بروفايل: أكرم إمام أوغلو... سياسي صاعد يحمل آمال الأتراك بالتغيير

بات أكبر تهديد لنفوذ إردوغان بعد فوزه برئاسة بلدية إسطنبول

بروفايل: أكرم إمام أوغلو... سياسي صاعد يحمل آمال الأتراك بالتغيير
TT

بروفايل: أكرم إمام أوغلو... سياسي صاعد يحمل آمال الأتراك بالتغيير

بروفايل: أكرم إمام أوغلو... سياسي صاعد يحمل آمال الأتراك بالتغيير

يطلق على نفسه لقب «الأمل للباحثين عن أمل». ويعد بـ«ثورة من أجل الديمقراطية»، بعدما انتزع رئاسية بلدية إسطنبول، التي بقيت حكراً على الأحزاب الإسلامية لربع قرن من الزمان، قبل أن تُنتزع منه قبل أيام بقرار من اللجنة العليا للانتخابات.
اللجنة انتزعت المنصب من السياسي الشاب أكرم إمام أوغلو بعد 19 يوماً فقط من فوزه به في واحد من أغرب المشاهد التي عايشتها تركيا في تاريخها الحديث.
غير أن إمام أوغلو لم ييأس... بل أطلق عبارته التي أصبحت مقولة يردّدها الناس في أنحاء كبريات مدن تركيا: «كل شيء سيكون على ما يرام»، متوقعاً أنه سيفوز في جولة الإعادة في 23 يونيو (حزيران) المقبل بالمنصب من جديد «لا لشيء إلا لأن الناس أحبوه»، كما يؤكد.

عرفت تركيا، على مدى تاريخها، ظهور سياسيين من نوعية الزعماء الشباب بعد فترات تعتري فيها البلاد شيخوخة سياسية تدفع الناس إلى الحديث الجادّ عن «الدم الجديد».
هؤلاء الشباب يأتون دائماً لقلب المعايير وتغيير مسار السياسة وثبات الحكم... فيما يشبه العاصفة أو الثورة التي تندلع فجأة.
في الانتخابات المحلية التي شهدتها تركيا يوم 31 مارس (آذار) الماضي لم يكن أكثر المتفائلين في صفوف المعارضة، ولا أكثر المتشائمين في صفوف حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) الحاكم، يتوقع أن يفوز مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول متفوقاً على السياسي المخضرم رئيس الوزراء والبرلمان السابق بن علي يلدريم.
ما كان هذا في الحساب على الرغم من أن استطلاعات الرأي كانت تشير إلى احتمال حدوث ذلك. أما الرئيس رجب طيب إردوغان، لفرط ثقته في حسم الانتخابات لصالح يلدريم، فرفض أن يصدّق استطلاعات الرأي التي اعتبر أنه يجري التلاعب بها، وهو الذي طالما اعتمد عليها، وحزبه، على مدى 17 سنة.

- صعود قوي
لم يتمكن إمام أوغلو من تسلّم منصبه كرئيس لبلدية إسطنبول، رغم إعلان فوزه به، إلا بعد 17 يوماً وإعادة فرز كل الأصوات الباطلة في جميع دوائر إسطنبول (39 دائرة). أيضاً، بعد التدقيق والبحث في مناطق وأحياء بعينها، مثل بويوك تشكمجه ومالتبه، وفي أعقاب فحص الطعون وطلبات الإعادة والتشكيك في نزاهة العملية الانتخابية من جانب حزب العدالة والتنمية الحاكم. بعد كل ذلك، أعلنت لجنة الانتخابات فوز أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية المدينة، في ضربة قوية لإردوغان الذي يولي أهمية خاصة لإسطنبول، أي المدينة - المعقل التي شهدت لمعان نجمه في بداية مشواره السياسي، ومن رئاسة بلديتها انتقل ليصبح رئيساً للوزراء ثم رئيساً للجمهورية. ولكن بعد 19 يوماً فقط، وتحت ضغط حزب إردوغان، قررت لجنة الانتخابات إعادة الاقتراع على منصبه فقط، من دون إعادة الانتخابات في إسطنبول بالكامل.
يُعد أكرم إمام أوغلو من الوجوه الجديدة الصاعدة في عالم السياسة التركية. وينتمي إلى جيل الشباب نسبياً، بعكس قيادة حزب الشعب الجمهوري الذي ينتمي إليه ويتزعّمه كمال كليتشدار أوغلو البالغ من العمر 71 سنة.

- النشأة والبداية السياسة
وُلد إمام أوغلو في مدينة أقشى آباد الصغيرة التي تقع إلى الغرب من مدينة طرابزون، المطلة على البحر الأسود شمال شرقي تركيا، عام 1970. ويتحدر من أسرة محافظة متدينة لها تاريخ طويل في العمل السياسي، فوالده حسن إمام أوغلو هو مؤسس فرع حزب «الوطن الأم»، الذي تزعمه رئيس وزراء تركيا الراحل تورغوت أوزال، في منطقة طرابزون. وبعد إنهاء أكرم دراسته الابتدائية والثانوية في طرابزون، تخرج في كلية إدارة الأعمال بجامعة إسطنبول.
إمام أوغلو اعترف بأنه ينحدر من أسرة محافظة، إلا أنه قال إنه أصبح أكثر تحرراً وتبنى القيم الديمقراطية الاجتماعية إبان مرحلة دراسته الجامعية، مع أنه لم ينخرط في العمل السياسي حتى عام 2008، عندما انضم إلى حزب الشعب الجمهوري.
بعدها بعام فقط، أي عام 2009، انتزع رئاسة بلدية حي بيليكدوزو في الشطر الأوروبي من إسطنبول من حزب العدالة والتنمية. وفي انتخابات عام 2014، سيطر إمام أوغلو وحزبه على البلدية ورئاستها وأقصى حزب العدالة والتنمية تماماً منها. وبفضل هذا الأداء الجيد تنبه حزب الشعب الجمهوري لما أنجزه إمام أوغلو في إدارة حي بيليكدوزو خلال السنوات الخمس الماضية، فرشحه في الانتخابات الأخيرة لرئاسة بلدية إسطنبول التي تضم 8.5 مليون ناخب من بين عدد سكانها البالغ 16 مليون نسمة.

- خطاب حصيف عاقل
خاض إمام أوغلو حملته الانتخابية بحصافة وتعقّل، متفادياً إثارة الانقسام واستفزاز الناخبين. ولجأ إلى خطب ود مختلف قطاعات الناخبين من دون تفرقة على أساس الانتماءين السياسي أو الحزبي. واستعاض عن وسائل الإعلام التقليدية الخاضعة تماماً لسيطرة حزب إردوغان بوسائل التواصل الاجتماعي التي قدمته إلى مختلف شرائح المجتمع، خصوصاً الشباب.
بهدوء تام، توجه أكرم إمام أوغلو إلى الناخبين القاطنين في الأحياء التي تُعد معاقل لحزب العدالة والتنمية، وتجول في شوارعها، وتحدث إلى الناس، في مسعى لكسب ود المواطنين العاديين. في المقابل، كان إردوغان يخوض الحملة الانتخابية شخصياً نيابة عن حزبه، لدرجة أنه ألقى 8 خطابات أمام الناخبين بإسطنبول في آخر يوم من الحملة الانتخابية. وحقاً، أثار هذا التصرف تساؤلات عن السبب الذي يدفع رئيس الجمهورية لخوض حملة الانتخابات المحلية، مع أنها ليست انتخابات مفصلية، ولا هي انتخابات برلمانية أو رئاسية، بينما لا يظهر المرشحون أنفسهم مثل بن علي يلدريم في إسطنبول.
وبعكس خطاب إردوغان، الحماسي والصدامي، اتسم خطاب إمام أوغلو بالهدوء والمنطقية والود، وركّز على احتياجات الناس والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب تركيا ويكتوي بها الشعب التركي، مُبرزاً عجز الحكومة عن التوصّل إلى حلول لها.
وحتى بعد إعلان نتائج الانتخابات، تحدث إمام أوغلو أمام أنصار حزبه في المدينة موجهاً كلامه لأنصار إردوغان، في أعقاب تبيان لجنة الانتخابات تقدمه بفارق بسيط على مرشح إردوغان من «العيار الثقيل» مثل بن علي يلدريم. وقال إن العملية «يجب أن تجري باحترام وتفاهم وبالحوار متبادل، وأدعو رئيسي رجب طيب إردوغان إلى إبداء منتهى الحرص في هذا المجال، وتخفيف التوتر، خدمةً لمصلحة الوطن والمنطقة. وأرجو التوصل إلى حل عادل بأسرع وقت ممكن، وتلافي إلحاق الضرر بسمعة تركيا دولياً».
لقد نجح إمام أوغلو في أن يقدّم وجهاً جديداً للعلمانيين الأتراك، لا يتصادم مع الدين ولا يستغله، أو يوظفه أيضاً لأهداف سياسية، إذ حضر إمام أوغلو صلاة الغائب على أرواح ضحايا هجوم كرايستشيرتش في نيوزيلندا قبل الانتخابات، وقرأ بعض الآيات القرآنية. وكانت هذه لفتة تناقضت مع الصورة النمطية عن حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي، بينما كان إردوغان يستخدم الفيديو الصادم للمذبحة للهجوم على الغرب واتهامه بالعداء للإسلام.

- كسب الناخبين الأكراد
وللمرة الأولى أيضاً، نجح إمام أوغلو من خلال نهجه الهادئ والتصالحي في اجتذاب تأييد الأكراد. ورغم تفادي إردوغان وحزبه، المتحالف مع حزب الحركة القومية التركي اليميني المتشدد، استفزاز الناخبين الأكراد خلال الحمة الانتخابية، فإن هذا التحالف كان كفيلاً بإبعاد أصوات الأكراد عن مرشح العدالة والتنمية وتوجيهها إلى إمام أوغلو بكثافة. وبالنتيجة، امتنع حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد عن تقديم مرشحين له في إسطنبول وأنقرة وغيرها من المدن الكبرى، حيث لا يشكّل الأكراد غالبية السكان، ووجه أصواته فيها إلى مرشحي «تحالف الأمة» المكون من حزبي الشعب الجمهوري والحزب الجيد.

- منافس إردوغان
من جهة ثانية، على الرغم من أن إمام أوغلو لم يكن ينافس في انتخابات برلمانية أو رئاسية فإنه قدم نفسه على الساحة كمنافس مستقبلي للرئيس إردوغان، الذي استهدفته خطاباته، أثناء الجملة الانتخابية وبعد فوزه، من خلال التشكيك في نتائج الانتخابات.
وبالتالي، دفع النجاح الذي حققه إمام أوغلو في إسطنبول على الرغم من الضغوط الشديدة ضده وغياب الدعم الإعلامي، كثيرين من السياسيين والمراقبين إلى النظر إليه كمنافس محتمل يصلح لخوض انتخابات الرئاسة المقبلة في 2023. بل إن رئيس البرلمان نائب رئيس الوزراء الأسبق بولنت آرينج، أحد القيادات التاريخية لحزب العدالة والتنمية، عبّر عن ذلك بقوله إنه كلما هاجم إردوغان إمام أوغلو، زاد من وزنه السياسي على الساحة... وفتح أمامه الطريق إلى المنافسة على رئاسة الجمهورية بعد أقل من 5 سنوات.
إذن، يظهر الآن على الساحة المنافس الذي يهدد نفوذ إردوغان في المستقبل. وهو يتمتع بحظوظ كبيرة للفوز بنسبة أعلى من المرة الماضية في معركة الإعادة بإسطنبول. وهذا (على الأقل) ما تعكسه أرقام معجبيه على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل «تويتر» و«إنستغرام»، بعدما تخطى عدد متابعيه شخصيات كبيرة من حزب العدالة والتنمية، مثل وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو أو وزير الخزانة والمالية، صهر إردوغان برات البيراق، بل حتى منافسه المخضرم بن علي يلدريم.
أيضاً، أعاد الحضور اللافت لإمام أوغلو صورة الزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش، الذي لمع نجمه على الساحة السياسية عام 2015، وهو في الـ45 من العمر. دميرطاش قاد حزب الشعوب الديمقراطي إلى البرلمان للمرة الأولى التي يدخل فيها حزب كردي إلى البرلمان، ويشكل مجموعة برلمانية بعد تخطي الحاجز النسبي (10 في المائة من أصوات الناخبين الأتراك) في انتخابات 7 يونيو 2015. ولقد أحرج هذا الحزب حزب العدالة والتنمية الحاكم وحرمه للمرة الأولى منذ عام 2002 من الحصول على الغالبية وتشكيل الحكومة منفرداً في الانتخابات المبكرة التي أجريت في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه. يومذاك، لجأ إردوغان لتلك الانتخابات لنفوره من فكرة أن تشهد تركيا حكومة ائتلافية وجد رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو صعوبة في تشكيلها مع أحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان. ومن ثم، اختار إردوغان الانتخابات المبكرة بدلاً من تسليم الحكومة إلى حزب الشعب الجمهوري، ثاني أكبر الأحزاب في البرلمان، كما يقضي القانون.

- تكرار الفوز
يرى مراقبون أن معركة الإعادة في إسطنبول بين إمام أوغلو ويلدريم «خطوة غير محسوبة من إردوغان»، الذي بدا همه الوحيد منصرفاً لاستعادة نفوذه على المدينة التي تشكل القلب النابض اقتصادياً وثقافياً في تركيا، دون حساب لنتائج هذه الخطوة على صورة البلاد في الخارج.
فضلاً عن ذلك، فإن الحزب الحاكم تخلى عن ميثاق غير مكتوب بين الدولة ومواطنيها يقوم على احترام نتائج صناديق الاقتراع من الجانبين. ولذا يُخشى أن يكون التحايل الذي تعرّض له إمام أوغلو لنزع مقعد رئاسة البلدية منه مؤشراً على نهاية العملية الانتخابية الشفافة والنزيهة في تركيا.
اليوم يدرك إمام أوغلو حقيقة توق الشارع التركي إلى التغيير، والحديث المتصاعد عن الحاجة إلى دم جديد. ولذا كان خطابه الأول بعد قرار اللجنة العليا للانتخابات يوم الاثنين الماضي، الذي ألقاه في تجمع جماهيري مساء اليوم ذاته، موحياً بذلك؛ إذ قال مخاطباً الجماهير ومواطني إسطنبول: «تريدون الأمل...؟ الأمل هنا»، وأشار إلى نفسه.
ثم تعهد بأن «كل شيء سيكون على ما يرام»... وهي الجملة التي تحولت إلى «التريند» الأعلى تداولاً في تركيا، حتى الآن وأصبحت تتردد على الألسن في إسطنبول ومختلف أنحاء تركيا، في ظل استياء واسع من الضغوط التي مارسها حزب إردوغان لإزاحة إمام أوغلو من منصبه، بعد أن قال الناخبون كلمتهم واختاروه.
وفي لقاء مع قناة «فوكس التركية»، في اليوم التالي لقرار اللجنة، بدا إمام أوغلو واثقاً من تحقيق فوز أعرض في الإعادة، إذ قال: «لقد شككوا بفوزي في الانتخابات وقرروا الإعادة. ومع أن أظرف التصويت تحتوي 4 بطاقات انتخابية لرؤساء البلديات والأقضية والمخاتير وأعضاء مجالس البلديات... فإنهم شككوا فقط في نتيجة بطاقة واحدة هي بطاقة رئيس البلدية... لكنني واثق من الفوز. أقول هذا لأنني أدرك أن الناس تحبني. نعم لقد أحبني الناس في إسطنبول؛ الشباب والسيدات الكبار... فوزنا كان حلالاً، لكنهم بذلوا كل ما في وسعهم ليسرقوه في أول أيام رمضان».


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.