سبعينيان يتصدران 20 مرشحاً ديمقراطياً لمنافسة ترمب وتجديد الطبقة الوسطى الأميركية

هاريس ووارين أبرز النساء... وخطاب اليسار يهيمن على الحزب

سبعينيان يتصدران 20 مرشحاً ديمقراطياً لمنافسة ترمب وتجديد الطبقة الوسطى الأميركية
TT

سبعينيان يتصدران 20 مرشحاً ديمقراطياً لمنافسة ترمب وتجديد الطبقة الوسطى الأميركية

سبعينيان يتصدران 20 مرشحاً ديمقراطياً لمنافسة ترمب وتجديد الطبقة الوسطى الأميركية

مع دخول جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، السباق الرئاسي لعام 2020، بات من الممكن القول إن الحملة الانتخابية للمرشحين الديمقراطيين قد بدأت رسمياً: عشرون مرشحاً، بينهم ست نساء، أربع منهن أعضاء في مجلس الشيوخ، والخامسة عضو في مجلس النواب، بجانب مرشح من أصل أفريقي، وآخر من أصل أميركي لاتيني.
المرشحون الـ20 يحاولون تأكيد قدرة الحزب الديمقراطي على إظهار تنوعه، وعلى إنتاج قيادة جديدة للولايات المتحدة. بيد أن إظهار التنوع شيء، وإنتاج قيادة قادرة على تجديد الحزب والبلاد شيء آخر. والمفارقة الأولى في هذه الحلبة المزدحمة أن «الحصانين» الأكبر حظاً بالفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، وفق استطلاعات الرأي، تجاوزا منتصف السبعينيات من عمريهما، وسينافس أحدهما سبعينياً آخر، هو دونالد ترمب، إذ إن جو بايدن يبلغ 76 سنة، وبيرني ساندرز 77 سنة. أما المفارقة الثانية، فهي أن الخطاب السياسي لكلا الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، لا يعد الشعب الأميركي بخطة نحو المستقبل، بل بالدعوة للعودة إلى الماضي.
في الرسالة التي أعلن فيها جو بايدن ترشحه لمعركة الرئاسة الأميركية، دعا نائب الرئيس السابق الأميركيين للتصويت دفاعاً عن قيم الولايات المتحدة ومبادئها، والعودة إلى الجذور التي قامت عليها. في المقابل، يدعو ساندرز لإعادة توزيع الثروة، وإنهاء سيطرة الأغنياء، في بلد علة وجوده الدفاع عن سلطة رأس المال، وابتكار المبادرات المولدة للإنتاج، وهذا من دون تقديم الحلول التي يحتاج إليها سكان المدن الغارقين في مواجهة القيود والموانع التي أنتجتها قوانين تلك المدن نفسها، و«حداثة» النموذج الليبرالي، وعجز الديمقراطية عن توفير الحلول للقضية. وبينما يتعذّر الاكتفاء باتهام ترمب بأنه جاء من خارج المؤسسة السياسية للحزب الجمهوري، في سياق الإشارة إلى صعود اليمين المتشدد، يتعذر أيضاً الاكتفاء بتوجيه السهام إلى يساريي الحزب الديمقراطي للإشارة إلى أزمته. فكلا الحزبين يعاني من أزمة الديمقراطية التي عمقت ظاهرة التطرف السياسي، يميناً ويساراً، في ظل العجز عن تقديم حلول للنظام الأميركي.
وحقاً، هناك من يتوقع أن تتحول هذه الأزمة إلى كارثة سياسية ببعد عالمي، نظراً إلى التغييرات والتحولات التي قد تصيب «مركز النظام الرأسمالي»، فيما لو عجز عن اجتراح الحلول لقضية الثروة وإنتاجها.

