هل يكسب العالم رهان التدوير؟

بعد الحظر الصيني على استيراد النفايات

داخل مصنع لإعادة تدوير المخلفات المعدنية في فرنسا (أ.ف.ب)
داخل مصنع لإعادة تدوير المخلفات المعدنية في فرنسا (أ.ف.ب)
TT

هل يكسب العالم رهان التدوير؟

داخل مصنع لإعادة تدوير المخلفات المعدنية في فرنسا (أ.ف.ب)
داخل مصنع لإعادة تدوير المخلفات المعدنية في فرنسا (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الصينية، قبل أيام، عن عزمها خفض وارداتها من النفايات الصلبة إلى الصفر بحلول سنة 2020، بهدف الحد من التلوث، وتشجيع شركات إعادة التدوير على معالجة كميات كبيرة من النفايات المحلية، وذلك في إطار خطة متواصلة أطلقت عليها اسم «السيف الوطني».
كانت الصين بدأت منذ مطلع 2018 بتطبيق إجراءات تصاعدية في سياستها المعلنة لتقييد استيراد المخلفات القابلة للتدوير، وزيادة التفتيش على خلو الواردات من الشوائب والمواد الملوثة. وهي تفرض حالياً حظراً على استيراد 24 نوعاً من النفايات، إلى جانب إلزام المصدرين بألا تزيد الشوائب في المخلفات المسموح باستيرادها عن 0.5 في المائة، وهي نسبة يكاد يستحيل الوصول إليها، وفقاً لعدد من التجمعات المهنية العاملة في قطاع التدوير.
قرار الصين حظر استيراد النفايات الأجنبية، أربك البلديات وشركات إدارة النفايات في معظم أنحاء العالم، وجعلها تبحث عن بدائل آنية لحل مشكلة التدوير. لكن في المقابل، يعتقد عدد من الخبراء أن هذه الأزمة قد تفتح الباب لأفكار جديدة جريئة واستراتيجيات أكثر استدامة في قطاع حيوي مكلف مادياً وبيئياً وصحياً.
كانت الصين، حتى وقت قريب، الوجهة المفضلة للتخلص من النفايات المكلفة تحت مسمى «تجارة المواد القابلة للتدوير»، واستقبلت وحدها نحو 45 في المائة من نفايات العالم البلاستيكية منذ سنة 1992. ومن المتوقع أن يتسبب الحظر الصيني في إبراز إشكالية التخلص مما مقداره 110 أطنان من النفايات البلاستيكية في غضون السنوات العشر المقبلة.
لندرك حجم المشكلة، يكفي أن نعلم أن صادرات الولايات المتحدة من المخلفات إلى الصين في 2017 بلغت قيمتها 5.6 مليار دولار، وأن نصف كمية الورق الذي تستهلكه الصين كانت تصنعه من النفايات الورقية التي تستوردها من الخارج.
وفي السنة الماضية، استوردت الصين 22.6 مليون طن من النفايات الصلبة بانخفاض مقداره 47 في المائة عن 2017 عندما لم يكن الحظر قائماً. كما انخفضت واردات البلاد من البلاستيك بنسبة 99 في المائة، ومن الورق المختلط بمقدار الثلث، في حين كانت مخلفات الألمنيوم والزجاج أقل تأثراً بالحظر.
ومع تراجع وصول النفايات إلى الصين، أخذت مشكلات إدارة النفايات تتصاعد في البلدان الغربية. في بريطانيا، جرى حرق أكثر من نصف مليون طن من البلاستيك والنفايات المنزلية الأخرى العام الماضي. وفي أستراليا، تواجه صناعة إعادة التدوير أزمة في الوقت الذي تكافح فيه البلاد للتعامل مع مخزون وزنه 1.3 مليون طن من النفايات القابلة لإعادة التدوير التي كانت تسعى لتصديرها إلى الصين.
في جميع أنحاء الولايات المتحدة، تسعى الحكومات المحلية وشركات تدوير النفايات يائسة لإيجاد أسواق بديلة. وفي مقاطعات مثل دوغلاس وأوريغون وهانكوك وفيلادلفيا جرى تقليص أو إيقاف برامج إعادة التدوير المحلية، ما يعني أن كميات متزايدة من البلاستيك والورق تذهب إلى المكبات أو المحارق.
