«الشرق الأوسط» في مهرجان «كان» (10): في ليلة توزيع الجوائز... من سيتسلم «السعفة الذهبية»؟

«مكتوب، حبي- مداخلة» لعبد اللطيف كشيش
«مكتوب، حبي- مداخلة» لعبد اللطيف كشيش
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان «كان» (10): في ليلة توزيع الجوائز... من سيتسلم «السعفة الذهبية»؟

«مكتوب، حبي- مداخلة» لعبد اللطيف كشيش
«مكتوب، حبي- مداخلة» لعبد اللطيف كشيش

مع اقتراب ساعة الحسم، وإعلان جوائز الدورة الثانية والسبعين لمهرجان «كان»، الليلة (السبت)، تزداد التكهنات حول مَن سيفوز بـ«السعفة» ومن سيفوز بسواها.
ولأسباب ذكرناها سابقاً، فإن لجنة تحكيم مؤلفة من ستة مخرجين وثلاثة سينمائيين آخرين لن يكون في وسعها الوصول إلى القرارات سريعاً. هذا بالطبع مع تعدد التوجهات التي ينطلق منها كل عضو.
لكن إذا كانت السياسة هدفاً فإن المخرج كن لوتش سيكون سعيداً لأن يدعي أن فيلمه «آسف... افتقدناك» هو ما يملأ هذه الخانة، وهو أفضل من فيلم الأخوين داردان «الشاب أحمد».
أما إذا ما كانت البوصلة ستتوجه عاطفياً وتقديرياً لفيلم يقدمه مخرج سبق له أن شارك كثيراً ولم يفز بالسعفة (بل بأقل منها أحيانا)، فإن بدرو المودوفار هو السينمائي النموذجي رغم أن «ألم ومجد» ليس أفضل أفلامه.
هناك بالطبع احتمال أن يصوّت المحلّفون، بعد تذويب الخلافات المتوقعة (والطبيعية) لفيلم ترنس مالك «حياة خفية»، خصوصاً إذا ما روعي أن على الجائزة أن تذهب لأفضل فيلم متكامل. لن ينافسه فعلياً في هذا الاعتبار سوى الفيلم الكوري «بارازيت» لبونغ جو - هون.
يبقى ما يُشاع من أن الأميركي كونتِن تارانتينو اشترط على إدارة المهرجان الحصول على الجائزة الأولى وليس سواها، وهي إشاعة سادت في مطلع المهرجان ثم ترددت في أيامه الأخيرة لكن لا مكان لاحتمالاتها، لأن المهرجان لا يستطيع أن يضمن خط سير المداولات ولا يتدخل في قراراتها.
إذا ما أراد تارانتينو السعفة فعليه أن يضمن إعجاب رئيس لجنة التحكيم أليخاندرو غونزاليز إيناريتو بفيلمه، كذلك معظم المخرجين الآخرين الذين لا يكترثون كم دقيقة وقف الحضور للتصفيق لفيلم تارنتينو «ذات مرة في هوليوود».

اعتبارات أوسكارية
لكن احتمال فوز «ذات مرة في هوليوود» (Once Upon a Time‪…‬ in Hollywood) ليس معدوماً، وإن كان بحاجة إلى الكثير من الهضم قبل أن يقبل المرء به.
على هذا الأساس، قد يكون من الأسهل الحديث عن الأفلام التي لن تحصل على «السعفة الذهبية» (إلا بمفاجأة ستكون غير مفهومة الدوافع على الإطلاق) وهي كثيرة.
هناك فيلم عبد اللطيف كشيش الجديد «مكتوب، حبي: مداخلة» (Mektoube‪,‬ My Love‪ - ‬ Intermezzo) الذي ساد عنه صيت سلبي حتى من قبل عرضه الرسمي مساء الخميس.
وهناك فيلم الإيطالي ماركو بيلوكيو «الخائن» الذي هو أقرب إلى فيلم تلفزيوني طويل، لجانب أن سرده هو العائق الرئيسي في قبوله، إذ ينتقل بين الأزمنة بلا سبب كافٍ، ويمضي ردحاً طويلاً من الوقت في المحاكم التي نظرت في قضية المافيا الصقلية في التسعينات. «فرانكي» لإيرا ساكس (فرنسا)، و«بورتريه لسيدة على نار» لسيلين شياما (فرنسا أيضاً)، يبدوان خارج المعادلة تلقائياً ومعهما الفيلم المقدّم من مخرج الكندي إكزافييه دولان الذي، وبعد أربع سنوات من اشتراكه لأول مرة في سباق «كان»، لا يزال لا يعرف كيف يرتقي. فيلمه «ماثياس ومكسيم» هو بإجماع كثيرين أحد أسوأ ما ظهر على شاشة المهرجان هذا العام.
هناك أفلام أخرى ستشهد المصير نفسه، لكن من غير المعروف كيف سيكون استقبال النقاد لفيلم إيليا سليمان الجديد «لا بد أنها الجنة». لقد عرض مسبقاً للجنة التحكيم وعرضه الصحافي الرسمي هو بعد ظهر هذا اليوم، لذلك من المبهم قليلاً ما قد يأتي به الفيلم من جديد.
بالعادة، قلّما احتفت النتائج النهائية بأفلام بُرمجت في اليومين الأخيرين من المهرجان. لا أفهم السبب، لكن ذلك يحدث كثيراً ليس في «كان» فقط بل في رفيقي دربه برلين وفنيسيا. كذلك لن يكون حال الفيلم الأفريقي - الفرنسي «أتلانتيك» لماتي ديوب أفضل من هذه القائمة وهو عرض في الأسبوع الأول من المهرجان.
لكن كل هذه الاعتبارات، إيجاباً أو سلباً، تدخل أنبوب التجربة حتى اللحظات الأخيرة. ما يشغل بال بعض الحاضرين هنا هو أي من الأفلام سيبقى حياً لمدة كافية ليدخل سباق الأوسكار في العام المقبل.
السؤال طرح من دون داعٍ حقيقي من قِبل بعض النقاد الذين رغبوا في أن يكونوا في عداد أوائل من يبدأ بطرح أسئلة حول شاكلة سباق أفضل فيلم أجنبي (سيتم تغيير الاسم إلى «أفضل فيلم عالمي» بدءاً من دورة الأوسكار المقبلة).
لكن حتى مبدأ التجاوب مع مثل هذا النظر البعيد لمستقبل ما زال من المبكر جداً البحث فيه لا يفي بغاية الترويج لأفلام «كان» على أساس أن أحدها سيخرج فائزاً بالأوسكار. طبعاً هناك أفلام من «كان» تم ترشيحها (من بينها فيلم نادين لبكي «كفرناحوم») لكن لم يفز فيلم من «كان» بأوسكار أفضل فيلم أجنبي منذ 54 سنة، عندما قدم دلبرت مان فيلمه «مارتي».
للحقيقة، فإن فيلم رومان بولانسكي «عازف البيانو» عرض في دورة كان سنة 2002 ثم فاز بثلاثة أوسكارات هي أفضل مخرج وأفضل ممثل (أدريان برودي) وأفضل سيناريو مقتبس (رونالد هروود). لكن ذلك الفيلم لم يكن «أجنبياً» بل ناطق بالإنجليزية، وهو لم ينل أوسكار أفضل فيلم بل ذهب التمثال الذهبي إلى «شيكاغو» لروب مارشال.
رغم كل ذلك لا يجب أن يشغل بال أحد أيّ مِن أفلام «كان» سيخطو إلى ربوع الأوسكار، لكن هذا ما يقع بالفعل، بل ما بدا أنه يشغل بال إدارة المهرجان عندما أشارت في أحد تصريحاتها إلى أن أربعة من أفلامها في العام الماضي وصلت إلى ترشيحات الأوسكار الرسمية (تحديداً «حرب باردة» و«النشالون» و«كفرناحوم» في المسابقة الأجنبية و«بلاككلانكسمان» في المسابقة الأولى). مع ذلك يبقى أن الفيلم الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي كان «روما» الذي عرضه مهرجان فينيسيا.

