مبادرات عربية لمواجهة ندرة المياه

مبادرات عربية لمواجهة ندرة المياه
TT

مبادرات عربية لمواجهة ندرة المياه

مبادرات عربية لمواجهة ندرة المياه

على بُعد نحو أربع ساعات إلى الشرق من مدينة لوس أنجليس، تمتد الأراضي الزراعية لبلدة بليث التي تشتهر بزراعة البرسيم. وعلى رقعة واسعة تنتشر الحقول الخضراء لهذا المحصول الذي يجري توضيب قسم كبير منه في حاويات شحن كبيرة تغادر الولايات المتحدة في رحلة بحرية تستمر 24 يوماً، لتصل في نهاية المطاف إلى مزارع الأبقار العائدة لشركة «المراعي» في المملكة العربية السعودية. و«المراعي» هي أكبر منتج للألبان في المنطقة.
وعلى عكس الأفكار التي تقترح اقتطاع جبال جليد من القطبين، وجرّها إلى البلدان الخليجية لتوفير المياه العذبة، تبدو الخطوات التي تتبعها شركة «المراعي» في استيراد المياه على شكل أعلاف جاهزة أكثر واقعية وجدوى. لكن ما الذي يدفع الشركة السعودية لتبنّي هذا الخيار المكلف؟ وهل هناك مبادرات جريئة أخرى لمواجهة ندرة المياه في العالم العربي؟

- السعودية: لا لزراعة الأعلاف
تواجه البلدان العربية أزمة حادة في توفير متطلباتها من المياه العذبة. وحسب تقرير «البيئة العربية في عشر سنين»، الصادر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) في 2017، تراجعت حصة المواطن العربي السنوية من المياه العذبة المتاحة بنسبة 20 في المائة، من 990 متراً مكعباً في 2005 إلى 800 متر مكعب في 2015، لكن المعدل العام يخفي مشكلات أكثر حدّة، إذ إن حصة الفرد من المياه العذبة تقل عن 200 متر مكعب سنوياً في 9 بلدان عربية، ويقع 13 بلداً عربياً بين 19 بلداً هي الأكثر فقراً في المياه في العالم.
وتعتمد الدول العربية، لا سيما في شبه الجزيرة العربية والمغرب العربي، على المصادر الجوفية المتجددة وغير المتجددة لتلبية الطلب المتزايد على مياه الشرب والري الزراعي. ويصل الأمر إلى درجة الاستنزاف، كما في السعودية التي تعتمد بنسبة 85 في المائة على المياه الجوفية غير المتجددة لري محاصيلها الزراعية.
وخلال العقود الماضية، كان الهدف الرئيسي للسياسة الزراعية في السعودية تحقيق الاكتفاء الذاتي، خصوصاً في محاصيل أساسية مثل القمح، إلا أن ذلك تبدل في ظل المعطيات المتغيرة، لتصبح غايتها تحقيق الأمن الغذائي والمائي المستدام. ولهذا اتخذت الحكومة قراراً حاسماً في نهاية سنة 2015 بوقف زراعة الأعلاف الخضراء، وحظر تصدير المحاصيل الزراعية ومنتجاتها المهدرة للمياه. وأصبح هذا القرار نافذاً في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018. وكان الدعم السخي لزراعة القمح قد توقف قبل سنوات.
وكان على شركة «المراعي»، للالتزام بمتطلبات هذا القرار، توفير مصدر بديل للأعلاف، أو بمعنى أدق تأمين المياه اللازمة لتصنيع منتجاتها الغذائية. الشركة العملاقة التي بدأت استيراد الأعلاف منذ سنة 2007، كانت تدرك مسبقاً مخاطر ندرة المياه المحلية، فأخذت توسع استثماراتها في الولايات المتحدة والأرجنتين وإسبانيا ودول أوروبا الشرقية لتوفير الأعلاف المطلوبة بواسطة مورّدين من طرف ثالث، أو عبر مزارع تشرف عليها وتديرها.
وحسب تقريرها السنوي الأخير، بلغت استثمارات شركة المراعي في هذه الدول نحو 500 مليون دولار، وذلك لتأمين الأعلاف خلال الفترة بين 2014 و2018، مما جعلها تحقق المتطلبات التنظيمية للقرار الحكومي، وتستورد كامل العلف الذي تستخدمه من خارج البلاد.

