اتهامات للحوثيين إثر تفاقم الأمراض النفسية بمناطق سيطرتهم

مسؤول أمني في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: معدل الجريمة ارتفع 68 % منذ الانقلاب

يمنيون يفرشون الأرض في شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
يمنيون يفرشون الأرض في شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

اتهامات للحوثيين إثر تفاقم الأمراض النفسية بمناطق سيطرتهم

يمنيون يفرشون الأرض في شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
يمنيون يفرشون الأرض في شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

منذ انقلاب الميليشيات الحوثية على الشرعية في اليمن واجتياحها صنعاء ومدنا أخرى وبسط نفوذها على مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، تعرض العامل النفسي لكثير من اليمنيين لانتكاسة كبيرة، وأصيب جراء ذلك معظم السكان بأمراض نفسية تكاد تكون مستعصية.
وتحدث سكان محليون بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن انتشار غير مسبوق في الوقت الحالي لعدد من المرضى النفسيين في شوارع وأزقة وأحياء العاصمة ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الانقلابيين.
وأكدوا تنامي هذه الظاهرة على نحو لافت خلال الأربعة أعوام الأخيرة (أي فترة الانقلاب الحوثية)، مع استمرار وتيرة الحرب التي شنتها وتشنها الميليشيات على مختلف المدن اليمنية، والتي أنتجت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حسب توصيفات أممية سابقة. ويتوزع معظم المرضى النفسيين، وفق معلومات رسمية، في المدن الأكثر كثافة سكانية والأشد فقراً، كالعاصمة صنعاء ومحافظات تعز والحديدة وإب وذمار الخاضعة جميعها لسيطرة الحوثيين. ويفترش مئات الآلاف من اليمنيين «إن لم يكونوا ملايين» المصابين باضطرابات نفسية بينهم أطفال ونساء، أرصفة الشوارع في صنعاء ومدن يمنية أخرى، في حين يلجأ بعضهم للتسول، ويقتات البعض الآخر من القمامات.
وفاقمت الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع معدلات الفقر وانعدام الرواتب وفرص العمل من تدهور كبير في الصحة النفسية لدى غالبية اليمنيين، في وقت تؤكد فيه إحصائيات محلية عن وجود أكثر من 5 ملايين يمني مصاب حاليا باضطرابات نفسية.
ويروي «ع.خ.م»، أحد سكان صنعاء، قصة شقيقه الأكبر، الذي فقد عقله منتصف عام 2015 بعد أن أقصته الميليشيات الحوثية من عمله وصادرت كل حقوقه لمجرد اختلافه البسيط معهم ومعارضته لسياساتهم التدميرية داخل مؤسسة حكومية يعمل فيها منذ 30 عاما.
ويشير إلى طرد الميليشيات لشقيقه من عمله بالمؤسسة بصنعاء وقطع راتبه واستبداله به شخصاً آخر مؤهله العلمي الوحيد «الانتماء للميليشيات».
ويضيف: «منذ طرده لم يعد أخي ذلك الرجل المرح والبشوش الذي أعرفه وتعرفه بقية أفراد أسرته، خصوصاً زوجته وأبناءه الستة، بل تحول إلى شخص آخر غريب الأطوار كثير التفكير مليء بالهموم والأحزان والأوجاع، وكأنه يتحسر على سنوات عمره التي أفناها مخلصاً بعمله الإداري في المؤسسة التي ذهبت أدراج الرياح بسبب تصرفات أولئك الحمقى الذين لا يعرفون ذمة ولا رحمة ولا مبادئ ولا أخلاق ولا حتى ديناً أو عُرفاً».