العشرة الأبرز
من بين المرشحين العشرين، يمكن القول إن 10 فقط، أو حتى أقل من ذلك، سيتمكنون من الاستمرار في السباق بحلول بدء المنافسات الترشيحية الحزبية، في 3 فبراير (شباط) المقبل، في ولاية آيوا، مع العلم أن المؤتمر الوطني الذي سيتبنى رسمياً مرشح الديمقراطيين بمواجهة الرئيس ترمب (على الأرجح) سينظم في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن، بين 13 و16 يوليو (تموز) 2020.
قد يكون صحيحاً القول إن قائمة المرشحين الديمقراطيين تضم خليطاً متنوعاً، سواء على مستوى السن أو الجنس أو الميول السياسية، فضلاً عن مرشح مثلي هو بيتر بوتيجيج (أي: أبو دجاج)، المالطي الأصل، وذلك للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، لكن هذا التنوع قد ينظر إليه على أنه يعكس أزمة قيادة ورؤية، أكثر من كونه دليل تنوع. فعندما دخل السيناتور الديمقراطي (الرئيس لاحقاً) باراك أوباما السباق الرئاسي لعام 2008، سرعان ما ظهر تميزه، واعداً بإحداث «تغيير سياسي». وهذا ما أسقط منافسيه تباعاً، ومكنه من خوض سباق ناجح بسهولة لافتة، استمر زخمها في سباق 2012، قبل أن يقلب ترمب الاتجاه بخطاب دعا فيه «للعودة إلى أميركا أولاً»... أميركا التي بنيت قبل أكثر من 250 سنة.
اليوم، ثمة شبه إجماع على أن دخول بايدن السباق قد يغير المشهد الانتخابي، سواء داخل الحزب الديمقراطي أو مع منافسه ترمب. وبالفعل، يتخوف قادة الحزب الجمهوري من نجاح بايدن في جذب نسبة عالية من أصوات قاعدته. لكن بايدن الذي دعا للدفاع عن أميركا الماضي لا يحمل في جعبته حلولاً لحاضرها أو لمستقبلها. ومع أنه يتصدر راهناً في السباق بين الديمقراطيين، فليس هناك ما يشير إلى قدرته على الاحتفاظ بها، عندما يواجه الأسئلة الصعبة حول كيفية إخراج الطبقة الوسطى والفئات الأكثر فقراً، خصوصاً داخل المدن الكبرى، من أزماتها المعيشية.

إنعاش الطبقة الوسطى
ليس كافياً القول إن بايدن يمثل «القيادة السخية... ويستطيع إعادة بناء الطبقة الوسطى، وتوحيد الأميركيين، واستعادة روح الأمة، حتى يحصل الجميع على فرصة عادلة»، كما قالت نائبة مدير حملته كيت بيدنجفيلد. فمعظم الدراسات الاجتماعية تشير إلى تراجع دور الطبقة الوسطى الأميركية إلى ما دون الـ50 في المائة من عدد السكان، بعدما كانت تمثل نحو 66 في المائة قبل نحو 25 سنة. وكذلك تراجعت حصتها من إنتاج الثروة إلى أقل من ثلاثة أضعاف ما تنتجه الطبقة الثرية،
في ظاهرة تماثل ما جرى ويجري في عدد كبير من بلدان أوروبا الغربية، على رأسهم ألمانيا.وهنا، يقول مستشار الحزب الجمهوري جون ماك إن بايدن يمثل «خياراً وسطاً» بين اليساريين واليمينين، سواء في الحزب الديمقراطي أو في الولايات المتحدة بشكل عام. إلا أن الاستراتيجي الجمهوري مات ماكويك يقول إن التحدي الأبرز لبايدن هو أن قاعدته الانتخابية غير واضحة المعالم.
وقد يكون صحيحاً القول إن بايدن يمثل «خياراً مطمئناً» للناخبين الذين يشعرون بالقلق من «الاشتراكيين الديمقراطيين» مثل ساندرز، أو «التقدميين» مثل النائبة الشابة أليكسندريا أوكاسيو كورتيز. لكن من المبكر الحسم في هوية المرشح الأكثر قدرة على تعبئة الديمقراطيين، بعد النتائج التي أظهرتها الانتخابات النصفية التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إذ كشفت تلك الانتخابات عن حزب ديمقراطي تغلغل فيه «الخطاب اليساري» تحت شعارات جذابة، تُرجم بوصول أكبر عدد من النساء في تاريخ أميركا إلى مجلس النواب، ومعظم أعضائه الجدد من الشبان والشابات، وأكثريتهم من المطالبين باعتماد سياسات بعضها راديكالي، حتى بمقاييس الليبراليين.

