الإمبراطورة ماساكو... وجه اليابان الأنثوي الجديد

بين أسوار القصر وطموح الدبلوماسية ومناصرة حقوق المرأة

الإمبراطورة ماساكو... وجه اليابان الأنثوي الجديد
TT

الإمبراطورة ماساكو... وجه اليابان الأنثوي الجديد

الإمبراطورة ماساكو... وجه اليابان الأنثوي الجديد

لقد تحدثوا من دون مترجم!
عبارة ترددت في العديد من وسائل الإعلام اليابانية لوصف ما حدث خلال استقبال الإمبراطور الياباني ناروهيتو والإمبراطورة ماساكو للرئيس الأميركي دونالد ترمب والأميركية الأولى ميلانيا ترمب في بداية الأسبوع الحالي (الاثنين 27 مايو/ أيار).
العفوية والراحة اللتان سادتا كلاً من اللقاء والمأدبة المقامة في القصر الإمبراطوري على شرف ترمب بصفته أول زعيم أجنبي يلتقي الإمبراطور الجديد، شكلتا صورة غير معهودة للأسرة الإمبراطورية. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي توالت التعليقات الإيجابية من المتابعين اليابانيين، وخصوصاً تلك التي تعبر عن الإعجاب بالإمبراطورة ماساكو وسلوكها الراقي وقدرتها على التحدث بالإنجليزية بطلاقة (وهو أمر يعدّ نادراً حتى بين كبار المسؤولين في بلد يعرف بانعزاليته اللغوية رغم تقدّمه الاقتصادي). حتى صحيفة «النيويورك تايمز» وصفت الإمبراطورة ماساكو بأنها كانت «نجمة» خلال زيارة ترمب، وهي الصحيفة ذاتها التي كانت قد عنونت مقالاً سابقاً عنها بعبارة «إمبراطورة في قفص». فما الذي حدث؟ وهل ستستطيع الإمبراطورة تحقيق تغيير حقيقي في المؤسسة الإمبراطورية التي تُعرف بصرامتها الفائقة؟

انتهى عصر «هيسي» الإمبراطوري في اليابان مع نهاية شهر أبريل (نيسان) المنصرم بعدما استمر 31 سنة. وفي اليوم الأول من شهر مايو 2019 دخلت اليابان عصراً إمبراطورياً جديداً باسم «ريوا». وواكب هذا الانتقال مناخ احتفالي غير مسبوق في اليابان، ذلك أن مراسم تولي إمبراطور جديد لمهامه تترافق عادة مع مراسم الحداد على إمبراطور راحل. ولكن هذا الأمر لم يحدث هذه المرة بفضل تنحي الإمبراطور السابق أكيهيتو رسمياً عن العرش ليصبح بمثابة «الإمبراطور الأب»، مفسحاً المجال أمام ابنه ولي العهد ناروهيتو ليتبوأ عرش أعرق سلالة حاكمة في العالم، وإلى جانبه زوجته الإمبراطورة ماساكو.

