بعد تراجعها لصالح الأحذية الرياضية... حقيبة اليد تستعيد مجدها

إكسسوار يرفع أسهم المصمم عالياً أو يطيح به

بعد تراجعها لصالح الأحذية الرياضية... حقيبة اليد تستعيد مجدها
TT

بعد تراجعها لصالح الأحذية الرياضية... حقيبة اليد تستعيد مجدها

بعد تراجعها لصالح الأحذية الرياضية... حقيبة اليد تستعيد مجدها

الآمال معقودة على «إنستغرام» لإعادة المجد لحقائب اليد. هذا على الأقل ما تؤكده صور المدونات والمؤثرات إضافة إلى الحملات الترويجية التي تطرحها بيوت الأزياء الكبيرة في المواسم الأخيرة. أجمعت كلها على أنه لا بد من طريقة لإنعاش هذا الجانب من الإكسسوارات بعد تراجع مبيعاته لصالح الأحذية الرياضية أخيراً.
فطوال عقدين من الزمن، من التسعينات إلى بداية الألفية، ظلَّت حقائب اليد الدجاجة التي تبيض ذهباً لبيوت الأزياء. اكتسبت حينها قوة غير مسبوقة إلى حد أنه أصبح لكل واحدة اسمها الخاص، كما أصبحت سلاح كل مصمم للنجومية. ما علينا إلا أن نتذكر حقيبة «لاريات» لبالنسياغا، و«بايزووتر» و«اليكسا» لمالبوري، و«باغيت» لـ«فندي» وهلم جرّا.
«فندي» مثلا باعت مئات الآلاف من حقيبة «الباغيت» بعد إطلاقها مباشرة في عام 1997. كان حلم أي فتاة صغيرة أن تقتني واحدة بعد أن رأتها على كتف أو يد نجمة أو إحدى قريناتها. قد تدخر لها طويلاً، أو تُلمِّح لكل أفراد عائلتها عن رغبتها فيها قبل حلول عيد ميلادها أو ظهور نتائج الامتحانات بأشهر.
مرت السنوات وتم ركن أغلب هذه الحقائب في الرفوف والخزائن، باستثناء تصاميم قليلة مثل «ذي بيركين» من دار «هيرميس» و«شانيل 2.55». فحسب تقرير صدر عام 2018، «ليست كل التصاميم تراجعت وتأثرت سلباً. فبينما شهدت حقائب اليد الموسمية انخفاضاً، تشهد حقائب أخرى لبيوت عالمية ارتفاعاً». السبب أن المستهلك يرى أن «ثمنها فيها»، وبأنها تحافظ على قيمتها مهما مرَّت السنوات وتغيرت المواسم. أما سبب التراجع الذي شهدته الحقائب الأخرى، فيرده البعض إلى اجتياح الأسلوب الـ«سبور» ساحة الموضة، من جهة، وهو الأمر الذي جعل الأحذية الرياضية تسرق الأضواء من باقي الإكسسوارات، والتخمة التي أصابت جيلاً كاملاً من جهة ثانية.
بيد أن الخبر السعيد للمصنّعين هو أن الحقيبة بدأت تتسلل من جديد إلى الساحة وتستعيد قوتها من الباب القديم نفسه، أي «اللوغوهات» والرغبة في كل ما هو «فينتاج». وهذا يعني أن العملية سهلة بالنسبة لكثير من البيوت. فهي لا تتطلب منهم سوى الغوص في أرشيفها الخاص، والغرف منها تحت غطاء «العودة إلى الإرث». «ديور» مثلاً عادت إلى حقيبة «ذي سادل» التي كان جون غاليانو قد طرحها في التسعينات. كل ما قامت به المصممة الحالية ماريا غراتزيا تشيوري، أنها صنعتها من أقمشة مختلفة وأضافت إليها، إلى جانب اللوغو، حزاماً طويلاً للكتف. دار «فندي» قامت بالعملية ذاتها تقريباً.
ويبدو أن المصممة ماريا غراتزيا كيوري فهمت اللعبة، واستغلت تأثير المدونات و«إنستغرام» لتروج لهذه الحقيبة بطريقة غير مسبوقة. ربما تكون أثارت جدلاً كبيراً بين مؤيد ورافض بعد أن جندت 100 مدونة من كل أنحاء العالم للظهور بها في اليوم ذاته والساعة نفسها، لكنها حققت الهدف منها، فقد تداولتها وسائل التواصل وخلقت جدلاً بين الناس. وشجعها نجاحها على أن تُعيد الكَرّة في الأسبوع الماضي بإهداء حقيبتها الجديدة «30 مونتين» إلى مجموعة من هؤلاء ظهرن بها في اليوم نفسه. الفرق أنه كان لزاماً عليهن أن يُشرن في «إنستغرام» إلى أنها «هدية». دار «فندي» هي الأخرى تطبّق استراتيجية مماثلة، بإعادة صياغة حقيبتها الأيقونية «ذي باغيت» وبيعها لجيل جديد لم يرها سوى في الصور أو شاهدها في خزانات الأمهات والجدات. طرحتها في حفل ضخم خلال «أسبوع نيويورك للموضة» الأخير، وأرفقتها بحملة ترويجية استغلت فيها ارتباطها بالسلسلة التلفزيونية الشهيرة «سيكس أند ذي سيتي». وإذا كانت الحملة التي قامت بها «ديور» أكدت نجاحها من خلال أرقام المبيعات التي زادت، فإن الوقت لا يزال مبكراً بالنسبة لحملة «فندي»، رغم أن المؤشرات تقول إنها ستحقق المطلوب، وربما ستبقى أكثر من غيرها بالنظر إلى حرفيتها وتفاصيلها. تشرح سيلفيا فندي عودتها إلى هذه الحقيبة التي يمكن القول إنها كانت أول من بدأت مفهوم «الحقيبة النجمة»، بأنها شاهدت على صفحات «إنستغرام» صور بعض الفتيات الصغيرات بهذه الحقيبة. كان واضحاً أنها كانت ملكاً لأمهاتهن وأثارت إعجابهن. من هنا، انبثقت في ذهنها فكرة أن تقدمها لهن بشكل يناسب حياتهن وأسلوبهن السبور. فهن يحملن حقائبهن بطرق مختلفة، لهذا جعلتها بحزام أطول ليعلقنها على الكتف أو يلففنها حول الصدر.
المصمم داكي معروف، الذي أسَّس مع أحمد صبري ماركة خاصة بالحقائب في عام 2012 تتميز بالابتكار والفنية، يعرف حق المعرفة أهمية أن تنجح حقيبة ما، فهي لا تحقق الربح لمصممها فحسب بل تجعله نجماً. يقول إن «الحقيبة النجمة هي تلك التي تلمس وتراً حساساً بداخل المرأة أينما كانت... ليس لأنها تتميز بتصميم مبتكر فحسب، بل لأنها تُطرح في المكان والزمان المناسبين وبسعر معقول ومدروس من كل الجوانب. وطبعاً فإن حملة ترويجية ذكية تُسهِم في زيادة نسبة نجاحها التجاري». وتابع: «أنا لا أعتقد أن هناك شُحاً في التصاميم الأنيقة أو المميزة لكن الحظ يلعب دوراً كبيراً في بعض الحالات».
وبالفعل، التاريخ يؤكد أن الحظ حالف بعض المصممين وخاصم آخرين، بغض النظر عن قدراتهم الإبداعية. أكبر دليل على هذا المصمم الاسكوتلندي الأصل كريستوفر كاين، الذي توسمت فيه دوناتيلا فرساتشي الموهبة وسلمته خط «فيرسيس» لست سنوات، أثار خلالها انتباه مجموعة «كيرينغ» التي اشترت خطه الخاص وضخت فيه المال. لكن على الرغم من كل التهليل الإعلامي الذي يحظى به في كل موسم، لم ينجح في طرح حقيبة «تكسر السوق» وترفع أسهمه عالياً. والنتيجة أن «كيرينغ» باعت له أسهمه ثانية من دون أن ترف لها عين.
لم تشفع له موهبته ولا خياله الخصب، ولم يحقق النتائج المتوقعة منه مثل نظيره أليساندرو ميكيلي، مصمم دار «غوتشي»، وأنطونيو فاكاريللو، مصمم «سان لوران» اللذين يحققان الأرباح للمجموعة.
ستيفانو ساسي الرئيس التنفيذي لـ«فالنتينو» صرح أخيراً بأن إيرادات مجموعة «كيرينغ» التي تنضوي تحتها الدار إلى جانب كل من «غوتشي» و«سان لوران» و«بوتيغا فينيتا» نمت في العام الماضي بوتيرة أبطأ مقارنة مع 2017. وأشار خلال مؤتمر صحافي: «حققنا المزيد من النمو في 2018 لكن ليس بالوتيرة التي اعتدنا عليها»، لافتاً إلى أن هناك تفاؤلاً في جميع الأسواق في الأشهر الأولى من 2019. ورغم أنه كان يتكلم عن الوضع الاقتصادي العالمي، فإن ما لا يخفى على أي أحد أن «فالنتينو» لا تزال تحاول تقديم حقيبة «تكسر الدنيا» رغم عبقرية مصممها الفني بيير باولو بكيولي وشعبيته. فالكل يعرف أن الأرباح التي تجنيها معظم بيوت الأزياء، هي من وراء منتجاتها الجلدية وليست الأزياء. وهذا ما يعلق عليه المصمم داكي معروف بقوله إن العملية جد صعبة بسبب المنافسة الشديدة التي جعلت السوق مُتخمة.
تصاميم «صبري معروف» تنتمي إلى خانة الحقائب المتميزة؛ فهي ليست من النوع التجاري، كونها تخضع لمعايير تقنية وفنية كثيرة تجعلها تخاطب شريحة تفهم الموضة جيداً، وتطمح إلى التفرد. ويشير داكي إلى أنه وشريكه أحمد صبري عاشا كثيراً من التحديات، ويفهمان مدى الصعوبة في طرح حقيبة فنية تبيع وتحقق أرباحاً عالية. ولا يلومان بيوت الأزياء الكبيرة في تطبيق استراتيجيات مضمونة تركز على ما يتوفر في أرشيفاتها، مثل إحياء اللوغو الخاص بها وما شابه. «نعم، إنها ذكية»، حسب قولها، لأنها «تتوجه إلى شريحة من الشابات جديدات على الموضة، ويطمحن للانتماء إلى ناديها بأي شكل، وهذا طبيعي لأنهن صغيرات السن ما زلن في مرحلة تكوين هوياتهن، كما أن تقبل الآخر لهن يعني الكثير. وهذا ما فهمته بيوت الأزياء الكبيرة وتستغله بطرق مختلفة».
كما لا يرى كل من أحمد صبري وداكي معروف أي عيب في الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لمنتجاتهم بشكل مُكثف، كما هو الحال بالنسبة للحملة التي قامت بها «ديور» للترويج لحقيبة «السادل» وجندت لها 100 شخصية مؤثرة حول العالم ظهرن بها في اليوم نفسه. فالموضة بالنسبة لهما تعكس ثقافة المجتمعات والزمن الذي تُطرح فيه «في الوقت الحالي، لا يخفى على أحد أننا في زمن وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف بدليل أن نشتري الكثير من أغراضنا إلكترونياً» وهذا ما يجعل التأقلم مع هذه الظاهرة ضرورياً، حتى بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة التي ربما كانت ترفض الأمر في السابق.
في الجانب الآخر، هناك شريحة من بنات الجيل الجديد ورثن حبهن للموضة من أمهاتهن. هذه الشريحة أكثر ثقة في اختياراتهن ولا يخضعن إلى إملاءات الغير. حسب داكي معروف، فإن هذه الشريحة «تميل إلى قطع مميزة وفريدة ليس من الضروري أن تحمل توقيع بيوت معروفة حتى يشعرن بأنها مميزة. المهم بالنسبة لهن ألا تكون منتشرة بشكل كبير». وهذا ما شجع بيوت الأزياء الكبيرة على طرح حقائب حصرية، وبعدد قليل في السنوات الأخيرة، لا سيما في الأسواق النامية، لأنها تتمتع بقدرات شرائية عالية، ولا يهمها السعر بقدر ما يهمها التفرد. توجهها لهذه الأسواق يجعلها تركز في صنعها على الجلود المترفة والنادرة، وأحياناً على ترصيعها بالأحجار الكريمة، حتى تُبرر أسعارها النارية.
ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن الحقيبة لم تعد ترمز للمكانة الاجتماعية ولا حتى إلى القدرة الشرائية، كما كان عليه الحال في السابق. فزبونة اليوم تدرك تماماً أنها مجرد موضة تشبع حاجة آنية أو تكمل صورة براقة، قد ترغب البعض منهن فيها فقط لنشرها على شبكات التواصل. لكن عندما تفكر في الاستثمار في حقيبة تعكس مكانتها وذوقها، فإنها تختارها بعقلية مختلفة تماماً.
وربما هذا ما تستغله دار «هيرميس» منذ سنوات، بطرح حقيبة «دي بيركين» بجرعات قليلة تحتاج إلى تسجيل طلب وانتظار عدة أشهر لعل وعسى أن تحصل عليها. بل تحتاج أحياناً إلى توصيات وتدخلات شخصية. كل هذا لتؤجج الرغبة فيها أكثر. هذه الشريحة لا تؤثر عليها صور فتيات «إنستغرام»، أو ما يُعرفن بـ«الإنفلوونسرز» بل العكس قد يكون لظهورهن بمنتج ما تأثير عكسي.
دار «ديلفو» التي ظلت لنحو قرن من الزمن جوهرة بلجيكا السرية. كانت تخفيها عن الكل وتخص بها النخبة والطبقات الأرستقراطية، إلى أن أدركت أن الزمن تغير وعليها أن تتغير معه إذا أرادت الاستمرار والبقاء. بدأت تخاطب الجيل الجديد بلغته، وحتى تحقق بعض التوازن بين ما يفرضه ماضيها من ثقل وحاضرها من تغيرات، بدأت تسلط الضوء على علاقاتها الأرستقراطية وتاريخها العريق كوسيلة جذب لشراء حقائب بأسعار تخاطبهن. أخيراً أطلقت حقيبة سمتها «ذا تشامبيون»، أي (البطلة)، تحمل جيناتها الأرستقراطية مطعماً بالأسلوب «السبور».
صحيح أنها بسعر معقول إلا أنها أيضاً بإصدار محدود، فقد تكون قد فهمت أنه عليها أن تركب موجة التميز وبحلة «سبور» حتى تبيع منتجاتها لأسواق أخرى، إلا أنها لم ترد أن يكون هذا على حساب فلسفتها في عدم الوجود في كل مكان.

