باريس تسعى لإقناع العراق بمحاكمة «الدواعش» الفرنسيين على أراضيه

باريس تسعى لإقناع العراق بمحاكمة «الدواعش» الفرنسيين على أراضيه

مخاوف حكومية ورفض شعبي لإعادتهم
الأحد - 1 شهر رمضان 1440 هـ - 05 مايو 2019 مـ رقم العدد [ 14768]
باريس: ميشال أبو نجم
في كل التصريحات العلنية التي صدرت عن المسؤولين الفرنسيين والعراقيين بمناسبة زيارة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي إلى باريس، ثمة موضوع بقي في الظل رغم أنه أحد المواضيع الأكثر إزعاجاً للمسؤولين الفرنسيين لأنه يتناول مصير الدواعش الفرنسيين المحتجزين لدى «قسد» و«قوات سوريا الديمقراطية» شمال وشمال شرقي سوريا. وبعكس ما تؤكده السلطات الفرنسية المعنية (وزارات العدل والداخلية والخارجية) بشأن «ثبات» سياستها إزاء هذا الملف المتفجر، فإن مواقف باريس كانت متذبذبة ومتقلبة بتقلب الظروف والمعطيات. وتقوم الصيغة «الأخيرة» على مبدأ أن المتشددين الفرنسيين أو المقيمين على الأراضي الفرنسية يجب أن يحاكموا في المناطق التي ارتكبوا فيها جرائمهم أو جنحهم أي في العراق وسوريا. أما بشأن القاصرين، فإن الموقف الفرنسي يقوم على النظر في كل حالة على حدة. ورغم الدعاوى التي قدمتها عائلات القاصرين، أمام المحاكم الفرنسية أو الأوروبية أو حتى لدى الأمم المتحدة، فإن باريس ما زالت حتى اليوم متمسكة بموقفها.
حقيقة الأمر أن المشكلة الحقيقية بالنسبة لفرنسا تتمثل في مصير الجهاديين والجهاديات وعائلاتهم المحتجزين في المناطق الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية، والسبب في ذلك أن هذه المناطق ليس لها وضع قانوني معترف به دولياً، كما أنها لا تتمتع بمحاكم رسمية، وبالتالي فإنها غير مؤهلة لمحاكمة الجهاديين المعتقلين لديها أكانوا فرنسيين أو غير فرنسيين. من جهة أخرى، لا تريد باريس أن يسلموا إلى السلطات السورية التي يمكن أن تستخدمهم لاحقاً كورقة مساومة. أما على المستوى الفرنسي الداخلي، فإن كل استطلاعات الرأي تبين أن غالبية ساحقة من الفرنسيين لا ترغب في عودة هؤلاء إلى الأراضي الفرنسية خوفاً من الإرهاب، بل إن هذا الرفض ينسحب أيضاً على القاصرين. ومع اقتراب موعد الانتخابات الأوروبية نهاية مايو (أيار) الجاري وصعود التيارات اليمينية المتطرفة، فإن الحكومة الفرنسية تتجنب منح اليمين المتطرف السوط الذي سيجلدها به.
إزاء هذه التعقيدات، لم يتبق للحكومة الفرنسية من حلول سوى «الحل العراقي»، أي أن تقبل السلطات العراقية استقبال هؤلاء الجهاديين وأن يحاكموا أمام محاكمها. لكن بغداد، الراغبة في مساعدة فرنسا وبلدان أوروبية صديقة ساعدتها في حربها على «داعش»، كان عليها، أولاً، أن تبرر قانونياً هذه اللفتة، وثانياً أن تطلب «الثمن المقابل». وبالنسبة للنقطة الأولى، تربط بغداد قبول محاكمة هؤلاء الجهاديين بارتكابهم أعمالاً جرمية على الأراضي العراقية. أما بالنسبة للنقطة الثانية، فإن المفاوضات قائمة بين بغداد والدول المعنية لتحديد «الثمن». وفي هذا السياق، فإن صحيفة «لو فيغارو» اليمينية الفرنسية نقلت عن أوساط على علاقة بالملف معلومات تفيد بأن صفقة «سرية» أبرمت بين باريس وبغداد تقوم باريس بموجبها، مقابل احتفاظ العراق بجهادييها، بتقديم تجهيزات عسكرية وإلكترونية، وتوفير قواعد خلفية للوحدات الفرنسية المنتشرة حالياً إلى جانب «قسد» في حال انسحابها من شرق الفرات وفي حال عمدت القوات الأميركية إلى الانسحاب من هذه المنطقة. وأفادت الصحيفة المذكورة بأن العراق يطالب بتعويضات مالية تبلغ 1.8 مليار دولار لقبول استقبال الجهاديين الفرنسيين وغير الفرنسيين.
حقيقة الأمر أنه لا تتوافر معلومات دقيقة عن أعداد الفرنسيين المعنيين بهذه المسألة. فالمعلوم أن العراق استقبل حتى اليوم 14 متشدداً فرنسياً سلمتهم إليه القوات الكردية - العربية السورية. وبحسب صحيفة «ليبراسيون» في عددها الصادر يوم الجمعة الماضي، فإن السلطات الأمنية الفرنسية أعدت لوائح مفصلة تتضمن 250 اسماً من المتطرفين وعائلاتهم من أجل إعادتهم في رحلتين جويتين إلى فرنسا، الأمر الذي يتناقض مع السياسة المعلنة للحكومة، ويؤشر للإرباك الواقعة فيه السلطات الفرنسية. وبالطبع دافعت هذه السلطات عن نفسها بالقول إن ما ذكر ليس سوى «فرضيات عمل» وليس خطة للتنفيذ.
اللافت أن باريس عمدت إلى التدخل لدى السلطات العراقية عندما أصدرت إحدى محاكم بغداد حكماً بالإعدام على جهادية فرنسية. والمعرف أن فرنسا وضعت حداً، في الثمانينات، لحكم الإعدام وتدعو، في كل مناسبة، الدول التي ما زال فيها هذا الحكم سارياً إلى إلغائه. والمفارقة أنها مضطرة للتدخل مرتين: الأولى، لدفع العراق لقبول محاكمة جهادييها وإبقائهم على أراضيه، والثانية من أجل تجنيبهم حكم الإعدام.
لا تنفي مصادر رسمية فرنسية وجود «تواصل وبحث» بين باريس وبغداد بشأن هؤلاء المتطرفين، لكنها تنفي التوصل إلى اتفاق، وتعتبر أن الطرف العراقي يريد اتفاقاً عاماً مع الدول الغربية المعنية بهذه المسألة. أما على المستوى الثنائي، فإن باريس وبغداد توصلتا إلى بلورة «خريطة طريق لشراكة استراتيجية» بمناسبة زيارة عبد المهدي للعاصمة الفرنسية. ومن بين ما تنص عليه هذه الخريطة التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» تعزيز التعاون الأمني، ويمكن إدراج «المقابل» الذي تقبل فرنسا بتقديمه للعراق في إطاره.
العراق فرنسا الارهاب داعش

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة