«التنزه بالشعر» في حقائق الكون والأشياء والوجود

عاطف عبد العزيز ينأى عن التورط في صخب العالم في «شيء من هذا الغبار»

«التنزه بالشعر» في حقائق الكون والأشياء والوجود
TT

«التنزه بالشعر» في حقائق الكون والأشياء والوجود

«التنزه بالشعر» في حقائق الكون والأشياء والوجود

يستهل الشاعر عاطف عبد العزيز ديوانه «شيء من هذا الغبار»، الصادر حديثاً عن «دار المتوسط»، بنص عنوانه «رفيف المستحمة» يستدعي من خلاله الرسام الفرنسي بول سيزان، أحد رواد المدرسة الانطباعية في الفن ولوحته الشهيرة «المستحمات». وفي نص بعنوان «أناهيد»، وعلى سبيل التناص أيضاً، يستدعي ليلي مراد وأغنيتها الشهيرة «أنا قلبي دليلي»، كما يستدعي الكاتب الروائي إبراهيم أصلان في نص بعنوان «اللعبة»، يرى أنه يتقاطع مع أجواء إحدى قصص أصلان في مجموعته «خلوة الغلبان»، وفي نص بعنوان «صباح كغيره» يستدعي الشاعرة الأميركية المنتحرة سيلفيا بلاث، ومعها ضمنياً يحضر زوجها الشاعر الإنجليزي تيد هيوز، شاعر البلاط.
لكن ما جدوى هذا الاستدعاء المحمول على التناص، ما دلالته شعرياً وفنياً، بل نفسياً أيضاً... هل أراد الشاعر أن يصنع نوعاً من التماثل الشفيف بين ذاكرتين؛ ذاكرة الصورة أو اللقطة أو الحالة المستدعاة من ناحية، وبين ذاكرة النص الشعري من ناحية أخرى، وهل العلاقة هنا بين سابق ولاحق، بين صورة وظل، بين ما قد كان، وما هو كائن بالفعل... ربما يساعدنا في الإجابة عن كل هذه التساؤلات، أننا أمام ذات شعرية تنأى عن التورط في صخب العالم وضجيجه، تحافظ دائماً على مسافة رخوة بينها وبين الأشياء، تسمح لها باللعب المطمئن، ومراقبة العالم بعين يقظة محبة، ولغة شجية، شديدة الانضباط والرصانة.
ومن ثم، لا يتورط الشاعر في حياة سيزان، أو يرتدي أقنعته، أو يسائله على سبيل المثال: لماذا رسمت أغلب مستحماتك من الظهر، وموَّهت على وجوههن، كأنهن ظل لحقيقة هاربة. الأمر نفسه في «أناهيد»، حيث يتحول دال ليلي مراد وأغنيتها الشهيرة إلى عنصر محفز ومرطب لحالة عاطفية، تومض في النص بين الذات الشاعرة والفتاة التي ساقتها الأقدار للوذ بمصر، بعد أن «أشعل التركُ النار في العائلة»، وتصادف أن رقصت في الفيلم خلف ليلي مراد وهي تغني هذه الأغنية. وفي نص «اللعبة»، يتم استدعاء إبراهيم أصلان، من خلال جمل نصية، ليبدو كشاهد خفي، على مشهد «رجاء» الفتاة السمراء الجنوبية، التي تحولت بيولوجياً من أنثى إلى ذكر. يقلّب النص هذه الحقيقة عبر حوار عبثي خاطف بين زوج الفتاة المفجوع مما جرى لها، وبين صوت آخر تمثله الذات الشاعرة، يوهم بالاعتراف بالشيء، لكنه داخلياً يضمر إقراراً بنفيه والسخرية منه. يشير النص إلى ذلك في عبارة دالة (ص 30) هي: «القدرة على إيلام الآخرين عن بعد»، ثم يعيد تكرارها في النهاية على هذا النحو:
