البطولة، وفاز بفارق 4 – 1 على منافسه الموريتاني.
واستعرضت مالي التي كانت أفضل نتيجة لها الحلول وصيفة في 1972. بالتسجيل كما بالرقص بعد كل هز لشباك الحارس براهيم سليماني.
وقدم فريق المدرب محمد ماغاسوبا عرضا هجوميا قويا توزع بالتساوي بين الشوطين على حساب الفريق الموريتاني الذي يقوده المدرب الفرنسي كورنتان مارتينز ويشارك في بطولة الأمم الأفريقية للمرة الأولى بتاريخه.
وأفسد نسور مالي الظهور الأول لمنتخب موريتانيا في كأس الأمم الأفريقية عندما تقدم عبد الله ديابي بالهدف الأول في الدقيقة 37 ثم أضاف موسى ماريجا الثاني من ضربة جزاء في الدقيقة 45، وأداما تراوري الثالث في الدقيقة 55، قبل أن يرد سيدي الحسن مختار بأول هدف في تاريخ موريتانيا في البطولة بالدقيقة 72، لكن أداما تراوري عاد وأضاف الهدف الثاني له والرابع لمالي في الدقيقة 74.
وبذلك تصدر منتخب مالي ترتيب المجموعة الخامسة برصيد ثلاث نقاط فيما تقاسم منتخبا تونس وأنغولا المركز الثاني بنقطة لكل منهما وتذيل منتخب موريتانيا الترتيب بدون رصيد.
وعقب اللقاء قال محمد ماغاسوبا مدرب مالي: «نملك تشكيلة شابة متعطشة لإثبات الذات. يجب أن نواصل التقدم مباراة بمباراة ونركز على منافس بعد منافس».
في المقابل قال كورنتين مدرب موريتانيا: «فريقنا انهار بعد الهدف الأول وخسرنا الكرة في مرات عديدة. هذه الليلة كانت محبطة».
وتلتقي مالي، التي تشارك في كأس الأمم للمرة السابعة على التوالي، مع تونس في الجولة الثانية الجمعة، بينما تلعب موريتانيا مع أنغولا في اليوم التالي.


مقالات ذات صلة

مصر تدرس التقدم بطلب استضافة أمم أفريقيا 2028

رياضة عربية مصر تدرس التقدم بطلب لاستضافة أمم أفريقيا 2028 (رويترز)

مصر تدرس التقدم بطلب استضافة أمم أفريقيا 2028

أكد حمادة الشربيني عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري لكرة القدم أنهم يدرسون التقدم بطلب رسمي لاستضافة بطولة أمم أفريقيا التي ستقام 2028.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عالمية فتح باب الترشح لاستضافة كأس الأمم الأفريقية (رويترز)

«كاف» يفتح باب التقدم بطلبات استضافة 3 نسخ من أمم أفريقيا

فتح الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) الباب أمام الاتحادات الوطنية الأعضاء، التي تُمثل 54 دولة أفريقية، لتقديم طلبات استضافة بطولة كأس الأمم الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عالمية كلود لوروا (رويترز)

المخضرم كلود لوروا مدرباً لمنتخب الكونغو

عُيّن المخضرم الفرنسي كلود لوروا (78 عاماً) مدرباً جديداً لمنتخب الكونغو، في مهمة تهدف إلى قيادة «الشياطين الحمر» للتأهل إلى كأس أمم أفريقيا 2027.

«الشرق الأوسط» (باريس )
رياضة عالمية مدرب منتخب السنغال لكرة القدم باب ثياو (رويترز)

ثياو مدرب السنغال: كأس أمم أفريقيا أصبحت من الماضي

أكد مدرب منتخب السنغال لكرة القدم باب ثياو، الاثنين، أن مسألة كأس أمم أفريقيا 2025 أصبحت من الماضي.

«الشرق الأوسط» (إيست راذرفورد)
رياضة عربية الآمال كبيرة على محمد صلاح في كأس العالم (الاتحاد المصري)

محمد صلاح أمام الفرصة الأخيرة... هل يكسر منتخب مصر عقدة كأس العالم؟

في مدينة سبوكان الهادئة بولاية واشنطن الأميركية، بعيداً عن صخب المدن الكبرى وأضواء كأس العالم، يستعد المنتخب المصري لخوض تحدٍّ ربما يكون الأهم بمسيرته الحديثة.