مناسبة استثنائية

عاشت اليابان، إذاً، حالة من النشوة تشبه ما يحدث عادة في فترة رأس السنة...
عاشت مختلف أنواع التعبيرات الثقافية والسلوكية المتعلقة بهذا الحدث، بدءاً من إبرام عقود زواج بعد منتصف تلك الليلة ووصولاً إلى التنزيلات في المتاجر والبضائع التي تحمل اسم العهد الجديد. غير أن الحدث الأكثر أهمية على الإطلاق تمثل في إقامة شعائر تكريس الإمبراطور الجديد في منصبه وفق ديانة الشينتو التي تنتمي لها الأسرة الإمبراطورية.
إنها طقوس فريدة تابع العالم تفاصيلها المنفذة بأناقة ودقة شديدتين، تتضمن تسليم الكنوز الثلاثة التي تتوارثها السلالة الإمبراطورية، وهي الجوهرة والسيف والمرآة، ولائحة طويلة من المراسم التي لم تتغير منذ قرون.
ولكن القواعد التي تحكم تلك الطقوس تنصّ أيضاً على تحريم حضور الإناث من الأسرة الإمبراطورية، وهو ما عنى غياب الإمبراطورة ماساكو عن مراسم تكريس الإمبراطور. ويكتسب هذا الغياب بعداً رمزياً بالغ الوضوح هذه المرة، نظراً لصورة الإمبراطورة الحالية ماساكو كامرأة عملت على اقتحام عوالم كان محصورة على الذكور في المجتمع الياباني. فماساكو أوادا، التي تخرّجت في جامعة هارفارد، وعملت في وزارة الخارجية، كانت من الدفعة الأولى من السيدات اللواتي استطعن تلقي معاملة مماثلة إلى حد ما مع نظرائهنّ من الرجال في الوزارة إثر تغييرات كان قد طال انتظارها في قوانين الحكومة اليابانية.
وكانت أقاويل كثيرة انتشرت عن تردّدها في قبول الزواج بولي العهد، وتخوّفها من القواعد التي ستتحكم بتصرفاتها ما إن تدخل القصر الإمبراطوري. وهو ما حدث فعلاً وبشكل ربما فاق تصورها، إذ عانت من عوارض نفسية نشأت عن الضغط الذي واجهته لسنوات، وتأخرت في إنجاب طفلتها الوحيدة آيكو... التي تُعرف باسمها الإمبراطوري الأميرة توشي.

أصل الأسرة

ولدت ماساكو أوادا لأسرة يابانية تعود جذورها إلى عشيرة تحمل الاسم ذاته «أوادا» ازدهر نفوذها في مقاطعة نييغاتا بشمال غربي جزيرة هونشو (كبرى جزر الأرخبيل الياباني) منذ أواسط عصر إيدو في القرن السادس عشر وأنجبت عدداً من الشخصيات المعروفة. أما والدها هيساشي أوادا – الذي يحمل درجة الدكتوراه من جامعة كمبريدج البريطانية، فهو من أبرز الدبلوماسيين ورجال القانون في اليابان خلال العقود الأخيرة، حيث كان سفير اليابان لدى الأمم المتحدة من عام 1994 ولمدة أربع سنوات ترأس خلالها مجلس الأمن مرتين، ثم انضم كقاضٍ إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي ليصبح بعدها رئيساً للمحكمة من عام 2009 إلى عام 2012. ووالدتها يوميكو إيغاشيرا أيضاً سليلة أسرة معروفة من الصناعيين ورجال الأعمال.
مسيرة الأب الحافلة بالتنقلات والمناصب اقتضت أن ترتحل الأسرة بشكل متكرر من دولة لأخرى. ماساكو، الابنة البكر للعائلة، ولدت في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 1963. وأمضت فترات من طفولتها ومراهقتها في موسكو ونيويورك وبوسطن، ثم انتسبت لكلية رادكليف في جامعة هارفارد الأميركية الشهيرة عام 1981 حيث درست العلوم الاقتصادية. ومنذ تلك الفترة بدأت بإظهار إمكانياتها القيادية إذ ترأسّت الجمعية اليابانية في كليتها وبرزت كناشطة في مجال العلاقات الدولية حيث كان لها دور فعّال في مؤازرة عمل القنصلية اليابانية في بوسطن، وذلك خلال فترة شهدت توتراً في العلاقات اليابانية الأميركية بسبب غزو الشركات اليابانية للمجال الاقتصادي الأميركي بشكل غير مسبوق، وبروز مخاوف على الجانب الأميركي من تزايد النفوذ الاقتصادي لليابان واختلال الميزان التجاري لصالح طوكيو... وهو ما يذكر بالأزمة الحالية بين واشنطن وبكين. كذلك أمضت ماساكو فترة أثناء المرحلة الجامعية في جامعة غرونوبل في فرنسا ما يفسّر إتقانها للغة الفرنسية أيضاً.
بعد تخرّجها في هارفارد عام 1986 عادت ماساكو إلى طوكيو للتحضير لامتحان دخول وزارة الخارجية في وقت كانت حظوظ النساء شحيحة جداً في دخول الوزارة المرموقة. إلا أن إمكانياتها المميزة ساعدتها على أن تكون من ضمن ثلاث نساء نجحن في الامتحان وباشرن عملهنّ إلى جانب خمسة وعشرين رجلاً قُبلوا ضمن تلك الدفعة.
وخلال العامين التاليين أنجزت عدداً من المهمات بأداء متميز وفقاً لزملائها. وبعدها أرسلتها الوزارة في منحة أكاديمية لدراسة العلاقات الدولية بجامعة أوكسفورد في بريطانيا، ولكنها عادت إلى طوكيو عام 1990 من دون إكمال البرنامج الدراسي.

