هل طلب الشعر الخُلْع من أمته؟

محمود درويش في أمسية شعرية
محمود درويش في أمسية شعرية
TT

هل طلب الشعر الخُلْع من أمته؟

محمود درويش في أمسية شعرية
محمود درويش في أمسية شعرية

أنت أيضاً قد يراودك السؤال الملح وأنت تعاين ما آل إليه حال الشعر والشعراء في زمن العرب هذا، زمن التكفير والحروب والفقر، عندما ترى أنه لم يعد في هذا الكون الشعري العربي المأزوم، واحد من الشعراء يستطيع أن يملأ القاعة أو حتى نصفها أو ربعها بالحضور المتعطش لسماع الشعر. يشتاق الشاعر أن يمر بين الموت والموت، بين فتوى وفتوى، أن يخرج من عزلته التأملية وطقوسه الكتابية إلى الناس، فيقرأ شعره على الملأ، كما كان يفعل محمود درويش مثلاً أمام جماهير لا تسعها مدرجات ملعب رياضي، ومثله نزار قباني وهو يلهب قلوب العذارى يَسلُلْن من تحت مخداتهن قصائده النائمة بين أغلفة من الورد والذكريات، ويلتحقن في أجمل زينتهن مسرعات شغوفات لرؤيته ولقراءته بالصوت والصورة.
أين الشعراء أينهم، أين هي تلك الفصيلة من العصافير المهددة بالانقراض... من سيخرج اللفظ من دلالته الحقيقية نحو المجاز على رأي ابن رشد؟
ما بال الشعر وقد هجر العرب؟
هل تم الخلع بينهما؟
وماذا سيفعل العرب بالمعلقات السبع أو العشر، لا يهم العدد... وماذا سيفعلون بقوانين الخليل بن أحمد الفراهيدي وببحوره التي تجاوز عددها عدد بحور الأرض، وسُلّم «السولفاج» المقدس الذي ورّثنا إياه ودق أطرافه بالحديد، ليتبعه الشعراء العرب إلى نهاية الأرض ونفاد الخليقة والخزينة، ومن دونه ودون شروطه فلا شعر ولا شعراء. ولا يفلح المتأخرون فيما لم يفلح فيه القدماء.
ما العمل إذن؟ هل العرب يفقدون ديوانهم كما فقدوا حروبهم جميعها؟ يا للخسارة. لم ينتعش قلب الشعر ولم يدق على الرغم من الأموال الغزيرة المصبوبة في برامج مرئية ومسموعة لإعادة إحياء الروح فيه، من يحييه وهو رميم اللغة؟
هل هو الشعر الذي مات في العرب، أم أن العرب هم الذين ماتوا في قلب الشعر. فلم يعد ينبض بهم، ولا لهم، ولا على إيقاعات بحورهم، ولا على حداء إبلهم؟
ثم لماذا يفتن الشعر وتجذب أصوات «سيرينات» هوميروس العجيبة مئات العشاق في العالم نحو أماسي قراءات الشعراء بأميركا اللاتينية مثلاً، فيدفع القادم إلى «الحفل الشعري» ثمن تذكرة الحصول على مقعده بين ألفي سامع وأكثر، يدفعون سعر تذاكر حضورهم للتمتع ببهجة الشعر. ولماذا تكتظ ساحة المبنى الأثري الكبير وسط مايوركا، وتنتقل الأسر مساء بكبارها وصغارها، نسائها ورجالها، ليستمعوا إلى إلقاء الشعراء قصائدهم وبلغات عدة. ولماذا تتبرك مدينة لوركا بإسبانيا بالشاعر فريديريكو غارثيا لوركا الذي تحمل اسمه أمام العالمين وتتباهى به، لك السلام يا بلاد سرفانتيس وابن زيدون.
هو السؤال يحفر فينا أخدوده فيترك جرحه الثقافي ندوباً واضحة: هل في أمة الشعر هذه، الممتدة من الماء إلى الماء، بعربها وكردها وبربرها، مدينة واحدة تحمل اسم شاعر، وهم كثر من امرئ القيس إلى أدونيس مروراً بالجواهري والأخطل الصغير والبردوني ونازك الملائكة ومالك حداد وكاتب ياسين.