- غابة الصحراء في الأردن
وفي ظل العجز المتنامي في الموارد المائية، تقوم بعض البلدان العربية بتطبيق أساليب غير تقليدية لتوفير المياه، إلا أن هذه الأساليب لا تزال تنطوي على عدد من السلبيات، كاستهلاكها المفرط للطاقة، كما في مشاريع تحلية مياه البحر، أو بكلفتها التأسيسية والتشغيلية المرتفعة، كمشاريع معالجة المياه العادمة، أو بأثرها البيئي السيئ، كما هو الحال في إعادة استخدام المنصرفات الزراعية.
وفيما تقدّر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ضرورة زيادة إنتاج الغذاء العالمي بنسبة 50 في المائة لتلبية النمو السكاني المتوقع حتى سنة 2050، فإن تحقيق هذا الهدف ليس بالأمر السهل، لقلّة المساحات المتاحة من الأراضي التي تصلح للزراعة، ولوجود تحديات عالمية كبرى، كتغير المناخ وأزمة نقص المياه التي تشهدها كثير من الدول.
ويُعدّ الأردن من أفقر بلدان العالم في المياه، إذ تقل حصة المواطن عن 150 متراً مكعباً من المياه العذبة سنوياً، ولهذا فإن مستقبل البلاد مرهون باختبار أساليب غير تقليدية لتوفير المياه، مع تجنّب السلبيات كلما كان ذلك ممكناً. ومما يزيد من تعقيد المشكلة أن ثلاثة أرباع مساحة البلاد هي أراض صحراوية، كما أن الزراعة فيها تستهلك نحو 70 في المائة من الموارد المائية، بينما تسهم فقط بنحو 3 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي.
في المقابل، يحظى الأردن في المتوسط بنحو 330 يوماً مشرقاً على مدار السنة. ويمكن لهذا السطوع الشمسي أن يوفّر ما بين 5 إلى 7 كيلوواط في الساعة لكل متر مربع، ما يكفي لتشغيل 100 مصباح تقليدي. ولذلك يمكن اعتبار الطاقة المتجددة من أهم مجالات الاستثمار التي تسمح بازدهار الاقتصاد الأردني.
في وادي عربة، وعلى بعد نحو 15 كيلومتراً من شاطئ البحر الأحمر، يجري تنفيذ مشروع تجريبي يحمل اسم «غابة الصحراء». ويتّسم هذا المشروع الطموح ببساطة فكرته، فالطاقة الشمسية تستخدم في تحلية مياه البحر، وتوظّف تلك المياه بعد تحليتها في زراعة محاصيل في الصحراء، تساعد بدورها في امتصاص الكربون من الجو وتوفير الغذاء.
ولا يقتصر الأمر على الأردن، فالمشروع الذي يهدف إلى توفير المياه العذبة والأغذية والطاقة المتجددة في المناطق الجافة والقاحلة، والذي يحظى بدعم من مؤسسات نرويجية، سبق اختباره بنجاح في قطر، كما يجري تجريبه عبر محطة واعدة في تونس.
وتصل المساحة الإجمالية المخصصة للمشروع في وادي عربة إلى نحو 3 هكتارات، وبمجرد أن يثبت الفريق نجاح تلك الفكرة عملياً، سترتفع المساحة التجريبية الحالية إلى 10 هكتارات بحلول سنة 2020، مع إمكانية للتوسع في المنطقة ذاتها حتى 200 هكتار.
أما في مجال التكيّف مع إدارة الطلب على المياه، فإن الأردن يطبّق سياسات لتسعير المياه تحقق تحسينات كبيرة في الإنتاجية الاقتصادية، عبر تحفيز المزارعين للتحول إلى المحاصيل المجدية مائياً. وكان لهذه السياسات الناجحة دور أساسي في تقليص معدل استخراج المياه الجوفية للقطاع الزراعي في الأراضي المرتفعة (محافظة الكرك)، ليصل إلى مستوى مقارب لمعدل التغذية السنوي.
وتشمل التجربة الأردنية إجراءات أخرى لتعزيز إدارة المياه على مستوى المزارع، بما فيها استخدام مياه الصرف الخاضع للإشراف، وتطبيق نظام الإنذار المبكر لحالات الجفاف، وتبني برامج التأمين، وتعويض المزارعين عن الخسائر المحتملة في الدخل.

- تغذية الآبار في أبوظبي
ووفقاً لمعطيات منظمة «الفاو» في سنة 2015، يبلغ مجموع السعة التخزينية للسدود في العالم العربي 393 مليار متر مكعب، حيث تتشارك مصر والعراق بنحو 80 في المائة من هذه السعة، تليهما السودان وسوريا والمغرب، بما نسبته 5 في المائة لكلٍ منها. ولا يقتصر عمل السدود على تنظيم جريان الأنهار والمسيلات، وتخزين مياهها من موسم إلى آخر، بل تعمل أيضاً على تغذية طبقات المياه الجوفية عن طريق الارتشاح.
وهذه الطريقة في إدارة المياه وتوفيرها لا تخلو من مشكلات، لعل أبرزها ما يتصل بخسارة جدوى السدود مع الوقت نتيجة تراكم الطمي، وارتفاع الفاقد من المياه بسبب التبخر السطحي. وللتغلب على هذه المشكلات، اتبعت الإمارات مقاربة مختلفة تقوم على حقن المياه المتاحة بشكل مباشر ضمن طبقات المياه الجوفية.
وفي مطلع عام 2018، أعلنت أبوظبي عن اكتمال أكبر مشروع في العالم لتخزين المياه المحلاة في آبار جوفية. ويقوم المشروع على ضخ المياه الآتية من محطة الشويهات لتحلية المياه في شبكة من 315 بئراً، تتصل بحوض تخزين يسع 26 مليون متر مكعب من المياه على عمق 80 متراً تحت رمال صحراء ليوا في الربع الخالي.
ويسمح مشروع التخزين الاستراتيجي هذا بإعادة ضخ المياه وتوفير الإمدادات لنحو مليون نسمة في أبوظبي، بمعدل 180 لتراً للفرد الواحد، لمدة تصل إلى 3 أشهر. وتُعرف التقنية المطبقة بـاسم «حقن واسترجاع المياه في الخزانات الجوفية»، وتستلزم أن تكون المياه على درجة عذوبة عالية لغياب الترشيح الطبيعي. وغالباً ما تُستخدم المياه المحقونة لأغراض الشرب فقط نتيجة ارتفاع التكاليف الاستثمارية والتشغيلية.
وتمثّل الحالات الثلاث السابقة نماذج دراسية لسبل توفير المياه وتحسين كفاءة استهلاكها في العالم العربي. ويمكن اتباع إجراءات أخرى للتكيف مع ندرة المياه، تشمل، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية، تحديث أنظمة الري، وتغيير أنماط زراعة المحاصيل، وتطوير مصادر مياه جديدة، كحصاد مياه الأمطار، ومعالجة ملوحة التربة، وتدوير المياه العادمة، وتسعير المياه، والتوسع في قطاع الطاقة المتجددة، بوصفها مصدراً لدعم المياه والغذاء. لكن الأساس يبقى تعزيز كفاءة إنتاجية الغذاء، وتخفيف الهدر، في مياه الري كما في الغذاء.


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.


العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»

في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
TT

العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»

في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)

مثُل 6 فرنسيين، الأحد، أمام القضاء في العراق؛ حيث يُحتَجز الآلاف من المشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش» من جنسيات مختلفة بانتظار محاكمتهم.

وتلا قاضي محكمة الكرخ أمام المتهمين لائحة الاتهام الموجهة إليهم ومن ثم تلا انتداب محامين للدفاع عن المتهمين مع السماح للطرفين بالاجتماع ، ومن ثم تقرر رفع جلسة المحاكمة الأولى إلى الخامس من الشهر المقبل.

وأكّد مصدر قضائي عراقي، الخميس، أن الفرنسيين الـ6 الذين لم يكشف عن هويّاتهم هم ضمن مجموعة أولى من 47 مواطناً فرنسياً نُقلوا إلى العراق سنة 2025 من سوريا المجاورة، حيث استولى التنظيم على مناطق شاسعة اعتباراً من 2014، قبل أن يتمّ دحره من البلدين اللذين ارتكب فيهما مجازر وأعمالاً وحشية، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن بين هؤلاء أدريان غييال المعروف بنشاطه الإرهابي والذي تبنّى، خصوصاً باسم تنظيم «داعش»، الهجوم الذي نُفِّذ في نيس (جنوب فرنسا) وأودى بحياة 86 شخصاً في 14 يوليو (تموز) 2016 في يوم العيد الوطني الفرنسي.

وفي الأعوام الماضية، أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة، على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل، بحق أشخاص بينهم أجانب.

وفي عام 2019، صدرت أحكام إعدام في حقّ 11 مواطناً فرنسياً حُفّضت عقوباتهم في درجة الاستئناف إلى السجن مدى الحياة.

وندّدت مجموعات حقوقية بالطابع المستعجل لهذه المحاكمات التي تُقام في قضايا «إرهاب»، مشيرة إلى أنها لم تتقيّد بالضمانات الإجرائية اللازمة.

وما زال هناك كثير من الشهادات تنتظر التحقيق فيها حول أعمال العنف الوحشية التي ارتكبها التنظيم المتشدّد في العراق، حيث خلّف مقابر جماعية كثيرة لم تُكتشف كلّها بعد، وبعضها لم يتم فتحه.

محاكم كثيرة مقبلة

وطالب محامون فرنسيون أُبلغوا باقتراب موعد الجلسات، باريس بإعادة مواطنيها الذين قد يواجهون عقوبة الإعدام «على نحو عاجل».

وفي بيان نُشر الخميس، ندَّد المحامون ماري دوزيه، وماتيو باغار، وفيكتوار دوميير، وبولين غامبا-مارتيني، وباتيست فاشون، بانعدام الشفافية في الإجراءات القضائية في العراق وتعذُّر تمثيل الموكِّلين المحرومين، في نظرهم، من حقّهم في الدفاع عن أنفسهم.

وباتت السجون العراقية المكتظة أصلاً بأعضاء يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»، تضمّ آلاف السجناء الإضافيين الذين نُقلوا إليها منذ العام الماضي من سوريا.

وفي مطلع عام 2026، نُقل إلى العراق أكثر من 5700 شخص من نحو 60 جنسية يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش» بعدما أمضوا سنوات في مخيّمات سورية بإدارة القوّات الكردية. ومن بينهم 5 مواطنين فرنسيين على الأقلّ، منهم مَن كان قاصراً عندما التحق أهله بالتنظيم.

وفي مطلع سبتمبر (أيلول)، أعلن القضاء العراقي استكمال استجواب أكثر من 5700 شخص يُشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش، و«الانتقال إلى المرحلة القضائية التالية المتمثلة في إحالتهم على محكمة الموضوع».

وأسفرت التحقيقات عن «كشف عدد من العناصر شديدة الخطورة (...) وقيادات من الصف الأول» في تنظيم «داعش»، وعن «معلومات مرتبطة بجرائم جسيمة ذات بعد دولي ارتُكبت بحق المجتمع الإيزيدي»، بحسب مجلس القضاء الأعلى العراقي.

والإيزيديون أقلية ناطقة باللغة الكردية تتبع ديانة خاصة، وكانت قد تمركزت بشكل أساسي في شمال العراق قبل تعرضها لهجمات واضطهاد من جانب «داعش» بدءاً من الثالث من أغسطس (آب) 2014، وفرار أفرادها جماعياً بعد ذلك.

وأدّت التحقيقات كذلك إلى تسليم فنلندي وأميركي لسلطات بلديهما في أبريل (نيسان)، وإطلاق سراح7 عراقيين، بينما يجري «استكمال الإجراءات اللازمة لإطلاق سراح 457 محتجزاً من الجنسية السورية ممَّن لم تثبت بحقهم أدلة تستوجب استمرار الإجراءات القضائية بحقهم»، وفق مجلس القضاء الأعلى العراقي.

