تطبيقات البث التلفزيوني الرقمية العربية... قواعد المشاهدة على وشك التغيير

تحول عالمي في عادات استهلاك الترفيه

قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية
قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية
TT

تطبيقات البث التلفزيوني الرقمية العربية... قواعد المشاهدة على وشك التغيير

قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية
قد يصبح تجمع العائلة أمام التلفزيون أمراً من الماضي مع تغير عادات المشاهدة جراء انتشار الأجهزة الذكية

بدأت ظاهرة تطبيقات البث التلفزيوني تغزو العالم بعد الطفرة التي حققتها «نتفليكس» وتطبيقات أخرى مثل «هولو» و«سكاي» و«ديزني»، وأخيراً «آبل تي في»، والتي خلقت نهما في سلوك الاستهلاك الترفيهي حول العالم. على أثره دخلت مصر وعدد من الدول العربية هذا المضمار، حيث تفاجأ الجمهور المصري والعربي حول العالم بحجب المسلسلات الرمضانية على موقع يوتيوب مع إطلاق تطبيق «واتش إيت».
ورغم أن شرائح كبيرة من الجمهور كانت قبل أعوام تدفع اشتراكات لقنوات «إيه آر تي» وحاليا «أو إس إن» وأيضاً تطبيق «نتفليكس»؛ إلا أن ذلك أثار صدمة لدى الجمهور الذي كان يفضل الهروب من الفواصل الإعلانية التي تمتد لأكثر من 15 دقيقة لمدة 4 مرات خلال حلقة مسلسل مدتها 30 دقيقة. كذلك منع الفنانين من متابعة حجم الإقبال الجماهيري على الأعمال المشاركة في الماراثون الرمضاني التي كانت تقدر بملايين المشاهدات.
قبل فترة وجيزة خرج تامر مرسي، رئيس مجلس إدارة مجموعة المتحدة للخدمات الإعلامية، بتصريح يوضح أن «معظم شركات إنتاج المحتوى العالمية سواء مسلسلات أو أفلام أو القنوات المتخصصة في مختلف الأنواع من المحتوى المميز سواء الدرامي أو الرياضي أو الترفيهي اتجهت عالمياً ومنذ فترة إلى حماية حقوق الملكية الفكرية للمحتوى، فلا تجده متاحاً على منصات مجانية بالجودة الفائقة المطلوبة للمشاهد بعدما تقدمت طرق المشاهدة من خلال التلفزيونات أو الهواتف الذكية، وتجده متاحاً على منصات رقمية متخصصة، لذا كان الاتجاه إلى حماية حقوق المحتوى الدرامي المصري بإنشاء تلك المنصة الرقمية الجديدة، لنقوم بجزء من دورنا في تحديث طرق تقديم المحتوى للمشاهد».
«ادفع لتشاهد» pay - per - view مبدأ ليس بالجديد فيما يخص استهلاك الترفيه، فطالما كان المشاهد يدفع ليشاهد فيلما في السينما، ثم بات يدفع نظير أقراص مدمجة لمشاهدة حلقات «ليالي الحلمية» بأجزائها من شركة صوت القاهرة ويحتفظ بها وهكذا... وفكرة ادفع لتشاهد ليست بالجديدة؛ بل إن تاريخها يعود إلى عام 1970 حينما بدأ المشاهد الأميركي يدفع نظير مشاهدة مباريات المصارعة، وغيرها من المحتوى الترفيهي عبر ما تبلور فيما بعد بظاهرة «كيبل».