من أشهر حقائب اليد
حقيبة «كيلي» التي طرحتها دار «هيرميس» أول مرة في عام 1935، وكانت حينئذ مجرد تصميم عملي من دون اسم. في عام 1956 وبعد ظهور النجمة وأميرة موناكو الراحلة غرايس كيلي بها واشتهارها، كان لا بد أن تأخذ اسم «النجمة»
> في الخمسينات طرحت دار «غوتشي» حقيبة بتصميم مبتكر، وفي عام 1961 أصبحت تعرف باسم «جاكي» بعد أن ظهرت بها جاكلين كينيدي في إيطاليا.
> في عام 1984 وُلدت حقيبة «بيركين» صدفة، حين التقت النجمة البريطانية جاين بيركين رئيس «هيرميس» آنذاك، جون لوي ديماس في رحلة جوية، وعبرت له خلالها عن رغبتها في حقيبة بحجم يراعي متطلباتها كامرأة وفنانة وأم.
> في عام 1984 أيضاً قدمت دار «برادا» أول حقيبة مصنوعة من النايلون عوض الجلد. حققت نجاحاً منقطع النظير لا تزال الدار تعود إليها على أمل إعادة بريقها.
- في عام 1995 أهدت برناديت شيراك حقيبة مربعة الشكل من «ديور» للأميرة الراحلة ديانا. ما إن ظهرت بها هذه الأخيرة حتى أخذت اسمها «ديانا».
> في عام 1997 استوحت سيلفيا فندي شكل حقيبة جديدة من الخبز الفرنسي الطويل الذي يحمله الفرنسيون تحت إبطهم، أطلقت عليها اسم «باغيت»، وكانت بحزام قصير لكي تضمها المرأة بالطريقة ذاتها. يقال إن 100 ألف حقيبة بيعت منها في العام الأول من طرحها. كانت الأولى من نوعها، من ناحية أنها لم تكن عملية نظراً لحجمها لكنها كانت مفعمة بالأناقة، بحيث يمكن القول إنها أول حقيبة تجسد مفهوم إكسسوار مكمل للأزياء.
> «2.55» من «شانيل»، شهدت ولادتها الأولى في عام 1955 والثانية في عام 2005، في عهد الراحل كارل لاغرفيلد. كانت أول حقيبة بحزام يُتيح للمرأة حملها على الكتف ويُحرر يديها. قبل ذلك كانت الحقائب صغيرة وتُحمل باليد.
- في عام 2004 قدمت المصممة فيبي فيلو لدار «كلوي» حقيبة «بادينغتون» التي أخذت اسمها من منطقة وسط لندن تشتهر بازدحامها وحركتها الدائمة. تم تصميم 8000 نسخة منها لربيع 2005 نفدت بالكامل قبل وصولها إلى المحلات.



جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.


المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
TT

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

بين جُدران دار «الضمانة» التاريخية في طنجة، تظهر ست نساء بملامح مختلفة، لكن بحضور واحد: حضور الفاعل لا الموضوع. هكذا اختارت المصممة كنزة بناني ومؤسسة دار «نيو طنجير» New Tangier أن تقدم مجموعتها الجديدة «ري أوريانتد»، محاولة إعادة توجيه النظرة التي رسمت صورة المرأة الشرقية عموماً والمغربية الأمازيغية، خصوصاً لفترات طويلة. اختارت في تصويرها أسلوباً يستعيد تكوينات اللوحات الاستشراقية، لكن بروح معاصرة ونظرة تعيد للمرأة موقعها كذات فاعلة.

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

كان مهماً بالنسبة لكنزة أن تطلق هذه المجموعة في مدينة طنجة. فهذه مدينتها التي تعرف كل تفاصيلها، التاريخية والاجتماعية والثقافية. أما العنوان الذي أطلقته عليها فله معنى واحد، وهو إعادة النظر في الصورة النمطية التي رسمها الاستشراق للمرأة، وغالباً ما ركزت على الجسد والزينة. كانت تلبي توقعات المتلقي الغربي «مع أنها كانت بعيدة عن الواقعين الاجتماعي والثقافي للمرأة»، وفق رأيها.

كل تفصيلة تعكس مغرباً معاصراً يجمع الأصالة بالمعاصرة (نيو طنجير)

تقول إنها لم تسع إلى محو هذه الصورة، بل إلى تصحيحها من الجذور؛ حتى تسترد للمرأة صوتها وتُمكِنها من التحدث عن نفسها، بدلاً من أن تبقى مجرد موضوع يُعرض أمام الآخر. وعلى الرغم من تقديرها للجوانب الجمالية لفن الاستشراق، ظلت هذه الصورة النمطية تُثير حفيظتها. تشرح: «منذ القرن التاسع عشر، والاستشراق يميل إلى تصوير المرأة على أنها سلبية وتُلبِي جانباً حسِياً فقط». لم يُقدِم هذا التصوير واقعاً موضوعياً، بقدر ما شكَل تمثيلاً ثقافياً يخدم خطاب التفوق الغربي، كما أشار إليه المفكر إدوار سعيد في كتابه «الاستشراق». وهنا جاءت فكرة تصوير مجموعتها في إطار استشراقي، لكن بنساء لهن وزن وتأثير في المجتمع. الصور التي التقطت لهن ليست خالية من الحسِية تماماً، لكنها حسِّية بقرار من المرأة نفسها، من طريقتها في اختيار أزيائها وإبراز جمالها، بينما لم تملك في فن الاستشراق هذه الحرية ولا هذه القوة.

كل امرأة في الصور تمثل رؤية المصممة لمجتمع فاعل ومتنوع (نيو طنجير)

الموضة والاستشراق

فهي تُدرك أنه على الرغم من أن الأدب والفن التشكيلي أكثر من أبرز هذا الخطاب، فإن الموضة لم تبقَ حيادية. فاللوحات الاستشراقية ألهمت الكثير من المصممين منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم، من بول بواريه إلى إيف سان لوران وجون غاليانو وغيرهم كُثر. منهم من يستلهم من العباءة والقفطان وسراويل الحريم، ومنهم من يغويه التطريز أو يكتفي بالعمائم والمجوهرات.

بيد أن ما يُحسب للموضة أنها تعاملت مع الصورة التي رسمها بقدر كبير من الإيجابية. على الأقل حوَّلته منتجات تحتفي به، كما سوَقت له عالمياً ليتحول مكسباً اقتصادياً. وليس أدل على هذا من الراحل إيف سان لوران، الذي جعل من القفطان قطعة تتهافت عليها المرأة الأنيقة من كل أنحاء العالم.

لم تُلغ المصممة صورة الاستشراق الفنية... خلصتها فقط من نمطيتها بتصوير المرأة فاعلةً في المجتمع (نيو طنجير)

كنزة بناني، بدورها وجهت نظرها إلى الإيجابي. لم تتعامل مع القفطان بوصفه رمزاً فولكلورياً، بل بوصفه قطعةً متجددةً قادرة على التعبير عن المرأة المعاصرة؛ إذ من أهم الأولويات التي وضعتها نصب أعينها عندما أسست «نيو طنجير» في عام 2014، أن تُبرز جودة الحرف اليدوية المغربية وجمال الأقمشة التقليدية بأن تصوغها في تصاميم تكون غالباً منسدلة على الجسم، ومفعمة بأنوثة بعيدة كل البُعد عن الصور المتخيّلة. فالمرأة بالنسبة لها لم تكن يوماً سلبية، بل فاعلة تمثل نفسها ومجتمعها في كل الأوقات، وبالتالي تحتاج إلى أزياء تعكس قوتها ونشاطاتها من دون أن تتنازل عن أناقتها في كل الأوقات.

هناك احتفال واضح بالثقافة المغربية وما تمثله من أصالة ومعاصرة (نيو طنجير)

6 نساء مؤثرات

من هذا المنظور، اختارت ست شخصيات نسائية بارزة في الساحة الثقافية والاجتماعية. كلهن من بنات مدينتها، طنجة. فهي لم تفكر في الاستعانة بعارضات أزياء تقليديات، ليس لأنها تريد ترسيخ فكرة أن تصاميمها تحترم المرأة بغض النظر عن المقاسات والمقاييس فحسب، بل أيضاً لإبراز أن المرأة لا تنسلخ عن مجتمعها وأنها مؤثرة فيه. كل واحدة من النساء الست تمثل نموذجاً للإنجاز والفاعلية. حضورهن في هذه الجلسة المصورة بالنسبة لكنزة بناني لا يقوم على الرمزية بل على الفعل. فملاك، مصممة تفاعلية، وزورا، استشارية اتصالات وإعلامية، ولمياء رائدة أعمال في قطاع المطاعم، ونُسيبة، مغنية وملحنة، وأمينة مهندسة وناشطة ثقافية، وأخيراً وليس آخراً إيمان، مديرة العمليات في قطاع التعليم.

اكتسبت كل قطعة في هذه المجموعة خفة حررتها من جميع القيود بفضل الأقمشة المنسدلة (نيو طنجير)

بين الذاكرة والواقع

كل بورتريه في هذه الجلسة المصورة يربط بين الذاكرة والواقع المَعِيش، في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، لكن تجسد واقعاً معاصراً. هذه النظرة بالنسبة لكنزة هي امتداد لفكر نوال السعداوي الذي يعيد وضع المرأة بصفتها عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي، بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة. اختيار دار «الضمانة» لتصوير هذه اللقطات ليس من باب الصدفة، والمبنى هنا لم يكن مجرد ديكور جامد، بل جزء أساسي من المشروع لأصالته وتاريخه. فقد شُيِّد في عام 1901، وكان مركزاً للتبادلات الديبلوماسية في مدينة طنجة؛ وهو ما يعزز فكرة الماضي والحاضر.

من الناحية الجمالية، يتميز أيضاً بديكور مغربي أصيل أسهم في تعزيز الرؤية الإبداعية التي تستهدف إعادة استخدام كل ما هو تاريخي وتقليدي لعكس الديناميكية التي تتمتع بها طنجة، التي تربط الشرق بالغرب.

تم تصوير المجموعة في دار «الضمانة» لما تجمعه من تاريخ وإرث فضلاً عن ديكور مميز (نيو طنجير)

تشرح كنزة بأن الأقمشة التي استعملتها تركز على المواد الأساسية للقفطان، في استحضار واعٍ للتبادلات التاريخية بين المغرب وطريق الحرير. «فهذه الأقمشة»، وفق قولها: «تتميز بنقشات نباتية ولمسات ذهبية وألوان عميقة جعلت توظيفها في قفاطين منسدلة ومعاصرة ترقى إلى مستوى خيالي، لكن لا يمُت للتخيلات بصلة». شملت هذه الرؤية أيضاً مجموعة خاصة من «الجبادر»، زي يتكون من سروال وقميص أو سترة طويلة، حيث أعادت المصممة صياغته هو الآخر بأسلوب منطلق، دمجت فيه القطن السادة بالحرير المزخرف. وهكذا نجحت في تحرير السترات والسراويل من أي زخارف لا تضيف شيئاً إلى بنائه، وخلقت توازناً جمع بين بساطة الخطوط وترف الأقمشة.

منذ تأسيسها في عام 2014 والعلامة تحرص على استعمال أقمشة تقلدية تم تطويعها للعصر (نيو طنجير)

لم تخرج الألوان عن الإطار الاستشراقي شكلاً، لكن مضموناً تستحضر دفء المغرب وحيويته النابضة. في القفاطين مثلاً اعتمدت على الأزرق الياقوتي، والأحمر الياقوتي، والأخضر الزمردي والبيج لتربط بين التقليدي والعصري، وأيضاً لكي تعزز صورة أن كل قطعة في المجموعة بغلاوة المجوهرات، لا سيما وأنها نموذج حي للحرفية اليدوية المحلية، التي تأسست عليها الدار.