«قابيل»... دراما بوليسية تنتصر للخير صنعت باحترافية

«قابيل»... دراما بوليسية تنتصر للخير صنعت باحترافية

تفوق على مستوى السيناريو والتمثيل والإخراج والصورة
الجمعة - 3 شوال 1440 هـ - 07 يونيو 2019 مـ رقم العدد [ 14801]
القاهرة: داليا عاصم
في سياق بوليسي مثير، نجح صناع مسلسل «قابيل» في اجتياز الموسم الدّرامي لهذا العام بعمل جديد شكلاً ومضموناً ومغايراً على كافة المستويات ليأخذ الدراما البوليسية العربية لمستوى جديد.

تبدأ أحداث المسلسل بالتحقيق في جريمة قتل فتاة تدعى سما، تلعب دورها أمينة خليل، بعد أن نشر حساب على «فيسبوك» باسم قابيل والحساب يضع صورة جمجمة بشرية كبروفايل.

هنا يبدأ ضابط المباحث طارق بالتحري في القضية ويلعب دور طارق الفنان محمد ممدوح الممثل البارع الذي ينقل لنا تفاصيل الشّخصية بكل جوارحه رغم مشكلة مخارج ألفاظه وصعوبة التنفس التي تلازمه وتؤثر على أدائه في الحوار، لكنّه يحقّق لنفسه مكانة جديدة في عالم الدراما. يحاول الضابط الذي لا نعلم إن كان يعاني حالة نفسية أو هلاوس بالتحري من ثمّ تظهر له سما في صورة شبح تحدثه في المرآة وتحثه على كشف حقيقة جريمة القتل، ثم تحدث جريمة خطف آدم ويؤديه باقتدار الفنان محمد فراج الذي يبهر جمهوره عاماً بعد عام بتمكنه من تفاصيل كل شخصية يؤديها، إذ يتوحد معها ويبرز خباياها، شخصية هذا العام بالرغم أنّها ليست جديدة على فراج لكن أداءه كان بارعاً؛ فلم يكرر نفسه بل غاص بنا في أعماق شخصية مدمن سابق يساعد المدمنين على التعافي من منطلق خبرته، ويتحوّل لسفاح يرتكب جرائم قتل متسلسلة ليتخلص من أبرياء وأشرار في آن واحد، وذلك على خلفية جرح نفسي يقوده لهذا السلوك، فهو مبعد تماماً من أسرته ويحاول أن ينتقم من الجميع.

ونظراً لأنّ السياق الدرامي يدور في فلك جرائم تبث عبر الإنترنت، يعتمد الضابط طارق على ضابط متخصص في الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات محاولاً البحث عن صلة بين سما وآدم، وهو الضابط عبد الرحمن ويلعب دوره الفنان الصاعد علي الطيب الذي نال استحسان الجميع بأداء متقن لدوره والتمثيل التلقائي الذي يمتع المشاهد دون مبالغة في التعبيرات أو الانفعالات فهو يقنعك بأريحية تامة بدوره.

وما بين الإيهام والحقيقة تتوالى أحداث المسلسل وتتوالى الجرائم ومن بينها جريمة يحاول فيها قابيل توريط الضابط نفسه وهنا يسلّط صناع العمل الضوء على نفسية الضابط المنهكة من البحث في جرائم القتل ويتلاعب بالمشاهدين ويحيرهم حول تورطه أو نزاهته، من خلال تعزيز الشك في الضعف الإنساني وسيكولوجية الشر الكامنة في كل إنسان ورغبته في التخلص من أعدائه، وهذا أمر يحسب لكتاب السيناريو والحوار الذي يعكس تعمقهم في دراسة كل شخصية من شخصيات المسلسل، وهو ما لمسناه في تخطيط تتابع المسلسل وعدم وجود تناقض بين سمات كل شخصية وتصرفاتها وجملها الحوارية طوال العمل.

تركز الدراما على الصّراع بين الخير والشر ولكن بطريقة متشعبة يجب أن نشيد بالتركيز على الصدامات النفسية وربطها بتسلسل الأحداث، فالخط الدّرامي هنا مترابط يشد مع الأحداث دائماً للأمام بتقدم حثيث ومحسوب بدقة تجعل المشاهد يرتبط بالعمل حتى آخر حلقة وهو ما افتقدناه في دراما 2019 ويحسب أيضاً لقابيل.