وها هم عشاق الشعر ببرلين أنفسهم، لا يخطئون مواعيدهم نكاية في دموية هتلر وتطبيقاً لمقولة فيلسوفهم، فيلسوفنا جميعاً، هيدغر الذي قال إن الشعر يساعد على الانفتاح على الوجود. ويشبه الألمانَ السويسريون، فعلى الرغم من قلة ساعات الشمس وضوء النهار إلا أنهم يحبون الشعر. ففي مدينة بيرن ينجذبون نحو قارئي الشعر ومبدعيه بقدر شغفهم بضيفهم الاستثنائي، نزيل سويسرا، الفيزيائي ألبير أينشتاين، حيث يجلس كمانه شاهداً عليه، وبأبهة سامقة في المتحف المركزي.
ما الأمر إذن... لماذا يهجر الشعر من كانوا يعتبرونه ديوانهم قبل الآخرين. وهل الشعر أيضاً يختار أهله بحرية في زمن الديمقراطية والحرية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. هل لأنه يهوى التجريب ولا يتجاوب مع السكون، ويتمرد على الجمود الذي يكتنف نظام الأشياء. ألأنه ينفر من المستهلك، وينتعش لكل ما هو جديد كالحياة؟
كثيرة هي الأسئلة وكثيرة هي احتمالات الأجوبة. والحال هو الحال.
تذهب لتلبي دعوة شاعر صديق... الحق يقال إن الحملة الدعائية للأمسية لا عطب فيها... فقد أعلنوا عنها في خط الأخبار السريع أسفل الشاشة على بعض القنوات التلفزيونية، وفيما تبقى من الجرائد الورقية التي أصبحت تقرأ بخجل. ثم إن الشعراء المبرمجين للقراءة، أصدقاءنا من عشيرة اللغة، لم يقصروا أبداً في الإعلان عن موعد أمسيتهم بين أصدقائهم، عبر هواتفهم وعلى حيطان حساباتهم الإلكترونية في «فيسبوك» و«تويتر» وغيرها.
الحق يقال... لم يقصروا في الإعلان عن الأمسية الشعرية لمدة سبعة أيام قبل تاريخ موعدها، وبسبع طرق مختلفة، بحيث إن كل يوم يتفنن كل واحد منهم في نشر الخبر بطريقة يراها أكثر نجاعة مرفقة بصورة منتقاة بحذر.
وتأتي الساعة الحاسمة، وتدخل القاعة تلبية لدعوة الصديق الشاعر، فتجد نفسك أمام مشهد لم يعد غريباً. على المنصة سبعة شعراء يصطفون بكل أدب وبثقة منقطعة النظير، يقرأون الواحد تلو الآخر طوال القصائد وقصارها، بصوت عالي النبرات، وحركات غاية في المبالغة المسرحية، لتبليغ بلاغة المعنى، ويموسقون أواخر الكلمات وأواسطها. كل ذلك في قاعة خالية اللّهم إلا من سبعة شعراء آخرين هم الجمهور، جالسين في الصف الأول من القاعة قبالتهم، يقبض كل منهم على حزمة أوراق، ينتظرون على أحر من الجمر دورهم التاريخي للصعود إلى المنصة، حينما يكمل السبعة الغلاظ هؤلاء دورهم في القراءة، سيصعد الشعراء السبعة بعد أن تنزل الجماهير السبعة الذين كانوا الشعراء السبعة، وكل من الشعراء السبعة، والجماهير السبعة، يتوعد الآخر أن يعلمه من أين تؤكل كتف الإبداع. حينها يرن في جمجمتك صدى ما قاله ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: كان الشعر يُنشد على الموتى.

- كاتبة جزائرية



الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
TT

الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة نوتنغهام الإنجليزية عن أنّ المجال المغناطيسي للأرض قد يؤثّر في كيفية إنتاج خلايا الجسم للطاقة، والأداء البدني، وحتى العمر الافتراضي للكائن الحيّ.

