السودان... بين العاصفة الشعبية والضغط الدولي

الأنظار تتركّز على نتائج الوساطة الأفريقية

السودان... بين العاصفة الشعبية والضغط الدولي
TT

السودان... بين العاصفة الشعبية والضغط الدولي

السودان... بين العاصفة الشعبية والضغط الدولي

صبيحة الاثنين الثالث من يونيو (حزيران) وعشية عيد الفطر المبارك، انهال الرصاص ليحصد أرواح المئات من الشباب والنساء والأطفال وكبار السن المعتصمين أمام القيادة العامة للجيش السوداني منذ السادس من أبريل (نيسان) الماضي. وتقول «لجنة أطباء السودان المركزية»، وهي تكوين مهني رئيسي من مكوّنات الثورة السودانية، إن حصيلة ضحايا الهجوم حتى ليلة أمس (الجمعة) بلغ 113 قتيلاً، انتشلت جثامين أكثر من 40 منهم من نهر النيل. وتضيف اللجنة ونشطاء يعملون في مداواتهم، أن أعداد الجرحى والمصابين تجاوز 400 جريح ومصاب، لا يجدون العلاج اللازم لقلة عدد الأطباء والكوادر الصحية، وشح الأدوية والمحاليل المنقذة للحياة؛ ما يهدد بارتفاع أعداد القتلى.
من جهة أخرى، قرأ مراقبون سياسيون في الزيارات والاتصالات الخارجية، التي سبقت التطورات الأخيرة، التي قام بها أركان المجلس العسكري - بما فيها حضور رئيسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان على رأس وفد رفيع في قمتي «مكة» العربية والإسلامية - عملية صياغة أوليات السياسة الخارجية السودانية، باتجاه بناء علاقات قوية مع الشركاء الإقليميين، وبخاصة في دول الخليج العربية ومصر، لكن بمنأى عن التدخل الخارجي بالشأن السوداني الداخلي.

أطلقت «لجنة أطباء السودان» في بيان صدر أمس «مناشدة إنسانية عاجلة» إلى الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، والمنظمات الصحية الإقليمية والعالمية، اتهمت فيه المجلس العسكري الانتقالي «بمواصلة القتل والبطش والترويع... في طرقات الخرطوم وغيرها من مدن السودان». وأضافت في بيانها أنه «مع التعتيم الذي يمارسه المجلس العسكري بقطع خدمات الإنترنت وشبكات التواصل في السودان، تجري عمليات الحصر للضحايا وتقديم المساعدة الطبية في ظروف بالغة الصعوبة».
«اللجنة» ذكرت أن عدد القتلى الذين تمكن الأطباء من حصرهم وبإشرافها بلغ حتى نهار أمس 113 شهيداً، بينما تتكدّس أرتال الجرحى والمصابين في المستشفيات الحكومية والخاصة، التي تعاني شحاً شديداً في معينات تقديم الخدمات الطبية من محاليل وريدية وأدوية منقذة للحياة، وكذلك شحاً في الكادر الطبي. ونددت «اللجنة» بما وصفته بـ«التضييق الممنهج الممارس على الأطباء والكوادر الطبية... مع محاولة سد الطرق أمامهم من الوصول إلى المستشفيات، ومن ثم مهاجمتهم داخل المؤسسات الصحية، عند معالجة أبناء شعبهم، وإغلاق 5 مستشفيات رئيسية كلياً، ومستشفيين رئيسيين جزئياً... ما قد يؤدي إلى فقدان المزيد من الأرواح».
هذا، على صعيد التطورات الأمنية الأخيرة، أما على الصعيد السياسي فقد استدعت هذه التطورات تحرّكات أفريقية وخطوات دولية عاجلة لنزع فتيل الانفجار. إذ واجه المجلس العسكري ضغوطاً دولية، آخرها إصدار الاتحاد الأفريقي قراراً قضى بتجميد عضوية السودان على الفور، ودعوته إلى تسليم السلطة إلى المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف الأخيرة. كذلك تزايدت الضغوط الغربية الممثلة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، التي دعت المجلس إلى تسليم السلطة إلى المدنيين، وهدّدت بفرض عقوبات على المسؤولين عن قتل المحتجين السلميين. وفي هذا السياق، بدأت وساطة أفريقية بقيادة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الذي وصل الخرطوم أمس، للقاء المجلس العسكري وقوى «إعلان الحرية والتغيير»؛ بحثاً عن حل للمأزق السوداني.
من الواضح أن المجلس العسكري كان قد سعى من وراء زيارات قادته الأخيرة إلى حشد الدعم الخارجي لخططه في إدارة المرحلة الانتقالية. وفي هذا الإطار، جاءت عبارات مثل «تنوير (توضيح) تطورات الأوضاع بالسودان وجهود المجلس العسكري للوصول إلى حلول مُرضية مع قوى الحراك الثوري»... وكذلك «الشكر على المساندة والدعم المقدم للسودان لتجاوز المرحلة الراهنة»، عاملاً مشتركاً في كل البيانات الصادرة عن المجلس عقب الزيارات. وهنا، يقول الدكتور حامد التجاني، أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأميركية في القاهرة - وهو سوداني الجنسية: إن المجلس العسكري في ورطة حالياً بسبب تعثره في الوصول إلى اتفاق مع القوى الثورية؛ ولذا فهو يغازل المجتمع الدولي والدول الرئيسية في المنطقة خاصة مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهي بالطبع دول مهمة وأساسية ومحورية بالنسبة للسودان، ومن المهم أن تتفهم ماذا يجري في السودان. لكن من ناحية أخرى، فإن المجلس العسكري، وفقاً للتجاني، يسعى إلى فرض الأمر الواقع، والتأكيد أنه يمثل السيادة في السودان، وأنه يحظى بتأييد من الخارج، يعزّز استمراريته في إدارة المرحلة الانتقالية، فضلاً عن رغبته في الحصول على دعم مالي من دول الخليج.