اللقاء الأول مع ناروهيتو

أثناء مرحلة التحضير لامتحان وزارة الخارجية التحقت ماساكو ببرنامج أكاديمي لمدة ستة أشهر في جامعة طوكيو، وخلال تلك الفترة كان اللقاء الأول بينها وبين ولي العهد الأمير ناروهيتو، وذلك في حفل استقبال أقيم على شرف أميرة من العائلة المالكة الإسبانية. أعجب الأمير بماساكو فوراً واستمر في لقائها لعدة مرات مما أثار اهتمام الصحافة في الشهور التي تلت. ورغم مغادرتها اليابان للدراسة في أوكسفورد لم ينقطع اهتمام ولي العهد بها. وبعدما رفضت عرضه للزواج مرتين نظراً لأن ذلك يعني تخليها عن مسيرتها المهنية الواعدة، قبلت في المرة الثالثة، يوم عيد ميلادها التاسع والعشرين في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 1992. وبينما تدور إشاعات رومانسية حول وعد الأمير الشاب بأنه «سيحميها مدى الحياة» من ضغوط الوكالة الإمبراطورية، فإن الرواية القائلة بأنه أقنعها بكون المهام الرسمية التي تقوم بها الإمبراطورة أحد أنواع العمل الدبلوماسي، تبدو أقرب للصحة. ولقد شهدت مزرعة البطّ التابعة للقصر الإمبراطوري في مقاطعة تشيبا (شرقي طوكيو) عرض الزواج الذي تكلل بالنجاح، وتعدّ المزرعة منذ ذلك الوقت موقعاً رومانسياً بالنسبة لعشاق أخبار الأسرة الإمبراطورية.
في مطلع العام التالي 1993 أعلن رسمياً عن الخطوبة التي تمت في أبريل من العام ذاته. وفي التاسع من يونيو (حزيران) 1993 أقيم حفل زفاف تقليدي ياباني لولي العهد الأمير ناروهيتو وماساكو أوادا التي اكتسبت لقب صاحبة السمو الإمبراطوري ولية العهد، كما جرت تسمية زهرة من نوع الأوركيد باسمها، وفقاً للتقاليد. ويعدّ ذلك الزفاف الثالث الذي يجمع عضواً في العائلة الإمبراطورية بسيدة من العامّة، وهو تقليد لم يبدأ إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتخلي الإمبراطور هيروهيتو عن صفة الألوهية.

الضوابط الصارمة

مع حصول ماساكو على منصبها الرسمي داخل الأسرة الإمبراطورية، بدأت الضوابط الصارمة التي تحكم تصرفات العائلة الإمبراطورية تضيّق الخناق على الأميرة الشابة. وبالإضافة إلى القيود السلوكية كان هناك ضغط الحاجة لإنجاب وريث للعرش الإمبراطوري، وهو ما لم يحصل في النهاية. فبعد ثماني سنوات من الزواج وفترات طويلة من العلاج النفسي والجسدي وحمل لم يكتمل عام 1999. أنجبت الأميرة ماساكو فلذة كبدها الوحيدة الأميرة توشي (آيكو) عام 2001. ولم تنتهِ معاناة الأميرة بعد الإنجاب، بل تفاقمت لدرجة دفعت بولي العهد للتصريح علناً للصحافة عام 2004 بأن موظفي الوكالة يتصرّفون بشكل يهدف لإنكار القدرات الشخصية للأميرة، وأن ذلك قد أثر بشكل مباشر على وضعها الصحي. وعقب ذلك الإعلان، وبإصرار من ناروهيتو والأطباء المشرفين على علاج الأميرة خفّض عدد المهام الرسمية التي تشارك بها إلى ما يقارب الصفر لسنوات، وفي الآن ذاته كانت لديها الرغبة في المشاركة في الرحلات الخارجية لزوجها إلا أن وكالة القصر الإمبراطوري منعتها من ذلك أملاً في رفع فرص إنجابها لطفل آخر يؤمل أن يكون ذكراً.
وفي أواسط العقد الحالي بدأت الأميرة ماساكو بالعودة لأداء جزء من الدور المنوط بها كزوجة ولي العهد. ويبدو أن صحتها النفسية في تحسن مستمر، ولكن المقرّبين والاختصاصيين النفسيين يؤكدون أن الأمر لا يعني أنها قد تعافت تماماً، وأن على من حولها أن يتوقّعوا مرورها بموجات من التحسن والانتكاس على طريق الشفاء.