وتقدّم النتائج، المنشورة الأربعاء في دورية «الشيخوخة» لبحوث الشيخوخة، رؤى جديدة حول كيفية تفاعل هذه القوة غير المرئية مع العمليات البيولوجية الأساسية في الجسم، ممّا قد تكون له تداعيات مهمّة على فهمنا لعملية الشيخوخة وأمراض التنكس العصبي، مثل باركنسون وألزهايمر.

وعزا الباحثون هذه التأثيرات إلى الميتوكوندريا، وهي تراكيب دقيقة داخل الخلايا مسؤولة عن توليد جزء كبير من الطاقة اللازمة للحياة. فقد تغيّرت عمليات التمثيل الغذائي للطاقة في الميتوكوندريا عند خفض المجال المغناطيسي، وكذلك مستويات «فوق الأكسيد»، وهو جزيء شديد التفاعل تنتجه الميتوكوندريا.

وقال الباحث جاكوب ريد، طالب الدكتوراه بجامعة نوتنغهام: «البحوث في هذا المجال نادرة، إذ تركز غالباً على إعداد البشر لرحلات الفضاء. ومع ذلك، لا نزال نعرف قليلاً جداً عن سبب حاجة الكائنات الحيّة إلى المجال المغناطيسي. جمع هذا المشروع بين خبرات في الفيزياء والهندسة وعلم الأحياء، وتقنيات ومعدات مبتكرة ومتخصّصة جداً، لدراسة الجوانب الفسيولوجية والمرضية أيضاً».

وأضاف في بيان الأربعاء: «يفتح هذا العمل آفاقاً جديدة محتملة لنهج علاجي غير جراحي يستهدف الميتوكوندريا لعلاج أمراض عدّة. نأمل أن يُسهم هذا البحث في إبراز أهمية المجالات المغناطيسية للحياة».

حجب المجال المغناطيسي

درس الفريق البحثي ما يحدث عند حجب المجال المغناطيسي للأرض بصورة شبه كاملة. وباستخدام نظام حجب مغناطيسي صُمّم خصوصاً لهذا الغرض، خفّض الباحثون المجال المغناطيسي المحيط بذبابة الفاكهة إلى مستوى يقارب الصفر. وقارنوا بين ذباب سليم وآخر يحمل خللاً في جين «بينك 1»، المرتبط بمرض باركنسون الوراثي المبكر لدى البشر.

ووجد الباحثون أنّ عزل الذباب عن المجال المغناطيسي للأرض أدّى إلى تغيّرات في وظائف الميتوكوندريا، وهي مراكز إنتاج الطاقة في الخلية، والعمر الافتراضي والأداء البدني، مع تفاوت لافت في التأثيرات تبعاً للحالة الصحية للميتوكوندريا لدى الذباب.

ووفقاً لهم، كانت النتائج لافتة للنظر؛ إذ أدّى حجب المجال المغناطيسي للأرض عن الذباب الذي يحمل طفرة في جين «بينك 1» إلى زيادة متوسط عمره بنحو 20 في المائة، رغم تراجع أدائه البدني. وفي المقابل، كانت استجابة الذباب السليم مختلفة تماماً؛ فمع أن مدّة حياته الصحية تأثرت، فإن حركته تحسّنت.

وتُجرى البحوث العلمية على ذبابة الفاكهة لأنها توفّر نموذجاً حيّاً سريعاً وبسيطاً، يشترك مع الإنسان في نسبة كبيرة من جيناته الأساسية، ونحو 60 إلى 75 في المائة من الجينات المسببة للأمراض، بما فيها أمراض الأعصاب. وتتميَّز ذبابة الفاكهة بدورة حياة قصيرة جداً لا تتجاوز أسبوعين، ممّا يتيح للعلماء مراقبة تأثير الطفرات الجينية عبر أجيال عدّة في وقت قصير.