ويؤكد «ع.خ.م» لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الجماعة وبمجرد اختلافك البسيط معها أو انتقادك لسياساتها الخاطئة تمحوك بجبروتها الأعمى من الوجود، إما بقتلك أو بمصادرة رزقك وقوت أولادك. ويتساءل: «أي قلوب يحملها هؤلاء؟ وما التربة الخبيثة التي أنبتتهم»؟
ويختتم حديثة قائلاً: «نحن حزينون لأننا نشاهده يتألم ويتشرد بعيدا عن المنزل لأسابيع وشهور ونعجز عن مساعدته، حتى بعض الأدوية نعجز اليوم أيضاً عن شرائها له».
وبدوره، يتحدث مواطن آخر من صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «في السابق كان هناك مثل شعبي يقول: (لا تبكِ على من مات وابكِ على من طار عقله)». اليوم تغير الحال، ولم يعد هذا المثل قائماً، فقد ارتاح من المآسي والهموم والقهر التي خلفتها الميليشيات الحوثية، كل يمني فقد عقله.
ووفق تقارير أممية، فقد احتل اليمن مراتب خطيرة من حيث ارتفاع نسبة الفقر والمجاعة، حيث أصبح نصف سكان اليمن تحت خط الفقر والعوز والمرض وعلى بُعد خطوات من المجاعة.
وشهد الوضع اليمني منذ 4 سنوات من الانقلاب بشكل عام تردياً كبيراً وصل إلى ذروته، وجلبت تلك السنوات العجاف بآثارها السلبية البالغة مختلف أنواع المآسي والآلام والدمار والأمراض النفسية لليمنيين على حد سواء.
ويقول أحد المتابعين إنه لم يكن ضحايا الانقلاب والحرب من المدنيين قتلى أو جرحى فقط، بل كان للحرب ضحايا آخرون لم يعرفهم المجتمع على حقيقتهم، كما لم تتطرق لهم ولمعاناتهم مختلف وسائل الإعلام.
ويضيف أن المرضى النفسيين في اليمن ضحايا الانقلاب الحوثي والحرب وتبعاتها السلبية.
من جانبه، يرى طبيب نفسي بصنعاء هو الآخر أن الأوضاع الحاصلة في البلاد بالوقت الحالي تُعد سبباً رئيساً في ازدياد مرضى الحالات النفسية في اليمن.
ويفصح الطبيب (الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه) لـ«الشرق الأوسط»، عن أسباب عدة تقف وراء إصابة كثير من اليمنيين بأمراض واضطرابات نفسية.
ويقول إن أكثر الأسباب التي أثرت على المرضى نفسياً الذين يتوافدون يومياً إلى عيادته بصنعاء، تتمثل بعدم قدرتهم على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة المعيشية لأسرهم، يتلوه فقدانهم لرواتبهم وأعمالهم، وعدم الحصول على فرص عمل أخرى بديلة، ثم في المرتبة الثالثة عدم قدرة البعض من الشباب على الزواج وتحقيق الاستقرار، بالإضافة إلى أسباب أخرى، كما يضيف الطبيب، كالخوف وعدم الأمن والاستقرار ومشكلات وخلافات أسرية.
ويوجد في اليمن بحسب معلومات رسمية 3 مصحات نفسية، إلى جانب مستشفى واحد متخصص بالطب والعلاج النفسي في صنعاء، بينما يوجد أقل من 50 طبيباً فقط موزعين على عموم مناطق اليمن، ناهيك بغياب أقسام متخصصة بالطب النفسي بالمنشآت الصحية اليمنية، ولم يرُق للميليشيات الإرهابية (رغم قلة عددها) أن تبقي عليها، بل سعت إلى القضاء بسياساتها التدميرية على البعض منها، واقتحمت البعض الآخر، كما حصل في اقتحامها منتصف عام 2017 للمصحات النفسية في كل من إب وتعز وحولتهما إلى سجون خاصة بها.
