أوكرانيا... مزيج من جمال الطبيعة وجينات السكان

تنعم بكنوز أثرية وثقافية وتاريخ مُفعم بحب الحياة

مشهد بانورامي في مدينة كييف
مشهد بانورامي في مدينة كييف
TT

أوكرانيا... مزيج من جمال الطبيعة وجينات السكان

مشهد بانورامي في مدينة كييف
مشهد بانورامي في مدينة كييف

الجمال في الحالة الأوكرانية مسألة جينات وتاريخ. فإلى جانب تصدر فتياتها قائمة أجمل جميلات الجمهوريات السوفياتية سابقاً، وأجمل جميلات أوروبا، فحسب، فإن كل من زارها يشهد بجمال طبيعتها ومآثرها. فأينما توجهت بأنظارك ترى شيئاً يمتع العين والحواس. حتى الحب له نكهة ومكان خاص، يتمثل في «نفق الحب» الذي يشق العشاق طريقهم إليه عبر غابات كثيفة وطرق وعرة، فهو يقع في غابات مدينة كليفان التابعة لمقاطعة «ريفينسك»، وتشكل نتيجة تفاعل بين الطبيعة والإنسان، ويزيد طوله عن كيلومتر واحد. يقصد النفق سنوياً آلاف السياح من جيل الشباب، ولا سيما بعد أن أصبحت زيارته تقليداً يلتزمون به في يوم عقد قرانهم. أما المرح والفكاهة فحدث بلا حرج، إلى حد أن مدينتها أوديسا، أصبحت وجهة الملايين خلال احتفالات «عيد الكذب»، الذي يتعامل معه السكان بجدية، ويعتبرونه يوم المرح والفكاهة بلا منازع.
طبعاً عندما تُذكر السياحة في أوكرانيا فإن مدناً معينة تتبادر إلى الذهن، نظراً لجمالها، وأيضاً لبنيتها التحتية التي تجعلها مثيرة ومريحة في الوقت ذاته.