«فكرت أيضاً أن أمنحه سيجارة،
لكني تراجعت في اللحظة الأخيرة،
كأني خشيت أن تنتهي اللعبة مبكراً،
بما قد يجعل أصلان متململاً في تربته.
ومن بعيد، سمعتني أسأله.. «مَن رجاء»؟
بيد أن هذا الاستدعاء الذي يتم فيه التعاطي بحنو مع المشهد، والحرص على أن تظل الصورة محتفظة بإطارها الخارجي، سرعان ما ينقلب رأساً على عقب في نص «صباحٌ كغيره»، حيث تتخلى الذات عن حذرها المخاتل، وتتورط في النص إلى حد المباهاة والتهكم من نفسها، ومن رتابة مشهد الحياة الأسرية المتكرر يومياً، محولة رمزية سيلفيا بلاث المفجعة إلى تميمة للمجد والخلاص من شرور الذات والعالم، وشرك العيش تحت سقف الضرورة... هنا نصبح إزاء صراع مضمر بين ذاكرتين، تمنح إحداهما الأخرى الخيطَ لتشده حتى آخر اللعبة، حتى آخر العبث والمجهول. ما يسم الصورة الشعرية بمسحة من التوحش، كأنها تواجه غريماً قابعاً في سقف الذاكرة والحلم... يقول الشاعر في هذا النص:
كان بوسعها
- لو فكرتْ قليلاً -
أن تدبر لكلينا مقعداً بمقصورة الخالدين
كان يمكن بشيء من التبصر
أن تكون نسخة حديثة ومنقحة
من سيلفيا بلاث
أن ترى في الموقد المنزلي هولوكستها الشخصيَّ
الذي كان سوف يصنع منها
في مقتبل الأيام
أسطورة لا تغيب»
ربما أستطيع أن أقف هنا على دلالة التبعيض (بعض من كل) في عنوان الديوان «شيء من هذا الغبار»، بما يكتنزه من علامات وإشارات توحي بالتماثل والرغبة في الانعتاق، وفي الوقت نفسه الإقرار بما هو واقع بالفعل، وأن الأشياء في حقيقتها وجود نسبي غير مكتف بذاته... ربما ذلك، لكنني أتصور أن الأمر يكمن جذرياً في شق آخر، يتعلق برؤية الشاعر نفسه للشعر.
عاطف عبد العزيز برأيي شاعر مسكون بفكرة شيقة وممتعة معاً، راقبتها في الكثير من دواوينه السابقة، ووصلت إلى كينونتها على نحو خاص في هذا الديوان، وهي فكرة أسميها «التنزه بالشعر»، الشعر نزهة إذن، في حقائق الكون والأشياء والوجود، نزهة مفتوحة على الأمكنة والأزمنة، على ماضيها وحاضرها ومستقبلها، على الإنسان المقيم والعابر والمهمش والمنسي، المسكون بالبساطة والغرابة والألفة. إنها نزهة مسالمة، جل ما تبتغيه أن ترى المشهد في رقته، في نوره الداخلي وصفائه الأخاذ.
يتناثر معنى هذه الفكرة في أجواء الديوان، في شكل رسائل، تارة إلى البحر، وتارة إلى المدينة، وتارة أخرى إلى الذات الشاعرة نفسها، وهي رسائل مسكونة دائماً بروح التجوال والتنزه داخل النص وخارجه. تتزيا أحياناً بالحكمة، خصوصاً في نهايات القصائد، حكمة أن ترى ما لا يُرى، وتسمع ما لا يُسمع، حكمة أن تكون نفسك في نفسك، أن تصفو إليها متخلصاً من شوائب الوجود وشره الأضداد المقيت، إنها الطريق إلى المسرّة، حسبما يؤكد الشاعر في نص بالعنوان نفسه، موجهاً الخطاب إلى الآخر الصديق، تحت رذاذ من السخرية، تطل منه سذاجة واعتباطية الأعراف والتقاليد الاجتماعية قائلاً (ص 15): «بمقدورك التأقلم مع الحقائق المستجدة/ كأي عاشق متحضر/ يمكنك أيضاً جرّها من شعرها الطويل إلى قارعة الطريق/ مثل أي شرقي كرامته في سرواله».