The Athletic (سبوكان (واشنطن))

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
TT

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

حين تُسند إدارة قمة كروية ساخنة بحجم مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، فإن القرار لا يحمل في طياته مجرد صافرة تدير تسعين دقيقة من الركض، بل يفتح الباب واسعاً أمام قراءة في كتاب التاريخ وقصص الكفاح الإنساني.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

هذا هو حال الحكم الأميركي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفتح، الذي وجد نفسه تحت مجهر الصحافة البريطانية والأرجنتينية على حد سواء، ليس فقط كقاضٍ لواحدة من أكثر المواجهات إثارة وتاريخية في عالم كرة القدم، بل كفأل حسن دائم يرافق قائد «التانغو» ليونيل ميسي أينما حل وارتحل في الملاعب الأميركية والمونديالية.

من أزقة الدار البيضاء إلى الهندسة الميكانيكية

لم تكن طريق إسماعيل الفتح البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً مفروشة بالورود، فالرجل الذي ولد في أزقة الدار البيضاء المغربية عام 1982، غادر وطنه في سن الثامنة عشرة محملاً بحلم غامض بعد فوزه بقرعة تأشيرة التنوع الهجرة العشوائية عام 2001.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وفي الولايات المتحدة، لم يكتفِ الفتح بالبحث عن لقمة عيش تقليدية، بل واصل تحصيله الأكاديمي بجدية وعصامية لافتة، ليتخرج عام 2006 في جامعة تكساس العريقة حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إلا أن عشق الساحرة المستديرة ظل يراوده ليتخذ قراره الجريء بدخول عالم التحكيم رسمياً عام 2011، شاقاً طريقه خطوة بخطوة في الدوري الأميركي للمحترفين حتى حصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عام 2016، وهو العام ذاته الذي دوّن فيه اسمه كأول حكم يقود مباراة رسمية تُطبق فيها تقنية الفيديو المساعد في الملاعب الأميركية.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

تميمة حظ ميسي وهواجس الصحافة البريطانية

وقد أحدث اختيار الفتح لموقعة نصف النهائي في أتلانتا ضجة كبرى في الأوساط الرياضية البريطانية، حيث أبدت الصحف اللندنية قلقاً بالغاً من تعيينه، واصفة إياه بالحكم المفضل لليونيل ميسي.

وتستند هذه الهواجس إلى إحصائية مثيرة للاهتمام، إذ إنه منذ انتقال البرغوث الأرجنتيني إلى صفوف إنتر ميامي الأميركي، أدار له الفتح خمس مباريات نجح ميسي في الفوز بها جميعاً.

وتوزعت هذه المواجهات بين بطولتين هما كأس الدوريات ضد فريقي شارلوت وناشفيل (والتي تُوج ميامي بلقبها)، والدوري الأميركي للمحترفين ضد ناشفيل، أورلاندو سيتي، ونيوانغلاند ريفولوشن، سجل خلالها ميسي ستة أهداف حاسمة.

ولا يتوقف هذا الرابط الروحي مع الكرة الأرجنتينية عند هذا الحد، بل يمتد إلى ليلة لوسيل التاريخية في مونديال قطر 2022، حين كان الفتح حكماً رابعاً في المباراة النهائية الأسطورية التي شهدت رفع ميسي لكأس العالم بعد التغلب على فرنسا بركلات الترجيح.

قمة التحليق القاري والعالمي وغضب إسباني

ويعتبر الفتح، اليوم، واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل تراكم خبراته في المواعيد الكبرى، حيث أدار نهائي كأس العالم للشباب تحت عشرين عاماً في 2019، وشارك في أولمبياد طوكيو 2021، بالإضافة لثقة الفيفا به لقيادة قمم قارية كبرى مؤخراً؛ كنهائي كأس القارات للأندية بين باريس سان جيرمان وفلامنغو البرازيلي، ونهائي دوري أبطال الكونكاكاف.

