بريان هوك... المحامي والدبلوماسي المولج ملف إيران

يعمل في ظل إدارة «صقور» ترمب

بريان هوك... المحامي والدبلوماسي المولج ملف إيران
TT

بريان هوك... المحامي والدبلوماسي المولج ملف إيران

بريان هوك... المحامي والدبلوماسي المولج ملف إيران

حتى الآن، لا يمكن اعتبار برايان هوك، المسؤول الأميركي الحالي عن ملف إيران، أنه صاحب بصمات خاصة في ملف التفاوض معها. فهو باستثناء تصريحاته وتعليقاته على الأحداث المتتالية في هذا الملف، ردّد فيها رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالكاد يمكن العثور على مواقف تضمّنت عروضاً أو اقتراحات منسوبة له، أو على الأقل تسريبات تشير إلى أنه منخرط في مفاوضات عبر أبواب خلفية أو علنية مع الجانب الإيراني.
السبب لا يعود إلى قصور في قدراته الخاصة، أو لافتقاره إلى التجربة السياسية والدبلوماسية في التعامل مع هذا الملف. بل، وببساطة شديدة، يكمن السبب في أن ترمب قرّر – على ما يبدو – اعتماد مقاربة جديدة في تعامله مع ملف إيران، وذلك انطلاقاً من إيمانه بأن ما تحقق حتى الآن، وبالأخص في ملفها النووي، لا يعكس ولا يتماشى مع نظرته الجديدة للعلاقات الدولية.
بريان هوك، الذي يشغل إضافة إلى منصبه كمسؤول الولايات المتحدة الخاص عن ملف إيران، هو أيضا كبير مستشاري السياسة لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو. وكان قبل تعيينه في منصبه قد شغل منصب مدير فريق تخطيط السياسات من 2017 وحتى 2018. وقبل ذلك أدار شركة استشارات استراتيجية دولية في واشنطن من العام 2009 وحتى عام 2017.
كذلك شغل هوك – وهو محام ممارس – في إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن مناصب مساعد وزير الخارجية للمنظمات الدولية، وكبير مستشاري سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ومساعد خاص لرئيس السياسة في مكتب كبير موظفي البيت الأبيض، ومحامي مكتب السياسة القانونية في وزارة العدل. بيد أنه رغم كونه أحد كبار الموظفين في الإدارات الجمهورية الأخيرة في البيت الأبيض، لم يخرج دوره في إدارة ترمب - كما سبقت الإشارة – عن الشق التسييري لكونه أحد الأمناء المولجين بتنفيذ رؤية الرئيس الخارجية وشعاراته الجديدة.