تمنح فكرة التنزه بالشعر الذات فسحة أوسع للتأمل والنفاذ فيما وراء الأشياء، كما تمنحها المقدرة على الاسترخاء، والتقاط الشعر من الثقوب والشقوق والفجوات الكامنة في جسد الزمن وتداعيات الواقع اليومي المعيش، كما توسع من أفق التخييل بإيقاع الفانتازيا، واللعب على دوال لصيقة بطبيعة الوجود الإنساني، مثل التنبه والغفلة والسهو والعزلة، وهو ما يتجسد على نحو ساطع في نصي «ابن الجيران»، و«سأم القاهرة»... في النص الأول يتحول الولد المصاب بالتوحد إلى أثر وشاهد على حضور الكائن في الفراغ، فراغ الصورة والحياة التي انفضّت فجأة، بعد أن يختفي الولد فجأة وتختفي معه ابتسامته، وتتبدل أحوال الشرفة، التي تمثل إطلالته الوحيدة على الحياة... إنه ميراث تنزه الأنا في مرثيتها المباغتة، وكونها الصغير الفسيح، يجسده النص في أسطره الأخيرة قائلاً:
«يمكن للمرء حصرُ ميراثه من العالم:
صديقٌ صغيرٌ يغيب في عزلته المفتوحة
على الضوء.
عبّادة شمس تميل على الجهة الخطأ
كلبٌ مريضٌ بداء جعله يحكُّ جلده - كما ترون -
في حائط الجيران.
أما أنا... فأنا
ألوِّح ما زلتُ، للفراغ الذي يأخذ شكل الولد».
وفي النص الثاني «سأم القاهرة» الأطول بين نصوص الديوان، ويشكل خاتمته، يلجأ الشاعر إلى الترقيم الداخلي، صانعاً نوعاً من الوصل والقطع بين المشاهد والوقائع واللقطات ليضفي على تنوعها عاطفياً واجتماعياً وسياسياً إيقاع المشهد السينمائي، فتبدو كشريط طويل متعدد الرؤى والحالات، تختلط فيه روائح البشر ودبيبهم بروائح المدينة وأجواء شوارعها بزخمها وصخبها ومقاهيها وبيوتها الأثرية العتيقة، كما تطل احتجاجات وانتفاضات الغضب ضد الظلم والقهر... يدور الشريط في تقاطعات وتجاورات شيقة بين فواصل النص، بينما تكتسب الحركة من الداخل إلى الخارج سلاسة التنزه ببطء، ما يجعل مواساة الذات من فوضى هذا السأم والزحام أمراً لطيفاً وطبيعياً ومحتملاً، ففي خضم هذه المشهد يشير الشاعر إلى المتظاهرين رافعي اللافتات المتلاصقين فوق سلم النقابة كالكتاكيت، وفي المقابل، وبحس لا يخلو من المفارقة، وكما يقول النص (69):
«الجنود كانوا يأكلون في العربات الداكنة في بساطة،
لم أعرف لماذا أوجعتْ قلبي،
بينما تلميذاتٌ مراهقاتٌ، كن يعبرن الشارع صاخباتٍ
في مريولات رمادية، وقمصانٍ بيضٍ محبوكة.
للحظة ظننتهن سربَ فراشاتٍ
خرجن للتو من سماء منصوبة خلف كشك السجائر».
هكذا، يمكن للشمس أن تشرق من كشك سجائر، ويمكن للتنزه أن يمنح الوجود معادلة الشعر، بجمال وحب. هذا ما يبقى دائماً في ذاكرة النص وغبار التاريخ.



