لندن تتألق بروح الشباب بفضل برامج تدعم المصممين اليافعين

من منح دراسية وجوائز إلى تقديم دورات تدريبية

تانيا فارس مع ستيفاني فير وميغا ميتال مع بعض الفائزين بجائزة «فاشن تراست» (تصوير: جيمس بيليكيان)
تانيا فارس مع ستيفاني فير وميغا ميتال مع بعض الفائزين بجائزة «فاشن تراست» (تصوير: جيمس بيليكيان)
TT

لندن تتألق بروح الشباب بفضل برامج تدعم المصممين اليافعين

تانيا فارس مع ستيفاني فير وميغا ميتال مع بعض الفائزين بجائزة «فاشن تراست» (تصوير: جيمس بيليكيان)
تانيا فارس مع ستيفاني فير وميغا ميتال مع بعض الفائزين بجائزة «فاشن تراست» (تصوير: جيمس بيليكيان)

لا يختلف اثنان على أن لندن هي عاصمة تفريخ المواهب. فمنها تخرج وخرج جون غاليانو، والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو، وكريستوفر كاين، وهلم جرا من الأسماء التي تنجح دائماً في تذكير عشاق الموضة بما يتضمنه الابتكار من فنون وجنون. لهذا، ليس غريباً أن أسبوعها، وبعد أن كان الحلقة الضعيفة بين أسابيع الموضة العالمية، بنيويورك وميلانو وباريس، يتصدر الواجهة في العقد الأخير. بعد أن لمّع صورته واشتد عوده، سحب السجاد من تحت بعض هذه العواصم بسهولة. فميلانو مثلاً بدأت تشيخ بالنظر إلى أن معظم مصمميها الكبار تعدوا السبعين، إن لم نقل الثمانين، ونيويورك فقدت بريقها بعد أن طغى التجاري فيها على الفني. باريس وحدها ظلت صامدة، فقط لأنها باريس.
لندن في المقابل، وبعد أن ظلت لسنوات طويلة تواجه نظرات الاستهجان ومواقف التجاهل، ردت بالمزيد من الفنون. لكنها لم تصل إلى هذه المكانة من فراغ، فقد جاءت نتيجة أعمال جبارة يقف وراءها جنود خفاء يعملون من دون كلل ليُبقوا عليها شُعلتها متوهجة. معظم هؤلاء الجنود يعملون في مجالات المال والأعمال، أو استشاريون أو إداريون من المستوى الرفيع. القاسم المشترك بينهم حبهم للفن وللموضة، وتعاطفهم مع المصممين الشباب. من هؤلاء نذكر مثلاً تانيا فارس التي كانت وراء تأسيس «فاشن تراست»، وديزيره بولييه الرئيس التنفيذي لمجموعة «ريتايل فاليو» التي تُدير مجمعات التسوق المعروفة بالـ«آوتليت»، مثل «بيستر فيلدج» في بريطانيا، و«لافالي» في باريس، و«روكا» في إسبانيا، وهلم جرا، وتقدم برنامجاً لمدة سنة كاملة يتدربون فيها على الجانب التجاري والإداري في «بيستر فيلدج». هؤلاء يؤمنون بالموضة البريطانية، ولا يبخلون عليها بتبرعاتهم ولا بخبراتهم، وكان لهم الفضل في تدشين مؤسسات غير ربحية تجمع أموالاً طائلة تصرفها على المصممين الشباب.
فالتحدي الكبير الذي كانت تواجهه صناعة الموضة البريطانية لم يكن يوماً نقصاً في المواهب، بل في الموارد، إلى جانب عدم إلمام بعض المصممين حديثي التخرج بالجانب التجاري. ما تقوم به هذه المؤسسات أنها تُجند عقولاً فذة في هذا المجال لكي تُدربهم حتى يتمكنوا من خلق التوازن المطلوب بين الفني والتجاري.
وبعض هذه البرامج تعمل على توفير منح دراسية للمتفوقين، ممن ليست لديهم الإمكانيات لإكمال دراستهم العليا والحصول على شهادة الماجستير. وهكذا، تقيهم الحاجة إلى السؤال أو التفكير في أشياء أخرى غير الإبداع. برامج كثيرة أخرى تصب في الاتجاه نفسه؛ نذكر منها «فاشن إيست» الذي أسسته لولو كنيدي، كذلك «نيو جين»، وغيرهما. كلها تنضوي تحت مظلة منظمة الموضة البريطانية التي باتت تتمتع بشهرة عالمية، ومثالاً يُحتذى به في مجال تنمية ودعم المواهب الناشئة.