وفي مصر يظهر جلياً متابعة الآلاف على ما يبث على «نتفليكس» في ظل كل الظروف الاقتصادية، فإن هناك شرائح كبيرة من المشاهدين المصريين يتابعون ما يبث عليه، وظهر جليا متابعة فيلم مثل «بيردبوكس» لساندرا بولوك الذي تم تصميم الكثير من الكوميكس حوله. وهو ما شجع على إطلاق تطبيق «واتش إيت» في مصر، ومن المتوقع أن تحذو شركات إنتاج أخرى حذوه في محاولة للترويج لبضاعتها القديمة، واستغلالها من جانب ومن جانب آخر حماية ملكيتها. السؤال الذي يجب أن نتابع مآلاته هل يصبح «يوتيوب» فيما بعد مقصورا على البث الخاص بالهواة فقط؟
«الشرق الأوسط» استطلعت آراء خبراء حول أثر تطبيق مبدأ «ادفع لتشاهد» على تغيير عادات المشاهدة لدى الجمهور العربي.
قالت الدكتورة أماني ألبرت، أستاذة العلاقات العامة والإعلان بكلية الإعلام جامعة بني سويف جنوب العاصمة القاهرة، إن «وجود تطبيقات مثل (شاهد) و(نتفليكس) ستجلس الجمهور مرة أخرى على العرش؛ ليصبح المستهلك هو الملك من جديد»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «بالطبع ستؤثر على نوعية المحتوى المعروض. وكونها مدفوعة الأجر سيعطينا أرقاما دقيقة عن عدد مرات المشاهدة الحقيقية ما يؤشر لنا بمدى الإقبال على العمل أم لا»، لافتة إلى أن «هناك استسهالا واضحا في صناعة المحتوى قائما على النقل الحرفي عن أعمال أجنبية».
وترى ألبرت أن هناك إيجابيات متعددة لتطبيقات المشاهدة، منها «أن اختيار الجمهور لما يشاهده سيمكنه من رفض تسطيح المحتوى والمضامين وستتمكن الأعمال الجيدة من فضح الأعمال الرديئة بسهولة، وستوفر وقت المشاهد الذي قد يلجأ إليها هرباً من الفواصل الإعلانية الطويلة بين المسلسلات، والتي تمنع المشاهد من الاستمتاع بالعمل»، مؤكدة «ستكون هذه التطبيقات مرحلة ثالثة من تغير عادات المشاهدين الذين أولا كانوا ينتظرون موعد المسلسل لمشاهدته عبر القنوات الفضائية، وهروباً من الفواصل الطويلة لجأوا لمشاهدته عبر اليوتيوب، وبعد أن بدأ في تفعيل حذف المحتوى تقف هذه التطبيقات كمنفذ للاستمتاع بالأعمال الفنية ولكن مدفوعة الأجر. ولكن تبقى نوعية المضمون الذي يتم بثه عبر هذه التطبيقات مرهونة بمدى إصرار القائمين عليها على التدقيق في اختيار الأعمال وعرض أفضلها أو الحاصل منها على جوائز لتعمل على الارتقاء بذوق المشاهد».

تحرر المحتوى

أما الإعلامية والمخرجة التونسية، مبروكة خضير، فترى أن «تاريخ الإعلام لطالما كان دائم التغير». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «سواء الجمهور أو صناع الإعلام فإنهم جميعا يحاولون التأقلم مع مستجداته، لكن لا تزال نسب مشاهدة القنوات الفضائية في العالم العربي كبيرة»، مؤكدة أن «المشاهد اليوم مدلل فهو ينتقي من بين عدة خيارات لاستهلاك الترفيه، وهو في حل مما كانت تفرضه عليه القنوات المحلية أو الفضائيات من محتوى أو خطاب رديء». وتلفت إلى أن شركات الإنتاج الآن تنفق أموالا طائلة لإنتاج مواد ومحتوى يبث عبر تطبيقات المشاهدة ربما تفوق الإنتاج السينمائي أو التلفزيوني التقليدي.
وحول تغير عادات المشاهدة، أكدت خضير من خلال خبرتها في العمل بتلفزيون دويتشه فيله أن «المشاهدين هربوا إلى عالم (يوتيوب) بشكل لافت، وهو ما مهد لمرحلة تالية؛ إذ باتوا على استعداد للاشتراك في التطبيقات المدفوعة للهروب من موجة الركاكة التي تعتري الكثير من الأعمال الدرامية فهو يدفع نظير أن يجد محتوى يمتعه، وهنا تساعدنا هذه التطبيقات على إمكانية تحليل المحتوى بشكل جاد مختلف عن أرقام مشاهدات يوتيوب بشكل أكثر دقة عن ميول المشاهدين». وقالت خضير: «طبقت جريدة لوموند الفرنسية هذا المبدأ وعدد من القنوات الأميركية والأوروبية وتنتج مواد أكثر استقلالية».

تغير المعادلة

«لمة العيلة أمام التلفاز أمر ولى وانتهى»، هكذا يرى المخرج التلفزيوني والإعلامي الأردني، فراس عبندة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عادات المشاهدة بالفعل تغيرت مع انتشار الأجهزة الذكية، فكل فرد من أفراد الأسرة يشاهد ما يتفق مع ميوله ورغباته حتى لو كانوا بنفس المكان فهم لا يحضرون مادة واحدة على التلفزيون؛ لأن العصر تغير إلى جانب ضيق الوقت»، مؤكداً «لا أعتقد أن التلفزيون التقليدي إلى زوال بل ستتغير المعادلة، سيكون منصة مساندة للتطبيقات لكن نسب المشاهدة الحقيقية سوف نعرفها عبر هذه التطبيقات، الإعلام التقليدي كان يعتمد على الإعلانات الآن المعادلة أصبحت تعتمد على نسب المشاهدة، وقد بدأت منذ عدة سنوات المحطات التلفزيونية التقليدية الكبرى بتخصيص تطبيقات توازي البث العادي مثل (شاهد)».
«المواطن العربي اقترن الإنترنت لديه بالمجانية» يلفت عبندة إلى أن انتشار تطبيقات البث التلفزيوني يحتاج لمزيد من الوقت في العالم العربي، ويقول: «التطبيقات موجودة بالأردن لكن على استحياء فغالبية الأردنيين يعتمدون على (يوتيوب)، فضلا عن العامل الاقتصادي الذي يؤثر على قطاعات كبيرة من المواطنين الأردنيين والعرب بشكل عام».
يؤكد المخرج الأردني أن «التلفزيون بطل يجمعنا والتغير سمت إعلامي، وقد اعتادنا منذ التسعينات على قنوات الأوربيت وإيه آر تي وكان النقاش حول الأعمال التي تعرض على هذه القنوات محدود النطاق إلى أن يتم توزيعها بعد عام مثلا على القنوات المفتوحة، ثم تحولنا خلال العامين الأخيرين للاعتماد كلية على (يوتيوب) وبات رأس المال يوجه لإنتاج برامج وأعمال عليه وهكذا سيظل التطور في المستقبل يتيح الكثير من الخيارات للمشاهد».
وفي إطلالة على تطبيقات المشاهدة في ألمانيا، قالت الدكتورة حنان بدر، مدرس بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، وجامعة برلين، وهي متخصصة في الإعلام الدولي والمقارن لـ«الشرق الأوسط»: «في ألمانيا يتم جمع اشتراكات للبث التلفزيوني الحكومي 17 يورو لكل منزل، والقنوات العامة أيضا لديها تطبيقات بث تلفزيوني مجانية؛ لأنه لا أحد يتابع التلفزيون كما كان الوضع في الماضي، بل ندخل لنختار الحلقات في الوقت المناسب لنا، فضلا عن تطبيقات مثل «سكاي» التي تطبق مبدأ «ادفع لتشاهد» بألمانيا القانون صارم جدا أن من يقوم ببث تورنت يتم تجريمه وعقابه قانونيا بغرامة ضخمة تصل لألف يورو»، مضيفة: «أما إنتاج الدولة من مسلسلات تاريخية ومحتوى جاد يظل متاحا مجانا للجمهور لفترة ثم يتم تسويقه على أقراص مدمجة، أما المحتوى الترفيهي فعادة ما يكون باشتراك خاص». وتلفت إلى أنه «في مصر كانت هناك فترة كان الناس يدفعون خدمات (الوصلة) التي تعمل كباقات غير رسمية تبث محتوى للمشتركين».
وقالت بدر إن «علاقة المواطن بالإعلام علاقة إشكالية في العالم كله ومع تأثير التكنولوجيا، وقرصنة البرامج والمسلسلات على يوتيوب قبل إذاعتها يعد ذلك نقطة مفصلية في ظهور تطبيقات البث التلفزيوني، فضلا عن الفواصل الإعلانية الكثيرة التي دفعت المشاهدين للإقبال على خدمة ادفع لتشاهد».
وتسلط بدر الضوء على مصطلح «دمقرطة الاتصال»، بأن جمهور الإنترنت تصور أن الإنترنت سيقوم على مبدأ الإتاحة المجانية للجميع بشكل ديمقراطي، لكن سياسات الإعلام من جانب آخر تتطلب حماية الإنتاج الفكري والفني».
وعن عادات المشاهدة في أميركا، قال الكاتب الصحافي المقيم في واشنطن توماس جورجسيان لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه التطبيقات الجديدة والمتجددة باستمرار غيرت بالتأكيد طبيعة علاقة المشاهد مع الأفلام والمسلسلات التلفزيونية وأيضا عاداته وتقاليده في المشاهدة والمتابعة لأحدث ما يتم إنتاجه وبثه، وبالتالي صار كل هذا متاحا أينما كنت وبسعر أقل وبإمكانية مشاهدته أيضا كمجموعة وصحبة بسعر واحد فقط».
ويلفت جورجسيان إلى أن «التغير الأهم والأكبر هو أن هذه الشركات أنتجت أفلاما ومسلسلات أميركية وعالمية كثيرة جدا طالما أن الجمهور متوافر، (نتفليكس) على سبيل المثال لديها نحو 150 مليون مشترك عالميا منهم 60 مليونا في الولايات المتحدة وحدها... كما أنها أدخلت ملمحا جديدا في التعامل مع المسلسلات إذ إنها تبث كل حلقات المسلسل، حلقات الموسم الـ13 في أغلب الأحوال مرة واحدة، وبالتالي يكون في إمكان المشاهد أن يشاهد هذه الحلقات كيف ما شاء دون الانتظار من أسبوع لأسبوع لمتابعتها. مضيفاً: «لا شك أن المحتوى المعروض متنوع وكثير ومتعدد الاهتمامات ويخاطب فئات عمرية كثيرة، وهذا مكسب للمشاهد، وأحيانا يمثل حيرة له، إلا أن الكثير من وسائل الإعلام، بالإضافة إلى الرسائل الإلكترونية الآتية من الشركات العاملة في هذا المجال تنبه المشاهد إلى الجديد الآتي إليه. وأهمية المعروض هذا الشهر. وتنوع المعروض في هذا المجال، من أفلام تسجيلية أو أفلام أطفال أو أفلام خيال علمي».



وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».


هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
TT

هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)

أثار تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على استنساخ وانتحال صفة الصحافي، مخاوف من عرقلة التواصل بين الإعلاميين ومصادر المعلومات؛ بسبب «التشكك في وجودهم وإنسانيتهم»، وفي حين رأى خبراء أنَّ الذكاء الاصطناعي يُسهم في تسهيل العمل الإعلامي، فإنَّهم شدَّدوا على «ضرورة التواصل الإنساني المباشر لتقليل التأثيرات السلبية للتكنولوجيا».

تقرير نشره معهد «نيمان لاب» المتخصِّص في دراسات الصحافة، نهاية الشهر الماضي، أفاد بإحجام المصادر عن الرد على رسائل الصحافيين عبر البريد الإلكتروني؛ اعتقاداً منهم أنَّها مرسلة من روبوتات الذكاء الاصطناعي.

واستند التقرير إلى تجربة الصحافي الأميركي، غابي بولارد، الذي ذكر أنَّ بعض مصادر المعلومات باتت تتخوَّف من ورود رسائل احتيال عبر البريد الإلكتروني، ما يدفعهم لتجاهل الردِّ على استفسارات الصحافيين.

أيضاً لفت التقرير إلى أن «المخاوف المتعلقة بتراجع الثقة في الإعلام، وانتشار المعلومات المضللة، أضيفت إليها مخاوف جديدة تتعلق بإمكانية أن تعرقل التكنولوجيا عنصراً أساسياً من العمل الصحافي، وهو التواصل مع المصادر لجمع المعلومات، بحجة التشكك في وجود الصحافي من الأساس». وأشار إلى ما تُسمى «نظرية الإنترنت الميت» التي تفترض أنَّ معظم الموجودين على الإنترنت ليسوا حقيقيين.

الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «إن الذكاء الاصطناعي يؤثر في عمل الصحافي سلباً وإيجاباً... ومع تطور النماذج اللغوية الضخمة بات من الصعب التفريق بين ما تنتجه وما ينتجه الإنسان، لا سيما مع قدرة التكنولوجيا على استنساخ وانتحال صفات أشخاص حقيقيين».

وأضافت حمود أن «ما يحدث قد يعرقل قدرة الصحافي على التواصل مع مصادر المعلومات». ولذا فهي تقترح أن «يحرص الصحافي على التواصل الإنساني في محاولة لإثبات وجوده، والحد من مخاوف المصادر، جنباً إلى جنب مع العمل على الترويج الذاتي، ورسم صورة ذهنية لحضوره على منصات التواصل المختلفة».

وتؤكد على «ضرورة إعادة النظر في كيفية التعاطي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وطريقة العمل والتواصل الصحافي في ضوئها، مع وضع سياسات شاملة لذلك».

في الواقع، تطرَّق تقرير «نيمان لاب» إلى حلول عدة للحدِّ من تأثير الذكاء الاصطناعي على التواصل مع مصادر المعلومات، من بينها «التواصل من بريد إلكتروني مرتبط بالمؤسسة الإعلامية، والحرص على إيجاد فرص للتواصل الإنساني المباشر للحدِّ من تشكك المصادر في وجود الصحافي». بيد أنَّه في الوقت ذاته لفت إلى ما يكتنف ذلك من تحديات ترتبط ببطء عملية التواصل في عصر رقمي لا يمنح رفاهية الوقت.

هنا يرد الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، بالقول: «إن الذكاء الاصطناعي لا يعرقل عمل الصحافي بشكل مباشر، لكنه يفرض تحديات جديدة تُغيِّر طريقة الوصول إلى المعلومات».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المعلومات أصبحت متاحة جداً وبوفرة؛ لكن يتعذَّر التحقق منها بسهولة، ما أدّى إلى تضخم هائل في المحتوى؛ ما يجعل التحقُّق من دقته أكثر صعوبة، خصوصاً مع انتشار تقنيات التزييف العميق، التي تتيح إنتاج مواد مزيفة يصعب تمييزها».

من ناحية ثانية، يشير فتحي إلى أن «الذكاء الاصطناعي يوفِّر في المقابل أدوات قوية تساعد الصحافي على البحث السريع، وتحليل البيانات، والوصول إلى معلومات من مصادر متعددة خلال وقت قياسي.

وبالتالي، فإنَّ التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومات؛ بل في التحقُّق منها وفهم سياقها الحقيقي... وبالتالي، بات من الضروري تعزيز المهارات المهنية، وعلى رأسها التحقُّق من الأخبار باستخدام أدوات متعددة، وبناء شبكة مصادر موثوقة جداً، وتقديم محتوى إخباري تحليلي وإنساني لا تستطيع الآلة إنتاجه بالعمق البشري نفسه».

ويضيف فتحي: «إن تطوير المهارات الرقمية، والتعامل الذكي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يمنحان الصحافي ميزةً تنافسيةً عن أقرانه؛ لكنهما لا يلغيان وظيفته أو عمله، بل سيظلُّ الصحافي القادر على الجمع بين الدقة والمصداقية والرؤية الإنسانية، هو الأكثر قدرةً على البقاء في المنافسة».


«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
TT

«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)

في الصين، لا تبدو المعركة في سوق البث التدفّقي مجرد سباق على الاشتراكات أو ساعات المشاهدة، بل هي صراع على شكل الصناعة الثقافية نفسها.

وفي قلب هذا الصراع تقف منصة «آي كيوي آي» (iQIYI)، التي توصف غالباً بـ«نتفليكس الصين»، كونها واحدةً من أكبر منصات الترفيه الرقمي في البلاد، بقاعدة مستخدمين نشطة تجاوزت خمسمائة مليون شخص شهرياً، ونحو مائة مليون مشترك مدفوع. غير أن المنصة باتت الآن في مواجهة مفتوحة مع مشاهديها، إثر إعلانها عن مشروع لبناء قاعدة بيانات فنية مدارة بالذكاء الاصطناعي، ما فجّر جدلاً واسعاً لم تهدأ أصداؤه بعد.

سوق ضخمة ومنصة تبحث عن البقاء

لفهم ما يجري، لا بد من وضع الأرقام في سياقها؛ إذ إن «آي كيوي آي»، التي يرعاها عملاق التكنولوجيا «بايدو»، سجّلت خلال عام 2025 إيرادات سنوية بلغت نحو 27.29 مليار يوان (ما يعادل نحو أربعة مليارات دولار)، وسط تراجع نسبته سبعة في المائة مقارنةً بالعام السابق، وخسائر صافية ناهزت 206 ملايين يوان، وهذا بعدما كانت قد حقّقت ربحاً صافياً بلغ 764 مليون يوان في عام 2024.

للعلم، تعتمد المنصة نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكات المدفوعة والإعلانات وتوزيع المحتوى، ما يجعلها هشّةً في مواجهة أي تراجع في الإنفاق الإعلاني. وفي هذا السياق، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرّد أداة تقنية، أي يغدو محاولة لتقليص الكلفة وتسريع الإنتاج. ولقد أقرّ الرئيس التنفيذي غونغ يو، صراحةً، بقلقه من استدامة النموذج التقليدي العالي الكلفة، مشيداً بإمكانات الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق إبداعية جديدة.

قاعدة المواهب الفنية

يوم 20 أبريل (نيسان) 2026، وبمناسبة مؤتمر «آي كيوي آي» المنعقد في العاصمة الصينية بكين، كشف الرئيس التنفيذي غونغ يو النقاب عن مشروع سماه «قاعدة المواهب الفنية بالذكاء الاصطناعي». وذكر أن 117 فناناً صينياً وقّعوا اتفاقيات تُجيز للمنصة استخدام ملامحهم وأصواتهم وبياناتهم الحيوية لبناء شخصيات رقمية، يمكن توظيفها في أعمال درامية وسينمائية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، دون أن يطأ الممثل الأصلي أرض التصوير. وكذلك أعلن عن أول فيلم روائي طويل مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي تعتزم المنصة إطلاقه قريباً. وفي تصريح، سرعان ما أثار موجة غضب عارمة، ذهب غونغ يو إلى أن التصوير قد يصبح عن قريب تراثاً ثقافياً ينتمي إلى الماضي.

"آي كيوي آي"... ترفع مستوى المنافسة (آي كيو آي)

اشتعال الجدل

لحظات بعد هذا الإعلان، اشتعلت منصة «ويبو» الصينية بهاشتاغ «آي كيوي آي جنّت» حتى أصبحت القضية في قائمة المواضيع الأكثر تداولاً. وتساءل مستخدمون باستنكار: «لماذا سأدفع اشتراكاً لمشاهدة أشخاص مزيّفين؟»... وكتب آخرون: «إذا تحوّل الممثلون كلهم إلى ذكاء اصطناعي، فما هي القيمة التي ستحملها هذه الأعمال؟».

ومن جهة ثانية، سارعت شخصيات وردت أسماؤها في المشروع، كالممثل الكبير تشانغ روييون، إلى نفي أي صلة لهم بالمشروع. وفي الساعات التالية للعاصفة، سارعت «آي كيوي آي» إلى إصدار توضيحات متتالية. وفي تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال نائب الرئيس التنفيذي الأول ليو وِنفِنغ إن المنصة لا تُرخّص صور الممثلين ومظاهرهم، بل تعمل على تمكين صنّاع الأفلام والممثلين من إنشاء تواصل أسرع عبر منصة «ناداو برو». وأردف أن كل لقطة تحتاج إلى تأكيد من الفنانين أنفسهم، وأن «ثمة سوء فهم تاماً» وراء ما حصل. وفي بيانين متتاليين، أكدت المنصة أن الانضمام إلى القاعدة لا يعني سوى إعلان الفنان استعداده للنقاش في مشاريع محتملة، وليس ترخيصاً مُسبقاً لأي عمل بعينه.

إشكاليات قانونية وتقنية جديدة

وبالتوازي، حذّر لي تشِنوو، المحامي في مكتب «شانغهاي ستار لو فيرم»، من أنه بمجرد استخدام بيانات لصورة فنان في تدريب نماذج المنصة، تنشأ مخاطر تقنية جسيمة، من بينها تسريب البيانات والتدريب الثانوي غير المصرّح به، وهي مخاطر يصعب التخلص منها. وتكمن هشاشة الوضع القانوني في أن التشريعات الصينية لم تُحسم بعد فيما يخص ملكية الصورة الرقمية واستنساخها عبر الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تمتد لسنوات.

بكين تشدّد قبضتها على الذكاء الاصطناعي

في الحقيقة، لا يمكن قراءة هذا الجدل معزولاً عن السياق التنظيمي المتسارع في الصين. فيوم 3 أبريل 2026، نشرت «الإدارة الصينية للفضاء الإلكتروني» مسوّدة قواعد تشمل اشتراطات صارمة للموافقة المسبقة عند استخدام السمات الحيوية، وحظر التحايل على أنظمة المصادقة البيومترية. وأطلقت السلطات حملتها السنوية لمكافحة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، التي استهدفت الانتحال الرقمي للأشخاص واستحضار المتوفين رقمياً من دون موافقة ذويهم. ومن ثم، قد دخل معيار وضع علامات إلزامية على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي حيّز التنفيذ يوم 1 سبتمبر (أيلول) 2025.

لماذا يهزّ الجدل الصناعة الترفيهية كلها؟

جدير بالذكر أن «آي كيوي آي» ليست منصةً بعيدة عن السياق؛ فهي جزء من البنية الكبرى التي تشكّل الذائقة الرقمية في الصين، جنباً إلى جنب مع «تنسنت فيديو» و«يوكو» و«بيليبيلي» و«مانغو تي في».

وفي مثل هذه السوق، لا يقتصر أثر قرار واحد على مسار منصة بعينها، بل يمتد إلى المعايير نفسها: هل النجاح يكمن في تقليص الكلفة، أم في الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين العمل الفني وجمهوره؟ والمفارقة تبرز هنا بجلاء؛ إذ كلّما ازدادت المنصة اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، ازدادت قدرتها على السيطرة على الإنتاج والتخصيص، لكنها في المقابل تخاطر بتقليص المساحة التي يمرّ فيها الفن عبر التجربة البشرية الفعلية.

آفاق المستقبل

ما جرى في بكين ليس شأناً صينياً بحتاً، إذ إن البنية التحتية التي تسعى «آي كيوي آي» إلى بنائها انعكاس لمنطق يجتاح صناعة الترفيه العالمية.

ففي الولايات المتحدة، مثلاً، تتسارع استثمارات كبريات المنصات في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تعتزم «نتفليكس» إنفاق نحو 20 مليار دولار على المحتوى في 2026 مستعينة بالذكاء الاصطناعي في الإنتاج والإعلانات، في حين تعمل «أمازون» على توظيفه في الرسوم المتحركة والدبلجة.

ومع ذلك، تسير المنصات الغربية بخطى أكثر حذراً، إذ يمثّل استنساخ الممثلين بالكامل «خطاً أحمر» في ظل عقود نقابة «ساغ-آفترا» المهنية.

وفي المقابل، يبدو النموذج الصيني أكثر جرأةً وأقل تقييداً، ما يجعل «آي كيوي آي» في موقع الرائد الاضطراري لمسار قد تسلكه منصّات عالمية أخرى في غضون سنوات قليلة.