نجم «بيبي شارك» يطرق أبواب الـ«كي بوب» بأول أغنية منفردة

حقق فيديو «رقصة بيبي شارك» الذي يؤديه بارك غون رونغ 17.2 مليار مشاهدة منذ ظهوره لأول مرة على «يوتيوب» عام 2016 (لقطة شاشة من شركة بينكفونغ/ يوتيوب)
حقق فيديو «رقصة بيبي شارك» الذي يؤديه بارك غون رونغ 17.2 مليار مشاهدة منذ ظهوره لأول مرة على «يوتيوب» عام 2016 (لقطة شاشة من شركة بينكفونغ/ يوتيوب)
TT

نجم «بيبي شارك» يطرق أبواب الـ«كي بوب» بأول أغنية منفردة

حقق فيديو «رقصة بيبي شارك» الذي يؤديه بارك غون رونغ 17.2 مليار مشاهدة منذ ظهوره لأول مرة على «يوتيوب» عام 2016 (لقطة شاشة من شركة بينكفونغ/ يوتيوب)
حقق فيديو «رقصة بيبي شارك» الذي يؤديه بارك غون رونغ 17.2 مليار مشاهدة منذ ظهوره لأول مرة على «يوتيوب» عام 2016 (لقطة شاشة من شركة بينكفونغ/ يوتيوب)

أعلنت شركة «بينكفونغ» أن الطفل الذي ظهر في الفيديو الأكثر مشاهدة على «يوتيوب» على الإطلاق، والمعروف باسم «بيبي شارك بوي» في كوريا الجنوبية، سيُطلق أول أغنية منفردة له في عالم الـ«كي بوب» في 20 أغسطس (آب).

وكانت الشركة العالمية المتخصصة في الترفيه العائلي، والمالكة لعلامتي «بينكفونغ» و«بيبي شارك»، قد أعلنت في 10 أغسطس أن «بيبي شارك بوي» سيُصدر أول أغنية رقمية له بعنوان «ويف» (WAVE)، وهي أغنية باللغة الكورية شارك في كتابة كلماتها، ويشاركه فيها جوهوني من فرقة «مونستا إكس»، وفق ما أفادت صحيفة «ذا ستريت تايمز».

يُذكر أن «بيبي شارك بوي» اسمه الحقيقي بارك غون رونغ، ويبلغ من العمر 17 عاماً، وقد ظهر لأول مرة في فيديو «بيبي شارك دانس» عام 2016. ومنذ ذلك الحين، تجاوزت مشاهدات الفيديو 17.2 مليار مشاهدة، وحافظ على صدارة «يوتيوب» العالمية لمدة 69 شهراً متتالياً.

وعاد بارك بشكل مفاجئ في عام 2025 من خلال مقاطع فيديو قصيرة بمناسبة الذكرى العاشرة للأغنية، والتي حصدت 22 مليون مشاهدة.

وقال بارك في بيان: «قبل عشر سنوات، كنت أرقص بجانب (بيبي شارك). الآن، أريد أن أشارككم صوتي وقصتي التي كتبتها بنفسي. يسعدني أن أبدأ شيئاً جديداً مع من تذكروني طوال هذه المدة، وأريد أن أواصل إظهار تطوري من هنا».
من جانبه قال ممثل الشركة: «نشأ صبي (بيبي شارك) جنباً إلى جنب مع بيبي شارك، وربطته علاقة مميزة مع المعجبين حول العالم. الأمر لا يقتصر على إعادة الطفل من الفيديو فحسب، بل يتعلق بروايته لقصته الخاصة».

وتشير هذه الخطوة إلى طموح الشركة لتوسيع نطاق علامة «بيبي شارك» التجارية، لتشمل ما هو أبعد من محتوى الأطفال، وصولاً إلى سوق موسيقى البوب ​​الكورية الأوسع.