أشهرها كييف عاصمة أوكرانيا

وصفها الروائي والمسرحي الروسي ميخائيل بولغاكوف بـ«أجمل مدينة في العالم». فقد وُلد فيها وتجول بين شوارعها وأزقتها، ولأنها كانت شاهداً على طفولته وشبابه، كان من الطبيعي أن يحضر كثير من تفاصيلها في إبداعاته الأدبية، مثل «المعلم ومارغريتا»، و«الحرس الأبيض»، وغيرهما. وكييف واحدة من أقدم مدن شرق أوروبا، تقع شمال وسط أوكرانيا، ويخترقها نهر الدنيبر، ليقسمها إلى جزء قديم يقع على الضفة اليمنى، وجزء حديث يمتد على الضفة اليسرى. جمال كييف يبرز جلياً في الأحياء القديمة، التي أنشئت عبر مراحل مختلفة من التاريخ، يشهد عليها كثير من المعالم. هي أيضاً طبق طبيعي غني بتلال تكسوها أشجار كثيفة، تبدو للناظر كأنها لوحة فنية، لا يخترق هدوءها سوى نهر الدنيبر.
يتصدر دير «بتشيرسكايا لافرا» قائمة الوجهات السياحية في العاصمة الأوكرانية كييف. وهو عبارة عن مجموعة من الأبنية التاريخية شُيدت في القرن الحادي عشر ميلادياً، وتنتشر على مساحة واسعة من تلال تغطيها الأشجار، على الضفة اليمنى من نهر الدنيبر، لتشكل جميعها أقدم دير في دولة «روس» التاريخية، وواحدة من أقدم الكنائس الأرثوذكسية في المنطقة.
وإلى جانب فن العمارة الذي تتميز به تلك الأبنية، تثير مجموعة «الدروب» الحجرية الضيقة التي تنتشر منذ القدم هناك، اهتمام السياح. فهي تنقلهم عبر شبكة من الأنفاق، شقّها رجال دين منذ قرون للتعبد، بعيداً عن صخب المدينة.
في العاصمة الأوكرانية كييف أيضاً، تنتشر مئات المعالم السياحية التاريخية والثقافية، مثل منزل الروائي والمسرحي ميخائيل بولغاكوف. ورغم أنه تنقل مع أسرته للعيش من منزل لآخر، فإن منزل سلالة «تروبينيخ» الذي شُيد في عام 1888 وعاش فيه 13 عاماً، ترسخ في ذاكرته أكثر من غيره، بحيث تجسدت تفاصيله في عدد من أعماله. وقد تحول المنزل اليوم إلى متحف يزوره عُشاق الأدب والمسرح.
من يزور العاصمة كييف، لا بد أن يمرّ عبر شارعها الرئيسي «كريشاتك»، الذي تنتشر على جانبيه مبان تروي مرحلة طويلة من تاريخ المدينة، يعود تاريخ بعضها إلى القرن السابع عشر، والبعض الآخر إلى القرن الثامن عشر. وعلى مساحة خضراء وسط الرصيف الرحب على جانبي الشارع تنتشر أشجار الكستناء، وهي علامة مميزة لمدينة كييف، التي يزورها مئات الآلاف في بداية فصل الربيع للاستمتاع بمشهد تفتح أزهار هذا الشجر، بلونيها الأبيض والزهري. ويُعد شارع «كريشاتك» محطة أولى رئيسية في المشهد السياحي للعاصمة كييف. تنتشر على جانبيه ساحات صغيرة خُصصت لإقامة نصب تذكارية، إما لشخصيات تاريخية من أعلام الفن والثقافة والسياسة، وإما لشخصيات من أبطال روايات عالمية ألّفها أدباء في مراحل تاريخية مختلفة.
وفي الجزء الأخير منه، يتسع شارع «كريشاتك» عند ساحته الشهيرة المعروفة باسم «ميدان»، ومنها تتفرع الطرق نحو مئات المعالم التاريخية الأثرية في مختلف أجزاء المدينة، بما في ذلك مجمع «ديربتشيرسكايا لافرا»، وباتجاه حديقة الجندي المجهول الممتدة على مساحات شاسعة، ويتوسطها نصب تذكاري للحرب العالمية الثانية، معروف باسم «الوطن الأم يناديكم»، وهي واحدة من أكبر وأجمل حدائق أوروبا الشرقية. من المميزات الأخرى لمدينة كييف شبكة مواصلاتها العصرية، التي تنتشر فيها سلسلة من الفنادق تلبي جميع الأذواق والمستويات. كذلك الأمر بالنسبة للمقاهي ومطاعم الوجبات السريعة، فضلاً عن مطاعم «الوجبات القومية» مثل شوربة (حساء) «البورش» الأوكراني الشهير فيها.