- قصة بدايات الثورة
الجدير بالذكر، أن الاحتجاجات والمظاهرات في السودان انطلقت يوم 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018، وكانت عفوية ومطلبية مندّدة بارتفاع أسعار السلع والخدمات، وانخفاض قيمة الجنيه السوداني، وندرة العملات المحلية والأجنبية والمحروقات بادئ الأمر. واندلعت مظاهرات في مدينة الدمازين (جنوب البلاد)، ثم انتقلت إلى مدينة عطبرة (الشمال)، ومدينة بورتسودان (الشرق)، واجهتها سلطات أمن الرئيس المعزول بعنف مفرط أدى إلى مقتل عشرات المحتجّين السلميين.
العنف المفرط في قمع المظاهرات أثار غضب المحتجين، فأحرق بعضهم مكاتب حزب «المؤتمر الوطني» الذي يترأسه الرئيس المعزول عمر البشير، وبعض المنشآت المرتبطة به، وبهذا انتقلت من المطلبية إلى المطالبة بتنحية البشير وحكومته على الفور. وبعد أيام من عمليات القتل الممنهج واستخدام العنف المفرط ضد المحتجين، نشطت بين الشباب دعوات للانضمام للحراك في مدن السودان المختلفة للمطالبة بعزل البشير وتنحية حكومته، وبمواجهة تعنّت السلطات تزايدت وتيرة الاحتجاج، فاضطرت إلى تعليق الدراسة في الجامعات والمدارس بمختلف مراحلها.
غير أن إغلاق مؤسسات التعليم لم يخفّف من حدة الاحتجاجات، فاضطر البشير إلى إعلان حالة الطوارئ وفرض حظر التجوال طوال الليل، وحلّ الحكومة وتكوين حكومة ذات طابع عسكري، لكن هذه القرارات زادت «الطين بلة»، فارتفعت حدة الغضب والغليان الشعبي.
كذلك، لم تفلح محاولات حكومة البشير وأجهزة أمنه، في التخفيف من حدة المظاهرات، ولم تفلح محاولة رئيس جهاز الأمن السابق صلاح عبد الله (قوش) ربط الاحتجاجات بـ«الموساد» ومسلحين تلقوا التدريب هناك في إثناء المحتجين والمتظاهرين. وبعد أيام من الاحتجاج العفوي، تصدّى «تجمع المهنيين السودانيين» لقيادة الاحتجاجات وتنظيمها، وبذلك انتقل بالاحتجاجات من مطلبية إلى احتجاجات ذات مطالب سياسية سقفها تنحي البشير وحكومته على الفور. وفي سبيل ذلك، نظم مواكب معلنة وحدّد مواقيت وأماكن تجمعات المحتجين، والهدف الذي تقصده، وهو تسليم مذكرة للقصر الرئاسي تطالب البشير وحكومته بالتنحي.
أجهزة الأمن، عند هذه النقطة، حالت دون وصول المواكب للقصر الرئاسي والبرلمان، واستخدمت في ذلك عنفاً مفرطاً، تضمن إطلاق قنابل الغاز المدمع بكثافة، واستخدام الهراوات في ضرب المحتجين، وإلقاء القنابل الصوتية للترويع، ولما أخفقت كل هذه الإجراءات أطلق الرصاص الحي على صدور المحتجين.

