أحمد عبد المعطي حجازي شاعر اللغة المتوترة والمكابدات «الليلية»

مجموعته «مدينة بلا قلب» شكلت إحدى العلامات الفارقة في الشعر العربي الحديث

أحمد عبد المعطي حجازي
أحمد عبد المعطي حجازي
TT

أحمد عبد المعطي حجازي شاعر اللغة المتوترة والمكابدات «الليلية»

أحمد عبد المعطي حجازي
أحمد عبد المعطي حجازي

إذا كان القلق والتوتر هما السمتين البارزتين اللتين تلازمان الشعراء والفنانين في علاقتهم باللغة والحياة، فأكاد أذهب جازماً إلى القول بأن هاتين السمتين لا تنطبقان على شاعر من الشعراء كما هو الحال مع أحمد عبد المعطي حجازي. فوراء الهدوء الظاهري الذي يشي به سلوك الشاعر، ودماثته وابتساماته الودية، ثمة مزيج من الحزن والقلق الغاضب الذي يتبدى في النظرات الحادة، كما في خطوط الوجه وملامحه الحيرى. وإذا كان الشعر من جهته قد تكفل بتفريغ بعض ما تحمله شخصية حجازي من شحنات عصبية عالية، وتحويلها إلى قصائد نابضة بالتوتر والاندفاع العاطفي، فإن البعض الآخر من تلك الشحنات كان يتم تفريغه عن طريق المواقف السياسية الحاسمة، أو الكتابات النقدية الجريئة، بحيث تحوّل صاحب «مرثية العمر الجميل» إلى طرف شبه دائم في معظم المعارك السياسية والفكرية والأدبية التي شهدتها بلاد الكنانة عبر ستة عقود من الزمن. وما يلفت في هذا السياق هو أن الشاعر الذي يحتفل الآن بالذكرى الرابعة والثمانين لميلاده ما يزال رغم تراجع إصداراته الشعرية حاضراً بقوة في المشهد الثقافي المصري والعربي، حيث ما يزال يخوض حروباً وسجالات بلا هوادة، دفاعاً عن قناعاته المتعلقة بقضايا الأدب والشعر من جهة، وبقضايا الحرية والتنوير، وبناء الدولة المدنية، ومواجهة قوى التكفير الظلامي، من جهة أخرى.
لم يكن عبد المعطي حجازي الشاعر الوحيد الذي غادر شاباً مسرح طفولته الريفي ليصطدم بجدران الإسمنت والفولاذ في المدن الكبيرة، إذ لا بد للمرء أن يلاحظ أن أكثر من تسعين في المائة من الشعراء ينحدرون من الأرياف التي يسهم فضاؤها المفتوح، وطبيعتها الغنية بالمرئيات، في إلهاب المخيلات، وإغنائها بالصور والأحاسيس والدفق التعبيري. وهم حين يفدون إلى المدن والعواصم الكبرى يعيشون حالة من التمزق الداخلي أو الفصام النفسي بين عالم الأمس الملفوح بنسيم البراءة الرومانسي، والعالم الجديد الذي يتزاحم فيه الآلاف بالمناكب بحثاً عن لقمة العيش، أو عن بريق الشهرة والنفوذ والمال. ورغم أن ظلال هذه التمزقات قد شكلت الهاجس الأبرز عند شعراء الرومانسية الإنجليز في مطالع القرن التاسع عشر، فإنها لم تنعكس في الشعر العربي، باستثناء بعض النصوص المتفرقة للسياب وبلند الحيدري وصلاح عبد الصبور، بالقدر الذي عرفته مع عبد المعطي حجازي في مجموعته الرائدة «مدينة بلا قلب»، حيث يعلن الشاعر بمرارة: «أواجه ليلي القاسي بلا حبّ \ وأحسد من لهم أحبابْ \ وأمضي في فراغ بارد مهجورْ \ غريبٌ في بلاد تأكل الغرباء \ طرقتُ نوادي الغرباء لم أعثر على صاحبْ \ وكان الحائط العملاق يسحقني \ ويخنقني». وفي نصوص أخرى، تتخذ الغنائية طابعاً أقل إنشادية، وأكثر احتفاء بخلجات النفس وترددات المعنى، وهو ما تجسده بوضوح قصيدة «السجن»، حيث نقرأ: «والسجن ليس دائماً سوراً وباباً من حديدْ \ فقد يكون واسعاً بلا حدودْ \ كالليل كالتيهِ \ نظلّ نعدو في فيافيهِ \ حتى يصيبنا الهمودْ \ وقد يكون السجن جفناً قاتم الأهداب نرخيهِ \ وننطوي تحت الجلودْ \ نجترّ حلم العمر في صمتٍ ونخفيهِ \ وأن نعيش دون حبّ، دون إنسان ودودْ».