وكان تنظيم «داعش» سيطر على مساحات واسعة في شمال العراق وغربه اعتباراً من عام 2014، إلى أن تمكَّنت القوات العراقية من دحره في 2017، بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.

وفي سوريا حيث هُزم التنظيم في عام 2019، احتُجز آلاف المشتبه بانتمائهم للجماعات المتطرف مع عائلاتهم، وبينهم أجانب، في سجون ومخيمات تولت إدارتها «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» حتى يناير (كانون الثاني) 2026.


السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
TT

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)

أكدت السعودية التزامها بمواصلة جهودها الدولية والإقليمية لتعزيز استدامة الموارد البحرية، ومكافحة الصيد غير القانوني، ودعم الحوكمة الرشيدة للمصايد؛ بما يسهم في حماية الأمن الغذائي العالمي واستدامة النظم البيئية البحرية.

جاء ذلك خلال مشاركة وفدها الذي رأَسه الدكتور علي الشيخي الوكيل المساعد للثروة الحيوانية والسمكية بوزارة البيئة والمياه والزراعة، في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (COFI37)، والحدث الرفيع المستوى للاحتفال بمرور عشر سنوات على دخول اتفاق تدابير دولة الميناء حيز النفاذ، بمقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» في العاصمة الإيطالية روما.

وأوضح الشيخي خلال كلمته أن المملكة تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية والازدهار، وأن التحديات التي تواجه الموارد البحرية تتجاوز الحدود الوطنية، وتتطلب استجابة دولية متكاملة تقوم على التعاون والشفافية والابتكار والالتزام بالتنفيذ.

وأشار إلى أن المملكة انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» تواصل تطوير منظومتها الوطنية لإدارة المصايد البحرية، وتعزيز أطر الحوكمة والرقابة والامتثال، ورفع كفاءة التفتيش، وتحسين جودة البيانات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التتبع والرصد؛ بما يعزز الإدارة المستدامة للموارد البحرية، ويرسخ شفافية سلاسل الإمداد، ويدعم تنمية الاقتصاد الأزرق.

وأكد أن البحر الأحمر يحظى بمكانة خاصة في جهود السعودية، لما يتميز به من تنوع أحيائي فريد ونظم بيئية ذات أهمية بيئية واقتصادية وتنموية، مبيناً أن المملكة تعمل على ترسيخ نموذج متوازن بين طموحات التنمية ومتطلبات الاستدامة، عبر حماية الموائل البحرية الحساسة، وتنظيم أنشطة الصيد، وتعزيز الرقابة والتتبع، وتطوير إدارة عمليات الإنزال، وتشجيع ممارسات الصيد المسؤولة والمستدامة.

تشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (واس)

وشدد على أهمية تعزيز الشراكة الإقليمية بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وتبادل المعلومات والبيانات، وتكامل أعمال الرقابة والتفتيش، وبناء القدرات؛ بما يسهم في حماية موارده واستدامتها للأجيال القادمة.

وتشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك، التي تنعقد خلال الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر (أيلول) الجاري، وتناقش قضايا رئيسية في قطاعي مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، بينها تقرير «حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم 2026»، والتقدم المحرز في مكافحة الصيد غير القانوني، وتنفيذ الصكوك الدولية ذات الصلة، والتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، ودعم مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية صغيرة النطاق.

وأكدت السعودية أهمية الانتقال خلال المرحلة المقبلة من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، ومن الاستجابة للمخالفات إلى استباقها، مع تعزيز التكامل بين دول العلم والساحل والميناء والسوق، وتوسيع استخدام أنظمة الرصد والتتبع وتحليل البيانات والتقنيات الحديثة.

كما جددت التزامها بمواصلة العمل مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية والشركاء؛ لتعزيز الحوكمة الرشيدة للمصايد، ومواجهة الصيد غير القانوني، ودعم استدامة الموارد البحرية والأمن الغذائي العالمي، وتحويل الالتزامات الدولية إلى نتائج وأثر مستدام.