أوديسا عاصمة الفكاهة

تُوصف مدينة أوديسا، الواقعة على البحر الأسود، بـ«لؤلؤة الجنوب». كل من زارها يشهد بأنها مطبوعة بروح الضيافة والمرح على حد سواء. فقد حصلت بجدارة على لقب «عاصمة الضحك»، نظراً لحب أهلها للتندر والمزاح، إلى حد أنه أصبح له يوم خاص بالضحك والتفكه، يُعرف بيوم «الكذب»، يصادف الأول من أبريل (نيسان).
ورغم أن هذا اليوم عالمي، فإنه في أوديسا يأخذ بُعداً رسمياً، بحيث يتعامل معه السكان بجدية وباحتفالات كبيرة، يحصل كل مشارك فيها على «جواز سفر مواطن أوديسي»، فضلاً عن برامج ترفيهية كوميدية، تقدمها الفرق في ساحات المدينة طوال اليوم.
الضحك والطيبة ليسا الميزتين الوحيدتين في أوديسا، فهي أيضاً سياحية بامتياز، بفضل موقعها الجغرافي على الساحل، الذي يجعلها مناسبة للاستجمام، كما تمتلك ثروة لا تقدر بثمن من المعالم التاريخية والحضارية. البوابة لكل هذه الكنوز التاريخية تبدأ من شارعها «ديريباسوفسكي»، الذي أطلق عليه هذا الاسم على شرف الدون الإسباني دون خوسيه دي ريباس، الذي أصبح فيما بعد جنرالاً في الإمبراطورية الروسية ورجل دولة. ولم يغادر الدون دي ريباس مدينته، وهو فيها حتى يومنا هذا، عبر نصب تذكاري، تحيط به ساحة صغيرة في شارع ديريباسوفسكي، تحولت مع الوقت إلى ساحة رئيسية للاحتفالات.
وبالقرب منه تنتشر معالم سياحية أخرى، مثل حديقة المدينة التي تستقبل ضيوفها بمجموعة كبيرة من النصب التذكارية لشخصيات من الروايات العالمية، مع تركيز على شخصيات كوميدية مثل بطل رواية «12 كرسياً» وآخرين. وبالطبع ينتشر بين كل تلك المعالم التاريخية في شارع «ديريباسوفسكي» كثير من المطاعم والمقاهي، تطل على ساحلها الجميل.
الحديث عن هذا الشارع لا يكتمل دون وقفة في نهايته عند درج «بوتيومكينسكي» الذي يربط مركز المدينة مع الميناء البحري والخليج قبالة أوديسا. شُيد هذا الدرج عام 1837، بتصميم هندسي كلاسيكي، يجعل السير عليه وصعوده بمثابة نزهة لا مكان فيها للتعب رغم درجاته الـ192 الممتدة على طول 142 متراً. وفي الساحة أعلى الدرج، يقف نصب تذكاري للدوق ريشليو، منذ عام 1828. وهو الدوق رماند إيمانويل دو بليسي دو ريشليو، أرستقراطي دبلوماسي وسياسي فرنسي، التحق بالخدمة في الإمبراطورية الروسية من عام 1804 حتى 1815، ويُعد واحداً من المؤسسين لمدينة أوديسا.
ومن جملة محطات كثيرة لا تعد ولا تحصى، تمكن زيارتها في «لؤلؤة» الجنوب، يبرز بصورة خاصة المسرح الوطني للأوبرا والباليه. فمبناه بحد ذاته تحفة معمارية من القرن التاسع عشر. وهو أول مسرح يشيد في المدينة، إلى حد القول إنه وُلد معها، وتم افتتاح مبناه القديم عام 1810، إلا أن نيران حريق التهمته عام 1873. المبنى الحديث، شُيد عام 1887. وأعيد بناؤه، وفق تصميم هندسي اعتمد الأسلوب الباروكي. أهميته تكمن في تفاصيله المعمارية الداخلية والخارجية، وأيضاً في المستوى الراقي من الفن الذي يحتضنه.

مواقع سياحية أخرى

المدن الأوكرانية الأخرى لا تفتقد للمعالم التاريخية والبنى السياحية التحتية. من المعالم التاريخية نذكر «حصن خوتينسكي»، في مقاطعة «تشرينوفتساكايا»، ويُعتبر مثالاً حياً لفن عمارة المنشآت الدفاعية في القرون الوسطى. شُيد منذ أكثر من 1000 عام، ولعب دوراً رئيسياً في حماية المنطقة من هجمات عبر نهر دنيستر. وتحول الحصن إلى متحف تاريخي حالياً. تمت توسعته أكثر من مرة على مدار عقود طويلة، اتسعت مساحاته، وتنوعت معروضاته، لكنه يحافظ إلى الآن على مدخله، المصمم على شكل نفق تحت الأرض، وفي ساحاته أطلال مساجد ومدارس تاريخية، وبعض الكنائس، وغيرها من معالم أثرية.


مقالات ذات صلة

ما سرّ مراتب الفنادق المريحة؟

سفر وسياحة المعروف عن الفنادق استخدامها أجود أنواع الأسرة (بيكسيلز)

ما سرّ مراتب الفنادق المريحة؟

أصبح النوم في أيامنا هذه عملة نادرة ورفاهية عصرية، حتى بات الحديث عنه جزءاً من النقاش المتزايد حول الصحة العقلية والنفسية وتأثيرهما المباشر على راحتنا الجسدية.

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة عودة "وكالة قايتباي" الأثرية لسابق عهدها بعد ترميمها (الشرق الأوسط)

«فندق قايتباي» يُعيد نزلاءه إلى العصر المملوكي في قلب القاهرة التاريخية

وسط منطقة الجمالية بالقاهرة التاريخية، التي تعج بعشرات المباني الأثرية العتيقة، سيكون لدى البعض فرصة العودة بالزمن لنحو 5 قرون عبر الإقامة في فندق «قايتباي»،

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق استخدام السماعات لتقليل صخب الموسيقى (شاتورستوك)

غرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني لمكافحة الموسيقى الصاخبة في القطارات البريطانية

تعتزم شركات السكك الحديدية في بريطانيا تشديد الإجراءات ضد الركاب الذين يشغّلون الموسيقى بصوت مرتفع داخل القطارات، مع التلويح بغرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني،…

سفر وسياحة من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة...

