القوات الأمنية السودانية تغلق شارع النيل بعد حوادث عنف جديدة

الخارجية الأميركية تحث على استئناف المفاوضات بين العسكريين والمدنيين... والخرطوم تستدعي سفيرها في الدوحة

جانب من ساحة الاعتصام في الخرطوم (أ.ب)
جانب من ساحة الاعتصام في الخرطوم (أ.ب)
TT

القوات الأمنية السودانية تغلق شارع النيل بعد حوادث عنف جديدة

جانب من ساحة الاعتصام في الخرطوم (أ.ب)
جانب من ساحة الاعتصام في الخرطوم (أ.ب)

عاد التوتر من جديد إلى ميدان الاعتصام عقب تنفيذ سلطات الأمن السودانية حملة لحسم بعض العناصر المتفلتة في محيط الساحة، الأمر الذي رفع من درجة استعداد المعتصمين تحسباً لأي محاولة لفض الاعتصام.
وفي غضون ذلك، استدعت الخرطوم سفيرها في الدوحة «للتشاور»، فيما دعت الولايات المتحدة المجلس العسكري الانتقالي إلى الإسراع بنقل السلطة إلى حكومة مدنية.
وداهمت قوات نظامية من الجيش السوداني ووحدات الدعم السريع على متن عشرات العربات العسكرية منطقة «كولمبيا»، الواقعة على شارع النيل قبالة جسر النيل الأزرق، والمجاورة لساحة الاعتصام بالخرطوم من جهة الشمال، وهي المنطقة نفسها التي شهدت الأسبوع المنصرم أحداث عنف أدت إلى مقتل فتاة وشاب بالرصاص على أيدي أفراد نظاميين.
ومن ناحيته، اتهم القيادي في «تجمع المهنيين السودانيين»، محمد يوسف المصطفى، من سماهم فلول نظام الرئيس المخلوع عمر البشير بمحاولة إثارة العنف والفتنة في شارع النيل، وداخل منطقة «كولمبيا»، وذلك بغرض «نشر الفوضى وعدم الاستقرار وتخريب الثورة». وشهدت عمليات المداهمة إطلاق نار كثيف ومطاردات وكر وفر لبعض العناصر أدت إلى وقوع عدد من الإصابات، حسب شهود عيان.
من جانبها، قالت لجنة أطباء السودان المركزية إنها رصدت إصابة 11 شخصاً بإصابات مختلفة، بعضها بالرصاص، إثر إطلاق النار من قبل القوات النظامية في شارع النيل بالقرب من منطقة الاعتصام.

وأغلقت القوات العسكرية شارع النيل تماماً أمام حركة المرور العامة، كما أغلقت عدداً من الشوارع الرئيسية لتطويق ومحاصرة المنطقة، وأطلقت الرصاص الكثيف في الهواء، فيما سارع المعتصمون إلى تمتين المتاريس والحواجز حول محيط الاعتصام، منعاً لأي محاولة اختراق أو عملية فض قد تأتي من قبل السلطات الأمنية. وكانت اللجنة الأمنية التي يشرف عليها المجلس العسكري الانتقالي، المكونة من الجيش وقوات «الدعم السريع» وجهاز الأمن والشرطة، قد أعلنت أنها بصدد اتخاذ إجراءات وتدابير لحسم ما سمته بالمظاهر السالبة والتفلتات في الأماكن المتاخمة لساحة الاعتصام.
من جهته، رفض تجمع المهنيين السودانيين أن تتخذ السلطات من هذه الأحداث في شارع النيل ذريعة لفض الاعتصام، وحذّر القوات العسكرية من القيام بهذه الخطوة. وأضاف المصطفى الذي كان يتحدث في مؤتمر صحافي في الخرطوم أمس أن التجمع سيقاوم أي خطوة لزعزعة ساحة الاعتصام، قائلاً: «لن نسمح بفض الاعتصام إلا على جثثنا». وأكد المصطفى أن تجمع المهنيين وشركاءه في «قوى الحرية والتغيير» يلتزمون بالسلمية في كل خطواتهم، وهذا ما ظهر جلياً أيام المظاهرات، وتيسير المواكب وداخل ساحة الاعتصام منذ دخولها في السادس من أبريل (نيسان) الماضي.
وعلى صعيد آخر، قال تيبور ناجي، مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأفريقية، إن المجلس العسكري لم يتشكل ليحكم السودان، بل ليشارك في الانتقال إلى حكومة بقيادة مدنية. وأدان المسؤول الأميركي، في تغريدة على «توتير»، عمليات القتل التي حدثت في الخرطوم، وأيضاً طرد ومضايقات الصحافيين في السودان، مضيفاً أن «قمع حرية التعبير والإعلام من سمات النظام السابق»، مطالباً المجلس العسكري بوقف هذه النزعة، وأي محاولة لسلب الشعب حقه في التظاهر سلمياً دون التعرض للعنف. وحث تيبور المجلس العسكري و«قوى الحرية والتغيير» على العودة إلى طاولة المفاوضات من أجل الوصول إلى اتفاق عاجل.
وكانت قيادات في «قوى الحرية والتغيير» قد كشفت عن استئنافٍ مرتقب للمفاوضات بعد التقارب الكبير في الاتفاق على مقترح جديد لتجاوز الخلافات حول «المجلس السيادي» المرتقب، مشيرة إلى أن العرض وجد قبولاً مبدئياً من كثير من الأطراف، بينما لا تزال بعض الأحزاب ترفضه. ونشرت «قوى الحرية والتغيير» جدول الفعاليات الأسبوعية الذي يشمل تسيير مواكب إلى ساحات الاعتصام، وحملة إعلامية حول الإضراب السياسي الشامل والعصيان المدني المفتوح المزمع الإعلان عنه، إذا لم يتم الاتفاق مع المجلس العسكري.
إلى ذلك، استدعت وزارة الخارجية السودانية، أمس، سفيرها لدى دولة قطر بغرض التشاور، على أن يعود بعدها إلى الدوحة. وقال بابكر الصديق، الناطق باسم الخارجية السودانية، في بيان: «تود وزارة خارجية جمهورية السودان أن تفيد بأن سفير السودان لدى قطر، فتح الرحمن علي، قد استدعي إلى الخرطوم للتشاور»، موضحاً أنه سيعود فوراً بعدها إلى الدوحة. ونقلت وكالة الأنباء السودانية (سونا) عن الناطق الرسمي باسم الخارجية قوله أيضاً إن السفير سيغادر إلى الدوحة، ليكون على رأس عمله قريباً.
من جهتها، أكدت المتحدثة باسم الخارجية القطرية، لولوة راشد الخاطر، في تغريدة على «تويتر»، أن السفير أبلغ أنه في إجازة قصيرة. وأضافت المتحدثة: «يتم حالياً تداول خبر عارٍ من الصحة، متعلق باستدعاء سفير السودان لدى دولة قطر إلى الخرطوم، ولا نعرف مصدر هذا الخبر، ولم تردنا مذكرة رسمية بهذا الخصوص، بل إن سفير جمهورية السودان كان قد أرسل مذكرة لوزارة الخارجية - كما جرت العادة - بأنه سيكون في إجازة قصيرة، وحدد موعد عودته».
وكانت السلطات الأمنية السودانية قد أغلقت يوم الخميس مكتب شبكة «الجزيرة» القطرية في الخرطوم، وسحبت تصاريح عمل مراسليها وموظفيها. وقالت «الجزيرة» التي تبثّ صوراً للمظاهرات على موقعها الإلكتروني إن أجهزة الأمن السودانيّة أبلغت مدير مكتبها «بقرار المجلس العسكري الانتقالي إغلاق مكتب شبكة (الجزيرة) في الخرطوم»، وأشارت إلى أنّ القرار يشمل أيضاً «سحب تراخيص العمل لمراسلي وموظّفي شبكة (الجزيرة)»، ولفتت إلى أنّ أجهزة الأمن السودانيّة «لم تُسلّم مدير مكتب (الجزيرة) أي قرارٍ مكتوب» بهذا الشأن. واستنكرت الشبكة في بيان «قرار إغلاق مكتبها في الخرطوم، واعتبرته غير مبرر».
وكان رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، الفريق عبد الفتاح البرهان، قد شارك في السعودية في القمتين العربية والإسلامية، وزار قبل ذلك كلاً من مصر والإمارات العربية المتحدة. كما زار نائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) الرياض، في مايو (أيار)، حيث التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
واعتبر «تحالف قوى الإجماع الوطني»، إحدى الكتل الموقعة على «إعلان الحرية والتغيير»، خطاب رئيس المجلس العسكري في القمة العربية بالسعودية حول عملية انتقال السلطة، «نكوصاً وتسويفاً ينطوي على نيات مبيتة بعدم تسليم السلطة للمدنيين».
ويضم التحالف أحزاب اليسار السوداني، التي ترفض أي وجود مؤثر للعسكريين في السلطة الانتقالية. واتهم المجلس العسكري بالتخطيط لدمغ ميدان الاعتصام السلمي بأنه أصبح وكراً للجريمة، ويشكّل خطراً على الثورة والثوار، وأشار إلى أن توفير الأمن من مسؤولية الشرطة المدربة والمؤهلة التي تسجل غياباً في شوارع العاصمة. وأوضح أن «اللغة المتوعدة للمجلس العسكري تشير إلى احتمال اتجاهه لفض الاعتصام أو اختلاق أي أحداث، ليمرر عبرها مخططه».
وأكد تمسك قوى الحراك بسلميتهم في أحلك الظروف والمواجهات، ولن ينجروا لميدان العنف الذي تبحث عنه جهات كثيرة، وأن أي محاولات تستهدف ميدان الاعتصام والثوار يتحمل تبعاتها من يتبنون التصعيد ضد الثورة أياً كانت منصاتهم.
وناشد الثوار مواصلة الالتزام بالتحرك داخل ميدان الاعتصام وعدم الانتشار بشارع النيل والشوارع الفرعية خارج نطاق الاعتصام. كما دعا «الزملاء في (الحرية والتغيير) إلى مواصلة الدعوات التصاعدية بكل الأشكال السلمية والمجربة لمجابهة دعوات ونيات المجلس العسكري لإجهاض الثورة». وأشار إلى أن قرارات المجلس العسكري بتضييق الحريات الإعلامية عبر إغلاق مكاتب الفضائيات وسحب تراخيص المراسلين تضع مؤشراً جديداً على محاولات تعتيم إعلامي ممنهجة، لا تتماشى ومناخ الحرية ومكتسبات الثورة.



مصدر مصري: تحركات لإدخال «لجنة غزة» إلى القطاع قبل عيد الأضحى

فلسطينيون نازحون ينقلون صناديق في عربة عبر أنقاض المباني المدمرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون ينقلون صناديق في عربة عبر أنقاض المباني المدمرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مصدر مصري: تحركات لإدخال «لجنة غزة» إلى القطاع قبل عيد الأضحى

فلسطينيون نازحون ينقلون صناديق في عربة عبر أنقاض المباني المدمرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون ينقلون صناديق في عربة عبر أنقاض المباني المدمرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحدث مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، السبت، عن تحركات للوسطاء لإدخال عناصر من «لجنة إدارة غزة» للقطاع قريباً، وهم طرحوا خلال المناقشات أن يكون الموعد قبل عيد الأضحى، مشيراً إلى اجتماعات تستضيفها القاهرة لحركة «فتح» قريباً لتحريك المشهد الفلسطيني الراهن.

وقال المصدر المصري إن «المفاوضات لم تتوقف بسبب اغتيال نجل القيادي في (حماس) خليل الحية ولن تتوقف»، مشيراً إلى أن الوسطاء ينتظرون تجاوب الحكومة الإسرائيلية مع الممثل الأعلى لمجلس السلام بغزة، نيكولاي ملادينوف.

وأكدت «حماس»، الخميس، مقتل عزام الحية، نجل كبير مفاوضيها خليل الحية، متأثراً بجراحه بعد هجوم إسرائيلي استهدفه مع آخرين في مدينة غزة، مساء الأربعاء، وأسفر الهجوم كذلك عن مقتل القائد الميداني في مجموعة نخبة «القسام» (الذراع العسكرية لـ«حماس») بحي الشجاعية، حمزة الشرباصي.

نتنياهو يصافح ملادينوف في القدس يناير الماضي (إ.ب.أ)

وقبل ذلك الاغتيال بيومين، قال ملادينوف عقب لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منشور على حسابه بمنصة «إكس»، إنه أجرى «نقاشاً إيجابياً وجوهرياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي حول المسار المستقبلي، ونعمل مع جميع الأطراف لتحويل هذا الالتزام إلى إجراءات ملموسة، وهذا يتطلب اتخاذ قرارات لتحقيق التقدم»، دون أن يحدد تلك القرارات.

المصدر المصري أوضح أن ذلك اللقاء الذي جمع ملادينوف بنتنياهو «لم يكن ناجحاً، وشهد تقديم ورقة عمل لرئيس الوزراء الإسرائيلي تتضمن مسارات التحرك الجديدة التي سيتم العمل عليها في الفترة المقبلة، إلا أن اللقاء لم يحقق تقدماً، ولم يكن جيداً».

وكشف المصدر عن أهم نقطتين تضمنتهما الورقة التي قدمها ملادينوف؛ أُولاهما السماح بدخول عناصر من «لجنة إدارة قطاع غزة»، حيث تم الاتفاق على أن يتم ذلك خلال الفترة المقبلة وتحديداً قبل عيد الأضحى، والثانية زيادة إدخال المساعدات.

وعن الفترة المقبلة، أعلن المصدر المصري في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة ستستقبل خلال الفترة المقبلة قيادات من حركة (فتح) ومختلف أطيافها، قبل المؤتمر العام للحركة (المقرر في 14 مايو «أيار» الحالي)، وتهدف هذه الاجتماعات لدعم القاهرة لإعادة ترتيب الأولويات الفلسطينية في مصر، وذلك بعد النجاح في إجراء الانتخابات البلدية بمشاركة مدينة دير البلح في قطاع غزة، مشيراً إلى أن «الأمور ماضية في إطارها نحو إجراءات إضافية داخل قطاع غزة، بهدف تحريك المشهد الراهن».

فلسطينيون في مدينة غزة يشيّعون عزام الحية نجل كبير مفاوضي «حماس» يوم الخميس بعد مقتله في هجوم إسرائيلي الأربعاء (رويترز)

وأشار المصدر إلى أن الاتصالات بشأن استكمال تنفيذ وقف إطلاق النار لم تتوقف، وهناك إصرار من قبل القاهرة على إنجاح المسار الحالي وإعادة الأمور إلى نصابها، والبناء على ما تحقق، وعدم إعطاء فرصة للجانب الإسرائيلي للتنصل مما تم الاتفاق عليه». كما تجري «اتصالات مستمرة مع الجانبين التركي والقطري، بالإضافة إلى دور إماراتي، لدفع اتفاق غزة»، وفق المصدر ذاته.

ولفت إلى أن «الأطراف حالياً في مرحلة ترقب لمدى استجابة الجانب الإسرائيلي للضغوط الدولية والإقليمية عليها، مع تحركات لتعزيز الاتصالات مع الجانب الأميركي لإجراء مزيد من الضغوط على نتنياهو الذي يتذرع بعدم تحقيق اختراقات في ملف السلاح وعدم تجاوب (حماس)، التي لديها قبول حالياً لفكرة دمج المراحل مع وجود ضمانات».

وأكد أن «هناك إدراكاً من القاهرة لقيمة عنصر الوقت، خاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، وبهدف عدم إعطاء فرصة لنتنياهو لمزيد من المراوغة»، مرجحاً أن تشهد الفترة المقبلة تطوراً ملموساً بدخول بعض عناصر لجنة إدارة قطاع غزة، قد تدخل إلى غزة قريباً.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، عقب تشكيل «لجنة إدارة غزة»، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عن مصادر، أن حكومة بنيامين نتنياهو ترفض السماح لأعضاء اللجنة بدخول قطاع غزة، لافتة إلى أنهم يواصلون اجتماعاتهم في القاهرة، ويعمل ممثلو الوسطاء، وخاصة مصر، مع الولايات المتحدة للموافقة على دخول اللجنة إلى غزة.


الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية خلال الفترة الأخيرة من حملاتها ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في مسار يستهدف إحكام القبضة على المجال العام، ومنع أي أصوات ناقدة من كشف الوقائع على الأرض، في وقت تزداد فيه التحذيرات المحلية والدولية من التدهور الحاد الذي يطول واقع حرية الصحافة في اليمن.

وكشفت سلسلة الإجراءات القمعية التي اتخذتها الجماعة، من مداهمات واعتقالات واستدعاءات أمنية ومحاكمات غير عادلة، عن سياسة متواصلة لتجفيف ما تبقى من المساحات الإعلامية المستقلة، وسط اتهامات باستخدام أدوات القمع لإسكات الأصوات التي تنقل معاناة السكان، أو تفتح ملفات الفساد والانتهاكات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث حلقات هذا التصعيد، استولت الجماعة الحوثية على أرض تابعة للصحافي اليمني طه المعمري، مالك شركتي «يمن ديجيتال ميديا» و«يمن لايف»، وشرعت في البناء عليها من دون أي مسوغ قانوني، وفق ما أكدته مصادر حقوقية وإعلامية.

وأثارت هذه الخطوة موجة تنديد واسعة، بوصفها امتداداً لسلسلة طويلة من الإجراءات التي استهدفت المعمري خلال السنوات الماضية، وشملت مصادرة أمواله وممتلكاته، والاستيلاء على منزله ومقر مؤسساته الإعلامية، بما في ذلك معدات البث والأرشيف، إلى جانب إصدار حكم غيابي بالإعدام بحقه، في واحدة من أبرز القضايا التي تعكس حجم التضييق على الإعلاميين في مناطق سيطرة الجماعة.

مسلحون حوثيون يحرسون تجمعاً في صنعاء (إ.ب.أ)

ولم تقتصر الانتهاكات على العاصمة المختطفة صنعاء، بل امتدت إلى محافظة إب، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مبنى إذاعة «سما إب» الخاصة، وأغلقوها نهائياً بعد فترة وجيزة من انطلاق بثها، في خطوة مفاجئة فجّرت موجة استياء واسعة في الأوساط الإعلامية والحقوقية.

وحسب مصادر محلية، فإن عملية الإغلاق تمت من دون إعلان مسبق أو تقديم أي مبررات رسمية، رغم أن الإذاعة كانت تقدم محتوى يومياً متنوعاً يتماشى، في كثير من جوانبه، مع طبيعة الخطاب الإعلامي السائد في مناطق سيطرة الجماعة، مما عزز الاعتقاد بأن أي مساحة إعلامية خارجة عن السيطرة المباشرة باتت هدفاً محتملاً للإغلاق أو المصادرة.

في السياق نفسه، اختطفت عناصر حوثية الصحافي فؤاد المليكي من منزله في مدينة إب، ونقلته إلى جهة مجهولة، مع استمرار رفضها الكشف عن مكان احتجازه أو مصيره.

جاءت عملية الاختطاف، وفق مصادر مطلعة، على خلفية اتهامه بإدارة حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تنشر ملفات تتعلق بالفساد الإداري، وتسلط الضوء على ممارسات عبثية لقادة ومسؤولين محليين موالين للجماعة في المحافظة.

تصنيف دولي

على وقع هذه التطورات، جاء تقرير دولي حديث ليعكس حجم التدهور الذي أصاب واقع الصحافة في اليمن، بعدما صنف البلاد ضمن المستوى «الخطير جداً» في مؤشر حرية الصحافة العالمي للعام الجاري، واضعاً اليمن في المرتبة 164 من أصل 179 دولة.

ويشير التقرير إلى تراجع اليمن عشرة مراكز مقارنةً بالعام السابق، في مؤشر إضافي على اتساع دائرة المخاطر التي تواجه الصحافيين، سواء من خلال الاعتقالات والاختطافات، أو عبر التهديدات المباشرة والهجمات التي تطول العاملين في المجال الإعلامي.

أشخاص يستقلّون دراجة نارية في أحد الشوارع بمدينة إب (الشرق الأوسط)

كما وثّق التقرير مقتل صحافي واعتقال اثنين آخرين خلال العام الحالي، في استمرار لمسلسل الاستهداف الذي حوّل العمل الصحافي في اليمن إلى مهنة محفوفة بالمخاطر، في ظل غياب بيئة قانونية ضامنة للحريات، واستمرار توظيف المؤسسات القضائية والأمنية في تصفية الحسابات السياسية مع الإعلاميين.

بيئة خانقة وغير آمنة

على وقع هذه الصورة القاتمة، حذّرت نقابة الصحافيين اليمنيين من تدهور غير مسبوق في أوضاع الصحافة، مؤكدةً أن بيئة العمل الإعلامي أصبحت أكثر تقييداً وخطورة، مع تصاعد الانتهاكات وتفاقم الضغوط المهنية والمعيشية التي تواجه العاملين في هذا القطاع.

وقالت النقابة إن الصحافيين باتوا يواجهون تحديات مركبة تشمل الملاحقات الأمنية، والتدخلات في طبيعة العمل الإعلامي، والضغوط الاقتصادية الناتجة عن تدني الأجور وغياب الحماية الاجتماعية، فضلاً عن هشاشة المؤسسات الإعلامية وتراجع قدرتها على توفير الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي للعاملين فيها.

مدينة إب اليمنية تعيش في فوضى أمنية برعاية حوثية (فيسبوك)

وأبدت النقابة قلقاً بالغاً حيال الحالة الصحية للصحافي وليد علي غالب، نائب رئيس فرع النقابة في الحديدة، المعتقل لدى الحوثيين، مطالبةً بالإفراج الفوري عنه وتوفير الرعاية الصحية اللازمة له.

وأكدت أن تسعة صحافيين لا يزالون رهن الاحتجاز في ظروف وُصفت بالمقلقة، داعيةً إلى الإفراج عنهم، ووقف الملاحقات ذات الطابع السياسي، وتعزيز استقلال القضاء، ومنع استخدامه أداةً للضغط على الإعلاميين.


عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
TT

عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)

مع دخول فصل الصيف، وارتفاع درجات الحرارة على امتداد السواحل اليمنية، تتجه أزمة الكهرباء في مدينة عدن إلى مزيد من التعقيد، في ظل اتساع الفجوة بين القدرة التوليدية المتاحة وحجم الطلب المتزايد على الطاقة، نتيجة النمو السكاني المتسارع، والتوسع العمراني الكبير، وتهالك البنية التحتية لمحطات التوليد، إلى جانب تعثُّر مشاريع استراتيجية كان يُعوَّل عليها في تخفيف حدة الأزمة المزمنة التي تعيشها المدينة منذ سنوات.

وتكشف بيانات حكومية عن واقع بالغ الصعوبة؛ إذ لا تغطي القدرة التوليدية الفعلية لمحطات الكهرباء في العاصمة اليمنية المؤقتة سوى نحو 30 في المائة من الاحتياج اليومي، وهو ما يفرض عجزاً يتجاوز 70 في المائة خلال ساعات الذروة الليلية.

ويفرض هذا النقص الحاد تطبيق برامج تقنين قاسية تنعكس آثارها على مختلف مناحي الحياة، من المنازل إلى المستشفيات، ومن المؤسسات الخدمية إلى النشاط التجاري، مع امتداد التأثيرات إلى محافظتَي لحج وأبين المجاورتين المرتبطتين جزئياً بالشبكة.

ويأتي هذا الوضع في وقت تزداد فيه الأحمال الكهربائية بشكل موسمي، مع اعتماد السكان الواسع على وسائل التبريد لمواجهة حرارة الصيف المرتفعة، ما يجعل المنظومة الكهربائية أمام اختبار شديد القسوة، في ظل محدودية الموارد الحكومية وتعثر الحلول الإسعافية والاستراتيجية معاً.

محطات الكهرباء في عدن تعمل بأقل من نصف طاقتها (إعلام حكومي)

وحسب مدير الإعلام في وزارة الكهرباء والطاقة، محمد المسبحي، فإن إجمالي الطلب على الكهرباء في عدن يبلغ نحو 630 ميغاواط، في حين لا يتجاوز التوليد الفعلي خلال ساعات النهار 257 ميغاواط، بما في ذلك مساهمة الطاقة الشمسية، ما يعني وجود عجز يومي يصل إلى 373 ميغاواط، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياج والإنتاج.

لكن الأزمة تبلغ ذروتها خلال ساعات الليل، حين يتراجع الإنتاج إلى 191 ميغاواط فقط، مقابل عجز يصل إلى 439 ميغاواط، أي ما يقارب 70 في المائة من إجمالي الاحتياج، وهو ما يفسر الانقطاعات الطويلة التي تشهدها المدينة، ويضع السكان أمام واقع معيشي بالغ القسوة؛ خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة الساحلية.

ويحذر مسؤولون في قطاع الكهرباء من أن استمرار هذا الوضع، بالتزامن مع اقتراب الأحمال من ذروتها خلال الأسابيع المقبلة، قد يقود إلى مزيد من الانهيار في الخدمة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لزيادة الإنتاج وتأمين الوقود ورفع كفاءة المحطات العاملة.

مشاريع ناقصة

جانب مهم من الأزمة يرتبط -وفق المسؤولين- بعدم اكتمال عدد من مشاريع التوليد الجديدة بالشكل الذي يضمن تشغيلها وفق طاقتها التصميمية. فمحطة شركة «بترو مسيلة»، التي تعد أكبر محطات التوليد في عدن، لم يُستكمل فيها حتى الآن إنشاء خزانات الغاز اللازمة لتشغيلها وفق الخطة الفنية الموضوعة، ما أجبر المؤسسة العامة للكهرباء على تشغيلها بالنفط الخام، وهو خيار أعلى تكلفة وأكثر تعقيداً من الناحية التشغيلية، فضلاً عن صعوبة تأمينه بالكميات المطلوبة.