- « تجمّع المهنيين السودانيين»
«تجمع المهنيين السودانيين» الذي نظم الاحتجاجات، تجمّع مهني كان يسعى إلى تحسين شروط الخدمة وزيادة الأجور، لكنه، عشية انطلاقة الاحتجاجات انتقل إلى المطالبة بـ«إسقاط نظام البشير»، وقاد المظاهرات المطالبة بعزل البشير وتنحية حكومته. وفي يناير (كانون الثاني) المنصرم، تشكّل تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير»، وانضمت ثلاثة تحالفات معارضة رئيسية، هي «تحالف قوى الإجماع الوطني»، و«تحالف نداء السودان»، و«التجمع الاتحادي المعارض»، وقوى مدنية أخرى، إلى «تجمع المهنيين السودانيين» وقادوا الاحتجاجات والمواكب معاً منذ ذلك الوقت.
أمام تصاعد الاحتجاجات ازداد القمع الممنهج الذي دأب نظام البشير على ممارسته؛ ما أدّى إلى زيادة حالات قتل الثوار. غير أن القمع لم يُجدِ نفعاً، فاضطر رأس النظام إلى إعلان حالة الطوارئ العامة في البلاد لمدة سنة، وألحقها بأربعة مراسيم طوارئ، حظر بموجبها التجمّعات والإضراب والاحتجاج، واعتبره جريمة تصل عقوبتها السجن 10 سنوات مع الغرامة. وبموجب أوامر الطوارئ أنشأ النائب العام نيابات خاصة بالطوارئ، وأنشأ رئيس القضاء «محاكم طوارئ»، مارست عملها على الفور، وأصدرت أحكاماً بالسجن والغرامة على محتجين، تراوحت بين السجن لأشهر وسنوات مع الغرامة، خضعت لها أعداد كبيرة من المحتجين الذين ألقت أجهزة الأمن القبض عليهم عشوائياً.
في المقابل، استفاد «تجمع المهنيين السودانيين» من الاستجابة الواسعة والقبول الشعبي، الذي وظفه في الدعوة لتحدي حالة الطوارئ ومواصلة التظاهر. ثم كلف عدداً كبيراً من المحامين المتطوعين للدفاع عن المحتجين أمام محاكم الطوارئ، فكوّنوا لجان دفاع ترابض أمام محاكم الطوارئ على مدار اليوم، إضافة إلى المسارعة بدفع الغرامات التي تفرض على المحتجين؛ ما أفشل خطط النظام في استخدام الجهاز القضائي أداة سياسية لمواجهة المحتجين والثوار.
طوال أربعة أشهر من المظاهرات والمواكب الاحتجاجية، حصد رصاص قوات الأمن أرواح أكثر من 70 قتيلاً في مختلف أنحاء السودان، وأدى إلى جرح وإصابة المئات، لكن الرصاص لم يفلح في وقف المد الثوري، بل زاد حدة الغضب الشعبي واتساع دائرته.
ويوم 6 أبريل الماضي، واحتفاء بذكرى «انتفاضة أبريل 1985»، التي أطاحت بالرئيس الأسبق جعفر النميري، توجهت أعداد كبيرة من المحتجين والمتظاهرين نحو القيادة العامة للجيش، لمطالبته بالانحياز للشعب أسوة بما فعله في السابق. وسريعاً، تحوّلت المواكب الكبيرة التي وصلت قيادة الجيش إلى «اعتصام مفتوح» في المكان، الذي يجاور قصر الضيافة، حيث مسكن البشير. ولم تفلح محاولات أجهزة الأمن في فضه بالقوة، ورغم مقتل أكثر من خمسة محتجين، فإن «الثوار» واصلوا الصمود والاعتصام.
وأثناء ذلك حاولت «ميليشيات وكتائب» تابعة للنظام فض الاعتصام بالقوة ليلاً، لكن ضباطاً وأفراداً في الجيش السوداني تصدّوا للمهاجمين واشتبكوا معهم بالرصاص لحماية المتظاهرين، وقُتل في الاشتباكات عدد من العسكريين، وألقت قيادة الجيش القبض على عدد من الضباط من ذوي الرتب الصغيرة ووضعتهم في الحبس بتهمة «التمرّد» بحماية المتظاهرين.

