مبادرات عربية لمواجهة ندرة المياه

مبادرات عربية لمواجهة ندرة المياه
TT

مبادرات عربية لمواجهة ندرة المياه

مبادرات عربية لمواجهة ندرة المياه

على بُعد نحو أربع ساعات إلى الشرق من مدينة لوس أنجليس، تمتد الأراضي الزراعية لبلدة بليث التي تشتهر بزراعة البرسيم. وعلى رقعة واسعة تنتشر الحقول الخضراء لهذا المحصول الذي يجري توضيب قسم كبير منه في حاويات شحن كبيرة تغادر الولايات المتحدة في رحلة بحرية تستمر 24 يوماً، لتصل في نهاية المطاف إلى مزارع الأبقار العائدة لشركة «المراعي» في المملكة العربية السعودية. و«المراعي» هي أكبر منتج للألبان في المنطقة.
وعلى عكس الأفكار التي تقترح اقتطاع جبال جليد من القطبين، وجرّها إلى البلدان الخليجية لتوفير المياه العذبة، تبدو الخطوات التي تتبعها شركة «المراعي» في استيراد المياه على شكل أعلاف جاهزة أكثر واقعية وجدوى. لكن ما الذي يدفع الشركة السعودية لتبنّي هذا الخيار المكلف؟ وهل هناك مبادرات جريئة أخرى لمواجهة ندرة المياه في العالم العربي؟

- السعودية: لا لزراعة الأعلاف
تواجه البلدان العربية أزمة حادة في توفير متطلباتها من المياه العذبة. وحسب تقرير «البيئة العربية في عشر سنين»، الصادر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) في 2017، تراجعت حصة المواطن العربي السنوية من المياه العذبة المتاحة بنسبة 20 في المائة، من 990 متراً مكعباً في 2005 إلى 800 متر مكعب في 2015، لكن المعدل العام يخفي مشكلات أكثر حدّة، إذ إن حصة الفرد من المياه العذبة تقل عن 200 متر مكعب سنوياً في 9 بلدان عربية، ويقع 13 بلداً عربياً بين 19 بلداً هي الأكثر فقراً في المياه في العالم.
وتعتمد الدول العربية، لا سيما في شبه الجزيرة العربية والمغرب العربي، على المصادر الجوفية المتجددة وغير المتجددة لتلبية الطلب المتزايد على مياه الشرب والري الزراعي. ويصل الأمر إلى درجة الاستنزاف، كما في السعودية التي تعتمد بنسبة 85 في المائة على المياه الجوفية غير المتجددة لري محاصيلها الزراعية.
وخلال العقود الماضية، كان الهدف الرئيسي للسياسة الزراعية في السعودية تحقيق الاكتفاء الذاتي، خصوصاً في محاصيل أساسية مثل القمح، إلا أن ذلك تبدل في ظل المعطيات المتغيرة، لتصبح غايتها تحقيق الأمن الغذائي والمائي المستدام. ولهذا اتخذت الحكومة قراراً حاسماً في نهاية سنة 2015 بوقف زراعة الأعلاف الخضراء، وحظر تصدير المحاصيل الزراعية ومنتجاتها المهدرة للمياه. وأصبح هذا القرار نافذاً في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018. وكان الدعم السخي لزراعة القمح قد توقف قبل سنوات.
وكان على شركة «المراعي»، للالتزام بمتطلبات هذا القرار، توفير مصدر بديل للأعلاف، أو بمعنى أدق تأمين المياه اللازمة لتصنيع منتجاتها الغذائية. الشركة العملاقة التي بدأت استيراد الأعلاف منذ سنة 2007، كانت تدرك مسبقاً مخاطر ندرة المياه المحلية، فأخذت توسع استثماراتها في الولايات المتحدة والأرجنتين وإسبانيا ودول أوروبا الشرقية لتوفير الأعلاف المطلوبة بواسطة مورّدين من طرف ثالث، أو عبر مزارع تشرف عليها وتديرها.
وحسب تقريرها السنوي الأخير، بلغت استثمارات شركة المراعي في هذه الدول نحو 500 مليون دولار، وذلك لتأمين الأعلاف خلال الفترة بين 2014 و2018، مما جعلها تحقق المتطلبات التنظيمية للقرار الحكومي، وتستورد كامل العلف الذي تستخدمه من خارج البلاد.