ونتيجة لذلك، لا تنتج المحطة حالياً سوى نحو 95 ميغاواط، رغم أن قدرتها التشغيلية يمكن أن ترتفع إلى قرابة 230 ميغاواط إذا توفرت كميات الوقود المطلوبة واستكملت التجهيزات الفنية اللازمة.

حملة لمكافحة الربط العشوائي للكهرباء في عدن وتحصيل المديونيات (إعلام حكومي)

ولا تقف المشكلة عند هذه المحطة، إذ تؤكد المصادر أن المرحلة الثانية من المشروع، التي كان يُعوَّل عليها لتقليص العجز بشكل ملموس، لا تزال متأخرة رغم مرور سنوات على اكتمال المرحلة الأولى. كما أن المحطة القطرية، التي خُطط لها أن تعمل على 3 مراحل بإجمالي قدرة تصل إلى 280 ميغاواط، لم تُستكمل وفق الرؤية الفنية المطلوبة، ما حرم الشبكة من قدرات توليدية كان يمكن أن تُحدث فارقاً واضحاً في مستوى الخدمة.

ويرى مختصون أن الصراعات السياسية، وعدم الاستقرار الإداري، وتعثر التمويل، أسهمت مجتمعة في فقدان المنظومة ما يقارب 400 ميغاواط من الطاقة التي كان يمكن أن تدخل الخدمة خلال السنوات الماضية، وهو رقم كفيل بتغيير المشهد الكهربائي في عدن بصورة كبيرة لو أُنجزت المشاريع كما خُطط لها.

أزمة وقود وتمويل وديون

إلى جانب الاختلالات الفنية، تواجه الحكومة اليمنية أزمة تمويل خانقة تعيق تنفيذ الخطط الإسعافية. وكان وزير الكهرباء والطاقة، عدنان الكاف، قد تحدث عن خطة عاجلة تشمل تأمين إمدادات منتظمة من النفط الخام لتشغيل توربينات «بترو مسيلة» بكامل طاقتها، إلى جانب تنفيذ أعمال صيانة لمحطات التوليد الأخرى لرفع كفاءتها التشغيلية، غير أن هذه الخطة اصطدمت بالعجز المالي الذي تواجهه الحكومة.

وترتبط هذه الأزمة المالية بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي تمثل أحد أهم الموارد السيادية، بعد الهجمات الحوثية على موانئ التصدير وتهديد ناقلات النفط، وهو ما تسبب في تراجع الإيرادات الحكومية بصورة حادة، وألقى بظلاله على مختلف القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها الكهرباء.

وفي مواجهة هذا الواقع، اتجهت وزارة الكهرباء اليمنية إلى إطلاق حملات ميدانية لمكافحة الربط العشوائي والمزدوج، باعتبار هذه الظاهرة من أبرز أسباب زيادة الأحمال وارتفاع نسبة الفاقد الفني والتجاري، فضلاً عن تسببها في أعطال متكررة على مستوى الشبكات.

أزمة الكهرباء في عدن تضاعف التحديات أمام الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

وترى الوزارة أن الحد من هذه الظاهرة يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على شبكات النقل والتوزيع، ورفع كفاءة التشغيل، وترشيد استهلاك الوقود، غير أن هذه المعالجات تبقى جزئية ما لم تُرفق بإصلاحات أوسع في منظومة التحصيل والإدارة.

وفي هذا السياق، تتجه المؤسسة إلى تشديد إجراءات تحصيل المتأخرات المالية، بما في ذلك إلزام الوزارات والجهات الحكومية بسداد مديونياتها، إلى جانب تعزيز حملات التحصيل لدى المشتركين، ونشر ثقافة الالتزام بسداد الفواتير.

كما تعمل الوزارة على إدخال نظام الدفع المسبق إلى المنازل، لضمان تحصيل قيمة الاستهلاك مستقبلاً، بعد سنوات طويلة توقف خلالها معظم صغار المستهلكين عن دفع التعريفة الشهرية.

لكن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في كيفية التعامل مع المديونية المتراكمة على قطاع واسع من المستهلكين، وهي قضية شائكة ترتبط بالأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الثقة باستقرار الخدمة.