نكتشف مع توالي الأحداث أن قابيل هو آدم، وهو حي لم يقتل كما أوهمنا المسلسل في بداية الحلقات ليتابع إثارة المشاهدين، الذي يحاول توريط الضابط طارق في عدة جرائم يرتكبها مما يؤدي لصراع مزدوج بين الضابط طارق وزملائه عادل وعبد الرحمن، وبين طارق وقابيل. يتابع المشاهد في كل حلقة مجموعة من الأحداث والتفاصيل المترابطة التي تجسد لعبة «القط والفأر» بين طارق وقابيل، ليكتشف المشاهد أن قابيل هو آدم ولم يتوف عبر مشهد فلاش باك في الحلقة الـ25. وكشف أنّه دبر كل الجرائم بمشاركة سما وشيماء اللتين لعبتا معه دور الضحايا ضمن ضحايا آخرين بثت جرائم قتلهم «لايف» على «فيسبوك». سما التي لعبت دورها أمينة خليل باحترافية عالية تكشف كيف يمكن أن تؤثر أحداث الطفولة بحلوها ومرها على شخصية الإنسان، بإتقانها للنّظرات وتحكمها في الإيماءات ولغة الجسد؛ إذ نتعرف على الجرح النفسي الذي يحركها في طريق الشر والجريمة على خلفية تذكرها لمقتل والدتها على يد والدها بعد أن اكتشفت الأم خيانة الزوج. شخصية جديدة تضاف لرصيدها الفني وترشحها بقوة لبطولات مطلقة.

وجاءت نهاية المسلسل بمقتل آدم أو قابيل في مشهد ذروة رائع بعد أن أصابه في قدمه ثم ينهار آدم أو قابيل القاتل، لكنّه لا يستسلم بل يطلق الرّصاص على الضابط ويتركنا المخرج لدقائق حائرين حول النهاية لنجد الحقيقة تتكشف، ففي النهار تأتي الشرطة لتجد قابيل غارقاً في المياه بينما طارق لا يزال يتنفس، وقد أفاق ليطمئن أنه أدى مهمته في القضاء على هذا السفاح معلناً انتصار الخير على الشر، فيما تهرب سما بقارب عبر هجرة غير شرعية. والنهاية تستجمع كل منعطفات العمل لتصل إلى الحل بمنطقية من دون فوضى درامية أو ترهل في الأحداث.

من الناحية التقنية والإخراجية فالعمل جاء بصورة سينمائية متفوقاً على كثير من مسلسلات هذا العام من حيث اختيار زوايا التصوير والكادرات والإضاءة بمستوى يضاهي المستوى العالمي. استطاع المخرج الشاب كريم الشناوي أن يحقق نقله نوعية فيما يخص المسلسلات البوليسية وخلق حالة سيكولوجية تدمج معها المشاهد ليتوحد مع أبطال العمل ويعيش أجواء الغموض والخوف والقلق. وأن يجعل كل ممثل يحقق المطلوب من الدور In Cast بلغة السينما فالكل قام بدوره في بطولة جماعية وصلت للعمل إلى بر الأمان.

ربما العيب الأبرز أو مشكلة المسلسل التي أرهقت المشاهدين تمثلت في هندسة الصوت، فأصوات الفنانين غير واضحة ناهيك عن ارتفاع الموسيقى التصويرية عن أصوات الفنانين، كما أنّ الموسيقى في حد ذاتها ترتكز على ثيمة مكرّرة ومستهلكة لا يشعر المشاهد أنّها متميزة أو تخصّ المسلسل. وأيضاً كثرة مشاهد القتل وطرق التعذيب وبعض الألفاظ التي أثارت حفيظة لجنة مشاهدة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لكن بوجه عام يمكن القول إنّ العمل استحق المشاهدة والوقت الذي أمضاه المشاهد في انتظار انتهاء الفواصل الإعلانية الطويلة، بل من الأعمال التي تجذب الجمهور لمشاهدتها مرة أخرى بعد انقضاء الشهر الكريم للاستمتاع بتفاصيلها وحبكتها والأهم أداء أبطال العمل.
مصر دراما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة