كيف يمكن لنادي كرة قدم أن يؤثر على مدينة بأكملها؟

هبوط سندرلاند تسبب في أزمة اقتصادية بالبلدة وإحجام السكان عن الإنفاق بسبب «أحزانهم الكروية»

اقتراب سندرلاند من الترقي خفف من أزمة أصحاب المحلات الذين يعانون من قلة الإنفاق
اقتراب سندرلاند من الترقي خفف من أزمة أصحاب المحلات الذين يعانون من قلة الإنفاق
TT

كيف يمكن لنادي كرة قدم أن يؤثر على مدينة بأكملها؟

اقتراب سندرلاند من الترقي خفف من أزمة أصحاب المحلات الذين يعانون من قلة الإنفاق
اقتراب سندرلاند من الترقي خفف من أزمة أصحاب المحلات الذين يعانون من قلة الإنفاق

عندما يواجه سندرلاند نادي بورتسموث في الملحق المؤهل لدوري الدرجة الأولى، اليوم، فإن تشجيع نادي سندرلاند لن يقتصر على عشاق كرة القدم فقط، لكنه يمتد إلى أصحاب المحلات والمشروعات التجارية في المدينة، حيث يقول أندي برادلي، مدير متجر «بريدجس» في قلب مدينة سندرلاند: «عندما تكون الروح المعنوية مرتفعة، ينفق الناس أكثر، والعكس صحيح. وعندما يؤدي الفريق بشكل جيد، ينفق الآباء أموالهم على شراء هدايا لأطفالهم».
وبالتالي، فإن نجاح نادٍ لكرة القدم يمكن أن يكون له تأثير على اقتصاد مدينة بأكملها، والدليل على ذلك أنه عندما فاز ليستر سيتي بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز عام 2016، زاد الاستحواذ على المشروعات الاقتصادية في مدينة ليستر، حيث أشارت مجموعة «إي واي» المهتمة بالشؤون المالية إلى أن حصول ليستر سيتي على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز قد أسهم بمبلغ 140 مليون جنيه إسترليني بشكل مباشر في الاقتصاد المحلي.
وقد يكون للهبوط تأثير معاكس تماماً؛ فبعد عشر سنوات من البقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز، فإن هبوط سندرلاند مرتين متتاليتين في عامي 2017 و2018، الذي تمت الإشارة إليه في الفيلم الوثائقي «حتى أموت» الذي أذيع على شبكة «نتفليكس»، كان بمثابة ضربة قوية للكبرياء الرياضية، بل بمثابة صدمة للمدينة بأكملها. وكان برادلي من بين أولئك الذين شعروا بهذا الألم، حيث يقول: «كرة القدم لدينا تهبط بنسبة أربعة في المائة عاماً بعد عام». ويضيف: «بدون أدنى شك، كان لهبوط سندرلاند تأثير علينا. إن انخفاض أعداد الجمهور من نحو 40 ألف متفرج أو أكثر يعني انخفاض أعداد المشجعين الذين يدفعون الأموال مقابل ترك سياراتهم في الأماكن التي نخصصها للسيارات، وشراء الوقود واستخدام باقي البنى التحتية في المدينة. ومن المؤكد أن هبوط الفريق يؤثر على الروح المعنوية للناس».
ومع ذلك، فإن المشكلات التي يعاني منها الفريق لا تؤثر على الجميع بشكل متساوٍ، فعلى سبيل المثال استفاد فندق «هيلتون غاردن إن»، الذي يقع في حرم ملعب نادي سندرلاند، من إقامة فرق الدوريات الأدنى في الفندق. وعلى العكس من ذلك، تعاني الشركات الصغيرة في المدينة من حقيقة أن جمهور أندية الدوري الإنجليزي الممتاز يكون أكثر رغبةً في السفر من نظيره في الفرق التي تلعب في دوريات أدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز، وبالتالي يقلّ الطلب على التعامل مع هذه الشركات.
وفي الوقت نفسه، فإن النجاح النسبي الذي حققه سندرلاند في دوري الدرجة الأولى قد خفف نسبياً من التأثير السلبي على محلات إنتاج الوجبات السريعة وشركات سيارات الأجرة والحانات. يقول مالك إحدى الحانات: «نظراً لأن سندرلاند يفوز بمزيد من المباريات، فإن الجمهور يشعر بالسعادة، وعندما يشعر بالسعادة فإنه ينفق أموالاً أكثر».
وعلى بُعد مسافة قصيرة بالسيارة، يقع متنزه التصنيع المتقدم الدولي في مكان مقابل لمصنع «نيسان» للسيارات، ومن المقرر أن يتم ضخ 400 مليون جنيه إسترليني لعمل استثمارات في القطاع الخاص تسهم في توفير سبعة آلاف فرصة عمل. ومع ذلك، يحذر بول سويني، مدير السياسات والبحوث في «مركز دراسات المدن»، من التناقضات الاقتصادية، قائلاً: «سندرلاند في موقف غريب، فعلى الرغم من أن معدل التوظيف أعلى مما كان عليه في أواخر السبعينات من القرن الماضي، فإن المشكلة تكمن في أن كثيراً من هذه الوظائف منخفضة الأجر. وبالتالي، يكمن التحدي في خلق فرص عمل تتطلب مهارات أكبر وبأجور أعلى، ومواصلة تجديد مركز المدينة الذي لا يزال غير جذاب بالشكل الذي نريده».
وسوف يشجع سويني سندرلاند في ملحق التصفيات المؤهلة لدوري الدرجة الأولى، لكنه لا يعتقد أن اقتصاد المنطقة ككل يتوقف على مصير نادي كرة القدم. ويقول: «يتمتع سندرلاند بقيمة تجارية ضخمة ويعني الكثير للكثير من الناس، وهذه العلامة التجارية الكبيرة تجعل الناس يفترضون أن تأثيرها على الاقتصاد المحلي سيكون أكبر بكثير من تأثيرها الفعلي».
وعلى الرغم من انخفاض عدد الجمهور في «ملعب الضوء» الذي يحتضن مباريات الفريق ويتسع لـ49 ألف متفرج، عن الأعداد التي كان عليها عندما كان الفريق يلعب في الدوري الإنجليزي الممتاز، فقد بلغ متوسط الحضور الجماهيري هذا الموسم 32 ألف متفرج، وهو أعلى من متوسط الحضور الجماهيري لكثير من الأندية المشاركة في الدوري الإنجليزي الممتاز. ويعتقد سويني أن بعض الأموال التي يتم توفيرها من انخفاض الإقبال الجماهيري تنفق في أماكن أخرى من المدينة، قائلاً: «إذا لم يذهب الناس إلى المباراة، فإنهم قد يأكلون بالخارج بدلاً من ذلك. وعلى الرغم من أن إنفاق الجمهور في يوم المباراة يُعد أمراً حيوياً بالنسبة لبعض الشركات والحانات في كل مكان، فإنه يلعب دوراً صغيراً إلى حد ما في الاقتصاد المحلي الإجمالي».
ويضيف: «تساهم الفنادق والمطاعم والحانات بنسبة 13 في المائة في اقتصاد سندرلاند كل عام. ومن المحتمل أن يشكل الإنفاق المرتبط بيوم المباراة - الذي يحدث في نحو 23 يوماً في السنة - جزءاً صغيراً من هذه النسبة. إنه ناد عريق ومعروف بالخارج، لكن دوره الاقتصادي صغير نسبياً».
ويقول مارك غريغوري، كبير الاقتصاديين في شركة «إي يو» بالمملكة المتحدة: «تتأثر بعض الشركات المحلية مباشرة في أعقاب هبوط الفريق لدوري في الدرجة الأدنى، لكن التأثير غير المباشر لتخفيض الإنفاق غالباً ما يتم الشعور به على نطاق أوسع بمرور الوقت». ويضيف: «عادة ما تخسر المدن بسبب نقل المباريات عبر شاشات التلفزيون للدول الخارجية، حيث تُبث مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز في جميع أنحاء العالم، وهو ما يكون له تأثير، حتى وإن كان طفيفاً، على الشركات المحلية، خصوصاً تلك التي تعمل على المستوى الدولي. كما شهدت بعض المدن انخفاض اهتمام الطلاب بالدراسة بها نتيجة لذلك».
لكن جامعة سندرلاند مزدهرة، ويعتقد لورانس بيلامي، عميد كلية الأعمال والقانون والسياحة بالجامعة، إن هناك مبالغة في تأثير هبوط الفريق على المدينة. وأضاف: «أهمية كرة القدم بالنسبة لاقتصاد هذه المدينة تقل كثيراً عن أهمية التصنيع المتقدم». وقد استفادت منطقة ويرسايد من بيع نادي سندرلاند في الصيف الماضي، حيث أعاد ستيوارت دونالد، المالك الجديد، توطيد العلاقات بين النادي والجمهور في المدينة، التي كانت غير جيدة في بعض الأحيان خلال فترة سلفه الملياردير الأميركي، إليس شورت. وساعد دونالد في إنشاء نادٍ للتواصل مع الشركات المحلية، مما سهل، من بين أمور أخرى، الاستثمار المجتمعي من خلال مؤسسة «فونديشن أوف لايت» الخيرية لكرة القدم.
وتقول ناتاشا ماكدونو، رئيسة لجنة سندرلاند في الغرفة التجارية بشمال شرقي إنجلترا، ومالكة شركة للتسويق: «يصاحب هبوط الفريق مستوى جديد من مشاركة الشركات المحلية مع النادي». وعملت ماكدونو في السابق في لوس أنجليس ولندن، لكنها تقول إنها «لم تنظر إلى الوراء أبداً» منذ الانتقال إلى ويرسايد. وخلال الشهر المقبل، ستقيم حفلاً غنائياً لفريق «سبايس غيرلز» على «ملعب الضوء». ومن المتوقع أن يحضر نحو 30 ألف شخص من خارج سندرلاند أول حفل ضمن مجموعة من الحفلات الصيفية التي يتوقع مجلس المدينة أن تدر أرباحاً تصل إلى أربعة ملايين جنيه إسترليني على الاقتصاد المحلي.


مقالات ذات صلة


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».