- غابة الصحراء في الأردن
وفي ظل العجز المتنامي في الموارد المائية، تقوم بعض البلدان العربية بتطبيق أساليب غير تقليدية لتوفير المياه، إلا أن هذه الأساليب لا تزال تنطوي على عدد من السلبيات، كاستهلاكها المفرط للطاقة، كما في مشاريع تحلية مياه البحر، أو بكلفتها التأسيسية والتشغيلية المرتفعة، كمشاريع معالجة المياه العادمة، أو بأثرها البيئي السيئ، كما هو الحال في إعادة استخدام المنصرفات الزراعية.
وفيما تقدّر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ضرورة زيادة إنتاج الغذاء العالمي بنسبة 50 في المائة لتلبية النمو السكاني المتوقع حتى سنة 2050، فإن تحقيق هذا الهدف ليس بالأمر السهل، لقلّة المساحات المتاحة من الأراضي التي تصلح للزراعة، ولوجود تحديات عالمية كبرى، كتغير المناخ وأزمة نقص المياه التي تشهدها كثير من الدول.
ويُعدّ الأردن من أفقر بلدان العالم في المياه، إذ تقل حصة المواطن عن 150 متراً مكعباً من المياه العذبة سنوياً، ولهذا فإن مستقبل البلاد مرهون باختبار أساليب غير تقليدية لتوفير المياه، مع تجنّب السلبيات كلما كان ذلك ممكناً. ومما يزيد من تعقيد المشكلة أن ثلاثة أرباع مساحة البلاد هي أراض صحراوية، كما أن الزراعة فيها تستهلك نحو 70 في المائة من الموارد المائية، بينما تسهم فقط بنحو 3 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي.
في المقابل، يحظى الأردن في المتوسط بنحو 330 يوماً مشرقاً على مدار السنة. ويمكن لهذا السطوع الشمسي أن يوفّر ما بين 5 إلى 7 كيلوواط في الساعة لكل متر مربع، ما يكفي لتشغيل 100 مصباح تقليدي. ولذلك يمكن اعتبار الطاقة المتجددة من أهم مجالات الاستثمار التي تسمح بازدهار الاقتصاد الأردني.
في وادي عربة، وعلى بعد نحو 15 كيلومتراً من شاطئ البحر الأحمر، يجري تنفيذ مشروع تجريبي يحمل اسم «غابة الصحراء». ويتّسم هذا المشروع الطموح ببساطة فكرته، فالطاقة الشمسية تستخدم في تحلية مياه البحر، وتوظّف تلك المياه بعد تحليتها في زراعة محاصيل في الصحراء، تساعد بدورها في امتصاص الكربون من الجو وتوفير الغذاء.
ولا يقتصر الأمر على الأردن، فالمشروع الذي يهدف إلى توفير المياه العذبة والأغذية والطاقة المتجددة في المناطق الجافة والقاحلة، والذي يحظى بدعم من مؤسسات نرويجية، سبق اختباره بنجاح في قطر، كما يجري تجريبه عبر محطة واعدة في تونس.
وتصل المساحة الإجمالية المخصصة للمشروع في وادي عربة إلى نحو 3 هكتارات، وبمجرد أن يثبت الفريق نجاح تلك الفكرة عملياً، سترتفع المساحة التجريبية الحالية إلى 10 هكتارات بحلول سنة 2020، مع إمكانية للتوسع في المنطقة ذاتها حتى 200 هكتار.
أما في مجال التكيّف مع إدارة الطلب على المياه، فإن الأردن يطبّق سياسات لتسعير المياه تحقق تحسينات كبيرة في الإنتاجية الاقتصادية، عبر تحفيز المزارعين للتحول إلى المحاصيل المجدية مائياً. وكان لهذه السياسات الناجحة دور أساسي في تقليص معدل استخراج المياه الجوفية للقطاع الزراعي في الأراضي المرتفعة (محافظة الكرك)، ليصل إلى مستوى مقارب لمعدل التغذية السنوي.
وتشمل التجربة الأردنية إجراءات أخرى لتعزيز إدارة المياه على مستوى المزارع، بما فيها استخدام مياه الصرف الخاضع للإشراف، وتطبيق نظام الإنذار المبكر لحالات الجفاف، وتبني برامج التأمين، وتعويض المزارعين عن الخسائر المحتملة في الدخل.

- تغذية الآبار في أبوظبي
ووفقاً لمعطيات منظمة «الفاو» في سنة 2015، يبلغ مجموع السعة التخزينية للسدود في العالم العربي 393 مليار متر مكعب، حيث تتشارك مصر والعراق بنحو 80 في المائة من هذه السعة، تليهما السودان وسوريا والمغرب، بما نسبته 5 في المائة لكلٍ منها. ولا يقتصر عمل السدود على تنظيم جريان الأنهار والمسيلات، وتخزين مياهها من موسم إلى آخر، بل تعمل أيضاً على تغذية طبقات المياه الجوفية عن طريق الارتشاح.
وهذه الطريقة في إدارة المياه وتوفيرها لا تخلو من مشكلات، لعل أبرزها ما يتصل بخسارة جدوى السدود مع الوقت نتيجة تراكم الطمي، وارتفاع الفاقد من المياه بسبب التبخر السطحي. وللتغلب على هذه المشكلات، اتبعت الإمارات مقاربة مختلفة تقوم على حقن المياه المتاحة بشكل مباشر ضمن طبقات المياه الجوفية.
وفي مطلع عام 2018، أعلنت أبوظبي عن اكتمال أكبر مشروع في العالم لتخزين المياه المحلاة في آبار جوفية. ويقوم المشروع على ضخ المياه الآتية من محطة الشويهات لتحلية المياه في شبكة من 315 بئراً، تتصل بحوض تخزين يسع 26 مليون متر مكعب من المياه على عمق 80 متراً تحت رمال صحراء ليوا في الربع الخالي.
ويسمح مشروع التخزين الاستراتيجي هذا بإعادة ضخ المياه وتوفير الإمدادات لنحو مليون نسمة في أبوظبي، بمعدل 180 لتراً للفرد الواحد، لمدة تصل إلى 3 أشهر. وتُعرف التقنية المطبقة بـاسم «حقن واسترجاع المياه في الخزانات الجوفية»، وتستلزم أن تكون المياه على درجة عذوبة عالية لغياب الترشيح الطبيعي. وغالباً ما تُستخدم المياه المحقونة لأغراض الشرب فقط نتيجة ارتفاع التكاليف الاستثمارية والتشغيلية.
وتمثّل الحالات الثلاث السابقة نماذج دراسية لسبل توفير المياه وتحسين كفاءة استهلاكها في العالم العربي. ويمكن اتباع إجراءات أخرى للتكيف مع ندرة المياه، تشمل، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية، تحديث أنظمة الري، وتغيير أنماط زراعة المحاصيل، وتطوير مصادر مياه جديدة، كحصاد مياه الأمطار، ومعالجة ملوحة التربة، وتدوير المياه العادمة، وتسعير المياه، والتوسع في قطاع الطاقة المتجددة، بوصفها مصدراً لدعم المياه والغذاء. لكن الأساس يبقى تعزيز كفاءة إنتاجية الغذاء، وتخفيف الهدر، في مياه الري كما في الغذاء.


