معاذ الآلوسي... النبيل البغدادي

أَحبّ العمارة وتولّه بها مثلما يتيه العاشق حباً بمعشوقته

معاذ الآلوسي
معاذ الآلوسي
TT

معاذ الآلوسي... النبيل البغدادي

معاذ الآلوسي
معاذ الآلوسي

يحار المرء حتى ليكاد يتلبّسه الإعياء في محاولته توصيف المعمار الأمهر معاذ الآلوسي: ما هو؟ ومن هو؟ إنه بحقّ كينونة دينامية تستعصي على التوصيف محدّد السمات؛ فما هو بمعمار عراقي وحسب، ولا هو محض مؤرّخ وموثّق لتاريخ العمارة البغدادية، ولا هو كاتب مدقّق في حفريات الحياة البغدادية بتفاصيلها السوسيولوجية والأنثروبولوجية الغنية المشتبكة، ولا هو ذلك الحكّاء الذي تلين له أعقد المرويات المهنية والشعبية لتغدو محببة مطواعة. إنّه كلّ هؤلاء وأكثر من هؤلاء. هو معاذ الآلوسي، النبيل البغدادي الذي يمثل روح الأرستقراطية البغدادية عفيفة النفس بكلّ بهائها وسخائها وروحها السمحة المشرقة.
لِمَ تُعدّ الممارسة المعمارية لدينا بعيدة الصلة عن الممارسات الثقافية العامة وروح الحياة المؤثرة في الذائقة الجمعية؟ كان هذا واحداً من التساؤلات التي لطالما شغلتني منذ بواكير اهتماماتي الثقافية -والمعمارية منها بخاصة- وقد انتهيتُ بعد تفكّر طويل إلى القناعة التالية:
يبدو لي أنّ منظومة تعليم العمارة لدينا تكرّس نمطاً من الهرمية الطبقية التعليمية الموهومة التي تعمل بدورها على تكريس أنماط من الأنساق الثقافية التي تأبى الاستجابة لروح العصر ومتغيراته الثورية، وبموجب هذه الرؤية الهرمية تبدو الممارسة المعمارية نوعاً من الطقوسيات الكهنوتية المقفلة في إطار جماعة نخبوية من الأثرياء المحظوظين الذين مسّتهم بركات آلهة العمارة، تلك الآلهة التي ستجعل منهم كائنات متفرّدة تتسيّد الأعالي الوظيفية المهيمنة في المجتمع. وربّما أسهم في إشاعة هذا التصوّر كونُ أوائل المعماريين متحدّرين من عوائل ثرية ذات نفوذ مالي و- أو سياسي فاعل؛ ولمّا كان شكل الثراء في بلداننا غير الخالقة ولا المطوّرة للتقنيات الحديثة يتمظهر في شكل الملكيات العقارية -أرضاً ومنشآت مشيّدة- فسيكون من الطبيعي نشوء ميلٍ تلقائي لتلك العوائل إلى جعل أبنائها ينكبّون على دراسة كلّ ما له علاقة بالتطوير العقاري بقصد تعظيم الفائدة المجتناة من الملكيات العقارية وتحقيق أقصى العوائد منها؛ في حين أنّ العمارة الغربية تطوّرت في مسارات موازية للتطوّر الحاصل في الرؤية الثقافية التي تسعى لتعظيم الارتقاء بالوضع البشري، ولعلّ مصداق هذا القول يكمن في حقيقة أنّ أعاظم المعماريين -الأوروبيين بخاصة- إنّما كانوا من المثقفين الطلائعيين الذين شغلتهم هموم الإنسان ومكابداته قبل أي شيء آخر.
إنّ مَنْ سبق له أن قرأ للناقد الثقافي والمعماري تشارلس جينكس -على سبيل المثال فحسب- سيرى أنّ كتاباته أقرب إلى كتابات النقّاد الثقافيين المعروفين (أمثال تيري إيغلتون وبل أشكروفت)؛ بل حتى إنّ مفرداته واشتغالاته المعرفية إنّما هي المفردات والاشتغالات ذاتها الشائعة في أدبيات الحداثة وما بعد الحداثة وما بعد الإنسانية... إلخ وليست اشتغالات نخبوية تسعى لخدمة جماعة منغلقة على ذاتها وبعيدة عن الهمّ الإنساني ومتطلّبات الارتقاء بالأوضاع البشرية.
هنا تكمن المأثرة العظمى لمعمارنا الآلوسي؛ فهو لم ينكفئ في لجّة المدرسة المعمارية الأكاديمية العراقية، ولم يتخذ العمارة مرقاة تكفل ارتقاءه على أعالي المناصب الوظيفية المهيمنة؛ بل هو أحبّ العمارة وتولّه بها مثلما يتيه العاشق حباً بمعشوقته وعلى طريقة المتصوفة، ويحكي لنا الرجل في كتابه «نوستوس: حكاية شارع في بغداد» عن الظروف الغريبة التي جعلته جوّاباً منذ يفاعته يطلب الدراسة والعمل في أصقاع بعيدة؛ فكان أنْ شدّ رحاله إلى إسطنبول ليدرس العمارة فيها، ثمّ ليعود بعد هذا إلى بغداد وينطلق منها في رحلة جديدة نحو أوروبا التي كانت لمّا تزل تشهد حومة من العمل الخلاق لمعالجة آثار التخريب الناجم عن الحرب العالمية الثانية.
أسهمت أجواء الدراسة والعمل (فضلاً عن الخبرات غير التقليدية التي تحصّلها الآلوسي مبكراً في حياته) في جعله شخصية إنسانية غير منمّطة تتعالى على الأنساق البيروقراطية المتكلسة وتطمح للعمل والفعل والإنجاز بعيداً عن الأجواء المكتبية وعالم الدسائس التي يحفل بها القطاع الحكومي.

المعمار المحبّ للإنسان
يمثّل الآلوسي النموذج الرفيع للمعمار الإنساني الذي يرى في العمارة رافعة لتحسين ظروف البيئة الإنسانية بعيداً عن اتخاذها وسيلة لخدمة الأثرياء والمقتدرين مالياً فحسب، وهو إذ يمثّل هذه الروح المحبّة للإنسان أينما كان فهو بعيد كلّ البعد عن الانغمار في مظهريات فلكلورية اختزالية بل يسعى دوماً للارتقاء بمفردات العمارة البغدادية والحفاظ على الموروثات البغدادية (والعراقية بعامة) بطريقة أكاديمية منظّمة مستفيداً من تجربته الألمانية في العمل، والألمان -كما نعرف- ذوو باع طويل وخبرة معتّقة في هذا الميدان. كتب الآلوسي في أحد منشوراته الفيسبوكية الحديثة نصاً أجتزئ منه المقطع التالي:
«في بداية الثمانينات، انشغلت بمشاريع موازية لواجباتي في شارع حيفا. علّمني مشروع تطوير الكرخ، مع نخوة تأهيل مدينة الثورة، أن أتفحص موقع المهنة من الناس. الطرف الآخر من المهنة هم الناس العاديون. لا أحد غيرهم مَن يحتاج إلى سكن صحي، ومدارس مؤهلة ومنتجة، وخدمات سهلة. مهمّتنا توفير الحق المكتسب والأوّلي في السكن والمأكل. كلّما أتطلع إلى برج من أبراج دبي أحسب في رأسي كم داراً رخيصة الكلفة يوفّر هذا البرج أو ذاك لأولئك العراقيين الذين يسكنون المزابل أو في (حيانية) البصرة التي لا تصلح لسكن البشر، والآن في الموصل التي تتعفن تحت أنقاضها الجثث. لدينا عشرات المدارس المعمارية تخرّج معماريين، وهم الآن يروّجون للمرمر الإيطالي والألوكوبوند الألماني، وكريستال بوهيميا لسقوف صحون الأضرحة، ولأبراج زهوية...».
يوضّحُ هذا النصّ المختصر، وبأجلى صورة، المفاعيل الإنسانية التي تعترك في روح الآلوسي وتنغّص عليه هناءة العيش، إذ يرى بغداده التي أحبّ وهي تعيش وسط مباءة فضائحية من التخلّف والقهر وانعدام الإحساس بإنسانية الإنسان، كما يعيب في الوقت ذاته على هذا الفيض من المعماريين الذين ما عادوا يُلقون بالاً لأي عنصر إنساني أو فلسفي أو ثقافي في ممارستهم المهنية بقدر ما باتوا يروّجون لنمط من البيوتات القبيحة متعددة الطوابق تُبنى على مساحات ضئيلة من الأرض في مشهد بصري يلوّث الذائقة البغدادية ويتقطع معها في أقبح استعراض بصري يوظّف المنتجات البنائية المستوردة غالية الثمن. إنها حفلة تفاهة فاوستية تريد مقايضة الأصالة البغدادية العريقة بهياكل إنشائية تكسوها مواد تغليف باهظة الثمن.

حكّاء ماهر
يتفرّد الآلوسي بقدرته الحكائية الفذّة التي تجيد إعادة سرد الوقائع الحياتية -مهنية كانت أم غير مهنية- في نسق حكائي أخّاذ يمسك بعقل القارئ وروحه، وهو إذ يفعل هذا الأمر فإنه يكشف عن قدرة متأصلة فيه (أراها أقرب إلى موهبة سردية متميزة) في سرد الوقائع ومن ثمّ استخلاص الحكمة المكنوزة فيها عبر نسيج حكائي يجمع بساطة المحكيات التي تواتر على سردها العجائز مع عنفوان الفكر الجامح الكامن فيها، وأشهد -وأنا التي قضيت عمراً كاملاً مع السرد ومتاهاته- أنّ الأستاذ الآلوسي يستحقّ أن يكون حكّاءً من الدرجة الأولى وبأرقى النماذج الرفيعة من التجارب السردية المتداولة؛ فاللغة لديه تستحيل مركّباً مطواعاً يستجيب لذائقته البغدادية ولفكره الخصب البعيد عن الرطانات العقيم.
دأب الآلوسي على تسجيل سيرته الذاتية الفكرية - الحياتية - المهنية في كتب ثلاثة أخرجها تحت عناوين مثيرة لافتة –لا يغفل عن شرحها للقارئ- وقد جاءت حسب الترتيب التالي: «نوستوس: حكاية شارع في بغداد»، و«توبوس: حكاية زمان ومكان»، و«ذروموس: حكاية مهنة». أقول بكلّ ثقة إنّ تلك السيرة هي أجمل سيرة ذاتية لشخصية عراقية سبق لي أن قرأتها، وربما لا تضاهيها سوى السيرة الذاتية للراحل الكبير جبرا إبراهيم جبرا، وإن كانت تتمايز عنها في طبيعتها السيكولوجية؛ فالكاتب يبقى كاتباً ذا مميزات خاصة لا بد أن تختلف بالضرورة عن المميزات التي تسم الكاتب الذي يمارس مهنة غير الكتابة. معاذ الآلوسي أكبر من معمار أو كاتب أو أي توصيف مهني أو إبداعي.
- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية مقيمة في الأردن



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».