كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة

عملوا سعاة بريد وغاسلي صحون ومهندسين وأطباء

كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة
TT

كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة

كُتّاب عرب يتحدثون عن تأثير «مهن القسوة» على عملية الكتابة

جعل الكثير من المبدعين من مهنهم بوابات للدخول إلى ميدان الإبداع، رغم أنها مهن قد تبدو غير ذات صلة بالكتابة، لكن أصحابها وجدوا فيها فسحة للتأمل والرؤية، كما فعل الراحل إبراهيم أصلان في مجموعته القصصية «وردية ليل» التي صور فيها مشاهداته خلال عمله لفترة بهيئة البريد كـ«بوسطجي»، وكذلك الأديب السوري زكريا تامر الذي تحوّل عمله في النجارة والحدادة لمشاهد حيّة ظهرت في أعماله.
هنا آراء بعض من خاضوا هذه التجربة حكوا عنها لـ«الشرق الأوسط» كيف حققوا ذلك، واستفادوا من مهنهم في فضاء الكتابة.
مهن القسوة
يستعير الشاعر السوري مروان علي عنوان ديوان للشاعر اللبناني بسام حجار «مهن القسوة»، متخذا منه متكأ لسرد حكايته مع المهن التي طافت به ما بين سائق وعتّال حبوب وغيرها الكثير، ويتذكر في حديثه قائلا: «خلال العطلة الصيفية في طفولتي، قرر أبي أن يبحث لي عن مهنة، عمي جميلو اقترح (ورشة الميكانيكا) عند صديقه الأرمني، أو لدى جدي نايفكو، وبعد أن تأمل جسدي الضعيف والمنهك، أكد أنه يستطيع تأمين عمل لي في مطعم دمشق مقر إقامته الدائمة. وكان والدي يفضل أن أعمل في مكتبة دار اللواء لصاحبها أنيس حنا مديواية حيث الثقافة والعلم والأخبار الطازجة الموجودة بين صفحات (السفير) و(المستقبل) و(الكفاح العربي) و(الهدف) و(الحرية)... وكنت أفضل أيضا العمل في المكتبة حيث أجمل بنات القامشلي.. ولم يقتصر عملي على ترتيب المجلات والصحف وتوزيعها على عدد من المشتركين من أصحاب المحلات في السوق بل تلبية طلبات بنات المكتبة. وفي الصف السابع وخلال عطلة الصيف، عملت في مطعم صغير قرب كراج الموصل في القامشلي، أغسل الصحون وأقشر الثوم وأمسح الطاولات. كان العمل متعبا جدا. وذات صباح قررت البقاء في سريري مستمتعا بالنوم. ثم عملت في مغسلة للملابس، وبائعاً متجولا للبندورة في شوارع قدور بك، وحين صادرت البلدية الميزان، رميت العربة في نهر الجغجغ في لحظة غضب ورجعت إلى كرصور، أمضيت الأسابيع الأخيرة من العطلة الصيفية في قراءة روايات أجاثا كريستي ونجيب محفوظ».
ويتابع صاحب «الطريق إلى البيت»: «في الصف العاشر عملت عتّالا في ورشة يشرف عليها (شرو بافي محمد) ولأنني لم أتحمل حزن العتالين الكرد الفقراء تركت الورشة رغم تهديدات شرور حيث كان يعاملني معاملة ابنه محمد الذي قتل بطعنة غادرة في ظهره، وفي الصف الحادي عشر، اشتريت دراجة نارية وكنت أنقل الركاب الذين يتأخرون في القامشلي إلى القرى المجاورة، في الليل أذهب مع أصدقائي أصحاب الدراجات إلى البدنة وهي منطقة أحراش تفصل بين القامشلي ونصيبين نسكر ونبكي على آهات إبراهيم تاتليسيس ومسلم غورسيز وفردي تيفور». وعن الحكمة التي خرج بها من تداول أيامه مع المهن يقول مروان: «تعلمت الشعر والحياة من العتالين وسائقي الدراجات وبائعي الخضار والعاطلين عن العمل في شوارع قدور بك وكرصور، أكثر مما تعلمت من الكتب، وظهر ذلك في كل ما كتبت».
دفاعا عن الأحلام