ملف إيران بيد ترمب
يوم 8 مارس (آذار) عام 2015 أعلن السيناتور الجمهوري توم كوتون (ولاية أركنسو) أنه وقّع مع 46 عضوا في مجلس الشيوخ رسالة مفتوحة إلى البرلمان الإيراني، حذّر فيها من أن أي اتفاق يُقرّ من دون موافقة المشرّعين الأميركيين، سيجري العودة عنه من قبل الرئيس الجديد «بجرة قلم». وبالفعل، هذا ما أقدم عليه ترمب بعدما ظلّ الاتفاق معلقاً من دون الحصول على موافقة مجلسي الشيوخ والنواب أو رفضهما، إذ أصدر الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً ألغى بموجبه توقيع الولايات المتحدة عليه.
مما يذكر أن ترمب قبل دخوله البيت الأبيض، هدّد بأنه سيعيد النظر بالاتفاق النووي، في سياق تأكيد التزامه بشعاره «أميركا أولا»، حتى ولو اضطره الأمر إلى التصادم مع الأعداء أو الخلاف مع الحلفاء والشركاء. وبخلاف الرؤساء الأميركيين السابقين، فالذي يتولى إدارة ملف التفاوض مع إيران اليوم، هو الرئيس ترمب نفسه معتمداً على «صقرين» في إدارته، بالتحديد، هما مايك بومبيو وزير خارجيته، وجون بولتون مستشاره للأمن القومي.
وبعد الانسحاب من الاتفاق في مايو (أيار) العام الماضي، ومن ثم، إعادة فرض غالبية العقوبات الأميركية على إيران، وبدلاً من أن يعلن هوك شروط واشنطن الـ12 لإعادة التفاوض معها، تولى بومبيو هذه المهمة. كذلك، ينقل عن أوساط في البيت الأبيض أن القنوات الجانبية لإيصال الرسائل إلى طهران، هي الآن في عهدة بولتون، بينما يعتقد أن دور هوك لم يحِن بعد لتولي هذه المهمة.
من جهة أخرى، كان من المعروف أن سلطنة عُمان استضافت المفاوضات الأميركية – الإيرانية في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وشهدت عاصمتها مسقط اجتماعات متعددة شارك فيها وزير الخارجية الأسبق جون كيري ونظيره الإيراني جواد ظريف مع مساعديهما. وكان يُنظَر في واشنطن إلى السلطنة، يومذاك، على أنها «وسيط نزيه» وفق مقاييس إدارة أوباما، نظراً لعلاقتها الخاصة مع إيران، وشراكتها معها في مشاريع نفطية وغازية ومالية. ولكن، اليوم اختلفت الصورة جذرياً مع إدارة ترمب. وعقوباته على إيران باتت تفرض على سلطنة عُمان الالتزام بها، ولا سيما أن «صقور» إدارته يعتبرون أنها كانت المعبر البرّي الرئيسي لشحنات الأسلحة الإيرانية التي وصلت إلى الانقلابيين الحوثيين في اليمن.
إلغاء سياسة أوباما
إن ما أطاح به ترمب في ملف التفاوض مع إيران هو عامل «الاستمرارية» في المؤسسة السياسية الأميركية. وهو نقيض ما دعا للحفاظ عليه وزير الدفاع السابق الجنرال جيم ماتيس، الذي قال خلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ عام 2017 «رغم أن الاتفاق النووي ليس مثالياً، لكن عندما تعطي أميركا كلمتها فإنها تحافظ عليها وتعمل مع حلفائها». والاتفاق الذي وقعته إدارة أوباما يوم 14 يوليو (تموز) 2015، اعتبر على نطاق واسع، وخصوصاً من الأوروبيين، أنه اتفاق لإنهاء مخاوفهم من صعود الخطر النووي والباليستي الإيراني، في ظل القرار الاستراتيجي الذي اتخذته إدارة أوباما بالخروج من الشرق الأوسط، والانصراف نحو الخطر الآتي من شرق آسيا.
أوباما الذي اتُّهم بأنه اعتمد سياسة تجريبية في مقاربته لملف إيران، أعطى حيزاً واسعاً لمساعديه، وخصوصا للمفاوضين غير المرئيين، في مراحل إنضاج الاتفاق النووي، كما جرى عام 2014 بعد تكليفه سراً ويليام بيرنز مع فريق خاص لتولي هذه المهمة. في العلن كان الوزير كيري يقود مع مساعدته ويندي شيرمان، مسؤولة ملف إيران، التفاوض معها، إلا أن بيرنز - الذي يتكلم العربية والفرنسية والروسية - حصل من أوباما على فرصة لإنهاء، أو على الأقل، لتهدئة أكثر من 30 سنة من الخلاف بين واشنطن وطهران. وكان الرئيس السابق مقتنعاً بأن الاتفاق ممكن مع طهران، طالما أن خطرها الاستراتيجي لا يقع على واشنطن بل على الآخرين... عندما دخلت المنطقة مسارا من الأحداث، غيّر نهائياً «الستاتوس كو» (أو «الأمر الواقع») الذي كان قائما، بعد اندلاع ثورات ما سمي بـ«الربيع العربي» في نهاية العام 2010.
نعم، ثمة اختلاف جذري في الصورة التي رسمتها إدارة ترمب عن الخطر الذي تمثله إيران في المنطقة، بعدما تبين أن ما تم إنجازه لم يعط الأوروبيين ولا الأميركيين الأمن والأمان المأمول. فبدلاً من تشجيع «خطة العمل الشاملة المشتركة» (وهو الاسم الرسمي والتقني للاتفاق النووي) إيران على التحوّل إلى دولة طبيعية، حصل العكس تماماً. فلقد أظهرت السنوات التي تلت توقيع الاتفاق معها أن رفع العقوبات عنها أدى إلى تصعيدها أنشطتها المزعزعة للاستقرار السياسي في المنطقة، وإلى زيادة مستوى التهديد الذي تمثله، ليس لمصالح الولايات المتحدة ودول المنطقة وإسرائيل فحسب، بل وللأوروبيين أنفسهم أيضاً.
في محطات تدرج الضغوط الأميركية على إيران منذ عام وحتى اليوم، ساهم بريان هوك في شرح الاعتبارات التي تحكّمت بقرارات إدارة ترمب. وأعلن في آخر إيجاز صحافي له قبيل وصول وزير الخارجية بومبيو إلى منتجع سوتشي الروسي للقاء نظيره الروسي سيرغي لافروف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن بومبيو حرص على وضع الشركاء الأوروبيين في المعلومات الاستخبارية والتهديدات المتصاعدة من إيران. وأضاف أن واشنطن وحلفاءها الأوروبيين تجاوزوا تقريباً غالبية خلافاتهم حولها، باستثناء النظرة إلى الاتفاق النووي الذي «لم يعد يتطرّق إليه أحد».

