الاقتصاد الفنزويلي يفقد نصف ثروته والبلاد تغرق في الفساد والفوضى

فنزويلي يسير بالقرب من ملصق ضخم للرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز (أ.ف.ب)
فنزويلي يسير بالقرب من ملصق ضخم للرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد الفنزويلي يفقد نصف ثروته والبلاد تغرق في الفساد والفوضى

فنزويلي يسير بالقرب من ملصق ضخم للرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز (أ.ف.ب)
فنزويلي يسير بالقرب من ملصق ضخم للرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز (أ.ف.ب)

اعترفت حكومة نيكولاس مادورو بالحالة الكارثية التي وصل إليها الاقتصاد الفنزويلي. فالبنك المركزي، الوفي الدائم للنظام، والذي لم يعلن أي أرقام منذ 3 سنوات، كشف أخيراً عن معدلات النمو والتضخم خلال 5 سنوات. والنتيجة أن البلاد فقدت نصف ثروتها بعدما تراجع الناتج بنسبة 47.5 في المائة بين 2013 و2018. وبالنسبة للسنة الحالية توقع صندوق النقد الدولي هبوطاً إضافياً في الناتج قدره 25 في المائة.
في جانب التضخم، قراءة الأرقام تصيب بالدوار، فالبنك المركزي اعترف بارتفاع الأسعار بنسبة 274.4 في المائة في 2016 وبنسبة 862.6 في المائة في 2017، وبنسبة خيالية بلغت 130060 في المائة في 2018، وهذه الأرقام أقل بكثير من تلك التي نشرها صندوق النقد الدولي الذي أعلن فيها عن تضخم في فنزويلا بنسبة زادت على مليون في المائة. ويقول مسؤول في صندوق النقد: «هذه الإحصاءات تعبر بقوة عن الكارثة الاقتصادية والإنسانية التي حلت ببلاد يعاني أهلها من نقص حاد في الأدوية والسلع الغذائية الأساسية وغير الأساسية».
ويطرح المراقبون السؤال التالي: كيف لبلد يمتلك أكبر مخزون نفطي في العالم أن يصل إلى هذه الحال المزرية اقتصاديا واجتماعيا وإنسانيا؟
الجواب، لدى الاقتصاديين الفنزويليين المستقلين، يكمن في فقدان القاعدة الإنتاجية منذ زمن طويل، والاعتماد فقط على الإيرادات النفطية لتمويل الاستيراد ومد النظام بالمال لإدارة شؤونه في اقتصاد موجّه من الدولة بنسبة تقترب من 100 في المائة في معظم القطاعات. وما سرع اشتعال هذه الأزمة غير المسبوقة هو هبوط أسعار النفط في 2014، بالإضافة إلى كوكتيل من سوء الإدارة وقلة الاستثمار وفساد في الشركة النفطية الوطنية.
ووفقاً للبنك المركزي، هبطت قيمة الصادرات النفطية من 85.6 مليار دولار في 2013 إلى 29.8 مليار دولار في 2018. وفي 10 سنوات هبط الإنتاج النفطي من 3.2 مليون برميل يوميا إلى مليون برميل فقط كما في أبريل (نيسان) الماضي، علماً بأن الإيرادات النفطية تشكل 96 في المائة من إجمالي إيرادات الدولة.
يُذكر أيضاً أن الأزمة تفاقمت وزادت الضغوط بسبب تشديد العقوبات الأميركية والأزمة السياسية الخانقة التي تمر بها البلاد. فواشنطن تدعم خوان غوايدو رئيس البرلمان الذي فيه أغلبية معارضة. وغوايدو أعلن نفسه رئيساً انتقالياً في يناير (كانون الثاني) الماضي واعترفت به 50 دولة حول العالم.