وتُظهر نتائج هذه التجارب أنّ البيئة المغناطيسية المحيطة بالكائن الحيّ يمكن أن تؤثر في العمليات البيولوجية الأساسية، بما فيها إنتاج الطاقة والأداء البدني ومتوسط العمر.

وعلّقت أستاذة بيولوجيا الميتوكوندريا في كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة نوتنغهام، البروفسورة ليزا تشاكرابارتي: «نعيش حياتنا بأكملها في ظلّ وجود المجال المغناطيسي للأرض؛ فهو يخترق أجسامنا وخلايانا وكل كائن حيّ على هذا الكوكب، ومع ذلك، لا نعرف سوى قليل عمّا إذا كانت هذه القوة غير المرئية تؤثّر في آلية عمل خلايانا، وكيفية حدوث ذلك».

وأضافت: «تطرح نتائجنا احتمالاً مثيراً للاهتمام، وهو أنّ المجال المغناطيسي للأرض يُشكّل جزءاً من البيئة البيولوجية التي تكيّفت معها الحياة عبر مسار التطوّر»، موضحة أنّ «فهم كيفية استشعار الخلايا للمجالات المغناطيسية واستجابتها لها قد يكشف في نهاية المطاف عن طرق جديدة للتحكّم في وظائف الميتوكوندريا في حالات الشيخوخة والمرض».


«إيكيبانا»... حين تصغي الزهور إلى ما في داخلنا

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
TT

«إيكيبانا»... حين تصغي الزهور إلى ما في داخلنا

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)

قد يجلس شخص أمام مجموعة من الزهور ليضعها في إناء، فيبدو المشهد لأول وهلة بسيطاً للغاية. لكنه في اليابان قد يتحول لحظةَ تأمل ومواجهة مع النفس. فمنذ أكثر من 500 عام، يمنح فن الـ«إيكيبانا» الياباني لتنسيق الزهور مريديه فرصة للابتعاد قليلاً عن ضجيج الحياة، في حين يجد فيه جيل جديد وسيلة لاستعادة الهدوء والتوازن وسط عالم سريع الإيقاع، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

و«إيكيبانا»، وتعني باليابانية «الزهور الحية»، هو أحد الفنون اليابانية التقليدية التي تقوم على تنسيق الزهور والأغصان والأوراق بطريقة تجمع بين الجمال والتأمل. ويُعرف هذا الفن أيضاً باسم «كادو»، أي «طريق الزهور»، في إشارة إلى أن ممارسته ليست مجرد ترتيب للزهور، وإنما رحلة تقوم على الصبر والانتباه والتفاعل مع الطبيعة.

وعلى خلاف كثير من أساليب تنسيق الزهور في الغرب، التي قد تركز على وفرة الزهور وتنوع ألوانها وإبراز جمالها، يهتم «إيكيبانا» بالمساحة والتوازن والخطوط والعلاقة بين الزهرة والأغصان والإناء. وقد تبدو النتيجة في كثير من الأحيان بسيطة، بل شديدة البساطة، لكن وراء هذا الهدوء قواعد ورؤية عميقة للطبيعة والحياة.

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)

ولا يقوم «إيكيبانا» على البحث عن تنسيق مثالي واحد، ولا توجد فيه بالضرورة إجابة واحدة صحيحة. لكل زهرة شكلها وشخصيتها، ولكل غصن اتجاهه، تماماً كما لكل إنسان طريقته الخاصة في رؤية الأشياء. ولذلك؛ يمكن للزهور نفسها أن تنتج تنسيقات مختلفة، وفق الشخص الذي يقف أمامها.

يقول هيرويوكي أوكادا، البالغ 40 عاماً، الذي بدأ دراسة «إيكيبانا» قبل نحو 7 سنوات، إن ممارسة هذا الفن تحمل شيئاً من «التطهير»، وتأثيراً علاجياً. ويعمل أوكادا اليوم مدرساً في مدرسة «إيكنوبو» في كيوتو، وهي من أقدم مدارس «إيكيبانا» وأشدها ارتباطاً بالتقاليد اليابانية.

يقول أوكادا: «عندما تنسق الزهور، فأنت تتعامل مع حياة موجودة أمامك؛ مع الجمال بالطبع، لكنك في الوقت نفسه تكتشف ما في داخلك. إنك تواجه نفسك وجهاً لوجه».

وربما يعكس أوكادا نفسُه الطريقة التي وجد بها هذا الفن طريقه إلى الحياة المعاصرة. فهو يرتدي عادة سلاسل فضية وسراويل الجينز، كما يعطي دروساً في أداء الشقلبة الخلفية، لكنه يختار الكيمونو الأنيق عندما يقدم عروضاً رسمية لتنسيق الزهور.

وبالنسبة إليه، فإن كثيراً من الأشخاص الذين يتجهون اليوم إلى «إيكيبانا» لا يبحثون فقط عن هواية جديدة، بل عن شيء أشد بساطة وعمقاً: لحظة هدوء، أو شعور بالهدف، أو مساحة للابتعاد عن الضغوط اليومية.

يوضح هيرويوكي أوكادا مدرب «إكينوبو إيكيبانا» أسلوباً أساسياً لتنسيق الزهور يسمى «شوكا شوفوتاي» داخل استوديو في طوكيو (أ.ب)

زهور تساعد على الهدوء

تقوم فلسفة «إيكيبانا» على علاقة مباشرة بالطبيعة، حتى لو اقتصرت تلك العلاقة على إناء صغير داخل منزل. فمراقبة نمو الزهور والنباتات، والانتباه إلى شكل الأوراق وانحناء الأغصان وملمس البتلات... كلها أجزاء من التجربة.

وتقول سينكو إيكنوبو، الرئيسة المقبلة لمدرسة «إيكنوبو»، إن الأمر في جوهره يتعلق «بالعلاقة بين الشخص الذي يبدع والزهور».

وتنحدر سينكو من عائلة ارتبطت بهذا الفن عبر أجيال عدة، فيما يشغل والدها حالياً منصب رئيس المدرسة. وتقول إنها شاهدت كيف أصبح «إيكيبانا» جزءاً من حياة أشخاص في مراحل مختلفة؛ من نساء يحاولن الموازنة بين العمل والأمومة، إلى أخريات يعتنين بوالديهن المتقدمين في السن.

وتشير جانيت هافيلاند جونز، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة رودغرز الأميركية، إلى أن دراسات عدة أظهرت أن الزهور، وحتى روائحها، يمكن أن تعزز مشاعر السعادة لدى الإنسان. ولا يقتصر الأمر، بالنسبة إلى أوكادا، على منظر الزهرة أو رائحتها؛ إذ يرى أن لمس البتلات والأوراق جزء أساسي من التجربة، بما يشبه الشعور بالراحة عند مداعبة قطة صغيرة أو جرو.

أما مايو شيميزو، التي تعمل في مجال التعليم عبر الإنترنت وتتلقى دروساً لدى أوكادا منذ نحو 3 سنوات، فتصف فن «إيكيبانا» بأنه تجربة قريبة من اليوغا، والتأمل، وحتى اللعب.

سينكو إكينوبو الرئيسة المعينة لمدرسة «إكينوبو» تتحدث خلال مقابلة في طوكيو

زهرة تختصر دورة الحياة

ومن أشهر أساليب مدرسة «إكينوبو» التقليدية «شوكا شوفوتاي»، الذي يحاول تقديم الزهور والأغصان كما قد تظهر في الطبيعة؛ بعضها يمتد نحو الضوء، وبعضها ينحني أمام الرياح. وحتى الإناء نفسه يصبح جزءاً من التكوين، سواء أكان مصنوعاً من الخشب أم من الفخار.

وتحمل عناصر التنسيق معاني مرتبطة بالحياة. فالعنصر الأطول؛ «شين»، يمثل جوهر الإنسان وامتداده نحو السماء. ويأتي «سوي» أقصر منه، ليعبر عن خصوصية الزهرة وتفردها، وقد تظهر عليه علامات ذبول بسيطة؛ في إشارة إلى مراحل العمر المتقدمة. أما «تاي»، فيمثل المستقبل؛ ولذلك تختار له زهرة متفتحة أو أوراقاً صغيرة نضرة، في إشارة إلى ما يولد وينمو.

ومع ذلك، فلا يعيش «إيكيبانا» في الماضي وحده. فقد ظهرت أساليب أرحب، تقترب من باقات الزهور الغربية، وتمنح المبتدئين مساحة أكبر للتجربة بعيداً عن القواعد الصارمة.

ولعل سر استمرار هذا الفن أكثر من 5 قرون يكمن في أنه لا يتحدث عن الزهور وحدها. فالزهرة تتفتح ثم تذبل، والأوراق تتغير، والأغصان تنحني، وفي كل ذلك صورة صغيرة من حياة الإنسان نفسه.

وهكذا؛ لا يصبح فن «إيكيبانا» مجرد طريقة لوضع الزهور في إناء، بل طريقة للنظر إليها... وربما للنظر إلى أنفسنا أيضاً. كما يبقى جسراً بين الأجيال، تنتقل عبره مهارات فن قديم من يد إلى أخرى، ومن حياة إلى حياة.


قطّ يخطف الأنظار في بوليفيا... لكنه لا يحبّ الشهرة!

«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
TT

قطّ يخطف الأنظار في بوليفيا... لكنه لا يحبّ الشهرة!

«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)

بات قطّ برّي صغير يختبئ في غابات بوليفيا الضبابية مَعْلماً سياحياً غير متوقَّع، إذ تتدفّق إليها موجات من الزوّار أملاً في إلقاء نظرة على الحيوان الذي صنّفه العلماء نوعاً جديداً كلياً.

لكن ثمة مشكلة واحدة: «تيغرينو»، الاسم المحبّب الذي أُطلق عليه، لا يحبّ الاهتمام.

ذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أنّ القطّ الصغير، المرقّط ببُقع كبيرة تشبه بُقع الفهد، سريع التوتر، لذا يُبعده القائمون على محمية للحياة البرّية قرب لاباز عن أنظار العامة، رافضين إتاحته للحشود المتشوّقة للاقتراب منه. ويوم الأحد، خرج «تيغرينو» بحذر من مأواه، واستنشق الهواء، وتجوّل قليلاً لبضع دقائق، قبل أن يعود متسلّلاً إلى أوراق الأشجار.

كلّ العيون عليه... وعيناه على مخبئه (رويترز)

ينتمي «تيغرينو» إلى نوع «ليوباردوس تيلكايو»، وهو أول نوع حيّ من القطط البرّية يصفه العلماء منذ أكثر من قرن. ولا يتجاوز طوله 18 بوصة (46 سنتيمتراً) من الرأس حتى قاعدة الذيل، ولا يزيد وزنه على 3 أرطال (1.4 كيلوغرام)، ممّا يجعله أصغر من القطة المنزلية العادية.

صغيرٌ على كلّ هذه الأضواء (رويترز)

وأثار الاكتشاف، المنشور يوم الخميس الماضي في دورية «كارنت بيولوجي»، موجة من الحماسة على وسائل التواصل الاجتماعي. وتوافد زوّار من أنحاء بوليفيا وخارجها إلى محمية «سيندا فيردي» للحياة البرّية، حيث يعيش «تيغرينو» منذ عام 2017، حين أحضرته عائلة كانت قد حاولت، دون جدوى، تربيته على أنه قط منزلي عادي.

وقال المؤسِّس المُشارك للمحمية، مارسيلو ليفي: «أصبح (تيغرينو)، في غضون أيام قليلة فقط، سفيراً للحفاظ على الطبيعة»، مضيفاً أن تصنيفه على أنه نوع جديد أسهم في رفع الوعي بالحاجة إلى حماية القطط البرّية وموائلها في الغابات الاستوائية البوليفية.

وأردف ليفي: «إنه حيوان بالغ الصغر، وقد أصبح شيئاً شديد الأهمية لنا».