تاريخ يعيد نفسه

كثيرون من اليابانيين يرون أن التاريخ يكرر نفسه من خلال معاناة الإمبراطورة ماساكو، إذ أن الإمبراطورة السابقة ميتشيكو كانت قد مرّت بظروف مشابهة. ذلك أن ميتشيكو شودا، التي ولدت أيضاً في كنف عائلة ميسورة عالية الثقافة، كانت أول امرأة من العامة تدخل القصر الإمبراطوري بعد زواجها بولي العهد (يومذاك) أكيهيتو عام 1959.
السيدة الأنيقة التي مثلت المرأة المعاصرة، في حينه، وجدت نفسها تنهار تحت عبء الحياة الإمبراطورية وقيودها، حتى أنها فقدت القدرة على النطق لعدة أشهر في ستينيات القرن المنصرم، وتعرضت لانهيار الأعصاب عدة مرات. إلا أنها في نهاية المطاف حازت على إعجاب الكثير من اليابانيين من خلال التزامها بأداء مهماتها الرسمية، وخصوصاً، عند زيارة المناطق المنكوبة بعد الكوارث مع زوجها. كذلك عُرفت بحساسيتها الأدبية وإبداعها الشعري في نظم قصائد «واكا» التقليدية وترجمة أدب الأطفال وتأليف الكتب المصورة للناشئة. ثم إنها حققت بعض التغييرات الفعلية في الممارسات المتبعة داخل القصر، ومنها إصرارها على الإشراف الكامل على تربية أولادها بنفسها، رغم أن التقاليد تنص على أن يتولّى مختصون تربويون الإشراف اليومي على تعليم أولاد الإمبراطور.

ملفات المستقبل

قد يكون من الصعب على الإمبراطورة الحالية أن تجري تغييرات جذرية في مؤسسة ترجع تقاليدها لقرون. وربما يكون الملف الأصعب هو ملف التوريث، إذ أن العرش الإمبراطوري سيذهب بعد الإمبراطور الحالي إلى أخيه الأمير أكيشينو إن كان على قيد الحياة، أو إلى ابن أخيه الأمير هيساهيتو، نظراً لأن القواعد الحالية تمنع وصول أنثى للعرش الإمبراطوري. إلا أن ملفات أخرى قد تشهد تطورات كبيرة، وربما يكون العالم قد اطلع على نموذج من ذلك خلال زيارة الرئيس ترمب لطوكيو.
بعض المختصين بشؤون القصر الإمبراطوري يتوقعون أن تتجاوز الإمبراطورة ماساكو ما أنجزته سالفتها الإمبراطورة ميتشيكو، وأن تتبنى عدداً من القضايا بشكل مستقل عن زوجها، على رأسها قضية رفع مساهمة المرأة في المجتمع وسوق العمل الياباني، وهي مسألة تبدو عصيّة على الحل رغم السياسات المعلنة من الحكومات المتعاقبة لدعم مساواة المرأة بالرجل في الشركات والمؤسسات اليابانية.
أيضاً الإمبراطورة قد تلعب دوراً تكاملياً مع زوجها فيما يخص القضايا البيئية، إذ يعرف عن الإمبراطور أنه متخصّص أكاديمياً في شؤون المياه، وخصوصاً في عدد من مناطق العالم الثالث، أما الإمبراطورة ماساكو فقد انخرطت ضمن عملها في وزارة الخارجية في ملفات السياسة البيئية ضمن إطار علاقة اليابان بمنظمة التعاون الدولي والتنمية التي تضم 30 دولة من الأكثر تقدماً في العالم من الناحية الاقتصادية.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.