ما اكتشفته المنظمة أنه من الصعب على أي شاب يخطو أولى خطواته في مجال تصميم الأزياء أن يؤسس داراً خاصة به، ويستمر من دون دعم مادي ومعنوي. فعدد كبير منهم يتخرجون وهم شبه نجوم، إذا أخذنا بعين الاعتبار ما يتمتعون به من قدرات هائلة على الابتكار والإبداع، لكن الواقع يصدمهم بعد التخرج، ويجعلهم يرزحون تحت وطأة تكاليف الإنتاج الضخمة التي تتطلبها غالبية المتاجر، ويمكن أن تبدأ من 50 ألف جنيه إسترليني، فضلاً عن عدم خبرتهم في مجال التسويق والترويج لأنفسهم أو إدارة الأعمال.
وغالباً ما تكون السنوات الأربع أو الخمس الأولى من حياتهم المهنية هي الأكثر صعوبة، وهي التي يعاني فيها المصمم من التخبط. تانيا فارس التي ساهمت في تأسيس «فاشن تراست» الذي يخصص مبلغاً محترماً للمصممين المتألقين، عبارة عن جائزة سنوية تشمل أيضاً تدريبات وأنشطة تركز على صقل خبراتهم، تقول إنه مهما كان المصمم موهوباً، فإنه يجد صعوبة كبيرة إذا لم تكن لديه الإمكانيات اللازمة لإطلاق ماركته. وفي عام 2011، عندما أطلقت تانيا فارس مبادرة «فاشن تراست»، لم تكتفِ بالتنظير، بل بدأت فعلياً في تجنيد شخصيات تحب الموضة وتؤمن بها لجمع التبرعات. وكان لبرنامجها نتائج لا تقدر بثمن، ليس أقلها أن «روكساندا» و«إيمليا ويكستيد» و«إريدم» و«ماري كاترانزو» وغيرهم كثر تلقوا جائزة «فاشن تراست»، وكلهم يعترفون بمدى تأثيرها على مسيرتهم. فالجائزة لا تقتصر على مبلغ مالي مهم، بل تشمل أيضاً احتضانهم لمدة 3 سنوات، يتم فيها تقديم النصح والبحث عن سُبل التسويق لهم من قبل أعضاء من الوزن الثقيل، إضافة إلى معاهد الموضة في بريطانيا. وقد تم الإعلان عن أسماء المصممين الفائزين لعام 2019 مؤخراً في حفل كبير، وهم: هيليير بارتلي، وويشان زانغ، و«ماذرر أوف بيرل»، و«بايبر لندن» وشارون وشوب.
وقد استطاعت مؤسسة «فاشن تراست» منذ إطلاقها في عام 2011 جمع مبلغ 2.3 مليون جنيه إسترليني، وتقديم مكافآت شملت 42 مصمماً، سواء على هيئة منح أو إرشادات أو تعليم، وأحياناً تنجح في إيجاد منافذ لهم، ينطلقون منها إلى فضاءات واسعة. فالمستثمرون لا يترددون عندما يكون المشروع ناجحاً، حتى وإن كانت العائدات تتطلب بعض الصبر، مقارنة بالاستثمار في مجالات التجارة أو التكنولوجيا، على سبيل المثال.
أما منحة التعليم للحصول على شهادة الماجستير، فقد أطلقتها منظمة الموضة البريطانية في عام 1998، وتلتها جوائز لدعم طلبة البكالوريوس في عام 2015. وفي العام الماضي فقط، ازداد عدد المنح الدراسية من 11 إلى 21، مما يزيد قيمة الالتزامات المالية للمنظمة من 127 ألف جنيه إسترليني إلى أكثر من 200 ألف جنيه إسترليني، أي بزيادة نسبتها 60 في المائة، مقارنة بالعام الماضي.
وتتزايد أهمية البرنامج سنة بعد أخرى، وتنوي المنظمة تقويته أكثر بزيادة الوعي بأهمية التعليم من جهة، وجمع المزيد من التبرعات من جهة ثانية. وفي العام الماضي، التحق المصمم إريديم موراليغلو بالبرنامج كممول، ليعبر عن امتنانه له كونه تمتع بمنحة منه عندما كان في بداية حياته، قائلاً: «لقد كنت محظوظاً عندما فُزت بالمنحة الدراسية، وكنت طالباً في (رويال كوليدج أوف آرت). الآن، أعرف أكثر من أي وقت مضى أهمية هذه المنحة بالنسبة لأي طالب مبتدئ». المشكلة التي يواجهها طلبة اليوم أن تكاليف الدراسة ترتفع بشكل يعيق كثيراً منهم عن تكملة الطريق، وهذا ما تطمح منظمة الموضة وكل من وراء البرنامج لمكافحته، وهذا أيضاً ما يجعل لندن تغلي وتفور بالشباب.


مقالات ذات صلة

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.