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ما سرّ مراتب الفنادق المريحة؟

المعروف عن الفنادق استخدامها أجود أنواع الأسرة (بيكسيلز)
المعروف عن الفنادق استخدامها أجود أنواع الأسرة (بيكسيلز)
TT

ما سرّ مراتب الفنادق المريحة؟

المعروف عن الفنادق استخدامها أجود أنواع الأسرة (بيكسيلز)
المعروف عن الفنادق استخدامها أجود أنواع الأسرة (بيكسيلز)

أصبح النوم في أيامنا هذه عملة نادرة ورفاهية عصرية، حتى بات الحديث عنه جزءاً من النقاش المتزايد حول الصحة العقلية والنفسية وتأثيرهما المباشر على راحتنا الجسدية. فقلة النوم قد ترتبط بالقلق والتوتر والتفكير المستمر، أو بعادات يومية مثل الإفراط في تناول القهوة والكافيين. لكن وسط كل هذه الأسباب، يبقى سؤال بسيط قد لا يخطر على البال: هل مرتبة سريرك مريحة؟

يصبح هذا السؤال أكثر إثارة عندما نقيم في فندق جيد، حيث لا تقتصر تجربة الرفاهية على التصميم والخدمة والطعام، بل تمتد إلى تلك اللحظة التي نستلقي فيها على السرير ونشعر وكأننا ننام على غيمة. فما الذي يجعل سرير الفندق مختلفاً؟ وكيف تختار الفنادق الفاخرة مراتبها؟ وما سر تلك الراحة التي تجعلنا نتمنى لو اصطحبنا السرير معنا إلى المنزل؟

السر لا يكمن في عنصر واحد، بل في مجموعة من التفاصيل التي تبدأ من اختيار المرتبة نفسها ولا تنتهي عند أغطية السرير والوسائد وطريقة العناية بها. فالفنادق تبحث عادة عن مرتبة تحقق توازناً بين الراحة والدعم، وتناسب أكبر عدد ممكن من الضيوف، لذلك تميل إلى اختيار مراتب بدرجة متوسطة من الليونة، بحيث لا تكون شديدة الصلابة ولا شديدة النعومة.

وتختلف المواد المستخدمة بحسب نوع المرتبة والفندق، إلا أن بعض الفنادق الفاخرة تعتمد على مواد طبيعية مثل القطن والكتان والصوف، إلى جانب طبقات مختلفة من الحشو والنوابض. وتساعد هذه المواد على تحسين التهوية وتنظيم الحرارة والرطوبة، وهو ما يمنح النائم إحساساً بالراحة طوال الليل ويحد من التعرق واحتباس الحرارة.

عدد كبير من السياح يهتمون بجودة مرتبة السرير في الفندق (بيكسيلز)

وفي عالم صناعة المراتب الفاخرة، لا تزال بعض المواد التقليدية تحافظ على مكانتها، ومن بينها شعر الخيل الذي استخدم منذ عقود في حشو المراتب بفضل مرونته وقدرته على التهوية. وفي المراتب المصنوعة يدوياً، توضع طبقات متعددة من الحشوات بعناية، بحيث تمنح المرتبة مرونة مناسبة وتساعد على توزيع وزن الجسم وتقليل نقاط الضغط.

وتبدأ صناعة بعض هذه المراتب بتجهيز الحشوات ووزن الكميات بدقة، ثم توزيعها يدوياً على طبقات متتالية، في عملية تتطلب مهارة وخبرة كبيرة. وقد تتكرر العملية عدة مرات للوصول إلى السماكة والمرونة المطلوبتين، فيما يُصنع هيكل السرير من أخشاب متينة قادرة على تحمل الاستخدام المتواصل، مع الحفاظ على التوازن بين المتانة والراحة.

ويعتمد الكثير من الفنادق على مراتب مصممة بحيث تساعد على تقليل التوتر العضلي وتحسين جودة النوم، وتعتبر أيضاً رمزاً للفخامة والراحة وهذا واضح من خلال الأسعار المرتفعة مقارنة بالأسرة التقليدية، فبعض التصميمات الخاصة يمكن أن تصل أسعارها إلى مئات الآلاف من الدولارات، وهي متاحة للشراء للاستخدام في البيوت الخاصة وليست حكراً على الفنادق.

وميزتها أنها تعتمد على شعر الخيل الذي يرص داخلها أكثر من مرة لأن المرتبة تعتمد على طبقات عديدة، تؤمن مرونة تساعد على توزيع الوزن بالتساوي وتقليل نقاط الضغط في الجسم.

كيف تختار الفنادق الفاخرة مراتب أسرتها؟

لا تترك الفنادق الفاخرة اختيار مراتب أسرتها للصدفة، فالمرتبة تمثل جزءاً أساسياً من تجربة الضيف، ولذلك تخضع عملية اختيارها لمعايير دقيقة تجمع بين الراحة والدعم والمتانة. وتبحث الفنادق عادة عن مراتب تناسب أكبر عدد ممكن من الضيوف، لذلك تميل إلى الدرجات المتوسطة من الليونة، بحيث توفر قدراً مناسباً من الدعم من دون أن تكون شديدة الصلابة أو شديدة النعومة.

تصل أسعار المراتب الجيدة إلى آلاف الدولارات (الشرق الأوسط)

وتولي الفنادق اهتماماً خاصاً بقدرة المرتبة على التهوية وتنظيم الحرارة، إذ تفضل بعض المنشآت المراتب التي تسمح بمرور الهواء وتحد من احتباس الحرارة والرطوبة أثناء النوم. كما تستخدم أغطية مصنوعة من أقمشة قابلة للتنفس، مثل القطن، للمساعدة على توفير بيئة نوم أكثر راحة.

ولا تقل المتانة أهمية عن الراحة، فالسرير الفندقي يخضع لاستخدام يومي ومتكرر من ضيوف مختلفين، ولذلك يجب أن تكون المرتبة قادرة على الحفاظ على شكلها ومستوى الدعم الذي توفره لفترة طويلة. كما تهتم الفنادق بسهولة تنظيفها وصيانتها، وتستخدم أغطية وواقيات خاصة لحمايتها وإطالة عمرها، إلى جانب اختيار بعض المواد التي تساعد على الحد من تراكم الغبار والعث ومسببات الحساسية.

ومن جهة أخرى، تتعاون الفنادق الكبرى عادة مع شركات متخصصة في صناعة المراتب، لضمان الحصول على منتجات تتمتع بمستويات ثابتة من الجودة والراحة والمتانة، مع إمكانية توفير المواصفات نفسها بشكل مستمر في مختلف الغرف. ومع تنامي الاهتمام بالاستدامة، تتجه بعض الفنادق أيضاً إلى اختيار مراتب مصنوعة من مواد طبيعية أو أكثر استدامة، في محاولة للحد من الأثر البيئي الناتج عن استبدالها والتخلص منها.

بعض المصانع يعتمد على حشو المرتبة بشعر الخيل (الشرق الأوسط)

وفي الفنادق الراقية، قد تمتد العناية بتجربة النوم إلى ما هو أبعد من اختيار المرتبة، إذ تتيح بعض المنشآت لضيوفها اختيار نوع الوسادة أو مستوى الدعم الذي يفضلونه، لتصبح تجربة النوم أكثر توافقاً مع احتياجات كل ضيف.

وفي النهاية، لا يبدو أن هناك سراً واحداً يجعل سرير الفندق أكثر راحة، بل منظومة متكاملة من التفاصيل تبدأ من اختيار المرتبة والمواد المستخدمة فيها، مروراً بطريقة تصنيعها والعناية بها، وصولاً إلى الوسائد والأغطية وتهيئة الغرفة.

وربما لهذا السبب، نغادر بعض الفنادق ونحن لا نتذكر فقط الغرفة أو الإطلالة أو الخدمة، بل نتذكر السرير أيضاً، ونتساءل: لماذا لا يكون سريري في المنزل مريحاً إلى هذا الحد؟


«فندق قايتباي» يُعيد نزلاءه إلى العصر المملوكي في قلب القاهرة التاريخية

عودة "وكالة قايتباي" الأثرية لسابق عهدها بعد ترميمها (الشرق الأوسط)
عودة "وكالة قايتباي" الأثرية لسابق عهدها بعد ترميمها (الشرق الأوسط)
TT

«فندق قايتباي» يُعيد نزلاءه إلى العصر المملوكي في قلب القاهرة التاريخية

عودة "وكالة قايتباي" الأثرية لسابق عهدها بعد ترميمها (الشرق الأوسط)
عودة "وكالة قايتباي" الأثرية لسابق عهدها بعد ترميمها (الشرق الأوسط)

وسط منطقة الجمالية بالقاهرة التاريخية، التي تعج بعشرات المباني الأثرية العتيقة، سيكون لدى البعض فرصة العودة بالزمن لنحو 5 قرون عبر الإقامة في فندق «قايتباي»، المعروف باسم «وكالة قايتباي»، التي أنشأها الملك الأشرف أبو النصر قايتباي، بالقرب من باب النصر، وتتميز بعمارتها المملوكية، وتستعد مصر لافتتاح الفندق بحلته الجديدة خلال الفترة المقبلة.

وكانت هذه الوكالة ملتقى للتجار، ومخزناً لبضائعهم، ومكاناً لإقامتهم وتتكون من 3 طوابق... الأرضي للبيع وعقد الصفقات، والأول والثاني لإقامة وإعاشة التجار.

وترى الدكتورة سهير حواس، أستاذة العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة في جامعة القاهرة، أن إعادة توظيف استخدام الآثار تتم وفق حالة كل مبنى على حدة، فمثلاً لا يمكن التعامل مع آثار الدولة القديمة على أساس توظيفها مكاناً للمعيشة، أو للاستغلال اليومي، بمعنى أنها لا يجوز أن تستغل مكاناً لإقامة الحفلات الصاخبة أو فنادق ومقاهٍ، أما بالنسبة لكثير من البيوت والوكالات والأسبلة التي تنتمي للعصور الإسلامية أو المملوكية مثل وكالة قايتباي، فيمكن استخدامها كمواقع للأنشطة الفنية والثقافية، وأيضاً يمكن التعامل معها بوصفها أماكن للمعيشة.

وتضيف في تصريحها لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التوجه قد يصون هذه الآثار ويحميها لكن يجب أن يتم وفق اشتراطات صارمة جداً وتحت مراقبة جادة تمنع تعديله أو هدم أي جزء منه.

ووفق مخطط تطوير وكالة «قايتباي» الأثرية بعد تجهيزه، سيكون الطابق الأرضي مدخلاً للفندق به مطاعم وعدد من المكاتب الإدارية وعدد من الأنشطة الترفيهية، أما الدوران الأول والثاني فسيتم تخصيصهما للإقامة الفندقية بسعة 24 غرفة، على أن يتم استغلال السطح مطاعم وأنشطة تخدم النزلاء.

هذا الاستخدام تراه حواس مناسباً لطبيعة الوكالة، فالآثار الموجودة وسط العمران في القاهرة التاريخية وتحيط بها المباني السكنية من الأفضل أن يكون استخدامها متوافقاً مع دورها، لأن هذا سوف يعني حمايتها، وتضيف أن وكالة قايتباي نشأت في الأصل مكاناً لاستقبال التجار يوفر لهم كل سبل الراحة لإتمام أعمالهم، وكانت الإقامة بها كاملة من مأكل ومشرب ونوم وبيع وشراء.

وعدت حواس «إعادة الوكالة للحياة أمراً مهماً، يمنع تعرضها لأي مخاطر يمكن أن تنجم عن إهمالها أو تركها مهجورة»، مؤكدة أنه لا توجد مخاوف من استخدام وكالة قايتباي فندقاً، وسوف تكون تجربة الإقامة به مدهشة، وسوف تعيد النزلاء إلى الأجواء القديمة، مشيرة إلى أن «المساجد التاريخية تستخدم بصورة يومية، وهذا في رأيها يحافظ عليها، لأن الأماكن المهجورة في رأيها يمكن أن تتآكل حوائطها شيئاً فشيئاً بسبب الرطوبة وعدم وجود تهوية كافية بها».

وشهدت الوكالة مؤخراً جولة تفقدية من اللواء محمود نصار، رئيس الجهاز المركزى للتعمير، واللواء مدحت عبد الرحمن، رئيس الجهاز التنفيذي لتجديد أحياء القاهرة الإسلامية والفاطمية، لمتابعة تنفيذ مشروع التطوير.

وتعد وكالة «قايتباي»، وفق نصار، من أجمل نماذج الوكالات الإسلامية التي تميزت بها العمارة في العصر المملوكي، وأضاف أن الجهاز التنفيذي لتجديد أحياء القاهرة الإسلامية والفاطمية هو الذي قام بأعمال ترميمها وإعادة توظيفها وتطوير المناطق المحيطة بها، بهدف الحفاظ على الطابع العمراني والمعماري للقاهرة التاريخية. ولفت إلى تزويدها بمفروشات تحاكي زمن إنشائها لتصبح عنصر جذب يستعيد أجواء القرن الخامس عشر الميلادي.

ويأتي تطوير الوكالة الأثرية ضمن خطة تضمنت مسجدي عمرو بن العاص، وصرغطمش، وسور القاهرة الشمالي، وعديداً من المواقع الأثرية، وفق الدكتور فاروق شرف، استشاري ترميم الآثار، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «استغلال الوكالة كفندق سيكون ضمن منظومة الاستفادة بهذه المواقع، بما في ذلك الجانب السياحي، وهو مهم جداً من النواحي الاقتصادية، فضلاً عما يمثله من مكانة كبيرة يدركها الأجانب ويعرفون من خلالها قيمة ما نملك من آثار وحضارة».

وتنفذ السلطات المصرية مشروعاً طموحاً لتحويل القاهرة التاريخية إلى متحف مفتوح، عبر تطوير عدد من الأحياء والمناطق التي تحيط بالمعالم التاريخية على غرار مسجد السلطان حسن ومسجد السيدة عائشة، ومحيط قلعة صلاح الدين التاريخية، ومنطقة الفسطاط.


من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
TT

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة مسيّرة قرب مدرج، يمكن أن يحوّل مشكلة محلية إلى أزمة تمتد آثارها إلى عشرات الدول.

وهذا ما حصل في بريطانيا أخيراً، بعدما أدى خلل تقني في نظام معالجة بيانات الرحلات التابع لخدمات الملاحة الجوية الوطنية البريطانية «ناتس» إلى شلل واسع في حركة الطيران. وامتدت التداعيات إلى مطارات رئيسية بينها هيثرو وغاتويك ومانشستر وستانستد، مع إلغاء أكثر من ألفي رحلة وتأثر نحو 330 ألف مسافر، فيما استمرت آثار الأزمة حتى اليوم التالي بسبب تراكم الرحلات والركاب والأمتعة.

واللافت أن الأزمة لم تكن نتيجة إغلاق مدرج بسبب طقس سيئ أو حادث طائرة، بل نتيجة خلل في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها صناعة الطيران الحديثة. وقد أكدت السلطات البريطانية أن الحادث لم يكن هجوماً إلكترونياً، فيما طلبت الحكومة من رئيس «ناتس» تقديم تقرير عن أسباب الخلل، وأعلنت هيئة الطيران المدني البريطانية إجراء مراجعة مستقلة.

مسافرون عند مكاتب تسجيل الوصول التابعة للخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو بلندن (رويترز - أرشيفية)

أزمة هيثرو الحالية ليست الأولى التي تثبت مدى هشاشة شبكة الطيران أمام الأعطال الاستثنائية. ففي مارس (آذار) 2025، أدى حريق في محطة كهرباء قريبة إلى انقطاع الكهرباء عن مطار هيثرو وإغلاقه ليوم كامل تقريباً. وتسببت الواقعة في إلغاء أكثر من ألف و300 رحلة وتأثر نحو 200 ألف مسافر، إضافة إلى تحويل رحلات إلى مطارات أخرى في بريطانيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أدى ظهور طائرات مسيّرة قرب مدرج مطار غاتويك إلى إغلاق المطار بصورة متكررة خلال موسم عيد الميلاد، ما أثر في نحو 140 ألف مسافر وأدى إلى تحويل أو إلغاء نحو ألف رحلة.

أما في الولايات المتحدة، فقد تسبب انقطاع كهربائي ضخم في مطار أتلانتا هارتسفيلد جاكسون عام 2017 في إلغاء أكثر من ألف رحلة، بعدما توقفت أنظمة المطار، بما فيها الإضاءة والسلالم المتحركة وقطارات نقل الركاب والجسور المؤدية إلى الطائرات.

وتكشف هذه الحوادث حقيقة واحدة وهي أن المطار لا يعمل بمعزل عن بقية شبكة الطيران. فإذا تعطل مطار محوري مثل هيثرو، لا تتأثر الرحلات التي تصل إليه أو تغادر منه فقط، وإنما تتأثر الطائرات والأطقم ومواعيد الرحلات المتصلة في مدن ودول أخرى.

هل يحصل المسافر على تعويض؟

هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للمسافرين. في بريطانيا، تحكم حقوق المسافرين قواعد UK261. وهي الإطار البريطاني الذي ينظم حقوق الركاب في حالات التأخير والإلغاء ورفض الصعود إلى الطائرة.

لكن وجود تأخير طويل لا يعني تلقائياً أن شركة الطيران مطالبة بدفع تعويض مالي. العامل الحاسم هو سبب التأخير.

فإذا كان التأخير أو الإلغاء نتيجة أمر يقع ضمن مسؤولية شركة الطيران، فقد يكون المسافر مؤهلاً لتعويض مالي. أما إذا كان السبب من قبيل «الظروف الاستثنائية» الخارجة عن سيطرة شركة الطيران، فقد لا يكون التعويض المالي مستحقاً. وتوضح هيئة الطيران المدني البريطانية أن التأخير الناتج عن ظرف استثنائي لا يوجب التعويض.

فالخلل في نظام مراقبة الحركة الجوية قد يصنف، بحسب ظروف القضية وتقييم المسؤولية، ضمن الظروف الاستثنائية التي تعفي شركة الطيران من دفع التعويض المالي. ولذلك فإن مجرد وصول المسافر متأخراً ثلاث ساعات أو أكثر لا يعني بالضرورة حصوله على مبلغ تعويض في هذه الحالة.

لكن «لا تعويض» لا تعني «لا حقوق» هذه نقطة يقع فيها كثير من المسافرين. حتى عندما لا يكون التعويض المالي مستحقاً تبقى على شركة الطيران التزامات تجاه المسافر.

فعند التأخير، قد يكون للمسافر حق في الرعاية والمساعدة، بما في ذلك الطعام والشراب ووسائل الاتصال، والإقامة الفندقية عند الضرورة، بحسب مدة التأخير والمسافة وظروف الرحلة.

ولهذا ينصح المسافر بالاحتفاظ بالفواتير والإيصالات الخاصة بالمصروفات الضرورية والمعقولة التي تحملها بسبب التعطل، لأن شركة الطيران قد تكون مطالبة بردها وفقاً للظروف والقواعد المطبقة.

وفي حالة إلغاء الرحلة، يكون للمسافر عموماً خيار بين استرداد قيمة التذكرة أو إعادة توجيهه إلى وجهته وفق الحقوق التي تنطبق على رحلته.

متى يكون التعويض المالي مستحقاً؟

بصورة مبسطة، يمكن للمسافر في الرحلات المشمولة بـUK261 أن يطالب بالتعويض عندما:

*يصل إلى وجهته النهائية متأخراً أكثر من ثلاث ساعات.

*أو تُلغى رحلته في ظروف تجعل التعويض مستحقاً.

*أو يُرفض صعوده إلى الطائرة في حالات معينة.

*ويكون سبب المشكلة من مسؤولية شركة الطيران وليس نتيجة ظرف استثنائي خارج سيطرتها.

وقد يصل التعويض في الحالات المؤهلة إلى 520 جنيهاً إسترلينياً للمسافر، بحسب مسافة الرحلة وظروفها.

لكن هناك فارقاً جوهرياً بين التعويض والرعاية.

فحتى إذا لم يكن المسافر مستحقاً للتعويض المالي بسبب ظرف استثنائي، قد تبقى حقوقه في الطعام أو الفندق أو إعادة التوجيه أو استرداد قيمة التذكرة قائمة.

هل للوجهة علاقة بقيمة التعويض؟

الوجهة لا تحدد وحدها ما إذا كان المسافر يستحق التعويض، سبب المشكلة ونقطة انطلاق الرحلة والقواعد القانونية التي تنطبق عليها عوامل أساسية.

لكن المسافة بين نقطة الانطلاق والوجهة تدخل في تحديد قيمة التعويض عندما يكون التعويض مستحقاً أصلاً. ولهذا تختلف قيمة التعويض بين الرحلات القصيرة والمتوسطة والطويلة.