- اعتقال البشير
واصل مئات الآلاف الاعتصام حتى يوم الخميس 11 أبريل، وفيه أصدرت القيادة العامة للجيش السوداني، بياناً أعلنت فيه اعتقال الرئيس البشير وتشكيل «مجلس عسكري انتقالي» بقيادة وزير الدفاع ونائب البشير، عوض بن عوف ليقود البلاد لمدة سنتين، وعلّقت بموجب ذلك الدستور وفرضت حالة الطوارئ لثلاثة أشهر، وحلّت الحكومة المركزية والحكومات الولائية والمجالس التشريعية، وفرضت حظر التجوال لمدة شهر.
لكن المحتجين لم يقنعوا بالخطوات التي اتخذتها قيادة الجيش واعتبروها انقلاباً دبّره رموز النظام القديم، وواصلوا الاعتصام الذي تزايدت أعداد المشاركين فيه لتبلغ الملايين، مطالبين بتنحّي ابن عوف ومجلسه. وحقاً، بعد مرور ساعات من الاحتجاجات المناوئة له، اضطر نائب البشير السابق إلى التنازل عن رئاسة المجلس العسكري وعيّن المفتش العام للجيش - وقتها - الفريق أول عبد الفتاح البرهان مكانه.
لم يوقف تنحي ابن عوف الاحتجاجات والمظاهرات والاعتصام، بل توافدت أعداد كبيرة إضافية إلى المنطقة قرب قيادة الجيش، للضغط على العسكريين لتسليم السلطة للمدنيين. وأثناء ذلك، توافدت أعداد كبيرة من المواطنين من ولايات السودان الأخرى إلى العاصمة الخرطوم للمشاركة في الاعتصام، وأبرزها وصول «قطار» محمل بالمحتجين آتٍ من مدينة عطبرة التي أشعلت الشرارة الأولى للاحتجاجات. وعلى الفور أقام المعتصمون الخيام ومنصات الخطابة، وأقاموا العيادات الميدانية، في حين توافد محتجون من أقاليم البلاد المختلفة، كل إقليم له خيمته التي يفاخر من خلالها بمشاركته في الثورة. وتزايدت الكثافة المعتصمة وضغطها على المجلس العسكري الانتقالي، وانضم إلى المعتصمين بمواكب شبه يومية تتجه نحو الاعتصام، المحامون والقضاة والأطباء والصحافيون والصيادلة والأحياء، وغيرهم.
على الأثر، اضطر المجلس العسكري الانتقالي إلى الدخول في تفاوض مع قوى «إعلان الحرية والتغيير» التي تقود الاحتجاجات، اتفقوا خلاله على فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، ومجلس وزراء من 17 وزيراً تعيّنه «قوى إعلان الحرية والتغيير»، ومجلس تشريعي (برلمان) انتقالي 67 في المائة منه من نصيب «الحرية والتغيير»، بيد أن الطرفين اختلفا على نسبة التمثيل في مجلس السيادة. فالعسكريون في المجلس الانتقالي أصروا على مجلس سيادة عسكري بتمثيل مدني محدود برئاسة عسكرية، بينما أصرت قوى «الحرية والتغيير» على مجلس سيادة مدني وبرئاسة مدنية وتمثيل عسكري محدود.
وفي الثامن من رمضان، وعلى الرغم من إعلان الطرفين التوصل إلى اتفاقيات حول جلّ القضايا الخلافية، هوجم المعتصمون وقتل ثمانية منهم، فيما عرف بـ«أحداث الثامن من رمضان». وإثرها أعلنت قوى «الحرية والتغيير» تعليق التفاوض مع المجلس العسكري، بعدما اتهمته بالحنث بوعده ومحاولة فض الاعتصام بالقوة، ودعت لمليونية أطلقت عليها مليونية «السلطة المدنية»، شارك فيها مئات الآلاف من السودانيين، وتعهدوا باستمرار الاعتصام طوال شهر رمضان.
وفي صباح الثالث من يونيو الحالي، تعرّض مكان الاعتصام لهجوم أكبر وأعنف، اتهمت قوى «الحرية والتغيير» به «قوات الدعم السريع» أدى إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، وفض الاعتصام. وبعد الدعوة إلى إقامة المتاريس في الطرق الرئيسية بمختلف شوارع العاصمة وأنحاء البلاد، وطلبت منهم الاعتصام بمنازلهم، ظهر الفريق أول البرهان في التلفزيون الرسمي، وأعلن وقف التفاوض مع قوى «الحرية والتغيير»، وألغى الاتفاقيات السابقة معها، ودعا إلى انتخابات في غضون 9 أشهر، واصفاً ما يحدث بأنه عمليات «تنظيف للشارع»، كما اتهم قوى «الحرية والتغيير» بمحاولة احتكار السلطة، وتعهد بتسليم السلطة لمن أسماه «من يرتضيه الشعب». وجاء الرد بإعلان هذه القوى بدء عصيان مدني وإضراب سياسي شامل في عموم السودان.