بين البترون وبيروت... الفنّ التصويري والتشكيلي في تحية ومبادرة

ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)
ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)
TT

بين البترون وبيروت... الفنّ التصويري والتشكيلي في تحية ومبادرة

ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)
ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)

كما العاصمة، تنبض بعض المناطق اللبنانية أيضاً بنشاطات ثقافية وفنية تعيد لبنان إلى موقع الريادة في هذين المجالين. فإلى جانب المهرجانات والحفلات الفنية التي أُحييت في بيروت وجونية وفقرا وغيرها، أُقيمت بالتوازي معها معارض تشكيلية تُعلن اختتام موسم الصيف، ومن المقرّر أن تعود إلى الواجهة مع انطلاق موسم جديد في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

واللافت أنّ بعض صالات العرض اتّبعت خططاً مختلفة لدعم هذه الفنون وتشجيع انتشارها، فاختارت الانتقال إلى خارج العاصمة، لتتيح لأكبر عدد ممكن من السياح وأهالي المناطق المضيفة فرصة الاطلاع على أعمال فنية تتنوّع بين الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي.

وكان هذا التقليد قد غاب مدةً بسبب الأوضاع غير المستقرّة؛ إذ كان تنظيم معارض في بلدات حمانا وصوفر وبرمانا يجري سنوياً، في إطار تشجيع الفنون وتنشيط الحركة السياحية الداخلية.

ومؤخراً، أخذ غاليري «آرت ديستريكت» على عاتقه إقامة معرض له في «فيلا باراديزو» في البترون. وتحت عنوان «Summer Frequency» (التردّد الصيفي)، جمع المعرض أعمال نحو 15 رساماً ومصوّراً فوتوغرافياً، قدموها وسط ديكورات ريفية تستحضر هوية لبنان التراثية.

تحية تكريمية للفنّ الفوتوغرافي في منطقة الجميزة البيروتية (آرت ديستريكت)

ويشير صاحب غاليري «آرت ديستريكت» ماهر عطّار إلى أن هذه المبادرة جاءت في إطار السعي إلى توسيع البقعة الثقافية للفنون على اختلافها. ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «في ظلّ الحروب التي مرّ بها لبنان، كانت تراودني فكرة إقامة معارض في مناطق آمنة خارج العاصمة، ولكنني هذه السنة، ووسط هدوء حذر نشهده، قرّرت ترجمة الفكرة على أرض الواقع، فاخترت بلدة البترون لاستضافتها، لأنها محطة سياحية مشهورة يقصدها اللبنانيون. كما يزور المدينة السياح العرب والأجانب للتعرّف إلى بحرها، أو الإقامة في أحد فنادقها، والسهر في مقاهيها».

وبالفعل، لم يتردّد عدد من الفنانين، وبينهم ميراي مرهج، وجوسلين غناجة، وميشلين نهرا، وجوزف هيكل، وجمال عالية، وغيرهم، في تلبية دعوة عطّار، الذي يشارك بدوره في المعرض.

ويستدرك: «رغبتُ في أن أستحدث بقعة فنية راقية تبرز فن الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي الأصيل. فهناك محلات كثيرة في البترون تعرض أعمالاً فنية تصلح هدايا تذكارية. لكن (ديستريكت) البترون فتح الباب أمام أعمال تشكيلية حقيقية تسهم في تلبية أذواق هواة الفن التشكيلي. وقد لاقت هذه المبادرة تشجيعاً من أهالي البترون وضيوفها».

ويرى عطّار أنّ المبادرة وُلدت من مبدأ بسيط: «إذا كنتَ لا تستطيع أن تزورنا، فنحن نزورك». فتبادل الثقافات، من خلال اختصار المسافات، لا بد أن ينعكس إيجاباً على المجال الثقافي.

وعما إذا كان سيُبقي على هذا التقليد سنوياً، يردّ: «ربما سنجول في مناطق أخرى مثل فقرا، ولكنني أتوق إلى إقامة هذا النوع من المعارض في جنوب لبنان، عندما يعمه الهدوء والأمان».

وفي الموازاة، يحافظ غاليري «آرت ديستريكت» على تقليد سنوي يتبعه منذ 5 أعوام في مركزه بشارع الجميزة. وهو تحية تكريمية للتصوير الفوتوغرافي، من خلال الاحتفاء بمواهب فنية ناشئة، فيختار عدداً من المصوّرين الشباب بهدف تشجيع الجيل الجديد على ممارسة هذه المهنة وفق أصولها.

ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (آرت ديستريكت)

وتحت عنوان «خارج الإطار»، اجتمع أنهل رحمة، وآنا كريستينا نوفل، وكريس نصّار، إضافة إلى موريال واكد، وروجيه عاجور، ويوسف بو خالد، وقدّموا أعمالهم التصويرية التي تُحاكي العصرية وتعكس تقنيات جديدة في عالم التصوير الفوتوغرافي. وتبدو بعض الصور كأنها مرسومة بالريشة، كتلك التي توقّعها موريال واكد.

ويوضح عطّار: «لكل موهبة ناشئة خصوصيتها وأسلوبها في التصوير، وهذا يبدو واضحاً في أعمالهم. فصور موريال تعكس شخصيتها الهادئة والناعمة، فيما تنقل عين روجيه عاجور الثاقبة المشهد بإضاءة معروفة في الاستوديوهات».

نلاحظ النفحة السينمائية في بعض الأعمال، فيما تفرض أعمال أنهل رحمة في فن البورتريه على ناظرها التأمّل فيها، لاكتشاف علاقتها بقصائد شعرية يرفقها مكتوبة عليها. ويروي ماهر عطّار قصة إحدى المواهب الناشئة، كريستيان نصّار: «هذا الشاب أبهرني بأعماله، ولم أتنبه إلى أنها مأخوذة بعدسة الهاتف الجوال. وهو أمر أمنعه في الغاليري. فإحيائي لهذا التقليد السنوي يقوم على قاعدة التمسّك بأصول الصورة الفوتوغرافية الثابتة، والمأخوذة بعدسة كاميرا محترفة. ولكن شغف كريس بالتصوير دفعه إلى تعلّم التصوير الفوتوغرافي وفق الأصول، فاشترى كاميرا خاصة لتنفيذ أعماله الجديدة. وعندما عرض معي العام الماضي، لاقت صوره إقبالاً كبيراً. وهذه السنة أيضاً استطاع لفت انتباه الزوار. فهو يصوّر بإحساس عالٍ، وبعين تتقن التقاط اللحظة لتحويلها إلى صورة مميّزة».


مصر: اكتشاف بقايا طريق «عسيلة» على الدرب السلطاني في شمال سيناء

جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف بقايا طريق «عسيلة» على الدرب السلطاني في شمال سيناء

جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)

يأتي الكشف عن بقايا خان طريق «عسيلة» بشمال سيناء على الدرب السلطان ليلقي المزيد من الضوء على تاريخ سيناء وطرقها التاريخية، ويرجح الأثريون أنه كان أحد خانات الطريق التي خدمت القوافل التجارية وقوافل الحجاج المصريين والمسافرين على الدرب السلطاني، المعروف باسم «درب الحاج المصري»، الذي كان يربط مصر بشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف، «إضافة مهمة إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية التي تسهم في إعادة قراءة تاريخ سيناء وإلقاء الضوء على الحضارات والمجتمعات التي ازدهرت على أرضها»، مشيراً في بيان للوزارة، الثلاثاء، إلى أن «الموقع ظل مطموراً تحت الرمال لقرون، قبل أن تبدأ أعمال الحفائر العام الماضي في الكشف عن ملامحه وإعادة إحياء تاريخه».

ويفتح الاكتشاف نافذة على شبكة الطرق التاريخية التي ربطت مصر بالمشرق العربي، وفقما أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، مؤكداً أن أعمال الحفائر كشفت عن بقايا جدران مشيدة من الطوب اللبن والطوب الأحمر، ومدعمة في أساساتها بأحجار كلسية كبيرة، وهو أسلوب معماري كان شائعاً في تشييد وتدعيم المنشآت الكبرى خلال العصور الإسلامية.

وأضاف أن «الجدران المكتشفة تمتد في اتجاهات الشمال والشرق والجنوب، وتضم تشكيلات معمارية داخلية تشير إلى وجود عدد من الحجرات، يرجح أن يكون بعضها قد استخدم كحوانيت ملحقة بخان الطريق، ويتشابه التخطيط العام للموقع إلى حد كبير مع تخطيط خان الخوينات، إحدى المحطات التجارية المهمة بشمال سيناء، وإن كان موقع عسيلة أصغر مساحة، بما يدعم فرضية استخدامه كمحطة لاستراحة الحجاج والتجار على الدرب السلطاني».

الخان القديم يرجح أنه كان على طريق الحجاج (وزارة السياحة والآثار)

وأسفرت أعمال الحفائر عن العثور على مجموعة من اللقى الأثرية التي تعكس طبيعة الحياة اليومية بالموقع، من بينها كميات من الفخار كبير الحجم المستخدم في تخزين المياه والمؤن، إلى جانب أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني، وأخرى باللونين الأحمر والأبيض، فضلاً عن أجزاء من مسارج كانت تستخدم للإضاءة.

ويسهم الكشف، حسب محمد خليل وصدام حسين، رئيسي البعثة الأثرية، «في فهم طبيعة البنية التحتية التي دعمت حركة التجارة والحج والتحركات العسكرية في العصور الإسلامية، كما يساعد على دراسة شبكة المحطات الاستراتيجية التي أقيمت على طرق سيناء لخدمة المسافرين والقوافل، أما عن اللقى الأثرية المكتشفة فترجح تأريخ الموقع إلى العصر المملوكي، ومن بينها أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني مميزة لهذه الفترة، بالإضافة إلى كسر من الفخار المزجج تحمل عناصر زخرفية يمكن نسبتها إلى فترة السلطان الناصر محمد بن قلاوون في العصر المملوكي البحري».

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الطريق ظل مستخدماً لقرون إلى أن توقف استخدامه وتحول مسار حركة الحج إلى الطريق الجنوبي عبر عيذاب - جدة.

وقال الدكتور محمد حلمي، مدير عام آثار سيناء، إن الاكتشاف يأتي في إطار خطة لإعادة إحياء الحواضر المندثرة، ومكملاً لاكتشافات أخرى تعمل على مشروع إحياء حصون الشرق، ويختص بالمناطق الدفاعية على الحدود المصرية الشرقية. وقال حلمي لـ«الشرق الأوسط»، إن «البعثات الاستكشافية سعت للقيام بمشروع مكمل هدفه إحياء الحواضر وتتمثل في المدن التي كان يقيم بها المصريون في العصور الإسلامية المختلفة، وهذه المدن تتغير تبعاً للظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئة التي تؤثر على محيطها، ما يجعلها تزدهر فترة ثم تختفي وتندثر تماماً، مثل منطقة الفرما وكانت مزدهرة خلال العصر الروماني وبداية العصر الإسلامي، وحتى العصر الفاطمي، بعدها جرت كثير من المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية هناك أدت لهجرة السكان منها واندثارها، بعد ردم فرع النيل الذي كان يصب في البحر، وهكذا فقدت المدينة أهميتها وبدأت الناس تهجرها، وظهرت حواضر أخرى بديلة محيطة بها».

إحدى اللقى الأثرية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

وأضاف حلمي أن «علماء الأثار عملوا على هذا الخط على منطقة قاطيا، الفلوسيات، وخلال استقصائهم ومسح للمساحة محل البحث اكتشفوا طريقين؛ الأول شمالي والثاني جنوبي، طريق بحري يمر بالبحر مباشرة، وهو طريق حورس الحربي الذي كانت تمر من خلاله الحملات العسكرية، وطريق جنوبي يبعد عنه نحو 5 كيلومترات، وهو معروف بطريق الجفار، أو (الدرب السلطاني) وقد ازدهر خلال الفترة الإسلامية، وعليه تكونت مجموعة من الحواضر».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended