يشاهد اللبنانيون بدءا من مساء اليوم الأربعاء، وعلى مدى عشرة أيام على خشبة «مسرح المدينة» في بيروت، عرضا تجريبيا جريئا، يتزاوج فيه الرقص المعاصر مع الموسيقى والرسم بصحبة إضاءة فنية إبداعية مدروسة، كل ذلك على منصة دائرية متحركة.
العرض الذي يحمل اسم «وتدور» هو محاولة طموحة لخلق حركة تناغمية انسجامية بين إبداعات لفنانين تجمعهم الرغبة في العمل معا، لابتكار جديد لم تألفه العين من قبل. يمكن القول إنها مغامرة لهؤلاء الشباب الذين عرف كل منهم في مجاله الخاص: عمر راجح الذي له باع مشهود له في الرقص المعاصر، وفي جعله جزءا من المشهد اللبناني من خلال مهرجان متخصص ومتواصل منذ عشر سنوات، إلى جانب ميا حابس التي شاركته في عروض سابقة.. في العرض أيضا التشكيلي مازن كرباج الذي عرف برسومه منذ سنوات، والفنان التشكيلي الفلسطيني المقيم في فرنسا ناصر السومي، وهناك كذلك الموسيقي شريف صحناوي بعزف حي على الغيتار. ولا يكتمل العرض من دون مصمم الإضاءة الإنجليزي جوناثان صموئيل.
الفكرة الأساسية هي وجود المسرح الدائري المتحرك الذي يتوجب على الفنانين الانسجام مع حركته. ميا حابس ترقص مع بسام أو دياب على المسرح أو ربما في الفضاء. مازن كرباج يرسم وهو على طاولة على جانب المسرح، لكن رسومه تنعكس على شاشة، وعليه أن يخط ما يتناغم مع حركة الراقصين اللذين بدورهما يتألفان مع الحركة المستمرة للخشبة الدائرية. فكرة المسرح الدائري هي لناصر السومي، ومازن كرباج وشريف صحناوي هما من الفنانين المحبين للتجريب، والراغبين منذ فترة في التعاون مع راجح في مسرحه الراقص. اجتمعت الرغبات ولم يبق إلا التنفيذ.
في البدء، أخذ عمر راجح في وضع الخطوات الراقصة الأولية للراقصين ميا وبسام. ثم بدأ شريف صحناوي يأتي بغيتاره ويعزف مقطوعاته. في هذه اللحظة يقول راجح «شعرت بأن كل العمل الراقص الذي كنت قد فكرت به يجب أن يتغير. لقد دفع بنا شريف بمعزوفاته إلى مكان جديد، في الرقص، لم يكن قد خطر لنا من قبل». هذه كانت لحظة مهمة من لحظات تشكيل العرض. لكن لحظة مفصلية أخرى ولدت حين التحق بالبروفات التشكيلي مازن كرباج. «صحيح أننا كنا قد فكرنا بالكوريغرافيا والموسيقى، لكن عمل كرباج ورسومه دفعا بنا إلى مكان جديد آخر ومختلف أيضا»، يقول راجح. حين دخل مازن برسومه حاول اللحاق بالراقصين وبدا ذلك صعبا. احتاج ذلك ابتكار آلة عرض خاصة لتعكس الرسم بشكل متحرك يتناسب وحركة الأجساد. وصل فنان الإضاءة جوناثان صموئيل من بريطانيا، ودخل على خط التمارين. ملاحقة كشافات الإضاءة للراقصين على الخشبة المتحركة ومتابعتهما بدقة احتاجت أيضا ابتكارا خاصا كان لا بد من التفكير فيه بتمعن، إذ لا يمكن تركيب 300 كشاف لإنجاز العرض، وإنما يتوجب إيجاد وسيلة أكثر عملية.
هكذا جاء دخول الفنانين إلى التمرينات تدريجيا، وكل منهم كان يأتي بأفكاره ورؤيته ومصاعب مهمته التي لا بد من إيجاد حلول تقنية لها. يقول عمر راجح «الطريف في الأمر أنه حين طرح ناصر السومي فكرة المسرح المستدير الذي يدور، قلت له دعنا نسم هذا المشروع (وتدور) كي نعرف عما نتحدث، ومع الوقت وجدنا التسمية مناسبة تماما. لماذا، إذن، لا نبقي على الاسم الأول؟».
هذه الحركة الدائرية بالنسبة لعمر راجح مدير «فرقة مقامات» الذي ستكون له وظيفته على المنصة أيضا، في دور يتكتم عليه، ليترك هامشا من الغموض ربما، يحيل إلى فكرة الوجود والبقاء، وكل تلك الأشياء الدائرية التي تعيش معنا، من الأرض إلى العجلة والساعة، إلى الوحدات النقدية المعدنية، كما نرى في الإعلان الترويجي للعمل.
«تطور عملنا مع فكرة المستحيل الممكن»، يقول عمر راجح، ويضيف «كل شيء كان يبدو صعب الإنجاز في بداية التدريبات، ثم بدأنا بحل المشكلات واحدتها بعد الأخرى، بالتفكير والابتكار والإصرار. أحب دائما أن يربط العمل الفني باليومي، وهذا ما عملنا عليه. أوليست حياتنا في بيروت مستحيلة ومع ذلك تستمر؟». عرض طموح بالنسبة للفنانين الذين يشاركون فيه. وهو مميز لا لجماليته التي يصعب الحكم عليها قبل وضع اللمسات الأخيرة على العرض، لكن كونه فاتحة لمحاولة كان لا بد أن تبدأ، ألا وهي التوليفات بين الفنون وتزاوجها الخلاق. وهو ما يعمل عليه منذ فترة طويلة في الغرب ولا تزال تجاربه خجولة في العالم العربي. وهو ما يجب أن يشجع. فعزل الفنون عن بعضها البعض أمر فات زمنه، وها هو العالم يخطو نحو أشكال جديدة في التعبير الجمالي قوامها التواصل والتشبيك بين الفنون.
9:41 دقيقه
عرض «وتدور» يكسر الحواجز وينتهج التشبيك بين الفنون
https://aawsat.com/home/article/17491
عرض «وتدور» يكسر الحواجز وينتهج التشبيك بين الفنون
تجربة طموحة على خشبة «مسرح المدينة» في بيروت تزاوج الرقص بالرسم والموسيقى
ورشة العمل أثناء تحضير المنصة
- بيروت: سوسن الأبطح
- بيروت: سوسن الأبطح
عرض «وتدور» يكسر الحواجز وينتهج التشبيك بين الفنون
ورشة العمل أثناء تحضير المنصة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