ورغم هذا الصعود السريع، لم يخلُ مشواره من الجدل، فقبل هذه الموقعة المنتظرة، أثار تحكيمه في مباراة إسبانيا وأوروغواي (1-0) بالمونديال الحالي غضباً عارماً في الصحافة الإسبانية التي اتهمته بـ«التساهل المفرط» مع خشونة لاعبي أوروغواي تحت قيادة مارسيلو بيلسا، رغم قيامه بطرد لاعبهم أغوستين كانوبيو في نهاية اللقاء.

سجل مونديالي حافل بالنجاح في نسختين

ويعتبر المغربي الأميركي اليوم واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل حضور هادئ وحازم في الملاعب الكبرى، وتجربة مونديالية ثرية تمتد عبر نسختين متتاليتين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (إ.ب.أ)

ففي مونديال قطر 2022، قاد الفتح بنجاح ثلاث مباريات كحكم ساحة، استهلها بمواجهة البرتغال وغانا في دور المجموعات، ثم مباراة البرازيل والكاميرون، قبل أن يدير موقعة كرواتيا واليابان في ثمن النهائي، والتي حسمتها ركلات الترجيح.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (رويترز)

وفي النسخة الحالية لعام 2026، يواصل الحكم المغربي الأصل تألقه، حيث ستكون قمة إنجلترا والأرجنتين هي مباراته الرابعة في البطولة، بعد أن أدار بكفاءة عالية مباريات اليابان ضد هولندا (2-2)، وأوروغواي ضد إسبانيا (0-1) في المجموعات، ثم مواجهة البرازيل والنرويج (1-2) في دور الستة عشر.

تحدي أتلانتا وسلاح البطاقات الملونة

ويدخل إسماعيل الفتح تحدي أتلانتا على أرضية ملعب «مرسيدس بنز» محاطاً بطاقم أميركي خالص، وفي جعبته صرامة تكتيكية وأرقام تحكيمية واضحة تثير حذر المعسكرين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وقد وجه الإعلام البريطاني رسائل تحذيرية للاعبي منتخب «الأسود الثلاثة» ومدربهم الألماني توماس توخيل من الاندفاع البدني الزائد، كون الفتح لا يتردد في إشهار البطاقات الملونة لضبط اللعب، وهو ما أظهره بوضوح خلال مبارياته السابقة في هذه النسخة.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وبين مهندس ميكانيكي صاغ نجاحه بدقة متناهية، وتطلعات ميسي لنهائي جديد، ورغبة إنجلترا في كسر العقدة، تتجه الأنظار صوب صافرة ابن الدار البيضاء الحامل لراية التحكيم الأميركي في واحدة من أعظم قمم الساحرة المستديرة.


هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
TT

هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة بحدود مستطيلة لتسعين دقيقة، بل هي مرآة للشعوب، ومسرحاً تُصفى عليه الحسابات التي عجزت عنها أروقة الدبلوماسية. وفي مساء الأربعاء، الخامس عشر من يوليو (تموز) 2026، تتجه أنظار العالم صوب ملعب «مرسيدس بنز» في أتلانتا بالولايات المتحدة الأميركية، حيث يلتقي عملاقا الكرة الأرضية، الأرجنتين وإنجلترا، في نصف نهائي مونديال 2026، في مواجهة تتجاوز التكتيك الكروي لتنبش في دفاتر التاريخ الساخنة.

هذه الموقعة ليست مجرد بطاقة عبور للنهائي الكبير، إنها استدعاء مباشر لروح عام 1982، وتلك البقعة الصخرية الباردة في جنوب المحيط الأطلسي المعروفة بـ«جزر الفوكلاند» (أو المالوين كما يسميها الأرجنتينيون).

صورة ترصد الفرقاطة البريطانية «إتش إم إس برودسورد» وهي تبحر بجانب حاملة الطائرات «إتش إم إس هيرميس» في مياه جنوب المحيط الأطلسي خلال مشاركتهما في عمليات حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

النزاع العسكري العنيف الذي دار بين البلدين، والذي خلَّف جراحاً غائرة في الوجدان النرجسي لـ«التانغو» وسيادة «التاج البريطاني»، يعود ليفرض ظلاله السياسية والوجدانية على عقول اللاعبين والجماهير على حد سواء.