ويعاني القطاع الصحي في اليمن بشكل عام من وضع متدهور وخطير، نتيجة الانقلاب الحوثي، وأدى ذلك إلى غياب شبه كامل للخدمات الصحية بما فيها خدمات الصحة النفسية، ويقول آخر مسح نفذته منظمة الصحة العالمية إن من بين 3507 منشآت صحية في اليمن تغيب فيها الخدمات المتعلقة بالأمراض النفسية ولا تتوافر إلا بنسب ضئيلة.
وفي الوقت الذي تقدر فيه معلومات وأرقام محلية وجود تزايد كبير بأعداد المرضى النفسيين، يعزي مسؤولون وأطباء ذلك إلى الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي عصفت باليمنيين جراء الانقلاب.
ويعد المسؤولون والأطباء في أحاديثهم المتفرقة لـ«الشرق الأوسط»، أن البيئة الصعبة التي يعيشون فيها ووجود كثير منهم في أقسام سجون مركزية وفي مصحات تفتقر، بسبب الانقلاب الحوثي، إلى أبسط التجهيزات والأدوية اللازمة في صنعاء والمدن، تُعدّ من بين الأسباب الرئيسية التي عملت على تزايد أعداد المرضى النفسيين في اليمن.
وأضافوا أن «عدم وجود أماكن متخصصة لعلاجهم والظروف المادية الصعبة التي تعيشها أسر المرضى وعدم قدرتهم دفع تكاليف العلاج شكلت أيضاً أسباباً أخرى في تنامي هذا الظاهرة في أوساط المجتمع».
وبينما يؤكد «مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية» أن أعداداً كبيرة لا يُستهان بها من اليمنيين تعاني اليوم من التبعات السلبية النفسية والاجتماعية والعاطفية التي خلّفتها الحرب على مدى 4 سنوات. يكشف مسؤول هو الآخر بمنشأة للطب النفسي بصنعاء عن ارتفاع كبير في أعداد المرضى النفسيين بالمقارنة مع فترة ما قبل الانقلاب الحوثي على السلطة في اليمن.
ويقول المسؤول (فضل عدم ذكر اسمه) لـ«الشرق الأوسط»: «يومياً نسجل ما بين 20 إلى 40 حالة جديدة من غير المرضى الموجودين لدينا بالمنشأة، الذين يتلقون العلاج النفسي بشكل مستمر».
ويشير إلى أن المنشأة ورغم إمكانياتها البسيطة تواجه بشكل يومي ازدحاماً شديداً في أعداد المرضى النفسيين، الأمر الذي اضطرهم لتأجيل علاج بعض الحالات.
ويضيف: «رغم ما نعانيه من ضغوط وإهمال ولا مبالاة، لكننا نقوم ولو بالحد الأدنى من دورنا بعلاج المرضى الذين قد يتحولون في يوم ما، وإذا لم تقدم لهم الرعاية الطبية والنفسية الكاملة، إما لمجرمين أو ضحايا إجرام أو يقدموا على عملية الانتحار».
وكانت إحصائية رسمية سابقة أفادت عام 2011م (وقبل اقتحام الحوثيين صنعاء في 2014) بوجود نحو 1.5 مليون مريض نفسي في اليمن، بينهم 500 ألف مريض ذهني. في حين كشفت دراسة محلية حديثة أعدتها مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري عن أن عدد المتضررين نفسياً بسبب الحرب التي أشعلتها الجماعة الانقلابية يقدر بـ5 ملايين و455 ألفاً و347 شخصاً من الجنسين ومن مختلف الفئات العمرية.
وتؤكد الدراسة (التي حصلت الشرق الأوسط على نسخة منها) أن 195 شخصاً من كل ألف يمني يعانون من ضغوط واضطرابات نفسية حادة. وقالت إن المرضى بحاجة ماسّة إلى رعاية صحية ونفسية متخصصة وعاجلة. وحذرت في الوقت ذاته من أن هذه النسبة تفوق المعدلات الطبيعية بأضعاف، وتنذر بكارثة مجتمعية.