في هذه الأثناء، تحاول الطبقات الشعبية التعايش مع هذا الواقع المرير وباتت المياه نادرة وخدمة الكهرباء متقطعة، ويؤكد مراسلون في كاراكاس أن شرائح من الطبقة الوسطى فقدت مدخراتها وهي الآن بين الأكثر فقراً، وتبحث في النفايات عن شيء ينفعها أو تأكله، والمحظوظ هو الذي يستقبل مالاً من أقارب مهاجرين خارج فنزويلا. ومن لديهم الإمكانيات يدفعون بالدولار أو بطاقات الائتمان. أما العملة الوطنية فلم تعد تساوي قيمتها شيئاً يُذكر. وندرت في الأسواق السلع الأساسية التي تدعم الدولة أسعارها. لكن الحكومة تستمر في توزيع مواد شهرياً على الأكثر فقراً للحفاظ على قاعدة شعبية ما للنظام. وتزداد باطراد أعداد الراغبين في الهجرة. فوفقاً لأرقام صادرة عن الأمم المتحدة فإن 3 ملايين شخص هربوا من البلاد أو تركوها في السنوات القليلة الماضية وتحديداً منذ 2015. وكل يوم تشهد البلاد هذه السنة خروج ما بين 3000 و5000 شخص باتجاه الخارج، كما صرحت أخيراً الناطقة الرسمية باسم مفوضية اللاجئين في الأمم المتحدة.
ويضيف اقتصاديون غربيون متابعون للشأن الفنزويلي أنه عندما وصل هوغو شافيز إلى السلطة في 1998 بدأ بتوزيع إيرادات النفط بسخاء بالغ وبعدة برامج اجتماعية كثيفة التغطية. وللمثال كان الفنزويليون يتزودون بالبنزين مجاناً، ولم يبذل شافيز أي جهد لتنويع الموارد الاقتصادية.
والخطأ القاتل، برأيهم، كان تسريح وإنهاء خدمات 19 ألف كادر وموظف ومهندس من شركة البترول الوطنية، ليوظف مكانهم محاربين ومؤيدين وأنصاراً لسياسته حتى بلغ عدد هؤلاء في الشركة نحو 100 ألف معظمهم بلا خبرات ولا مهارات أو كفاءات لازمة لتشغيل المرافق النفطية وإدارتها، واستطاع بواسطتهم الغرف من الإيرادات النفطية بلا رقابة حتى ساد الفساد على نحو واسع النطاق. وبفعل نقص الاستثمارات وقلة الصيانة بدأ الإنتاج يقل تدريجياً.
ويؤكد اقتصاديون من المعارضة أنه عندما وصل مادورو إلى السلطة في 2013، كان الاقتصاد بدأ يدخل الحلقة المفرغة، وما إن هبطت أسعار النفط في 2014 حتى دخل الاقتصاد الحلقة الجهنمية. وكلما اشتد الخناق الاقتصادي كان النظام يزيد قبضته الصارمة وربما التعسفية على المؤسسات وعلى الحريات العامة تحت شعار معاداة الإمبريالية الأميركية، وتوثقت عرى التعاون مع أنظمة مثل إيران وكوبا ونيكاراغوا. وتخشى الصين حاليا فقدان نحو 50 مليار دولار هي مبالغ قروض منحتها لكاراكاس واستثمارات صينية في عدة قطاعات فنزويلية.
ويقول عضو في اتحاد المزارعين: نعيش حالياً بلا أي مورد ثابت مستدام. فالقطاعات المنتجة شبه مدمرة. وللمثال ضربت سياسات هوغو شافيز وخلفه نيكولاس مادورو القطاع الزراعي في الصميم. فبعدما كان كبار المزارعين ينتجون 1.25 مليون طن من الدواجن في عام 2000، هبط الإنتاج تدريجياً ولا يزيد حالياً على 250 ألف طن سنوياً. ويقول أحد المزارعين: «علينا الوقوف في طوابير طويلة لعدة أيام للحصول على الوقود اللازم لتشغيل المعدات، وعلينا أن نتحمل انقطاع الكهرباء والماء»، ويسأل: «كيف لنا أن نعمل وننتج في ظروف كهذه؟».
ويؤكد اتحاد المزارعين أن إنتاج الذرة البيضاء كان في عام 2000 نحو مليون طن، أما الآن فالإنتاج 100 ألف طن سنوياً فقط. وكان إنتاج السكر 9 ملايين طن، والآن أقل من 2.5 مليون طن، وهبط إنتاج حليب البودرة من 150 ألف طن إلى 50 ألفاً فقط. وتراجع الإنتاج الحيواني بعد فقدان 4 ملايين رأس ماشية، وإنتاج الأرز هبط من 1.25 مليون طن إلى 300 ألف طن فقط، وإنتاج حبوب القهوة انخفض من 1.5 مليون قنطار إلى 500 ألف. وبعدما كانت البلاد شبه مكتفية ذاتياً من ذلك الإنتاج الزراعي العام والمواد الأساسية أضحت الآن تستورد أكثر من 50 في المائة من احتياجاتها الغذائية.



كيفين وارش: من أروقة «وول ستريت» إلى قمة الهرم النقدي في «الفيدرالي»

وارش في جلسة الإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ في 21 أبريل (رويترز)
وارش في جلسة الإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ في 21 أبريل (رويترز)
TT

كيفين وارش: من أروقة «وول ستريت» إلى قمة الهرم النقدي في «الفيدرالي»

وارش في جلسة الإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ في 21 أبريل (رويترز)
وارش في جلسة الإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ في 21 أبريل (رويترز)

يُعتبر الرئيس الجديد لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، كيفن وارش، وجهاً مألوفاً في مجتمعات المال والأعمال، وهو الرجل الذي نجح في إقناع دونالد ترمب بأنه «رجل المرحلة»، حتى إن أثار ذلك تساؤلات حول قدرته على الوقوف في وجه تدخلات رئيس الدولة.

وقد صادق أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي يوم الأربعاء على وصوله إلى قمة المؤسسة التي تحدد أسعار الفائدة وتؤثر في جانب كبير من الاقتصاد العالمي.

وارش، البالغ من العمر 56 عاماً، يعود اليوم إلى «الاحتياطي الفيدرالي» بعد 20 عاماً من خطوته الأولى فيه كخبير في البنوك المركزية؛ حيث كان حينها، وهو في الخامسة والثلاثين، أصغر حاكم في تاريخ المؤسسة.

في تلك الفترة الفاصلة، اشتعل شيب خفيف في شعره البني الكثيف الذي طالما تفاخر به دونالد ترمب. والأهم من ذلك، أنه قضى جزءاً كبيراً من تلك السنوات في «توجيه انتقادات حادة» للمؤسسة، كما يلاحظ ديفيد ويسل، الباحث في معهد «بروكينغز». ويضيف ويسل، الذي يصف وارش بأنه «دبلوماسي جداً وماهر في التعامل مع الناس»: «سيتعين عليه الآن كسب ثقة الفرق والمسؤولين النقديين الآخرين لتنفيذ برنامجه».

ورغم أن المعارضة الديمقراطية تراه «دمية في يد ترمب»، فقد تعهد وارش خلال جلسة استماعه في مجلس الشيوخ «بضمان بقاء إدارة السياسة النقدية مستقلة تماماً»، مؤكداً أن الرئيس لم يطلب منه خفض أسعار الفائدة، وأنه «ما كان ليلتزم» بمثل هذا الأمر أبداً، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وارش يتحدث في جلسة الإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ في 21 أبريل (رويترز)

«الصقر» السابق وتوقعات «الحمائم»

يرغب ساكن البيت الأبيض في وجود رئيس للبنك المركزي بصفات «حمائمية»، أي شخص يميل إلى تحفيز الاقتصاد عبر أسعار فائدة منخفضة. ويدرك وارش أنه مراقب بدقة من قبل الأوساط المالية التي جاء منها؛ فهم عرفوه كـ«صقر» حريص على كبح التضخم، ويشتبهون اليوم في حدوث تحول انتهازي في مواقفه.

فخلال حملته لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي»، أسمع وارش دونالد ترمب ما يطرب أذنيه؛ حيث أشاد بسياسات الإدارة «المحفزة للنمو»، وصرّح بأن أسعار الفائدة يمكن أن تنخفض. وفي الوقت نفسه، كان الرئيس يكثف ضغوطه على البنك المركزي، محاولاً إخراج الرئيس المنتهية ولايته جيروم باول، والحاكمة ليزا كوك.

امتنع وارش عن التعليق على هذه القضايا، وهو الآن سيجلس إلى جانبهما في المجلس، خاصة أن باول قرّر البقاء في مجلس الحكام طالما ظل هدفاً لتهديدات سياسية وقضائية. وسيتعين على وارش، الذي صرح أمام أعضاء مجلس الشيوخ برغبته في إجراء «تغييرات كبيرة»، إقناع المسؤولين الحاليين أولاً؛ فهو يطمح إلى التواصل بشكل مختلف وتقليل حجم الأصول المالية التي تحتفظ بها المؤسسة، والتي تضخمت عبر الأزمات المتتالية، للحد من ثقلها في الأسواق المالية.

ثروة هائلة وجذور في التعليم الحكومي

يتربع وارش على رأس ثروة طائلة (وعد بالتنازل عن أصول تزيد قيمتها عن 100 مليون دولار فور تعيينه)، وهو زوج جين لودر، وريثة عائلة مجموعة التجميل الشهيرة «إستي لودر». ومع ذلك، قدّم نفسه بتواضع أمام أعضاء مجلس الشيوخ؛ فهو منحدر من ولاية نيويورك، ولكن من منطقة تبعد 200 كيلومتر عن العاصمة الاقتصادية للبلاد. وقد أشاد بـ«القيم التي ورثها» عن والديه الراحلين، وبـ«المعلمين الاستثنائيين والزملاء العباقرة» الذين رافقوه خلال دراسته في المدارس الحكومية.

بعد الثانوية، التحق بجامعات مرموقة (ستانفورد، هارفارد)، وعمل لسنوات في بنك «مورغان ستانلي» حيث أصبح أحد كبار قيادييه. وارش، القانوني في تكوينه، ترك البنك ومجال عمليات الدمج والاستحواذ ليصبح أحد المستشارين الاقتصاديين للرئيس الجمهوري جورج بوش الابن، وتولى تحديداً ملف الأسواق المالية.

هذا القرب من بوش هو ما دفعه في عام 2006 إلى مجلس حكام البنك المركزي لولاية مدتها 14 عاماً. ويُنسب إليه لعب دور نشط خلال الأزمة المالية عام 2008، لكنه استقال في عام 2011 بسبب خلافه مع السياسة النقدية المتبعة، حيث رأى حينها ضرورة «التشدد» ورفع الفائدة.

انضم لاحقاً إلى المستثمر الملياردير ستانلي دروكنميلر، وهو صوت مؤثر في «وول ستريت»، دفع بقوة لترشيح وارش لـ«الاحتياطي الفيدرالي». وكان دونالد ترمب قد فكر في تعيينه رئيساً منذ عام 2018 خلال ولايته الأولى، لكنه فضّل عليه في نهاية المطاف جيروم باول، الذي سرعان ما تحول إلى «كبش فداء» لانتقادات الرئيس.


ماذا قال كبار خبراء المال عن تثبيت كيفين وارش رئيساً لـ«الفيدرالي»؟

كيفين وارش الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
كيفين وارش الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

ماذا قال كبار خبراء المال عن تثبيت كيفين وارش رئيساً لـ«الفيدرالي»؟

كيفين وارش الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
كيفين وارش الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

عقب مصادقة مجلس الشيوخ على تعيين كيفين وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، برزت تساؤلات حادة في الأوساط المالية حول قدرة وارش على الموازنة بين طموحات البيت الأبيض وواقع التضخم المتصاعد.

إليك أبرز ما قاله الخبراء حول هذا التعيين، وفق «رويترز»:

1- رايان سويفت (BCA Research): حذر سويفت من أن توقعات التضخم تمر بمرحلة حرجة، مشيراً إلى أن أي لهجة «حمائمية» (تميل لخفض الفائدة) من وارش في بدايته ستكون بمثابة مشكلة كبرى لسوق السندات، وقد تؤدي إلى فقدان السيطرة على منحنى العائد. وأضاف أنه سيكون «مصدوماً» إذا طالب وارش بخفض الفائدة قريباً، نظراً لصعوبة بناء حجة اقتصادية لذلك في ظل البيانات الحالية.

2- فيل بلانكاتو (Osaic): يرى بلانكاتو أن السوق تفسر تعيين وارش بوصف ذلك إشارة إلى عودة التركيز على مكافحة التضخم وتقليص تدخل البنك المركزي. وأوضح أن السؤال الجوهري يكمن في مدى استقلالية وارش أمام ضغوط ترمب المعلنة لخفض الأسعار، عادّاً أن بقاء جيروم باول في المجلس قد يضمن «تطوراً» تدريجياً للسياسة بدلاً من الانقلاب المفاجئ.

3- كريس بوشامب (IG Group): أشار بوشامب من لندن إلى احتمالية اضطرار وارش لرفع الفائدة هذا العام إذا استمرت ضغوط النفط والتضخم، وهو ما سيكون «مثيراً للاهتمام» سياسياً. وأكد أنه رغم تركيز «الفيدرالي» على التوظيف، فإن بيانات التضخم المقبلة قد تجبر اللجنة على تبني نبرة أكثر تشدداً وتغيير «القصة» بالكامل.

4- جيم بيرد (Plante Moran): أوضح بيرد أن وارش لن يدخل بيئة هادئة، بل سيجد نفسه أمام تحديات معقدة مثل تكاليف الطاقة والتعريفات الجمركية التي لا يمكن حلها بمجرد رفع الفائدة. وشدّد على أن وارش لن يستطيع تغيير المسار بشكل راديكالي بمفرده، نظراً لوجود لجنة تتمتع باستقلالية نسبية ستعمل معه.

5- بول نولتي (Murphy & Sylvest): وصف نولتي جلسات التثبيت بأنها «مسرح ممتع»، مؤكداً أن الحقيقة ستظهر فقط في مؤتمر وارش الصحافي الأول في يونيو (حزيران). وأشار إلى حالة «عدم اليقين» في الأسواق؛ حيث ينقسم المستثمرون بين من يراه «صقراً» يميل للتشدد وتقليص الميزانية، ومن يراه «منفذاً» لرغبات ترمب في خفض الفائدة، مرجحاً في النهاية أن يتبع وارش «لغة البيانات».


بين انقسام «الشيوخ» وعاصفة التضخم... وارش رئيساً لـ«الفيدرالي»

كيفين وارش مرشح ترمب إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي (أ.ف.ب)
كيفين وارش مرشح ترمب إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي (أ.ف.ب)
TT

بين انقسام «الشيوخ» وعاصفة التضخم... وارش رئيساً لـ«الفيدرالي»

كيفين وارش مرشح ترمب إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي (أ.ف.ب)
كيفين وارش مرشح ترمب إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي (أ.ف.ب)

صادق مجلس الشيوخ الأميركي، يوم الأربعاء، على تعيين كيفين وارش رئيساً مقبلاً للاحتياطي الفيدرالي، ليتولى قيادة البنك المركزي في مرحلة حرجة يضغط فيها الرئيس دونالد ترمب لخفض أسعار الفائدة، في وقت تلقي فيه بيانات التضخم الجديدة بظلال من الشك على جدوى هذا التوجه.

وفي تصويت هو الأكثر انقساماً في تاريخ تعيينات رؤساء البنك المركزي، نال وارش (56 عاماً) ثقة المجلس لخلافة جيروم باول، الذي تنتهي ولايته رسمياً يوم الجمعة المقبل بعد قيادته للبنك منذ عام 2018.

وعلّق وزير الخزانة سكوت بينست على المصادقة، قائلاً إن «تعيين وارش رئيسا للاحتياطي الفيدرالي يدشن عهداً جديداً في مؤسسة تحتاج إلى المساءلة والتوجيه السياسي السليم».

وخلال كلمة له، حثّ زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون، الجمهوري عن ولاية ساوث داكوتا، زملاءه على دعم وارش، قائلاً إنه من الأهمية بمكان أن يفهم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليس فقط الاقتصاد الكلي، بل أيضاً أن يُقدّر الاقتصاد الجزئي، أي الأميركيين المجتهدين ووظائفهم ومصادر رزقهم. وأضاف ثون: «كيفن وارش هو خير مثال على ذلك».

وكان كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني التابع للبيت الأبيض، قال في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» يوم الأحد، إنه يعتقد أن الأسواق تشعر بالارتياح لأن وارش «سيساهم في خفض أسعار الفائدة تدريجياً».

وأضاف هاسيت: «من الواضح أن هذا القرار مبني على البيانات. أنا لا أمارس أي ضغط على كيفن وارش».

تفاصيل التصويت

جاءت نتيجة التصويت بـ 54 صوتاً مؤيداً مقابل 45 معارضاً، لتنهي بذلك مسلسلاً استمر لأشهر منذ صيف 2025، شمل عملية بحث موسعة عن خليفة لباول.

واتسم التصويت بصبغة حزبية واضحة، حيث لم يخرج عن الخط الحزبي سوى السيناتور الديمقراطي عن ولاية بنسلفانيا، جون فيترمان، الذي صوّت لصالح وارش.

تطلعات ترمب ومؤهلات وارش

لم يخفِ ترمب تطلعاته بأن يقوم وارش بخفض أسعار الفائدة، بعد أن وجّه انتقادات متكررة لباول واصفاً سياسته النقدية بالتشدد الزائد.

وقد برز اسم وارش ضمن قائمة طويلة من المرشحين ضمت محافظين حاليين في المجلس، مثل كريستوفر والر وميشيل بومان.

وفي سياق الترحيب بهذا التعيين، أشاد النائب الجمهوري فرينش هيل بخبرة وارش في مكافحة التضخم، قائلاً: «لقد أكد الرئيس وارش مراراً على أهمية وضع الاستقرار السعري والقدرة الشرائية في قلب أجندتنا الاقتصادية. إن التزامه بسياسة نقدية منضبطة سيساعد في استعادة الثقة في اقتصادنا».

تحدي التضخم وتقلبات الأسواق

يأتي تأكيد تعيين وارش في أسبوع شهد صدور تقارير اقتصادية تظهر بقاء التضخم أعلى بكثير من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة، مع تسارع الضغوط في سلاسل التوريد إلى أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات. وبناءً على ذلك، بدأت الأسواق في تقليص توقعاتها لخفض الفائدة، بل وبدأت في تسعير احتمالية رفعها في وقت لاحق من هذا العام.

العودة الثانية

ليست هذه المرة الأولى لوارش في أروقة الاحتياطي الفيدرالي؛ حيث سبق له العمل كعضو في المجلس بين عامي 2006 و2011. وهي الفترة التي شهدت بداية استهانة المسؤولين بمخاطر أزمة الرهن العقاري قبل الانخراط في سياسات إنقاذ تاريخية. حينها، كان وارش منتقداً للتوسع غير المسبوق في شراء الأصول (التيسير الكمي) الذي دفع بميزانية البنك لتجاوز 4 تريليونات دولار، معتبراً أن تلك البرامج قد تمادت أكثر مما ينبغي.

ومنذ مغادرته المنصب، ظل وارش منتقداً ثابتاً للسياسة النقدية، بل ودعا في مقابلة مع «سي إن بي سي» العام الماضي إلى «تغيير النظام» داخل البنك المركزي.

تركة ميران والمهمة القادمة

سيشغل وارش المقعد الذي كان يشغله ستيفن ميران، الذي عُيّن في سبتمبر (أيلول) 2025 لاستكمال الفترة المتبقية من ولاية أدريانا كوغلر بعد استقالتها المفاجئة. عُرف ميران بمعارضته الدائمة لقرارات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، حيث كان يطالب بخفض أكبر للفائدة (نصف نقطة بدلاً من ربع نقطة) في عام 2025، وعارض هذا العام تثبيت الأسعار مطالباً بمواصلة الخفض.

الرئيس الأغنى في التاريخ

سيدخل وارش التاريخ كأغنى رئيس للاحتياطي الفيدرالي على الإطلاق، بثروة تتجاوز 100 مليون دولار. وبموجب القواعد الصارمة الجديدة التي تم تبنيها عقب كشف ممارسات تداول مشكوك فيها لبعض المسؤولين السابقين، سيكون لزاماً على وارش التخلص من العديد من استثماراته لتجنب تضارب المصالح.

ومن المقرر أن يترأس وارش أول اجتماع للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يومي 16 و17 يونيو (حزيران) المقبل.