في «مدينة بلا قلب»، لا نقرأ سيرة مدينة بذاتها، ولا فرد بعينه، بل نقرأ سيرة ضياع الإنسان المعاصر في زحام المدن الكبيرة المعولمة التي يحدق فيها كل واحد بالآخر ولا يراه، والناس يمضون سراعاً، ويحدقون في اللاشيء وكأنهم أشباح أنفسهم. ولذا فقد لا يحفل أي منهم بفتى ضل الطريق إلى بيته في الزحام، أو بمقتل صبي بائس تحت عجلات عربة عجلى. وإذ تحمل المجموعة من بعض زواياها أبعاداً فلسفية ورؤيوية عميقة، تذكّرنا ببعض أعمال شلي وووردسوورث وغوته وريلكه وكافكا، حيث يقف الأدب على المفترق الصعب بين بساطة الماضي الرومانسي وتعقيدات الحاضر وتحولاته الشائكة. فإن الشاعر لا يحولها إلى أطروحات فكرية مباشرة، ولا إلى مقاربات ذهنية خالية من الحرارة، بل يبث في أوصالها كثيراً من الدفء والتوهج القلبي المنبثقين عن المعاناة. وحيث إن اختيار الشاعر لأوزانه لا ينجم عن الصدفة المجردة، بل هو اختيار شبه مقصود لفضاء المعنى وتموجات النفس، فإننا نستطيع أن نفهم السبب الذي دفع الشاعر إلى أن يجعل من الرجز بحره الأثير. فهذا البحر الذي أنف منه القدماء لسهولته وطابعه النثري، يوفر للشعراء الحديثين ما يساعدهم على لي عنق الغنائية المفرطة، وما يتوافق مع مقاربتهم لواقع العيش وتفاصيله البسيطة: «الليل في المدينة الكبيرة \ عيدٌ قصيرْ \ النور والأنغام والنساء والشباب \ والسرعة الحمقاء والشرابْ عيد قصير \ شيئاً فشيئاً يسكت النغمْ \ ويهدأ الرقص وتتعب القدمْ \ وتكْنس الرياح كلّ مائدة \ فتسقط الزهورْ \ وترفع الأحزان في أعماقنا رؤوسها الصغيرة».
ثمة في شعر عبد المعطي حجازي من جهة أخرى ما يخترق سقف الآيديولوجيا التي يعتنقها، ليقيم في مناطق المكاشفات الداخلية والرؤيوية الأشد غموضاً والتباساً من سطوح السياسة المتقلبة العابرة. فالشاعر الذي أعجب بعبد الناصر، وبكى غيابه عبر غير قصيدة ومرثية، والذي تفتحت موهبته في ظل الحقبة الناصرية، والذي خاض مع وريثه مواجهات قاسية أدت إلى هجرته الطويلة إلى فرنسا، لم يخفِ فيما بعد نقده القاسي للواقع العربي المتردي بفعل تغييب العقل وغياب الحرية، وتعطيل القوى المهيمنة لأي فرصة جدية للتغيير. وقد بدا ذلك واضحاً في قصيدة حجازي المتميزة «مرثية للعمر الجميل»، التي يدمج فيها الشاعر بنجاح بين صوت الشاعر وصوت الجماعة، كما بين مأساته كإنسان ومأساة أمته التي لم تزل تجد في البطل الفرد طريق خلاصها الأنجع «ولقيتكَ \ أنت الذي قلت لي: عدْ لغرناطة \ وادْعُ أهل الجزيرة أن يتبعوني \ وأَحْي العقيدة \ إنني أحلم الآن \ لم تأتِ بل جاء جيش الفرنجة \ فاحتمَلونا إلى البحر نبكي على الملْكِ \ لا لستُ أبكي على الملْكِ \ لكنْ على عمر ضائع لم يكن غير وهم جميلْ».
على أن الفجوة النفسية العميقة بين واقع الحال العربي وتطلعات الشاعر وهواجسه ما لبثت أن أخذت شكلها التصاعدي، مجموعة بعد أخرى. وقد أسهمت إقامته في باريس في توفير احتكاكه بثقافة الغرب، وتوسيع دائرة اطلاعه على الثقافات والمدارس الأدبية والفكرية المتباينة، ومن ثم تمكينه من الغوص بعيداً في مساءلاته الفلسفية والوجودية. ومن يتابع أعمال الشاعر المختلفة، خصوصاً اللاحقة منها، لا بد أن يعاين ذلك التصادي الواضح أو الخفي بين ما تعكسه تلك الأعمال من تبرم مرير بمسارات الحضارة الإنسانية ومآلاتها، ورؤيا