صورة توثق أكواماً من الأسلحة والمعدات العسكرية التي خلَّفها الجنود الأرجنتينيون وراءهم في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلامهم للقوات البريطانية وانتهاء حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

صراع الجزر والسيادة: الجرح الذي لم تندمل ندوبه

في ربيع عام 1982، اندلعت حرب مباغتة دامت 74 يوماً بين بريطانيا والأرجنتين حول السيطرة على جزر الفوكلاند. انتهت المعارك بانتصار عسكري إنجليزي حاسم واستعادة لندن للسيطرة على الجزر، مما خلّف مئات الضحايا الأرجنتينيين، ومعهم مرارة وطنية جارفة في بوينس آيرس.

صورة التُقطت في 19 مايو 1982 تُظهر طائرات «هاريير جي آر 3» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وطائرات «سي هاريير إف آر إس 1» التابعة للبحرية الملكية مصطفَّةً على ظهر حاملة الطائرات «إتش إس هيرميس» خلال توجهها لخوض معارك حرب الفوكلاند (ويكيبيديا)

بالنسبة للأرجنتينيين، لم تكن الهزيمة العسكرية نهاية المطاف، بل تحولت «المالوين» إلى عقيدة شعبية وقضية أرض مغتصبة تُرجمت لاحقاً في كل محفل يجمع اللونين الأزرق السماوي والأبيض، ضد اللون الأبيض الإنجليزي.

صورة توثق أسرى الحرب الأرجنتينيين في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلام القوات الأرجنتينية للقوات البريطانية في نهاية حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

من خنادق المالوين إلى عشب «أزتيكا»: معجزة مارادونا 1986

بين جيلَي مارادونا وميسي... هل تستمر تبعات أزمة فوكلاند عند مواجهة إنجلترا (رويترز)

لم ينتظر الأرجنتينيون طويلاً لتصفية الحساب الرمزي. ففي عام 1986، وعلى أرض المكسيك، التقى المنتخبان في ربع النهائي. هناك، تقمص الأسطورة الراحل دييغو أرماندو مارادونا دور «المنتقم الشعبي»، لم يكتفِ بإقصاء الإنجليز، بل فعل ذلك بطريقة تداخلت فيها الخديعة بالعبقرية الساحرة.

هدف مارادونا الذي لا يزال يعدُّ أكثر لقطات المونديال جدلاً في التاريخ (د.ب.أ)

من «يد الله» التي هزت شباك بيتر شيلتون، إلى هدف القرن الذي راوغ فيه نصف إنجلترا، صرّح مارادونا لاحقاً بوضوح: «كنا نقول إن المباراة لا علاقة لها بالحرب، لكننا كنا نعلم أن شباننا ماتوا هناك.. لقد كانت حرباً بالنسبة لنا».

هذا الإرث هو ما يمنح مواجهة اليوم ثقلاً دراماتيكياً لا يتكرر في أي ديربي آخر حول العالم.

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

لغة الأرقام تبوح بأسرارها: تفوق إنجليزي تاريخي تبدده عُقدة «الإقصاء» الأرجنتينية

لا تتوقف الإثارة عند حدود الجغرافيا والسياسة، بل تمتد إلى دفاتر «فيفا» التي تكشف عن صراع أرقام محموم، إذ التقى العملاقان تاريخياً في 15 مواجهة بين مونديالية وودية، تميل فيها الكفة الإحصائية العامة لصالح «الأسود الثلاثة» بستة انتصارات مقابل أربعة لـ«التانغو»، بينما خيّم التعادل على خمس مواجهات أخرى.

ورغم هذا التفوق الرقمي الإنجليزي في الحصيلة العامة، فإن الموازين النفسية والتاريخية تتبدل تماماً بمجرد وضع هذا التاريخ تحت مجهر الأدوار الإقصائية الحاسمة في كأس العالم.

