برونو بافلوفسكي: الزبون المحلي أولوية «شانيل» وليس السائح العابر

غدا تفتتح الدار صفحة أخرى في سوق الشرق الأوسط

برونو بافلوفسكي (تصوير: فريدريك ديفيد)
برونو بافلوفسكي (تصوير: فريدريك ديفيد)
TT

برونو بافلوفسكي: الزبون المحلي أولوية «شانيل» وليس السائح العابر

برونو بافلوفسكي (تصوير: فريدريك ديفيد)
برونو بافلوفسكي (تصوير: فريدريك ديفيد)

كان اللقاء مع برونو بافلوفسكي، الرئيس التنفيذي لدار «شانيل»، في شارع «ديفو» بباريس قبل يوم واحد من عرض الـ«كروز 2020». أول عرض للمصممة فيرجيني فيار، خليفة الراحل كارل لاغرفيلد.
الكل كان يترقب والكل كان يتوجس أن يكون الفراغ الذي تركه المصمم الذي قاد الدار لنحو ثلاثة عقود كبيراً يصعب ملؤه. لكن الحديث لم يكن عن العرض، ولا عما إذا كان غياب لاغرفيلد سيُخلّف فراغاً أو سيخلق تحولات في تاريخ الدار العريقة. كان بكل بساطة عن الشرق الأوسط، وتحديداً عن محل الدار الرئيسي الجديد في «دبي مول»، الذي انتهت من تجديده وتجميله بعد نحو عام، لتفتتحه، غداً (الجمعة). كان برونو بافلوفسكي، الذي يُشرف على جانب الأزياء والإكسسوارات منذ أكثر من عقدين من الزمن وعايش عدة تغيرات وتحديات، كعادته واقعياً، يفكر في المدى البعيد، مكرراً قوله إن الدار تبني المستقبل «ما نقوم به الآن لا نستعجل ثماره غداً، لأن استراتيجياتنا تعتمد على بناء علاقة وطيدة في أي من الأسواق التي نتوجه إليها».
قال هذا ملمحاً إلى التحديات التي تشهدها صناعة الترف في كل أنحاء العالم، بما في ذلك دبي. السبب طبعاً هو الأزمة الاقتصادية وتراجع السياحة وما شابه من أمور أثَّرت على حركة البيع. يشرح: «نعم، نُدرك أن هناك أزمة اقتصادية عالمية، وبأن هناك زبائن أقل في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما ينعكس على حركة البيع، لكننا لا نفكر في الأمر بهذا الشكل، فقد واجهنا تجارب مماثلة في أسواق أخرى، وكانت بمثابة سحابة صيف عابرة، تجاوزناها مع الوقت... عندما قررنا الوجود في الشرق الأوسط، كانت لنا نظرة طويلة المدى، وكانت النية ربط علاقة وطيدة مع هذه السوق، وهو ما يتطلب الاستثمار في الزبون المحلي أولاً وأخيراً، بتقديم خدمات مفصَّلة على مقاسه. إذا توفر زبون السياحة فهذا رائع، لكنه ليس هدفنا الرئيسي».
بافتتاح محلها الجديد في «دبي مول»، بعد أبوظبي، وقبلهما في سيول وباريس ونيويورك وغيرها من عواصم العالم، تؤكد «شانيل» أن الاستثمار في العقار لا يزال مهمّاً لم تؤثر عليها قوة «الديجيتال»، وهو ما يُثلج الصدر. ففي زمن اكتسح فيه «الديجيتال» ومواقع التسوق الإلكتروني عالم الموضة، لا تزال بيوت أزياء كبيرة تؤمن بالتسوق الواقعي. «إنه تجربة عاطفية تقوم على لمس الأشياء وتجربتها وهذا مهم جدّاً» حسب قول برونو بافلوفسكي، الذي أشرف على كل الافتتاحات والتوسعات التي قامت بها الدار. ويضيف: «لدينا دائماً قناعة بأن ما نُقدمه ليس مجرد مُنتجات يمكن الحصول عليها بضغطة زر ودون إحساس، بل هي حصيلة تجربة فريدة من نوعها نوفرها للزبون بداخل هذه المحلات.
فعندما نطرح جاكيت أو حقيبة يد بسعر يفوق الـ5000 يورو، مثلاً، فمن الواجب علينا أن نُبرر له هذا السعر، وهو ما لا يتأتى سوى في الواقع من خلال الخدمات، ولمس المنتجات عن قرب، إضافة إلى التعرف على تاريخ الدار وقصتها. فالهدف من هذه المحلات، بديكوراتها المميزة أن تعكس روح الدار الفرنسية من جهة، والبيئة المحيطة بها من جهة ثانية».
يكرر بافلوفسكي أنه من المهم أن توجد «شانيل» في المنطقة، قلباً وقالباً، وهذا لا يُلغي أهمية «الديجيتال»، فهو، حسب قوله، «يُتيح الفرصة للوجود والتواصل في الوقت ذاته، كما أنه وسيلة لاستقطاب زبونات جديدات، لكن عندما يتعلق الأمر بعمليات البيع الحقيقية، فإن أولويتنا تتركز على جذب الزبون إلى المحلات لكي يعيش تجربة متكاملة وخاصّة جداً، نعتمد فيها على فريق محلي يفهم متطلبات زبائنه وتطلعاتهم».