توماس إليوت التشاؤمية في «الأرض الخراب». كما أن ذلك الشعور الممض بفساد بذرة الأشياء، وسقوط الحيوية الإنسانية في وهدة العقم والخواء العنين، يتقاطع من جهته مع تجربة خليل حاوي التي رأت في فكرة الانبعاث التموزي وجهاً آخر لعودة لعازر من الموت، خاوياً وعنيناً وبارداً كالثلج. وهو ما تكشف عنه بالخيبة نفسها قصيدة حجازي «كائنات مملكة الليل»، حيث نقرأ: «كيف صار كلّ ذلك الحسن مهجوراً \ وملقى في الطريق العام \ يستبيحه الشرطي والزاني \ كأنني صرت عنّيناً فلم أجب نداءها الحميم المستجيرْ \ تلك هي الريح العقورْ \ أُحسّها تقوم سداً بين كل ذكَر وأنثى \ إنها السمّ الذي يسقط بين الأرض والغيم \ بين شهوة الموت وشهوة الحضورْ». ولم تختلف المأساة في «أشجار الإسمنت» عنها في المجموعات السابقة، حيث النضوب نفسه والتصحر إياه، وحيث المدن في زمن الكوما الفكرية والشلل الإبداعي باتت، وفق تعبير الشاعر حسن طلب «مدناً بلا قلب ولا عقل في آن واحد». ففي الزمن العربي المتخثر، لا يتبدل الحال إلا إلى ما هو أسوأ، ولا يسلم الجدب مقاليد الأمور إلا لجدب آخر أكثر فتكاً بالأرض العطشى «وهذا شجر الإسمنت ينمو كنبات الفطر \ يكسو قشرة الأرض \ فلا موضع للعشب \ ولا معنى لهذا المطر الدافق فوق الحجر المصمتِ \ لا يُنبت إلا صداً \ أو طحلباً دون جذورْ».
لا بد في ختام هذه المقالة من التنويه بأن افتتان عبد المعطي حجازي باللغة لا يدفعه إلى الاستسلام السهل لإغوائها الطاغي، بل هو يحرص كل الحرص على المواءمة بين مقتضيات الجمال التعبيري وقدرة المعنى على التحقق، دون أن يطمسه تعسف الهندسة أو زخرف الأشكال. ولا بد من الإشارة إلى أن اهتمام الشاعر بالفن التشكيلي أسهم إلى حد بعيد في تحويل صوره إلى مشاهد محسوسة قابلة للتمرئي على شاشة المخيلة، وإلى أن اهتمامه بالمسرح أبعد نصوصه عن التنميط ورتابة الصوت الواحد، وحولها إلى محاورات درامية بين الشاعر وذاته، أو بينه وبين العالم، وإلى أن اهتمامه بالموسيقى ساعده على كبح جماح الرخاوة الغنائية في قصائده، وعلى رفد أوزانه بعناصر الغنى الإيقاعي والتناظر الداخلي، وعلى التحكم الماهر بقوافيه، الساكنة بغالبيتها، التي يبرع في استخدامها ووضعها في المكان الملائم. وهذه التقنيات العالية للقصيدة «الحجازية» قد أثرت في كثير من التجارب المصرية والعربية اللاحقة، ومن بينها أمل دنقل الذي أعلن غير مرة عن تأثره بحجازي. وإذا كان البعض يأخذ على حجازي قلة إصداراته، وتَباعدها الزمني، فإن هذا المأخذ يُحسب للشاعر لا عليه، ليس فقط لأنه من بين القلة القليلة التي تمتلك شجاعة الصمت فحسب، بل لأن الغزارة المفرطة لم تكن يوماً معياراً حقيقياً للحكم على الإبداع، إذ ثمة شعراء عرب وعالميون استطاعوا عبر أعمال جد قليلة أن يُخرجوا لغاتهم الأم من سكونها الرتيب، وأن يرفدوها بأسباب التجدد والمغايرة والتوهج الدلالي. ولأن «الشعر رائع كالحب، وقاسٍ كالموت»، كما يعبر الشاعر بنفسه، كان لا بد له أن «يموت» طويلاً قبل أن تراوده عن «قيامته» الجديدة ملكة إلهامه الحرون، وبعد اثنين وعشرين عاماً من الصد، فيهتف بها في «طلل الوقت» وقد اتخذت شكل أنثى: «لستِ صاحبة الجسدِ \ إنه كائنٌ لم تكونيه حين دخلتِ هنا فجأة \ وجلستِ على مقعدي \ زائرٌ غامض جاء كالظل متشحاً بثيابكِ \ ثم تجرّد لي وتفرّد في ركنه المفردِ \ فاتركيه بمفترق الوقت وابتعدي».



مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن إطلاق منصة «شات EGYPT» لمواجهة الشائعات، ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بوصفها أكبر منصة رقمية وتفاعلية موحدة لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن المنصة أداة ذكية للتحقق من المعلومات، وتعزيز إتاحة الحقيقة من مصدرها الرسمي.

ووفق ما ذكره مركز المعلومات على صفحته، الاثنين، «تمثل المنصة أداة متكاملة لرصد الشائعات والتحقق منها والرد عليها، اعتماداً على منهج مؤسسي يضمن إتاحة المعلومة الصحيحة من مصدرها الرسمي وفي التوقيت المناسب».

وتضم المنصة 4 أقسام رئيسية، هي: «ركن الأخبار، والتوعية، والإحصائيات، واستفسارات المواطنين».

وتعتمد المنصة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل النصوص والصور ومقاطع الفيديو، وربطها بالسياق الزمني والمعلوماتي الصحيح، بما يساعد على اكتشاف المحتوى المضلل والتلاعب بالمعلومات مبكراً، وفق ما نشره مركز معلومات مجلس الوزراء، مؤكداً أنه تم إدخال أكثر من 21 ألف عنصر بياني على المنصة حتى الآن، بالإضافة إلى التصريحات اليومية للمسؤولين في وسائل الإعلام.

وتعتمد المنصة على التكامل والتنسيق المؤسسي بين الوزارات والهيئات والمحافظات، من خلال نظام عمل لا مركزي يتيح لكل جهة رسمية إدراج البيانات والمعلومات المعتمدة الخاصة بها وفقاً لاختصاصاتها، بما يضمن سرعة تصحيح المعلومات المتداولة.

ووفق المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتورة سارة فوزي فإن «منصة Chat Egypt لمكافحة الشائعات التي أطلقها المنتدى خطوة مهمة نحو توظيف التكنولوجيا في خدمة الوعي ودعم التحقق من المعلومات، ومواجهة المحتوى المضلل، وتعزيز قدرة المواطن على الوصول إلى معلومات أكثر دقة وموثوقية».

وتضيف فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المعركة الحقيقية مع الشائعة لا تبدأ بعد انتشارها، بل قبل ذلك من خلال بناء مناعة معرفية ورقمية لدى الجمهور؛ لأن حماية الوعي تبدأ من حماية الحقيقة، ومواجهة الشائعة تبدأ بمُواطن يعرف كيف يسأل ويتحقق قبل أن يصدق أو يشارك المعلومة، فيتحول هنا المواطن إلى مدقق معلومات بصورة استباقية بدلاً من تورطه في نشر الشائعة».

وتعد منصة «شات EGYPT» خطوة جديدة نحو سرعة رصد الشائعات، والتحقق منها، والرد عليها، بما يحد من انتشارها قبل اتساع نطاق تداولها، وفق ما ذكره مركز المعلومات.

ويرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا» محمد فتحي أن منصة «شات EGYPT» خطوة مهمة لمواجهة الشائعات، ونقل الأمر من منطق رد الفعل المتأخر إلى منطق الإتاحة الفورية للمعلومة الرسمية، في بيئة تنتشر فيها الشائعة أسرع من التصحيح.

مركز معلومات مجلس الوزراء يبرز منصة مكافحة الشائعات (فيسبوك)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح المنصة مرهون بعدة عوامل، أولها الدقة والتحديث المستمر، وكذلك الشفافية، وذكر المصدر في كل معلومة، والاعتراف بحدود ما تعرفه المنصة بدلاً من التخمين لمجرد الرد والاستجابة، وأيضاً سرعة الاستجابة نفسها وكذلك الانتشار والتوعية؛ فالمنصة لن تكون مفيدة ما لم تصل إلى الشباب على المنصات التي يستخدمونها بالفعل، كما أن مواجهة الشائعات لا تقتصر على الأدوات التقنية، بل تحتاج إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وإلى سياسة اتصال حكومي تتيح المعلومات استباقياً، فالمنصة أداة قوية، لكنها جزء من منظومة».

وكان مجلس الوزراء قد ناقش في ديسمبر (كانون الأول) ضرورة أن تكون هناك وحدات رصد مبكر في جميع الوزارات لرصد الشائعات وبحثها، والرد عليها وتفنيدها في مهدها؛ حتى يتم وضع حد مبكر لانتشارها.

وعدّت صاحبة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» إيمان الوراقي هذه المنصة «خطوة مهمة؛ لأنها تنقل مواجهة الشائعات من ردود الفعل المتأخرة إلى التحقق السريع، وتمنح المواطن طريقاً مباشراً إلى المعلومة الموثوقة من مصدرها». وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الاختبار الحقيقي لهذه المنصة لن يكون مع إطلاقها بل عند أول شائعة كبرى تنتشر أسرع من قدرة المؤسسات على الرد عليها».

وأضافت الوراقي: «التحدي الحقيقي هو أن تقدم المنصة للمواطن (الحقيقة من مصدرها) بصورة سريعة، واضحة، ومسنودة بالأدلة، لا أن تكتفي بنفي ما يتم تداوله، كما أن مواجهة الشائعات لا تعني مطاردة كل منشور كاذب، فالأهم هو معالجة البيئة التي تجعل الشائعة قابلة للتصديق والانتشار، وفي مقدمتها غياب المعلومة أو تأخرها أو غموضها».

وتناول الاجتماع المشار إليه آنفاً لمجلس الوزراء «العمل على إعداد مشروع قانون ينظم إتاحة وتداول البيانات امتثالاً لحكم المادة (68) من الدستور، بما يحقق التوازن بين تحقيق الشفافية، وتوافر المعلومات والبيانات والإحصاءات، وحماية المعلومات والبيانات السرية، وبين تحقيق الردع والتصدي الفعال للشائعات والأخبار الكاذبة».


«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

يقترب الفيلم الأردني «بومة»، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، من حياة امرأة دفعتها نشأتها القاسية إلى انتزاع مكانتها داخل عالم تحكمه سطوة الرجال. ومن خلال بطلة تتوسل العنف لحماية نفسها، يفتح المخرج زيد أبو حمدان أسئلة عن الوصم والانتماء وحدود الخيارات المتاحة للنساء في بيئة اجتماعية تضيق فيها فرص الحماية والاستقلال، متتبعاً صراعها حين توقظ علاقتها بطفلين حاجتها إلى العائلة، وتضعها أمام مسؤولية الرعاية بعدما اعتادت مواجهة الحياة وحيدة.

وتؤدي الممثلة ركين سعد شخصية تحمل آثار الإقصاء في علاقتها بنفسها وبالآخرين؛ إذ نشأت من دون اسم عائلة يوفر لها الحماية، في بيئة يرتبط فيها الاعتراف الاجتماعي بالنسب وشبكات القرابة. ويصبح البحث عن مكان داخل هذا المجتمع معركة مستمرة، وتغدو قدرتها على فرض حضورها تعويضاً عن غياب السند. ومن هنا تنشأ المفارقة التي تحكم حياتها: كلما اتسعت مساحة نفوذها، ظل إحساسها بالأمان مهدداً، وبقي عليها أن تثبت قوتها من جديد.

وتدور أحداث الفيلم في أحياء مهمّشة من عمّان، حيث تعيش بومة داخل عالم تتداخل فيه الجريمة مع تدبير شؤون الحياة اليومية، وتتحكم في علاقاته المصالح والخوف. وتبني لنفسها نفوذاً في مواجهة رجال العصابات وتجار المخدرات، قبل أن يدخل طفلان إلى حياتها، فتجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بالأمومة والانتماء. وبالتزامن مع هذه العلاقة، تصعد قوة إجرامية أكثر تنظيماً تهدد موقعها، وتدفعها إلى المفاضلة بين الحفاظ على سلطتها وحماية المقربين منها.

وتنبع صعوبة وضعها من أن العنف الذي تستخدمه يحفظ لها مكانتها، لكنه يربطها أيضاً بمصدر الخطر. فقد تعلّمت قواعد الشارع وتبنّت أساليب الرجال المسيطرين عليه، حتى أصبحت القسوة جزءاً من الطريقة التي تقدم بها نفسها وتتعامل بها مع محيطها. ولهذا تبدو قدرتها على المواجهة محمّلة بثمن نفسي، فهي مطالبة بإخفاء ضعفها باستمرار.

ويمنح دخول الطفلين إلى حياتها هذا الصراع وجهاً أكثر خصوصية؛ إذ يضعها أمام احتياجات لا تستطيع تلبيتها بمجرد فرض النفوذ. فالرعاية تقتضي الصبر والثقة والقدرة على الاقتراب، وهي أمور يصعب على امرأة تشكّلت خبرتها عبر الخذلان أن تمنحها بسهولة. وتصبح علاقتها بهما اختباراً لما تستطيع تقديمه خارج حدود الحماية بالقوة، ويكتسب التفكير في المستقبل معنى مختلفاً بعدما صار لقراراتها أثر مباشر في حياة طفلين يعتمدان عليها.

ويرى الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي أن المخرج زيد أبو حمدان راهن في فيلم «بومة» على شخصية استثنائية، تفرض قانونها الخاص على المكان الذي تعيش فيه، وتستمد سلطتها من قدرتها على إخضاع الآخرين لقواعدها، بعيداً عن القانون العام الذي يُفترض أن ينظم حياة الجميع.

صُوِّر الفيلم في مواقع أردنية عدَّة (حساب ركين سعد على «فيسبوك»)

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة موجودة في مجتمعات مختلفة حول العالم، بينما تأتي خصوصية المعالجة من إسناد هذه القوة المفرطة إلى امرأة تمارس سطوتها على محيطها».ويؤكد أن «ركين سعد تعاملت مع الشخصية بجدية واضحة»، مشيراً إلى أن الخط الإنساني يمثل جانباً مهماً في بنائها؛ لأنه يكشف مواضع الضعف داخل امرأة تبدو قادرة على السيطرة وفرض إرادتها. ويلفت إلى أن الجانب العاطفي الكامن فيها يجعلها تفقد قدراً من سطوتها، ويمنح الصراع بُعداً يتصل بما يحدث داخل الشخصية حين تصبح مشاعرها مؤثرة في قراراتها وقدرتها على الاحتفاظ بنفوذها.

ومع تبدّل موازين القوة حولها، تتكشف هشاشة الموقع الذي انتزعته بسنوات من المواجهة؛ فالنفوذ الشخصي يصبح معرّضاً للتراجع أمام منظومة إجرامية أوسع تنظيماً، بينما يضاعف ارتباطها بالطفلين إحساسها بالخطر. وتزداد المفاضلة تعقيداً لأن التخلي عن السلطة قد يعيد إليها شعورها القديم بالعجز، في حين أن التشبث بها يطيل بقاءها داخل دائرة التهديد. أما احتمال الرحيل، فيحمل سؤالاً عما تستطيع أن تكونه بعيداً عن المكان الذي صنع اسمها.

ويأخذ الشناوي على الفيلم «ارتفاع حدة التعبير على مستويات متعددة؛ فالموسيقى والأداء والأحداث، إلى جانب الصوت والصورة، تتضافر في صناعة حالة متواصلة من الصخب». ويؤكد أنه كان يتمنى مساحة أكبر من الهدوء الدرامي تسمح بتخفيف هذه الحدة، «لأن رسالة الفيلم وصلت بالفعل، لكن كان بالإمكان إيصالها بدرجة أقل من الصخب، مع الحفاظ على مضمونها وتأثيرها الإنساني».

فيلم «بومة» من تأليف زيد أبو حمدان وإخراجه، وبطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، ومجد عيد، ونبيل الراعي، وفرح بسيسو، وحنان حلو.


قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
TT

قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)

جددت لفتة من مسؤول تركي دبلوماسية كرة القدم، بإهدائه رئيس الوزراء المصري قميص نادي طرابزون التركي الذي يلعب لصالحه قائد منتخب مصر محمد صلاح.

وتجسدت دبلوماسية كرة القدم في مواقف عدة وأحداث سابقة ربطت بين كرة القدم والسياسة، كان من بينها أنباء نشرتها صحف تركية قبل شهر عن ترحيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بلقاء محمد صلاح في القصر الرئاسي بأنقرة، بعد استقراره في النادي التركي، وفق ما ذكره رئيس النادي، دون تحديد موعد محدد للَّقاء المرتقب.

وفي الأيام الماضية، خطف الاهتمام مشهد مسؤول بالجناح التركي في معرض «تراثنا» الذي يقام في القاهرة وتشارك فيه دول كثيرة، وهو يهدي رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، نسخة من قميص نادي طرابزون سبور التركي، وقد كُتب عليها اسم محمد صلاح، في لفتة طريفة حظيت باهتمام وانتشار واسع في وسائل الإعلام التركية والعربية.

جاء ذلك على هامش افتتاح مدبولي الدورة الثامنة لمعرض «تراثنا 2026» لدعم الحرف اليدوية والتراثية، تحت شعار «أصل الحكاية»؛ إذ تفقَّد الجناح التركي بالمعرض في مشهد حظي باهتمام لافت؛ خصوصاً مع ظهور علامات السعادة على وجه مدبولي ومرافقيه من الوزراء والمسؤولين، لدى تسلمه القميص المميز للفريق التركي الذي يحمل اسم قائد منتخب مصر محمد صلاح.

يذكر أن المعرض المقام في مركز مصر الدولي للمعارض، خلال الفترة من 17 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي يحظى بمشاركة تركية هي الأولى من نوعها.

كما زار مدبولي جناح المملكة المغربية (ضيف شرف المعرض)، وجناح دولة الإمارات العربية المتحدة، وجناح جمهورية الجزائر. ولدى تفقده الجناح التركي اطَّلع مدبولي على جانب متميز من الحرف والفنون التي تعكس عراقة التراث التركي، بينما أكد القائمون على الجناح أهمية معرض «تراثنا» كنافذة إقليمية ودولية ملهمة لإبراز هذه الفنون والتقاليد الأصيلة، ومد جسور التواصل والتقارب الثقافي.

ويرى الناقد الرياضي المصري أيمن أبو عايد أن «العلاقات المصرية التركية قديمة وممتدة خلال عصر الدولة المصرية الحديثة، وهناك علاقات مصاهرة كثيرة بين البلدين امتدت عقوداً طويلة. وكان الاستقبال الأسطوري الذي حظي به صلاح بعد انتقاله إلى الدوري التركي معبراً عن عمق تلك العلاقات، مكرراً ما حظي به من قبل في ليفربول مع الجماهير الإنجليزية. ولفتة المسؤول التركي أكدت أن الرياضة وصلاح من أدوات قوة مصر الناعمة التي تساعد في امتداد علاقاتها وتجديدها».

محمد صلاح في نادي طرابزون التركي (فيسبوك)

ومنذ انتقاله إلى صفوف طرابزون سبور في أغسطس (آب) الماضي، يحظى اللاعب المصري محمد صلاح باهتمام إعلامي واسع في تركيا، وأشار البعض إلى إمكانية انعكاس هذا الاهتمام على شعبية النادي، وعلى مكانة المدينة وتأثيرها على مستوى الرياضة والسياحة.

ويضيف أبو عايد لـ«الشرق الأوسط»: «طبعاً المسؤول التركي يعلم أهمية صلاح وشعبيته الكبيرة في مصر، وإهداء قميصه إلى رئيس الوزراء يعد تعبيراً عن سعادة تركيا، مسؤولين وجماهير، بانتقال صلاح للَّعب في طرابزون سبور التركي؛ حيث كان لوجوده دور في الدعاية والترويج للمدينة».

وامتد الاهتمام بصلاح في تركيا إلى الإعلان عن إطلاق اسمه على الشارع الذي يقيم فيه، كما شهدت مدينة طرابزون رسم جدارية ضخمة تحمل صورته بقميص النادي.