رسائل الشاعر الروسي ماياكوفسكي إلى الإيطالية للمرة الأولى

ضمت 416 رسالة متبادلة بين الشاعر وحبيبته ليلي بريك

ليلي بريك
ليلي بريك
TT

رسائل الشاعر الروسي ماياكوفسكي إلى الإيطالية للمرة الأولى

ليلي بريك
ليلي بريك

في أحد أيام صيف 1915، توسلت «ليلي بريك» إلى شقيقتها «إلزاكاخان» أن تمتنع عن دعوة «فلاديمير ماياكوفسكي» لقراءة قصائده أمامهم، إذ كانت الأولى وزوجها «أوسيب لريك» يحملان انطباعاً سيئاً عن الشاعر المستقبلي، بعد أن استمعا إليه في مناسبة سابقة يلقي قصائده في حفل من تلك الاحتفالات الاستفزازية المجافية للذوق السائد، نظم على شرف الشاعر الرمزي «كوستانطين» إثر عودته من المنفى. ورغم توسلات شقيقتها، أصرت إلزا على تحقيق رغبتها بالاستماع إلى الشاعر وهو يلقي قصائده المتفجرة. وهكذا، لم يمانع ماياكوفسكي، وراح يقرأ لهم مقاطع من قصيدته الطويلة الشهيرة «غيمة في سروال». المكان كان شقة «ليلي وزوجها أوسيب» في بيتروغراد، وبدا عليه انشغال البال، وبصوت خفيض قال: «هل تعتقدون أنها أمراض الملاريا؟ لقد حصل كل شيء».
دون أن ينظر إلى أحد، أو يغير موضعه، انطلق يلقي قصائده الصاخبة، منتزعاً حماساً غير معهود، حتى من «ليلي» و«أوسيب»، فهذا ما انتظراه طويلاً، ولم يتحقق إلا هذه المرة، كانا يحلمان بمثل هذا الإلقاء والتعبيرية الثرية. فقبل هذا اللقاء، بدت لهما قصيدته خلواً من أي معنى. وفجأة، يظهر لهما الشخص المناسب؛ طريقة الإلقاء المثيرة، والموضوع الشيق. كانت الحرب في ذروة انفجارها صيف 1915، و«ليلي» لم تتجاوز الرابعة والعشرين، أما ماياكوفسكي فيصغرها بسنتين. يأتي هذا الاسترجاع لقصة حب الشاعر المستقبلي ماياكوفسكي ضمن رسائله الأخيرة إلى «ليلي بريك» بين سنوات 1915 - 1930، وقد صدرت هذه الأيام بلغات أوروبية متعددة، ومنها اللغة الإيطالية. بدت لنا رسائل غير عادية ونحن نطلع عليها بين صفحات الكتاب الإيطالي الذي ضم 416 رسالة متبادلة بين الشاعر وعشيقته الجديدة التي التقاها لأول مرة في عام 1915، ذلك العام الذي يؤرخ لبداية تلك المراسلات، أحياناً بلغة البرقيات، وأحياناً أخرى تكتب بلغة متهكمة استفزازية، كالرسالة التالية:
«عزيزتي ليسكا، عزيزي أوسكا، أقبلكم في بداية الرسالة وليس في نهايتها كما اعتدنا، لا أعرف كم هي الساعة الآن! ما الجديد عندكم؟ أفراد سعداء أقاموا في ذلك الريف الساحر الذي كنتم أول من سماه، والذي تحرثه العصابات الناهبة وهي تردد جملتها المعتادة: ليليا أبدأ ليليا... أمس، كنت ألقي للجمهور بعضاً من قصائدي، أحسسنا جميعاً بامتلاء ثمل، لا للنقود للأسف، وإنما بأصدقاء طيبين، ولم تبدأ الأمسية كالمعتاد بـ(أعزائي المواطنين)، إنما ابتدأت بـ(أعزائي إبرام فاسيلفيك، وإلزا وليف... إلخ). أطفالي الطيبين، اكتبوا... استمعوا... أقبلكم».
قصة الحب هذه، كما عكستها الرسائل، وكما كانت في الواقع، كانت عشقاً كبيراً. وقبل كل شيء، قطعت «ليلي» كل علاقة جسدية مع زوجها «أوسيب» ابتداء من 1915، وإن ظلت رفيقته وصديقة حياته. ومن جانب آخر، نمت صداقة بين الرجلين، يغذيها اعتماد متبادل، زاد تصلبه في الجانب السياسي والفني. وقد أصبح «أوسيب» و«ليلي» هما الناشر الوحيد لأعمال ماياكوفسكي، بعد امتناع الناشرين الآخرين عن نشر القصيدة الشهيرة «قصيدة في سروال». وفي هذا التاريخ، يدعى ماياكوفسكي لحمل السلاح، وقد نجح في الانضمام إلى الوحدة ذاتها التي كان يخدم فيها كل من «ليلي وأوسيب». وفي هذه الأجواء، وجد الشاعر نفسه في ذروة الهيام التي تمناها بلا توقف، وفي الوقت نفسه كانت رياح الثورة السوفياتية تشق طريقها وسط دوي مدافع الحرب.
في الواقع، إننا هنا أمام مراسلات خاصة كان الجمهور يجهلها آنذاك، تروي جوانب من حياة الشاعر في مرحلة استثنائية حبلى برياح التغيير؛ إنها رسائل تؤرخ لانقلابات كبرى في حياة الشاعر ذاته: عواطفه النارية، وشهواته الغريبة، ومساهماته في حمى الصراع آنذاك، وفي روسياه تلك. ها هي واحدة من تلك الرسائل التي بثها ماياكوفسكي في شتاء 1917 من موسكو إلى بيتروغراد يبدأها هكذا:
«إلى العزيزة ليلك...خلفت ورائي كل عقوبات الروح الفتية المتلهفة في الخطوة القصيرة التي تعقب العمل... كم أنا سعيد لذلك النجاح الذي حققته مع الشاعر (دوديما كامينسكيف) في تحويل أنظار موسكو إلى (مقهى الشعراء)، حين نجحنا في تقديم كثير من الأمسيات الشعرية فوق خشبة المسرح الصغير في هذا المقهى وسط جمهور رائع، نبدأ مع أمسيتنا بشتائم وإهانات مقصودة، وننتهي بتقاسم ما نحصل عليه من نقود معاً. إن المستقبلية تلاقي قبول الجمهور».
وفي فترة لاحقة، يقع أول انفصال استمر لستة أشهر بين ماياكوفسكي (الذي يغادر بيتوغراد إلى موسكو بعد خلافه مع البلاشفة في مجال الثقافة) وبين ليلي التي تبقى مع «أوسيب» في بيتوغراد، وتكتب له في ربيع 1918، أي بعد هذه القطيعة: «جروي العزيز، أقبلك، ولقد حفظت على الذاكرة قصيدتك (الإنسان). الليلة الماضية، رأيتك في الحلم، وبقيت أراك طيلة الليل، وجدتك تعيش مع امرأة شديدة الغيرة، وكنت خائفاً أن تحدثها عني. ألا تستحي! بي شوق عارم لرؤيتك، لا تنسني... ليلي».
ولم يستطع أن ينساها، ولقد أعجبته كلمة الدلع التي خصته بها. فيجيبها: «عزيزتي العذبة لحد القرف ليلكي... من اليوم فصاعداً، سوف لن أسمح لأحد أن يجعلني أقرأ قليلاً... ليس لي من مشاعر سوى قراءة رسائلك. لا أدري إن كان هذا مناسباً لثقافتي، لكنني على يقين من نشوتي، إذ توجب أن تعتبريني جروك الصغير، ففي هذه الحالة لا أحسدك؛ إن جروك هذا لا قيمة له، ثمة الأضلاع الناتئة، والشعر الكث، وإلى جانب العين المحمرة ثمة الأذن الطويلة. ويؤكد الطبيعيون أن الجراء تنتهي هكذا، بهذه القسوة حين تجد نفسها تحت رحمة الأيادي الغريبة التي لا يحبونها... رغبتي الأكثر اضطراماً في هذا العالم هي أن أصل إليك، وإذا ما ذهبت إلى مكان ما ولم تلتقيني، فلست سوى شريرة، اكتبي أيتها الطفلة... قبلاتي لحلاوتك، لعذوبتك، لشطارتك... في رسالتي هذه لم أبعث قبلاتي وتحياتي لأحد سواك، فهي عبارة عن رسالة خاصة تقع في نطاق (إليك ليلي)، تغمرني بهجة عارمة لأنني وضعت إهدائي إليك على أول صفحات كتاب (الإنسان)».
وبالمناسبة، فإن هذه المجموعة الشعرية المعنونة بـ«الإنسان» تضم أفكار ماياكوفسكي عن الانتحار الذي يمزج بينه وبين فكرة المتفائل الأكثر إفراطاً في سبيل المستقبل بطريقة غريبة حقاً. ورغم التغييرات الإيجابية في حياته، خصوصاً الجانب الخاص فيها آنذاك، يقرر ماياكوفسكي في عام 1922 الانفصال عن «ليلي»، إذ لم يعد أي شيء كما كان، حيث انغمر الاثنان بعلاقات عاطفية كثيرة وأكثر تنوعاً، وعانيا من صراعات جديدة غير محتملة. وتبدو من خلال هذه الرسائل الخاصة جوانب كثيرة ظلت خفية عن معرفة القارئ في حياة أحد كبار شعراء القرن الماضي، الذي انتهى تلك النهاية الفاجعة، حيث مات منتحراً.
ومن المناسب في الختام أن ننهي الحديث عن هذه الرسائل بخاتمة المقال المعروف الذي كتبه «رومان جاكوبسن» عام 1930، في أعقاب انتحار ماياكوفسكي مباشرة، ويتحدث فيه عن عظمة صديقه الشاعر وسبب رحيله:
«لقد رمينا بأنفسنا في شراهة لا حدود لها نحو المستقبل، كي نستبقي لنا شيئاً من الماضي. كانت روابط الأزمنة تنحل. هكذا عشنا المستقبل بكل ثرائه، فكرنا فيه كثيراً، وفيه آمّنا كثيراً، وهكذا لم تبق لنا هنيهة معاصرة تكفي جوعنا. أضعنا الإحساس بالحاضر، نحن الشهود والمشاركون في انعطافات علمية واجتماعية وغيرها كانت من القوة بحيث بدت وكأنها صواعق كارثية، في حين استمرت الحياة اليومية تجرجر أذيالها وراء كل هذا».


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».