ويشير إلى أنه على الرغم من أن «شانيل» فرنسية الجنسية، فإنها عالمية النظرة تتعامل مع زبائن من اليابان والصين والبرازيل، وهذا يعني أن الثقافات تختلف كذلك التوقعات «فنحن نُوفر نفس التشكيلة التي نعرضها على منصات عروض الأزياء في كل مكان... طريقة تقديمها، أو بالأحرى عرضها في كل بلد، هي التي تختلف. فالشكل الذي يناسب اليابان قد لا يناسب الولايات المتحدة مثلاً. وهذا جُزء من التحدي الذي نواجهه: أن نفهم الآخر ونحترمه بالتعامل معه بلغته». وبالفعل لم تتأخر «شانيل» عن الركب. فهي أكثر من يحترم ماضيها وتغرف منه، لكن دائماً بنظرة مستقبلية مواكبة لنبض العصر. وهذا مكمن نجاحها وسحرها. فدخولها مجال «الديجيتال» لا يجعلها تعتمد عليه كليّاً، فهو بمثابة «فاتح للشهية» لا يُشبع إلا بعد دخول «البوتيك» حيث يتوفر الطبق الدسم والغني. «دخولنا عالم (الديجيتال) قرار استراتيجي ندعو فيه الكل بمعاينة كل ما نطرحه على شبكات الإنترنت، لكننا بالنهاية نريده أن يأتي إلى (البوتيك). فهنا فقط سيعيش التجربة ويشعر بروح الدار».
محلها في «دبي مول»، الذي ستفتتحه، غداً (الجمعة)، ستكشف فيه الدار عن تغييرات كبيرة استغرقت أكثر من عام. مدة لا يراها بافلوفسكي طويلة، ما دامت النتيجة مُرضِية وبحجم توقعات زبائن المنطقة. لضمان النتيجة تم تجنيد المهندس الشهير بيتر مارينو لهذه المهمة كونه يعرف ثقافة الدار جيداً. صحيح أنه يتمتع بأسلوبه الخاص والمميز، إلا أنه «يلبس طربوش (شانيل) ويتقيد بالنص المكتوب فيها دائماً».
ويعلق بافلوفسكي على أهمية الديكورات وعلى دور بيتر مارينو قائلاً إن هذا الأخير «قدَّم أفضل ما لديه كلما كانت التحديات كبيرة أمامه».
و«الفضل في هذا يعود إلى ما يتمتع به من إحساس فني قوي بالأحجام والمواد وغيرها». لكن الأهم في هذه العملية أن مارينو يُدرك تماماً أن هذه الديكورات مجرد «كومبارس» ينصبّ دوره على تلميع المنتجات، لأنها هي البطل الرئيسي. ما يُحسب له أيضاً، بنظر بافلوفسكي، أنه من المصممين القلائل الذين لا يحاولون إبراز أنفسهم أو أسلوبهم على حساب الماركة التي يعملون معها، ويُفهم أيضاً أن الديكورات يجب أن تتماهى مع البيئة المحيطة من دون أن تُلغي روح الدار، مشيراً إلى أنه كما الموضة تتغير في كل موسم «كذلك الديكورات وطُرق عرض المنتجات. فما قمنا به منذ 15 سنة تقريباً يختلف عما نقوم به الآن». أما اللافت في المعروضات التي ستستمتع بها زبونة الشرق الأوسط منذ الغد أنها من عرضها الخاص بـ«مييته داغ». أشرف عليها الراحل كارل لاغرفيلد، واستوحيت تصاميمها من مصر القديمة، بدءاً من الأزياء إلى الإكسسوارات الغنية بالتفاصيل وألوان الذهب.
يتكون «البوتيك» الجديد «من طابقين. الأرضي على مساحة 485 متراً ويشمل كل أنواع الإكسسوارات، من حقائب يد وأحذية ونظارات شمسية وجواهر موضة وجواهر رفيعة وساعات مربع، والطابق الأول على مساحة 228 متراً مربعاً يحتضن الأزياء الجاهزة وصالونين لاستقبال الشخصيات المهمة. ولأن سوق الشرق الأوسط مهمة بالنسبة للدار، كان مهمّاً أن يضُخ بيتر مارينو في (البوتيك) جُرعة طاقة قوية يشعر بها الزبون بمجرد أن يدخله، بحيث سيلمس فيه زبون المنطقة نكهة مختلفة عما أنجزه في سيول ونيويورك وباريس وغيرها من العواصم الأخرى رغم أنها تبقى دائماً تحت مظلة (شانيل). فالمنتجات هي نفسها في كل مكان، بعض التفاصيل في الديكور من خامات وتحف فنية وغيرها، هي التي تختلف بعض الشيء إلى جانب نوع الخدمات، التي تريدها الدار أن تستوعب الكل، وتُشعر كل زبون بأنه مهم.
وهذا تحديداً ما لا يتوفر في جانب (الديجيتال)، الذي رغم أهميته، يبقى مُجرد أداة تسويق عصرية لا بدَّ منها حالياً، ولو لـ(جر رِجل) الزبون إلى المحلات»، حيث «تتم عمليات البيع الحقيقية والتجربة الممتعة»، حسب قول بافلوفسكي.
المؤكد أنه لا يستصعب الأمر ويراه تحصيل حاصل لأنه «عندما تكون لديك طاقة إبداعية هائلة يُصبح التسويق عملية سهلة جدّاً». والمقصود هنا ليس الإبداع في مجال الأزياء والإكسسوارات والجواهر فحسب بل أيضاً في تلك القدرة المذهلة على نسج قصص وحكايات تُلهب الخيال، سواء من خلال عروض الأزياء الضخمة التي تنظمها منذ سنوات أو الصور التي تتداولها على مواقع التواصل وتؤجج الرغبة فيها. لكن يبقى الفضل في كل هذا إلى قدرتها على تحقيق المعادلة الصعبة بين توفير الترف بشكل «ديمقراطي» بعيد عن النخبوية والإبقاء على الحلم حياً.


مقالات ذات صلة

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

تبلغ أنجلينا جولي اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها، إضافة إلى ظروفها الشخصية والضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.