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)

تواصل موجة حر شديدة اجتياح غرب أوروبا، متسببة في وفاة أكثر من 40 شخصاً في فرنسا وحدها، وذلك بفعل ظاهرة جوية تعرف باسم «حاجز أوميغا».

إليك ما ينبغي معرفته عن ظاهرة «حاجز أوميغا» وما إذا كان تغيّر المناخ يعني أنها قد تصبح أكثر تواتراً في السنوات المقبلة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ما ظاهرة «حاجز أوميغا»؟

تستمد الظاهرة الجوية اسمها من شكل الحرف اليوناني Ω، وتنحصر فيها كتلة مستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة.

ويشير عنصر «الحجز» إلى كيفية احتجاز منطقة الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع. ففي الظروف العادية، ينقل التيار النفاث الأنظمة الجوية بثبات من الغرب إلى الشرق.

ولكن خلال حدوث ظاهرة «حاجز أوميغا»، يتعطل هذا التدفق وقد ينحرف بنحو كبير شمالاً وجنوباً؛ ما يؤدي إلى عزل أنظمة الضغط. ويسهم ضعف الرياح والتباينات في درجات حرارة الغلاف الجوي في ظهور هذه الأنماط المستقرة بطيئة الحركة.

ونتيجة ذلك، يستقر الهواء الساخن فوق المنطقة نفسها. وعادة ما تستمر ظاهرة «حاجز أوميغا» ما بين ثلاثة إلى عشرة أيام، لكنها قد تستمر أسابيع.

امرأة تستخدم مظلة لحماية نفسها من الشمس في أثناء سيرها في شارع أكسفورد حيث تشهد بريطانيا درجات حرارة قياسية... لندن يوم 23 يونيو 2026 (رويترز)

ماذا يحدث خلال «حاجز أوميغا»؟

أسفل منطقة الضغط المرتفع في الوسط، تصبح الأحوال الجوية حارة وجافة. ويمنع الضغط المرتفع أيضا تشكّل السحب؛ ما يؤدي إلى سماء صافية ومشمسة تسمح بارتفاع درجات الحرارة.

وهذه الظروف هي التي تسبب موجة الحر الشديدة في فرنسا وإسبانيا حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تشهد المناطق الواقعة في مناطق الضغط المنخفض المحيطة بموجة الحر ظروفاً أكثر برودة وأمطاراً.

وتقع بريطانيا على الحدود بين نظام الضغط المرتفع والهواء الأكثر برودة في شمال الغرب. ويقول مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إن ذلك يؤدي إلى حرارة شديدة في الجنوب والشرق، وظروف أكثر برودة ورطوبة في الشمال والغرب.

هل تغيّر المناخ هو السبب؟

لم يتفق العلماء بعد على كيفية تأثير تغيّر المناخ على تواتر ظواهر الحواجز الجوية مثل «حاجز أوميغا».

ومع ذلك، فإن الإجماع العلمي العالمي يؤكد أن تغيّر المناخ يزيد من تواتر موجات الحرارة وشدتها.

وأدت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، الناجمة في الأساس من حرق الفحم والنفط والغاز، إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بنحو 1.3 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الثورة الصناعية.

ويعني هذا الارتفاع في درجة الحرارة أن موجات الطقس الحار تصل إلى درجات حرارة أعلى.

وقالت كلير بارنز، الباحثة المشاركة في مجال الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة في «إمبريال كوليدج لندن»، إن أوروبا تشهد حالياً موجات حرارة أعلى بمقدار درجتين إلى 4 درجات مئوية عما كانت لتصبح عليه لولا الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

ونتيجة ذلك، عندما تحدث ظواهر مثل «حاجز أوميغا»، قد تكون الحرارة الناتجة أشد بنحو ملحوظ.


علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».