وتقول المؤسسة في دراستها إن كثيراً من السكان يعانون على الأرجح من التبعات النفسية والاجتماعية. وتضيف أن «السبب الرئيسي في ازدياد أعداد المرضى النفسيين يعود إلى دخول اليمن بدوامة الحرب باعتبارها المتغير الوحيد الذي طرأ على البلاد، مما أدى إلى نزوح أكثر من 3 ملايين شخص من منازلهم، أي ما يقارب 11 في المائة، من مجموع السكان، إضافة إلى تدهور الحالة المعيشية للسكان بعد انقطاع الرواتب وانعدام فرص العمل وارتفاع نسب البطالة ومعدلات الفقر إلى 80 في المائة.
وأثر الانقلاب الحوثي بتداعياته المختلفة على السكان المحليين بشكل عام، وظهر بعض من اليمنيين غير قادر على تحمل تبعات الانقلاب وويلاته، الأمر الذي أدى، وفق مراقبين، إلى إصابة كثير منهم بأمراض نفسية تكاد تكون مزمنة.
وحذر المراقبون من استمرار ارتفاع نسب المرضى النفسيين في اليمن ومن مغبة تجاهل المرضى الحاليين الذين تزداد أعدادهم بشكل يومي.
وأكدوا أن عدم الوقوف بجدية تجاه هذه الظاهر الخطيرة قد يُحدث انتكاسة كبيرة لكيان المجتمع اليمني ما يزيد من ارتفاع نسبة الجريمة وحالات الانتحار وغيرها من التصرفات السلبية والخاطئة في اليمن.
وتصاعدت حالات الانتحار في اليمن على نحو لافت خلال الفترة الأخيرة، نتيجة ضغوط نفسية وظروف معيشية قاسية يعيشها السكان، وأفرزتها الجماعة الحوثية منذ عملية انقلابها. وبينما يفتقر اليمن لإحصائيات حديثة حول هذه الظاهرة، فإن مسؤولاً سابقاً بوزارة الداخلية (الخاضعة لسيطرة الانقلابيين) أكد لـ«الشرق الأوسط» أنهم كانوا يستقبلون قبل انقلاب الميليشيات، تقريباً من 20 إلى 40 حالة انتحار سنويّاً. وتوقع المسؤول الأمني (تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته)، ارتفاع الأرقام أضعافاً مضاعفة في ظل الحرب الدائرة، اليوم، التي تسببت بواحدة من أكبر الكوارث الإنسانية على مستوى العالم.
وبدورهم، يؤكد خبراء آخرون في الصحة النفسية بصنعاء ارتفاع معدلات الانتحار بالعاصمة صنعاء فقط بنسبة 40.5 في المائة بين 2014 و2015م، في حين أكدت تقارير إعلامية أخرى تسجيل نحو 48 حالة انتحار خلال عام 2018م، وكان أغلب ضحاياها أناساً فقدوا رواتبهم ومصادر رزقهم وأعمالهم.
وفاقمت عملية الانقلاب الحوثية من حالات المرضى النفسيين في اليمن، الأمر الذي زاد أيضاً من ارتفاع نسبة الجريمة في صنعاء وغيرها من مناطق سيطرة الانقلابيين.
وبحسب المسؤول الأمني، فقد ارتفع معدل الجريمة في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين خلال الأربعة الأعوام الماضية إلى نحو 68 في المائة.
وكشفت معلومات أمنية أخرى لـ«الشرق الأوسط»، عن تسجيل أزيد من 39 ألف جريمة العام الماضي، ونحو 350 جريمة منذ مطلع العام الحالي جميعها في مناطق سيطرة الانقلابيين.
وأشارت المعلومات إلى أن جرائم القتل بدافع السرقة وسرقة منازل وسيارات ودراجات نارية تصدرت قائمة الجرائم، فيما توزعت البقية ما بين قطع طرق، واغتصاب، وخطف، وتجارة مخدرات، وتهريب أدوية ومواد غذائية منتهية، ومبيدات زراعية سامة، ووقود وغاز منزلي.


مقالات ذات صلة

تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».