لا لمفاوضة إيران
ترمب و«صقور» إدارته يعتقدون أن إعادة إيران «إلى بيت الطاعة» يشكل اختباراً لقدرة واشنطن على إعادة فرض سياساتها الدولية، انطلاقا من إعادة إحياء مبدأ التفاوض على قاعدة تنفيذ شروط مسبقة، قبل رفع أي عقوبات عنها. وهكذا فاوض ترمب زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، رافضاً رفع العقوبات المفروضة على بيونغ يانغ، حتى ولو أدى الأمر إلى تعليقها، كما جرى بالفعل، رغم لقائه به مرتين.
ومن نافلة القول إن إدارة ترمب تعتمد نهجاً سياسيا مختلفاً في سياساتها الخارجية، تحت شعار «استعادة المكانة والهيبة التي كانت تتمتع بها أميركا» - بعد الأضرار التي خلفتها سياسات الرئيس أوباما - على ما يؤكده ترمب ومسؤولو إدارته. وحقاً، فور تسلمه الرئاسة باشر ترمب إعادة النظر بمعظم الاتفاقات السياسية والاقتصادية والتجارية، سواء مع حلفاء الولايات المتحدة وجيرانها أو مع خصومها. ومارس ضغوطا غير مسبوقة حتى على حلف شمال الأطلسي «ناتو». كما أنه يواصل تنفيذ سياسته التجارية المثيرة للجدل والخلاف، ليس فقط مع الصين - كما يجري الآن بعدما فرض تعريفات جمركية إضافية عليها - بل ومع الحلفاء الأوروبيين في ضوء تهديداته بفرض تعريفات جديدة على واردات قطاع صناعة السيارات منهم.
ترمب الذي يتهمه خصومه الداخليون والخارجيون بأنه يسعى لفرض سياسة الهيمنة والإملاء، لا يعرض على إيران التفاوض. بل يريد منها إذعاناً كاملاً... بعدما لمس أن الرهانات عليها بعد رفع العقوبات عنها فشلت في تغيير سياساتها الإقليمية. حتى مواقف الديمقراطيين، التي كانت تدعم سياسات سلفه أوباما في هذا الملف، منيت بخيبة أمل كبرى عبّر بصراحة عنها العديد من المسؤولين السابقين والحاليين، الذين وقفوا عاجزين عن تبرير العودة إلى السياق نفسه في مقاربة ملف طهران النووي والإقليمي. وحسب تقرير من «معهد الدفاع عن الديمقراطية» في واشنطن، يبدو أن سياسة أقصى التصعيد ضد إيران تعمل بشكل جيد، وأن ترمب يُعد «لتحصين» قراراته بإجراءات قانونية وتشريعية تمنع - أو تخفف من إمكانية تراجع أي إدارة جديدة عن القرارات التي اتخذها في ملف إيران.

نصائح روسية مسمومة
في المقابل، أشارت أوساط إعلامية أميركية خلال الأسابيع الأخيرة إلى دور تلعبه روسيا لإجهاض نظام العقوبات، وإفشال الاصطفاف الذي نجحت إدارة الرئيس ترمب في حشده وراء موقفها في التعامل مع ملفي كوريا الشمالية وفنزويلا، واليوم مع إيران.
وهوك أشار في الإيجاز الصحافي نفسه يوم الاثنين الماضي إلى أن بومبيو، الذي بحث مع الحلفاء في «الناتو» ملفات فنزويلا وأوكرانيا وسوريا وليبيا، سيبحث مع الروس الملفات والمخاوف نفسها والدور الذي يلعبونه في هذا الإطار!
وكشفت هذه الأوساط أن نصيحة روسية على شكل «خديعة» أدت إلى إجهاض الانقلاب الهادئ الذي كان من المفترض أن ينهي أزمة فنزويلا، وذلك عبر «الإيحاء» بأن الرئيس نيكولاس مادورو يرغب في تسليم السلطة، لكن معارضين كبارا في قيادة الجيش يرفضون الاستسلام. ويبدو أن الإيرانيين يعتمدون النصيحة الروسية نفسها، عبر الإيحاء وتسريب الرسائل لواشنطن، بأن الرئيس حسن روحاني وحكومته وحتى المرشد علي خامنئي، لا يعارضون التفاوض.
لكن المعترضين هم قيادات متشددة في الحرس الثوري، وهم الذين يقفون وراء الاستنفار العسكري الذي أدى إلى إقدام الولايات المتحدة على إرسال قوات إلى المنطقة، ولعلهم يقفون وراء الاعتداء «المشبوه» على السفن التجارية في مياه دولة الإمارات العربية المتحدة والهجوم على منشأة نفطية في المملكة العربية السعودية.
ويذكّر هذا السلوك بالتكتيكات التي حاولت طهران اعتمادها للضغط على الأوروبيين من أجل حثهم على التمسك بحماية الاتفاق النووي رداً على خروج ترمب منه العام الماضي.
إذ حاولت تنفيذ عمليات اغتيال وتفجيرات استهدفت بعض معارضيها في دول أوروبية عدة، لإثارة الخوف لدى الأوروبيين، وإجبارهم على التمسك بالاتفاق، خوفاً من انفلات اليد الإيرانية مجدداً.
هوك، من جهته، أكد في ظل التطورات الأخيرة، أن واشنطن ليست قلقة من احتمال نشوب حرب مع إيران، بل تريد صفقة جديدة معها، مشيرا إلى أن الإجراءات الأميركية الأخيرة هي مجرد رد على «العدوان الإيراني». ثم أوضح أن «كل ما نقوم به دفاعي»، قبل أن يضيف أن إيران «لا تزال الراعي الرئيسي للإرهاب في العالم. وإذا كانوا يتصرفون بهذه الطريقة دون سلاح نووي، تخيل كيف سيتصرفون في حال امتلكوه».
وفي مقابلة سابقة أجرتها معه «الشرق الأوسط»، قال هوك «إن التوصل إلى اتفاق نووي معها يجب ألا يأتي على حساب الاستقرار الإقليمي وحقوق الإنسان، وهو ما نراه الآن». وأردف أن «ثمة رغبة متزايدة وكبيرة من الأوروبيين للضغط أكثر على طهران لوقف أنشطتها العدوانية في المنطقة وفي الدول المجاورة لها. يضغط القادة الأوروبيين على النظام الثوري لوقف انتهاكات حقوق مواطنيه والإرهاب الذي يمارسه في أوروبا... والدول الأوروبية لن تسمح للاتفاق النووي بأن يؤخرها عن القيام بذلك».

بطاقة هوية
- ولد بريان هوك عام 1968، أي أن عمره اليوم 51 سنة.
- يحمل درجة بكالوريوس في التسويق من جامعة سانت توماس بولاية مينيسوتا، وبكالوريوس في الفلسفة من كلية بوسطن، ثم إجازة القانون من كلية الحقوق بجامعة آيوا.
- مارس المحاماة في قطاع القانون التجاري ضمن شركة هوغان وهارتسون القانونية في العاصمة الأميركية واشنطن بين 1999 و2003. وأسس شركة لاتيتيود للاستشارات القانونية الدولية، أيضا في واشنطن، قبل أن يدخل مضمار السياسة.
- تولى منصب مساعد وزير الخارجية في أواخر 2008 وحتى مطلع 2009.
- في عهد دونالد ترمب تولى منصب مدير تخطيط السياسات في الخارجية أيام الوزير السابق ريكس تيلرسون حتى أول سبتمبر (أيلول) 2018.
- منذ سبتمبر 2018 يشغل منصب المسؤول الخاص عن ملف إيران.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.