تدوير النفايات البلاستيكية مكلف نسبياً. وللعلم فإن معدل تدوير النفايات البلاستيكية عالمياً قبل تطبيق الحظر الصيني يقارب 9 في المائة فقط، في حين كان يتم حرق 12 في المائة من هذه النفايات، والتخلص من باقي الكمية في مكبات النفايات أو بشكل عشوائي في الأماكن المفتوحة والأنهار والمحيطات.
وكانت الصين وجهة لنحو 95 في المائة من المواد البلاستيكية المعدة للتدوير في الاتحاد الأوروبي، ويقابلها ما نسبته 70 في المائة في الولايات المتحدة، وذلك بفضل الأسعار المواتية لسفن الشحن التي تنقل السلع الاستهلاكية الصينية إلى الخارج، وتعود إلى الصين فارغة، إلى جانب انخفاض تكاليف العمالة في البلاد، وارتفاع الطلب على المواد المعاد تدويرها، وعدم تشدد المواصفات القياسية لتدوير المواد. لذلك توجب على هذه البلدان البحث عن أسواق بديلة لنفاياتها، فوجدت ضالتها في بلدان أخرى مثل الهند وتايلاند وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا وتركيا.
منذ الحظر الصيني، تضاعفت صادرات بريطانيا من النفايات إلى ماليزيا ثلاث مرات، حيث تعاني صناعة إعادة التدوير المحلية من نقص التمويل. وشهدت البلاد زيادة في أعداد مصانع تدوير النفايات غير المرخصة، حتى أن السلطات قامت منذ منتصف 2018 بإغلاق نحو 150 مصنعاً غير مرخص.
وفي تركيا، التي لا يمكن تصنيفها بين البلدان المتطورة في مجال معالجة النفايات، ارتفعت واردات النفايات البلاستيكية من 4 آلاف طن شهرياً في أوائل 2016 إلى 33 ألف طن شهرياً في أوائل 2018، ثم انخفضت الواردات لتستقر عند 20 ألف شهرياً اعتباراً من منتصف 2018، وهذا دفع منظمة «غرينبيس» مؤخراً إلى مطالبة الحكومة التركية بإعادة النظر في سياساتها الخاصة بتدوير النفايات البلاستيكية.
ومع الوقت، أدركت الدول الآسيوية مخاطر النفايات التي بدأت تصب في موانئها، وباشرت بتطبيق إجراءات متشددة لتقييد وصول النفايات. فأعلنت ماليزيا وتايلاند حظراً موقتاً على استيراد النفايات البلاستيكية، بعد أن سبقتهما فيتنام في تبني الإجراء ذاته. ومن المتوقع أن تلحقها باقي الدول، لتصبح أبواب آسيا مغلقة رسمياً أمام نفايات الغرب.
ومع وجود الكثير من العقبات التي تحول دون تصدير النفايات رسمياً إلى أوروبا الشرقية، ستكون بلدان أفريقيا الغربية، وربما بعض الدول العربية، هي المقاصد المحتملة لنفايات أوروبا وأميركا الشمالية، علماً بأن هذه المناطق كانت منذ فترة طويلة وجهة للاتجار غير الشرعي في النفايات الخطرة. وبغياب منشآت المعالجة في هذه البلدان، قد نشهد طرح خطط تعاون دولي لإقامة منشآت لمعالجة النفايات بتمويل غربي، على أن تستقبل هذه المنشآت كميات من النفايات الغربية بحجة تحسين جدوى «تدوير النفايات» أو «تحويل النفايات إلى طاقة»، أو ما شابهها.
يجادل بعض الخبراء بأن الدول المتقدمة ستضطر في النهاية إلى مواجهة التكلفة الحقيقية لإدمانها استخدام البلاستيك، ما سيحفز الاستثمار الذي تشتد الحاجة إليه في مرافق إعادة التدوير المحلية، وكذلك الابتكار في تصنيع البلاستيك لجعل المنتجات أكثر ملاءمة لاستخدامها في أغراض أخرى. كما يمكن أن تؤثر هذه الأزمة إيجاباً في الثقافة العالمية التي تتجاهل عادة مصير النفايات التي يجري التخلص منها.