أما الكاتبة العراقية فاتن الصراف فقد دوّنت في كتابها «شجرة البمبر» لمحات من عملها في مجال الهندسة المعمارية، والذي جعلت منه مدخلا شخصيا يتسع لأحلام التحقق والمثابرة، عبر سيرة امتدت من طفولتها في البصرة، ومعاصرتها للحرب العراقية الإيرانية، وما تركته من أثر كبير على حياتها وما تبعها من قراراتها بسبب النزوح، ويومياتها كطالبة عمارة في بغداد ومسيرتها المهنية في العراق والتحديات التي واجهتها بسبب الحرب والحصار وصولاً إلى محطات مهمة في عملها في بلاد كأستراليا والإمارات العربية المتحدة.
تقول الصراف: «الكتاب كان رسالة للدفاع عن الأحلام، كتبت عن حلمي الخاص في أن أصبح مهندسة معمارية، تحدثت عن المصاعب التي واجهتني في هذه الدراسة والمهنة لكنها أيضا تنطبق على جميع المهن، وكذلك لأني اخترت جانبا من مهنة الهندسة تتردد النساء عادة في اختياره، وهو المقاولات الهندسية، نسمع كثيراً عن مهندسات ولكن قليلاً ما نسمع عن مقاول امرأة». وعما لمسته من تعلق طلبة العمارة بالجزء الخاص في الكتاب بيومياتها كطالبة هندسة، تقول: «هناك من تعلق بالجزء الخاص بعملي كمهندسة في مجال المقاولات، وهناك من تعلق بالفصول الأولى الخاصة بالحرب، وأتذكر أنه في أحد الأيام كنت في أستراليا وتأخرت الطائرة عن الإقلاع، كنت منزعجة وكتبت بوست على (فيسبوك) أعبر عن غضبي، أحدهم كتب لي تعليقا يطلب مني أن أقرأ الفصل الخاص بتعرض منزلي للقصف، قال لي عليكِ أن تتذكري هذه المصاعب وسوف تشعرين أن تأخر الطائرة أمر تافه لا يستحق الغضب. ثم قال لي: جربي ذلك دائماً لأني استخدم كتابك لهذا الغرض ودائماً ينجح الموضوع معي».
قتل الألم
في غرف العمليات يملك مخدر «البنج» زمام الأمور في العادة، آخذا من يسري في جسده إلى رحلة طويلة في اللاوعي، لكن الكاتب والقاص أحمد سمير سعد، وهو أيضا مدرس بقسم التخدير بكلية الطب بجامعة القاهرة وجد الكثير الذي يريد أن يسجله في كتابه «الإكسير... سحر البنج الذي نمزج»، ويقول عنه: «كل نشاط يعرفه البشر مهما ألزم نفسه بمعايير الخبرة والتجريب يحتوي على جانب إنساني، فما بالنا لو كان النشاط الذي نحن بصدده محاولة لقتل الألم والتخفيف عن المرضى في وقت يزداد الخوف فيه كثيرا وهم يسلمون أنفسهم طواعية لمبضع الجراح أملا في الشفاء.
الغريب أنني كنت أضع خطوات العمل في هذا الكتاب وأنا أستعد لاجتياز امتحانات الدكتوراه في التخدير.
على الهامش أكتب رؤوس المواضيع التي أود الحديث عنها، بعضها ربما قد اقترب من التقنية قليلا، لكن الهدف لم يكن التقنية أبدا بقدر ما كان تلك المساحات البينية ما بين التقنية والإنسان، لذا من يطالع الكتاب سيجد ذلك واضحا حتى في عناوين الفصول، مناقشة الوعي ومفهومه فلسفيا وطبيا وكذلك النوم والتخدير والغيبوبة في مس طريف وخفيف للأسطورة كأسطورة هيدز حاكم العالم الآخر وكذلك للتجارب الحديثة في هذا الشأن. ناهيك عن مناقشة تاريخ الممارسة نفسها والبدايات الأولى المدهشة. مناقشة الخطأ الطبي وفلسفة العقوبة والتشريع مستعينا بالقصة الشهيرة للفنانة سعاد نصر. مناقشة تأثير بعض العقاقير السحرية. صورة طبيب التخدير في المخيلة الشعبية وواقعية ذلك من عدمه. خبرتي الشخصية. وأخيرا مستقبل هذه الممارسة».
في مقدمة الكتاب استخدم سعد تعبير «معبد البنج»، وعنه يقول: «استخدمت هذا الوصف لأن كلمة معبد تستدعي غالبا مفهوم الكهانة والكهنة... هكذا يبدو التخدير سرّا يقوم عليه مجموعة من الكهنة وممارسة طقوسية لا يدري أغلب الناس عنها شيئا حتى أوسعهم ثقافة واطلاعا.
الغريب أن أطباء التخدير أنفسهم القائمين على الأمر وإن كانوا على دراية واسعة بالتقنية إلا أنهم يقفون أمام مفاهيم مثل الوعي وتغييبه واستحضاره بذات الطريقة التي يقف بها الكاهن أمام مفاهيم من نوع الروح والروحانية والقدر والعناية الإلهية... ما حاولته هو تسريب بعض أسرار هؤلاء الكهنة ومساعدة نفسي ومساعدة بعض الكهنة كذلك في مقاربة بعض هذه المفاهيم الصعبة والخفية دون وصول بالتأكيد لإجابات نهائية، ربما لا يمتلكها أحد لكن من أجل النظر إلى عمق الصورة على نحو أفضل».
ويخلص سعد، الحائز على جائزة الشارقة للإبداع العربي 2018 قائلا: «حقيقة كانت عملية كتابة هذا الكتاب ممتعة للغاية، ربما لم يحمل تحريرا من الضغط العصبي للعمل بالمعنى المباشر، ذلك لأن كل مريض جديد هو تحد جديد، يستدعي مشاعر الأمل والرجاء. إلا أنه يمكنني أن أقول إن هذا الكتاب كان تأملا أعمق بزاوية أوسع قليلا ومثل هذه التأملات تضخ في العروق الكثير من الطمأنينة والسلام والقبول - وأجرؤ على القول - والمزيد من الحكمة ربما».
تدوين نفسي
في كتابها «شيزلونج - مذكرات معالجة نفسية» نقلت الدكتورة وفاء شلبي اختصاصية العلاج النفسي مفردات عالمها إلى ساحة الكتابة، مؤكدة على أنه «لا يوجد ألم أعظم من ألم آخر». تقول شلبي: «كتبت هذا الكتاب ومن قبله كتابي الأول (أنا مريضة نفسيا) بسبب رغبتي في نقل عالم التوعية النفسية للقارئ دون استخدام مصطلحات معقدة وبلغة مبسطة، وقد لجأت في كتابي الأول إلى التدوين الشخصي واليوميات، خاصة أنني كنت أحرص على التدوين لهذه اليوميات، قبل أن أتجه للنشر الورقي للكتاب، أما الكتاب الثاني فهو أقرب لقالب الحكاية والقصة. وقد استفدت كثيرا من الكتابين، وأحس أن كتابة هذه التجربة، ساعدتني في الكشف عن أشياء، ربما لم أكن ألتفت إليها، تأتي في صدارتها العلاقة مع قارئ مفترض أو ضمني».
أثر المهنة
الروائية المصرية ضحى عاصي قالت في إحدى مناقشاتها لروايتها «القاهرة 104» إنه بحكم عملها كمرشدة سياحية لأكثر من عشرين عاما، لمست بشكل شخصي تعلق عدد كبير من الناس من كل العالم بالروحانيات التي ربما يبحثون عنها في المعابد المصرية القديمة، في مشهد غارق في الضعف والقوة في آن واحد، وهو المنحى الذي ألهمها كتابة شخصية «انشراح» بطلة روايتها، الغارقة في الإيمان بقوة الروحانيات، رغم أن البطلة ليست مرشدة سياحية مثلها، تقول ضحى عاصي: «المهنة التي يمارسها الإنسان هي جزء من تكوينه وعالمه، وبالضرورة تؤثر على مهارته وخبراته، والتي من دون أدنى شك تظهر في كتابته حتى لو لم يتطرق إلى مهنته وتفاصيلها بشكل مباشر، مثلا إذا كان الكاتب طبيبا هذا لا يعنى أنه سيصف حالات المرضى، ولكن خبرته في التعامل مع الإنسان في لحظات الضعف والألم حتما ستظهر في أعماله، عن نفسي لم أكتب بشكل مباشر عن مهنتي في الإرشاد السياحي والترجمة الفورية، فلم أكتب مثلا عن الحضارة المصرية القديمة بتنويعاتها، والتي قضيت عمري أشرحها وأحفظ كل رسم على جدران معابدها، ولكنى أعتقد أن معرفتي بهذا البعد الحضاري والتاريخي للشخصية المصرية يظهر حتى لو من دون قصد في رسم الشخصية الروائية بالإضافة إلى اتساع الجغرافيا والتاريخ فكل هذه التفاصيل المعرفية من المؤكد لها أثر ما في كتاباتي».



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.