- مخاوف سياسية... تقابلها طمأنة بأن لا نية للتدخل في الشأن الداخلي
عودة إلى الشق السياسي، وبالتحديد الزيارات والاتصالات الخارجية؛ إذ يرى متابعون أن هذه الزيارات أثارت قلق قوى «الحرية والتغيير» التي تتخوف من أن تكون محاولة لتمكين المجلس العسكري من مواصلة حكم البلاد، وفتح الباب للتدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية السودانية.
لكن مصر، وفق بعض من تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» في العاصمة المصرية القاهرة، سعت إلى طمأنة الشعب السوداني بأنها لا تسعى لفرض إراداتها أو التدخل في شؤون الداخلية. وهو ما ظهر في أكثر من مناسبة، منها البيان الرئاسي المصري الذي أعقب لقاء السيسي والبرهان، والذي أكد «دعم مصر الكامل لأمن واستقرار السودان، ومساندتها للإرادة الحرة ولخيارات الشعب السوداني في صياغة مستقبل بلاده، والحفاظ على مؤسسات الدولة». وكذلك «استعداد مصر لتقديم كل سبل الدعم للأشقاء في السودان لتجاوز هذه المرحلة بما يتوافق مع تطلعات الشعب السوداني بعيداً عن التدخلات الخارجية».
ووفق السفيرة منى عمر، فإن مصر «سعت منذ بداية الاحتجاجات إلى النأي بنفسها من التدخل في الشأن السوداني»، مؤكدة أن موقفها هو «فقط تقديم الخبرات ورؤيتها للمرحلة الانتقالية من خلال تجربتها؛ إذ إن مصر تمتلك استراتيجية واضحة حققت طفرة في الاستقرار والتحول الاقتصادي، وهناك فرق بين التدخل أو الإملاء وبين تقديم النصيحة والمشورة، فلا يستطيع أحد فرض إرادته على دولة أخرى»، وفقاً للسفيرة.
وتجدر الإشارة إلى أن وفداً من «تجمع المهنيين السودانيين» المعارض التقى السفير المصري في الخرطوم حسام عيسى بنهاية مايو (أيار) الماضي، وأكد السفير للوفد أن مصر لا تسعى لفرض أي نموذج أو تجربة على السودان. وكتب «تجمع المهنيين» على حسابه على موقع «تويتر»، أن اللقاء بدأ «بتأكيد السفير على مبادئ أساسية تضمنت التزام مصر بعدم التدخل في الشأن السوداني، وعدم سعيها لفرض أي نموذج أو تجربة على الوضع في السودان، وتفهمها لاختلاف التفاصيل والتجارب بين الدولتين». كذلك، قال السفير إن «مصر تدعم خيارات الشعب السوداني وستتعامل وتتعاون بشكل كامل مع من يختاره السودانيون». وذكر التجمع أنه عرض موقفه في التطورات الأخيرة، واستعرض مبرّرات ضرورة وجود سلطة مدنية انتقالية ومجلس سيادة ذي طابع مدني باعتباره أحد المطالب الجماهيرية للثورة. وشدد على «ضرورة أن تكون العملية السياسية التي تجري في السودان حالياً ذات طابع سوداني خالص وغير متأثرة بسياسات أي من المحاور الخارجية».
أخيراً، ينصح الدكتور حامد التجاني المجلس العسكري الانتقالي، ومن بعده مَن في السلطة بالخرطوم، بضرورة البعد عن سياسة المحاور التي أضرت كثيراً بالسودان، وإقامة علاقات متوازنة تقوم على حسن الجوار وتبادل المنافع مع الجميع وفق مصالحه الاستراتيجية، البعيدة عن التوتر المضر للسودان. ذلك أن الشعب، وفقاً للأكاديمي السوداني، «وضع حداً لسياسة المحاور التي اتبعها النظام السابق، ولا يرغب في تكرارها».


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.