منتخب إنجلترا (رويترز)

فمنذ موقعة عام 1966 المثيرة للجدل التي حسمتها إنجلترا على أرضها، عجز الإنجليز تماماً عن إقصاء الأرجنتين في أي دور لخروج المغلوب، حيث كانت الأرجنتين دائماً صاحبة الكلمة الدرامية العليا والضربة القاضية، سواء تجلى ذلك في عبقرية مارادونا الفذة وتمرده التاريخي في المكسيك عام 1986، أو عبر ركلات الترجيح القاتلة في فرنسا عام 1998 التي شهدت طرد ديفيد بيكهام وانكسار جيل بريطاني ذهبي كامل.

صورة مركَّبة تجمع بين حارس الأرجنتين إميليانو مارتينيز وحارس إنجلترا جوردان بيكفورد (أ.ف.ب)

هذا التناقض الصارخ بين التفوق الإنجليزي الشرفي وعقدة «الحياة أو الموت» أمام الأرجنتين، يمنح موقعة أتلانتا بعداً نفسياً مرعباً، يضع كتيبة توخيل أمام تحدي كسر اللعنة التاريخية، بينما يمنح رفاق ميسي ثقة متوارثة بأن الأرجنتين في مواجهات كسر العظم تظل دائماً الرقم الصعب الذي لا يلين.

أتلانتا 2026: رقصة ميسي الأخيرة في مواجهة طموح بلاد الضباب

في هذا المنعطف التاريخي من مونديال 2026، تبدو الحسابات الفنية معقدة ومشحونة بالطموحات الكبرى:

كتيبة الأرجنتين والدفاع عن العرش

يدخل رجال المدرب ليونيل سكالوني المباراة بصفتهم حاملي اللقب، وفي أذهانهم هدف واحد يتمثل في منح الأسطورة ليونيل ميسي نهاية سينمائية لقصته المونديالية الاستثنائية.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

الأرجنتين التي عانت الأمرين للوصول إلى هذا الدور بعد تجاوزها عقبة سويسرا في ربع النهائي، ومصر في ثمن النهائي، بروح قتالية عالية، تعتمد على دهاء ميسي، وتحركات إيماليانو مارتينيز في حراسة المرمى، والشباب النابض في خط الوسط، لإحباط المخطط الإنجليزي.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

طموح إنجلترا وإنهاء 60 عاماً من العقدة

على الجانب الآخر، يقف الألماني توماس توخيل، المدير الفني لمنتخب إنجلترا، الذي أعاد صياغة شخصية «الأسود الثلاثة» ببراعة وتطلّب صارم.

تسعى إنجلترا لإنهاء ستة عقود من العقدة التاريخية والغياب عن منصات التتويج العالمية منذ عام 1966.

الألماني توماس توخيل مدرب إنجلترا وقائده هاري كين (رويترز)

الفريق الذي يرتكز على صلابة النجم الشاب جود بيلينغهام، الذي قاد الفريق ببراعة أمام المكسيك والنرويج والهداف الخبير هاري كين، يرى في هذه الموقعة البوابة الشرعية لكتابة تاريخ جديد يتجاوز عقدة الماضي.

صراع العقول التكتيكية: سكالوني وتوخيل على رقعة الشطرنج

سكالوني في حديث مع القائد ميسي (رويترز)

المواجهة لن تكون داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل ستكون معركة تكتيكية معقدة بين عقلين مختلفين تماماً، إذ يراهن سكالوني على العاطفة الجياشة الممزوجة بالصبر التكتيكي، والتحولات السريعة التي تخدم عبقرية ميسي في الثلث الأخير.

توماس توخيل وجود بيلينغهام (رويترز)

في المقابل، يفرض توخيل أسلوباً براغماتياً صارماً، يركز على الهيمنة البدنية، والضغط العالي، واستغلال أنصاف الفرص عبر تحركات بيلينغهام القادم من الخلف.