طموحات عربية ذات ثمن
هذا العام، وإذا ما أردنا مجاراة التوقعات التي بدأت تغلي على نار غير هادئة، فإنه من المقبول توقع وصول فيلم «روكتمان» إلى سدة المنافسات الرئيسية أسوة بفيلم «بوهيميان رابسودي» الذي أنجز الترشيح الرسمي. كونتِن تارنتينو يطمح لأن يدخل بفيلمه «ذات مرة في هوليوود» سباق الأوسكار كذلك أي فيلم سيتسلم «السعفة الذهبية» سواء أكان ناطقاً بالإنجليزية أو سواها.
سواء تحققت أي من هذه التوقعات، سواء بالنسبة لجوائز الدورة الحالية من مهرجان «كان» أو بالنسبة للأوسكار بعد تسعة أشهر من الآن، فإن هذا الخليط من الآراء والنتائج يخدم صناعة سينمائية نشطة تمتد بالعرض والطول لتشمل معظم مناطق العالم حتى المنطقة العربية منها.
لكن المسألة تختلف عندنا عن كثير من دول العالم.
الفيلم اللاتيني، على سبيل المثال، لديه سوق تشمل أكثر من ست دول لاتينية على نحو دائم. اللغة مشتركة والهموم عادة كذلك كما الثقافة الواحدة.
الفيلم الفرنسي يغزو باطراد دولاً عدة لا تنطق بالفرنسية لكنها تفتح شاشاتها لبعض إنتاجاتها المطلوبة.
السينمات الأوروبية المختلفة تفتح حدودها على بعضها، لتشكل سوقاً كبيرة تموّل نفسها بنفسها.
لكن الأمر نفسه لا يمكن أن يقال عن سينما عربية لا تعرض أفلامها إلا في الداخل المحلي لكل بلد (إذا ما تسنى لها ذلك)، أو في بعض المحطات العالمية، مثل مهرجانات برلين وكان وفينيسيا وتورنتو. نعم، بعض هذه الأفلام تجد نشاطاً دولياً، وفيلم نادين لبكي آخر دليل على ذلك، وقبله الفيلم السعودي «وجدة» لهيفاء المنصور، لكن هذا يبدو مثل براعم ربيع متباعدة في حقل تسوده الأعشاب اليابسة. وإخفاق الدول العربية بتنشيط الأفلام المصنوعة داخلها ثم إخفاق تبادل هذه الأفلام في سوق واسعة من حيث المبدأ يجعل معظم ما يرى نور العرض في المناسبات الدولية تكملة عددية تجلب بعض المسرات، لكنها تبقي الحياة السينمائية في بلدانها على حالها.
المنتج التونسي توفيق قيقة يضع النقاط على الحروف عندما يجيب عن تساؤلاتنا حول واقع السينما العربية حالياً، فيقول: «لا يزال على وضعه السابق. نعم، هناك أفلام تخرج للعروض الدولية في بعض المهرجانات، لكن دورها يتوقف أساساً عند هذا الحد. لكن الشيء الأخطر هو أن الأفلام التي تنجز أكثر من غيرها يتم صنعها بتمويل غربي، وهذا التمويل يشمل على نحو سائد تحقيق الفيلم الذي يود الغربيون مشاهدته، وليس العرب».
لسنوات كثيرة دار الحديث حول شروط تضعها شركات الإنتاج الغربية على المخرجين العرب الطامحين لتأمين ميزانيات الأفلام التي يودون تحقيقها من تلك الشركات. يذهب البعض إلى التأكيد على أن تلك الشركات تفرض وجود صور نمطية معينة حيال العرب وقضايا الإسلام حتى من قبل وصول هذه القضايا لما نعايشه اليوم.
لكن الواقع هو أن العلاقة لا تتم على أساس وضع شروط، بل تلبية تلقائية لما هو مرغوب. وهذه التلبية تتم على نحو متفاهم عليه. لذلك نجد أن الأفلام التي تتعامل وقضايا المرأة العربية وتلك التي تتعامل و«الإرهاب الإسلامي» والأخرى التي تبحث في الحروب العربية في ارتفاع ملحوظ. في العام الماضي وحده شاهدنا، بين المتوفر كأفلام تسجيلية وروائية، عدة أفلام تتعرض لهذا الموضوع أو ذاك وكلها من إنتاجات يسهل توزيعها غرباً، من بينها على سبيل الذكر: «أمل» لمحمد صيام، و«عن الآباء والأبناء» لطلال ديركي، و«بلا وطن» لنرجس النجار، و«ريح رباني» لمرزاق علواش، و«صوفيا» لمريم بن مبارك، و«جسد غريب» لرجا عماري، و«زينب تكره الثلج» لكوثر بن عطية، وأفلام أخرى كثيرة.
ليس أن السينما العربية تخلو من أفلام جيدة تستحق الاهتمامين الغربي والعربي على حد سواء، لكنها إنتاجات تعتمد على الداخل من ناحية ولا تحاول أن تبيع القضايا لمن يدفع فيها.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».