في دراسة جديدة، نُشرت العام الماضي في دورية «ساينس أدفانسز»، وجد علماء من جامعة جورجيا أنه «مع استمرار تزايد إنتاج البلاستيك واستعماله، والتزام الشركات والدول بالاقتصادات الدائرية وزيادة معدلات إعادة تدوير البلاستيك، فإن كمية النفايات البلاستيكية التي تحتاج إلى معالجة ستستمر في الزيادة في المستقبل المنظور. ومن دون ابتكار الأفكار الجديدة الجريئة واستراتيجيات الإدارة، لن يتم الوفاء بمعدلات إعادة التدوير الحالية، وستكون الأهداف والجداول الزمنية الطموحة لنمو إعادة التدوير مستقبلاً صعبة المنال».
إن تطبيق التغييرات التي اقترحتها الدراسة والاستثمار في مرافق جديدة لإعادة التدوير يتطلب وقتاً. ويمكن للحكومات أن تتبنى الكثير من الحلول المترابطة كتحسين البنية التحتية لإدارة النفايات مع تشجيع الاستثمار في الحلول الأساسية مثل تحسين تكنولوجيا إعادة التدوير، واستخدام المواد البيولوجية البديلة، وتطوير تصاميم المنتجات والنظم التي تولد كميات نفايات أقل.
الجانب الإيجابي للحظر الصيني هو دفع العالم نحو تبني خيارات أفضل لإدارة النفايات، مثل توسيع قدرات المعالجة في أميركا الشمالية وأوروبا، وتحفيز المصنّعين على جعل منتجاتهم قابلة لإعادة التدوير بسهولة أكبر. وهذا يجب أن يكون، قبل كل شيء، دعوة للاستيقاظ بشأن الحاجة إلى خفض حاد للمواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، والتركيز على الحاجة إلى اقتصاد دائري أكثر استدامة، تظل فيه الموارد قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة.
على أرض الواقع، بدأت بعض المبادرات الإيجابية في الظهور. في الولايات المتحدة، تقوم الكثير من منشآت تدوير النفايات بتوسيع نطاق عملها، وتحديث معدّاتها، وإضافة عمال لتحسين عملية الفرز وتقليل التلوث، بحيث تكون المواد مقبولة لدى المشترين المتطلبين.
كما أعلنت شركات صينية عن خطط لافتتاح مصانع جديدة لمعالجة النفايات على الأراضي الأميركية، في ساوث كارولينا وألاباما. وستقوم هذه الشركات بتمزيق أو تدوير أشياء كحاويات المواد الغذائية البلاستيكية لتصنيع منتجات مثل النباتات الاصطناعية والأغطية البلاستيكية.
ويبدو أن السلطات الأوروبية أدركت القيمة الكامنة في البلاستيك. وتسعى استراتيجية البلاستيك الخاصة بالمفوضية الأوروبية، التي تم كشف النقاب عنها في مطلع 2018، لجعل جميع العبوات البلاستيكية قابلة لإعادة التدوير أو الاستخدام بحلول عام 2030، ما سيوفر 200 ألف وظيفة، مع زيادة قدرة إعادة التدوير أربعة أضعاف. كما اتخذت الكثير من مدن أميركا الشمالية، بما فيها سياتل وفانكوفر، وشركات مثل «ستاربكس» و«أميركان إيرلاينز» إجراءات لخفض المواد البلاستيكية ذات الاستخدام مرة واحدة مثل أدوات المائدة البلاستيكية ومصاصات العصير وأدوات تحريك المشروبات.
وتتوجه مدن ودول كثيرة حول العالم لتقييد استخدام أكياس التسوق البلاستيكية. كما تخطط بريطانيا لخفض الضرائب على شركات تصنيع العبوات البلاستيكية من المواد المعاد تدويرها بمقدار 30 في المائة. وتبنت النرويج مؤخراً نظاماً يدفع فيه صانعو القوارير البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد «ضريبة بيئية» تتناقص مع ارتفاع معدل استرجاع المنتج بعد استخدامه.
إن الحظر الصيني هو بمثابة فرصة لتحسين الإدارة المحلية للنفايات البلاستيكية، ودعوة لتعزيز الاستثمار في التقنيات والمبادرات الجديدة. وأياً تكن خياراتنا المستقبلية يجب أن نعمل على إشراك جميع أصحاب المصلحة، من مواطنين وحكومات وأصحاب شركات، للوصول إلى إدارة متكاملة ومستدامة للنفايات محلياً وعالمياً.


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».