صورة مركَّبة تجمع بين لاعب وسط إنجلترا جود بيلينغهام ومهاجم الأرجنتين لاوتارو مارتينيز (أ.ف.ب)

ستنطلق صافرة البداية في أتلانتا، ممتصةً كل صخب مدرجات «مرسيدس بنز»، لكنها لن تحجب أصوات الماضي الجاثم في الصدور. فالإنجليز يبحثون عن مجد كروي طال انتظاره، بينما يلعب الأرجنتينيون كعادتهم من أجل الكبرياء، ومن أجل ميسي، ومن أجل الأرواح التي غادرت يوماً في صقيع الفوكلاند.


مربع الذهب يطابق تصنيف «فيفا» لأول مرة... هل هي صدفة أم حصاد سنوات من التخطيط؟

مربع الذهب يطابق تصنيف «فيفا» لأول مرة... هل هي صدفة أم حصاد سنوات من التخطيط؟
TT

مربع الذهب يطابق تصنيف «فيفا» لأول مرة... هل هي صدفة أم حصاد سنوات من التخطيط؟

مربع الذهب يطابق تصنيف «فيفا» لأول مرة... هل هي صدفة أم حصاد سنوات من التخطيط؟

تثبت الساحرة المستديرة في مونديال 2026 أن المفاجآت، وإن كانت مِلح البطولة، فإن السيادة في النهاية تظل لأصحاب الأقدام الثقيلة والتخطيط الصارم.

لأول مرة منذ تأسيس نظام تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عام 1992، تتطابق أطراف المربع الذهبي للمونديال تماماً مع المراكز الأربعة الأولى في التصنيف العالمي: فرنسا (الأول)، الأرجنتين (الثاني)، إسبانيا (الثالث)، وإنجلترا (الرابع).

هذا المشهد المهيب، الذي يعيد للأذهان ذكريات مربع الكبار في مونديال إيطاليا 1990، ليس وليد صدفة عابرة أو ضربة حظ، بل هو نتاج عمل مؤسسي جبار وهيمنة فنية واقتصادية واضحة لأقوى المدارس الكروية في العالم.

نحن أمام صراع عقول واستراتيجيات تمتد لسنوات، تُرجمت على عشب الملاعب الأميركية بعبور مستحق لعمالقة القارة العجوز وأسياد أميركا الجنوبية.

فرنسا... قمة الهرم واستقرار «الديوك» مع ديشامب ومبابي

يتربع المنتخب الفرنسي على عرش التصنيف العالمي بوصفه أقوى منظومة كروية مستقرة في العقد الأخير بقيادة المدرب ديدييه ديشامب.

«الديوك»، أصحاب اللقبين الموندياليين (1998 و2018)، شقوا طريقهم إلى المربع الذهبي بثقة وهدوء عبر مسار صلب، حيث تصدروا مجموعتهم بتسع نقاط كاملة، قبل أن يلتهموا السويد بثلاثية نظيفة في دور الـ32، ثم يعبروا باراغواي بهدف نظيف، ويختتموا رحلتهم نحو نصف النهائي بالفوز على المغرب بهدفين دون رد.

مبابي قائد فرنسا وأبرز لاعبيها يتقدم زملاءه بالتدريب الأخير قبل مواجهة إسبانيا (أ.ف.ب)

تعتمد فرنسا على صلابة دفاعية استثنائية جعلتها الفريق الوحيد الذي لم تهتز شباكه في الأدوار الإقصائية، مدعومة بعبقرية قائدها كيليان مبابي الذي يتصدر سباق الهدافين بثمانية أهداف، ومعه المتوَّج بالكرة الذهبية عثمان ديمبيلي، ليمثل الفرنسيون النموذج المثالي للواقعية والقوة البدنية الفائقة.

الأرجنتين... روح البطل ورقابة التاريخ دفاعاً عن العرش

يدخل منتخب الأرجنتين، حامل اللقب والمتوَّج بالكأس ثلاث مرات (1978، 1986، 2022)، هذه الموقعة محملاً بإرث ثقيل ورغبة جامحة في الحفاظ على تاجه العالمي ومنح الأسطورة ليونيل ميسي رقصة الوداع المثالية.

