شركات صناعة السيارات الفارهة تواصل جني أرباحها الفلكية

زوار في معرض السيارات الدولي في بلغراد يعاينون سيارة {مايباخ} الفارهة (إ.ب.أ)
زوار في معرض السيارات الدولي في بلغراد يعاينون سيارة {مايباخ} الفارهة (إ.ب.أ)
TT

شركات صناعة السيارات الفارهة تواصل جني أرباحها الفلكية

زوار في معرض السيارات الدولي في بلغراد يعاينون سيارة {مايباخ} الفارهة (إ.ب.أ)
زوار في معرض السيارات الدولي في بلغراد يعاينون سيارة {مايباخ} الفارهة (إ.ب.أ)

إنها تُعدّ من أكثر السيارات أداءً في العالم، إذ إنها مزودة بمحركات ذات جودة عالية وبتقنيات للتشغيل حديثة ومتقدمة، ومع ذلك إذا كنتَ مالكاً لواحدة من هذه السيارات الفارهة، فمن غير المرجح أن تشعر حقيقة بالرغبة في قيادتها والذهاب إلى أي مكان على متنها، هذا على الأقل رأي ستيفان فينكلمان رئيس شركة السيارات الرياضية (بوغاتي)، وهو يرى أن زبائن هذه السيارة اليوم لا يستخدمونها في التنقل، وإنما هي تحقق لهم نوعاً من الوجاهة الاجتماعية.
وفي مواجهة الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها صناعة السيارات لكي تتكيَّف مع تقلص اهتمام الزبائن بشراء السيارات، فإن النوعيات الفارهة الكبرى التي ظهرت أخيراً في «معرض جنيف للسيارات»، استمرت كالمعتاد في نشاطها التجاري دون أن تبدي أي تراجع عن الاتجاهات التي سارت عليها، كما تقول «وكالة الأنباء الألمانية».
ورغم تسليط الضوء على الموضوعات البارزة في هذه الصناعة، مثل انتشار مفاهيم المشاركة في ركوب السيارات ومثل السيارات ذاتية القيادة، فإن النوعيات الفارهة مثل «بوغاتي» و«فيراري» و«مازيراتي» و«رولزرويس» وضعت في ذهنها زبائن مختلفين.
وبالنسبة للزبائن الذين لديهم القدرة المالية على شراء سيارة بسهولة يضارع سعرها قيمة منزل للأسرة، فهم يهتمون فقط بامتلاك أفضل أنواع السيارات، وهناك أخبار جيدة للمنتجين، وهي أن هذه الشريحة من الزبائن يبدو أنها تتسع وتنمو.
ويقول خبير صناعة السيارات بيتر فوس من شركة «إيرنست آند يونغ» للاستشارات المالية، إن «عدد الأثرياء الذين يريدون أن يكون بحوزتهم شيء مميز آخذ في التزايد، وهم يريدون استعراض هذا أيضاً».
وقام منظمو معرض جنيف بإحاطة ساحات السيارات الفارهة المعروضة، ومن بينها «لامبورغيني» و«بينتلي» والسيارة الروسية الفاخرة «أوروس»، بأسوار زجاجية وكأنها تُذكر الزوار عن طريق هذا الحاجز المادي بتميز المعروضات وتفردها.
وبينما يكون في إمكان الزوار التجول حول النوعيات الأخرى الأقل تميزاً من السيارات دون قيود، فإن الحواجز الزجاجية تعد بمثابة إشارة تقول إنه لا يمكن لأحد يفتح أبواب السيارات الفارهة ويجلس بداخلها ليتفحصها.
وعلى الرغم من ذلك يتزايد الطلب بشدة على هذه النوعية الفارهة من السيارات.
وعلى سبيل المثال تنتج شركة «بوغاتي» من 70 إلى 80 سيارة فقط سنوياً، ويبدأ سعر الواحدة منها من 2.5 مليون يورو (2.8 ملايين دولار) ومع ذلك تباع كلها بسرعة، وفي هذا الصدد يقول فينكلمان: «الطلب على إنتاجنا لا يتراجع».
ويوضح فينكلمان أن «سعر طراز (ديفو) من السيارة (بوغاتي) يصل إلى خمسة ملايين يورو، ويخطط مصنعنا لإنتاج 40 سيارة من هذا الطراز وتم بيعها جميعاً، بينما يرتفع سعر الطراز (فواتير نوار) ليصل إلى 16.7 ملايين يورو، كما أنتجنا مجموعة خاصة يبلغ عددها 20 سيارة يبلغ سعر الواحدة منها ثلاثة ملايين يورو، وتم بيعها كلها».
ويبدو ستيفانو دومينيكالي رئيس الشركة المنتجة للسيارة «لامبورغيني» أكثر تفاؤلاً عند الحديث عن زبائنه وطلباتهم للسيارات الفارهة.
ففي عام 2017 بيع من هذا الطراز 3815 سيارة على مستوى العالم بما قيمته 933 مليون يورو، مما يعني أن سعر السيارة في المتوسط بلغ 245 ألف يورو.
وفي عام ،2018 تم بيع 5750 سيارة من هذا الطراز، ومن المخطط إنتاج نحو 8000 سيارة خلال عام 2019، حيث تم زيادة القدرة الإنتاجية في المصنع الإيطالي إلى حد كبير.
ويقول دومينيكالي: «هناك جانب من الجيل الأصغر سناً يرى أن السيارة هي مجرد وسيلة انتقال، بينما يوجد جانب آخر يتمثل بالطبع في الطراز الرفيع من السيارات التي ننتجها، والتي يريد مشتروها أن يشعروا بالزهو لامتلاكهم هذه النوعية».
ومع ذلك وعلى الرغم من تزايد الإقبال على شرائها يرى دومينيكالي أنه يجب أن تظل السيارة «لامبوغيني» محتفظة باسمها ومكانتها الرفيعة، بما يعني أن بقاءها نادرة وباهظة الثمن هو جزء من جاذبيتها.
ويقول «إن الأمر يتعلق بالعثور على التوازن الصحيح بين النمو والتفرد، وإذا أردنا مجرد زيادة المبيعات فسيكون الأمر سهلاً».
والطلب على السيارة الرياضية الجديدة «لامبورغيني أوروس» مرتفع بشكل لا يُصدَّق، وفي هذا الصدد يقول دومينيكالي: «غير أننا لا نريد أن نقطع شوطاً إضافياً في هذا الاتجاه».
وبالمقارنة بالسيارة «بوغاتي» نجد أن مبيعات لامبورجيني كبيرة، ولغرض المقارنة رأينا أن السيارة «بورشه» احتاجت لأسبوعين لكي تبيع 8000 سيارة.
ويرى خبير صناعة السيارات فرديناند دودنهوفر أن شركات السيارات نصف الفارهة والفارهة لن تتعرض لخطر المعاناة من تراجع الاهتمام بالسيارات، بشرط مواصلتها القدرة على إثارة الرغبة في امتلاك السيارة.
ولا يريد فينكلمان رئيس شركة «بوغاتي» أن يستبعد قطعياً إمكانية أن يغير هذا الطراز وضعه بشكل مختلف قليلاً، وأن يستكشف أنواعاً أخرى من المركبات مختلفة النوعية بل ومتاحة بدرجة أكبر في السوق.
وكان مؤسس الشركة إيتوري بوغاتي ينتج كل أنواع المركبات، ويعتقد فينكلمان أيضاً أن هذا الطراز يتمتع بإمكانية التحول إلى نوعية جديدة.
ويقول: «الفرصة موجودة، وإذا كنا نريد الوجود في فئة مختلفة من المركبات فإننا بالطبع ستُتاح لنا الفرصة لإنتاج سيارات مناسبة لجميع الاستخدامات اليومية».
وربما كان هذا الرأي بمثابة دراسة تتسم بالحذر من جانب شركة «بوغاتي»، تقر فيها بأن السيارات مرتفعة الأسعار لا يمكن أن تكون وحدها على الدوام ضامناً لتحقيق الأرباح الكبيرة.
ووفقاً لما يقوله دودنهوفر، فإن نتائج مبيعات السيارات الفارهة يمكن أن تتباين من شركة لأخرى، حيث تشهد الشركات المنتجة فترات من الصعود والهبوط في الأرباح في هذه الفئة من السيارات، فبينما حققت شركة «فيراري» ربحاً يبلغ 69 ألف يورو لكل سيارة خلال النصف الأول من عام 2018، حققت شركة «بينتلي» ربحاً بلغ 17 ألف يورو عن كل سيارة خلال الفترة ذاتها.


مقالات ذات صلة

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: المستهلكون والمستوردون الأميركيون الأكبر تضرراً من «الرسوم»

يتحمل المستهلكون والمستوردون الأميركيون الجزء الأكبر من الخسائر المالية الناتجة عن الرسوم الجمركية، فيما يتأثر حجم التجارة سلباً أيضاً.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت (ألمانيا) )
تكنولوجيا قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

تكشف دراسة أن السيارات ذاتية القيادة قد تسهّل التنقل الفردي وتقلل الحاجة للمواقف، لكنها قد تزيد الازدحام وتغيّر سلوك التنقل وتخطيط المدن مستقبلاً.

نسيم رمضان (لندن)
عالم الاعمال مبيعات «فورد» ترتفع 10 % في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2025

مبيعات «فورد» ترتفع 10 % في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2025

سجّلت شركة «فورد» الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى أداء لمبيعاتها خلال عقد من الزمن، بعدما حققت نمواً سنوياً بنسبة 10 % في عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق التكنولوجيا تتقدّم لكنَّ انتباه الإنسان ليس آلة (رويترز)

تحذير: القيادة الذاتية تتجاوز قدرة البشر

السيارات ذاتية القيادة «تفرض متطلّبات نفسية غير مسبوقة على السائقين، وهي متطلّبات لسنا مستعدّين لها حالياً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (لندن)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.