منتخب الأرجنتين يواصل مشواره في المونديال (إ.ب.أ)

رفاق المدرب ليونيل سكالوني عبروا دور المجموعات بالعلامة الكاملة وتسع نقاط، لكن مسارهم في الأدوار الإقصائية كان درامياً ومثيراً للأعصاب، بدءاً من الفوز الصعب على الرأس الأخضر بثلاثة أهداف لهدفين، ثم إقصاء مصر بالنتيجة ذاتها، وصولاً إلى معركة ربع النهائي الشرسة التي تطلبت وقتاً إضافياً لتجاوز سويسرا العنيدة بثلاثة أهداف لهدف.

ورغم بعض الهنَّات الدفاعية واستقبالهم خمسة أهداف في الأدوار الإقصائية، يظل «التانغو» الفريق الأكثر فتكاً هجومياً بتسجيل تسعة أهداف في هذه الأدوار، مستندين إلى خبرة ميسي (8 أهداف في البطولة) وحيوية أليكسيس ماك أليستر ومهاجمين فتاكين مثل جوليان ألفاريز ولاوتارو مارتينيز.

إسبانيا... سيمفونية التمرير الشابة وأحلام اللقب الثاني

بطل العالم عام 2010 وحامل لقب كأس الأمم الأوروبية يدخل المربع الذهبي بأجمل وأمتع كرة قدم جماعية تُقدم حالياً تحت قيادة المدرب الوطني لويس دي لا فوينتي.

الماتادور الإسباني تصدر مجموعته بسبع نقاط، وبدأ الأدوار الإقصائية باكتساح النمسا بثلاثية نظيفة، ثم حسم الموقعة الكلاسيكية أمام البرتغال بهدف دون رد، قبل أن يختبر شجاعته بإقصاء بلجيكا في ربع النهائي بهدفين لهدف.

يامال نجم إسبانيا الواعد يستعرض بالكرة وسط زملائه بالتدريب قبل مواجهة فرنسا (أ.ب)

إسبانيا التي تمتاز بالاستحواذ الخانق والتحولات الهجومية السريعة تعول بشكل كبير على نضج وجرأة الجوهرة الشابة لامين يامال في الأطراف، لتقديم كرة قدم تجمع بين الرومانسية التقليدية والنجاعة الحديثة التي تقربهم خطوة إضافية من النجمة الثانية.

إنجلترا... قسوة المعاناة وشخصية البطل الجديد مع توخيل

أما منتخب إنجلترا، الباحث عن لقب ثانٍ غائب منذ عام 1966، فيقدم تحت إمرة الألماني توماس توخيل نسخة تتسم بالصلابة الذهنية والقدرة على العودة من بعيد.

مسار «الأسود الثلاثة» نحو نصف النهائي اتسم بالدراما والإثارة، حيث فازوا في جميع مبارياتهم الإقصائية بفارق هدف وحيد وتلقوا أهدافاً في كل الأدوار.

وكان الإنقاذ البطولي حاضراً في ربع النهائي ضد النرويج بفضل ثنائية جود بيلينغهام في الوقت الإضافي ليفوزوا بهدفين لهدف.

منتخب إنجلترا (رويترز)

يعتمد توخيل على مرونة تكتيكية كبيرة وقدرات استثنائية لنجوم ينشطون في أعلى المستويات الأوروبية مثل بيلينغهام وهاري كين (6 أهداف لكل منهما)؛ ما يجعل الإنجليز يؤمنون أكثر من أي وقت مضى بأن لعنة الستين عاماً قد حان وقت انكسارها.

صراع خارج حدود الورق

ومع بقاء أربعة عمالقة وجهاً لوجه، يسلم منطق الأرقام والتصنيفات الراية لجنون المستطيل الأخضر. في هذه الأمتار الأخيرة من عمر المونديال، تسقط كل الحسابات الباردة لتفسح المجال لعاطفة اللعبة واللحظات الفارقة التي تصنع الخلود وتأبى الخضوع للتوقعات.

الصافرة على وشك الانطلاق، والمسرح مهيأ لكتابة فصِل ملحمي جديد، فمن من هؤلاء الجبابرة سيقبض على الكأس الغالية، ومن سيكتفي بمرارة الوقوف على أعتاب الحلم؟