ساندرز و«أبوة اليسار»
في المقابل، لا يمل بيرني ساندرز من تذكير الأميركيين بأن خطابه السياسي الذي حث فيه على اعتماد سياسات تقدمية، اجتماعياً واقتصادياً، هو أحد الأسباب الرئيسية وراء ازدحام قائمة المرشحين الديمقراطيين بهذا العدد من الشباب. ومعظم هؤلاء من الداعين إلى اعتماد سياسات أكثر عدالة، تدافع عن «الحق في الطبابة، والضمان الاجتماعي، ورعاية ذوي الدخل المحدود، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتوفير التعليم الجامعي المجاني».
خطاب ساندرز بهذا المعنى يدعو للعودة إلى رأسمالية الخمسينات والستينات، وبناء «دولة الرعاية الاجتماعية». البعض يقول إن هذا قد يصلح لدولة مثل السويد التي لا تتعارض رأسماليتها مع توزيع الثروة، في حين أن فرادة أميركا كانت - ولا تزال - تكمن في قدرتها على ابتكار وإطلاق المبادرات الإنتاجية المولدة للثروة. وبالتالي، هذا ما يدفع البعض إلى اتهامه بأن خطابه يمثل النقيض اليساري الشعبوي لخطاب ترمب اليميني الشعبوي، وأن كليهما يتنافس على جمهور واحد. أما الفوارق التي يعتقدان أنها تفصلهما، فتضمحل على سبيل المثال أمام دعوتيهما للعودة إلى الحمائية الاقتصادية، وإعادة النظر في الاتفاقيات التجارية العابرة للحدود والقارات... دفاعاً عن فرص عمل الأميركيين.
وفي خط موازٍ، وفي سبيل التميز عن ساندرز، عمد كثير من المرشحين الديمقراطيين، كالسيناتورة إليزابيث وارين (ولاية ماساشوستس)، والسيناتورة كمالا هاريس (ولاية كاليفورنيا)، والسيناتور كوري بوكر (ولاية نيوجيرزي)، لإعادة إحياء اقتراح قيام الحكومة الفيدرالية بدفع تعويضات للأميركيين من أصل أفريقي، بسبب الإجحاف الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي الذي لا يزال قسم كبير منهم يعاني من آثاره السلبية بسبب مرحلة العبودية والتمييز العنصري المستمر، ولو بأشكال مموهة. هذا الاقتراح كان قد عارضه ساندرز وأوباما بسبب راديكاليته في انتخابات 2016، في حين أن إنهاء آثار العبودية يحتاج إلى أكثر من دفع تعويضات.

تمويل الحملات ودور المليارديرات
بايدن الذي تمكن من جمع أكثر من 6.3 مليون دولار خلال 24 ساعة من إعلانه ترشحه، حقق رقماً قياسياً لجمع التبرعات في السباق الرئاسي الديمقراطي المزدحم. وحل في المرتبة الثانية بعده النائب السابق عن ولاية تكساس بيتو أورورك الذي جمع 6.1 مليون دولار في أول 24 ساعة بعد إعلان ترشحه، متفوقاً على ساندرز الذي جمع 5.7 مليون دولار.
أورورك كان قد لفت الأنظار بعد أدائه الجيد في الانتخابات النصفية في نوفمبر الماضي، عندما نافس في ولايته تكساس السيناتور الجمهوري تيد كروز. وقدم أورورك في حينه خطاباً ركز فيه على الوحدة الوطنية، وقيم الليبرالية، وإصلاح قوانين الهجرة، وتشريع تعاطي الماريجوانا، وتسهيل حصول سكان الأرياف على خدمات المستشفيات، لكنه امتدح حصوله على تبرعات الأفراد، وليس كبار المتمولين والشركات والأثرياء.
في المقابل، محاولة الابتعاد عن تهمة قبول التبرعات من كبار المانحين تحولت إلى لغة مشتركة بين المرشحين الديمقراطيين، بمن فيهم بايدن نفسه. ومع أنه تعرض لهجمات من حملة ساندرز، تتهمه بتلقي أموال كبار المانحين، إثر ظهوره في حفل انتخابي في ولاية بنسلفانيا، بحضور المدير التنفيذي لشركة «كومكاست» العملاقة، فإن حملة بايدن ركزت على إبراز التبرعات الفردية التي تلقتها بمعدل وسطي، بلغ 41 دولاراً، علماً بأن ساندرز قد تفوق عليه بعدد المتبرعين. وأيضاً أعلنت حملة السيناتورة هاريس أنها جمعت على مدار 24 ساعة 1.5 مليون دولار من صغار المانحين، وتبعها في ذلك غالبية المنافسين الديمقراطيين.
لكن المعروف، بحسب الخبراء في الحملات الانتخابية الأميركية، أن المرشح يحتاج إلى 100 مليون دولار للوصول إلى الانتخابات التمهيدية، وإلى 50 مليون دولار إضافية قبل «الثلاثاء العظيم»، في مارس (آذار) المقبل، حين تصوت مجموعة من أكبر الولايات. وعندها، لا بد من تبرعات الشركات والأثرياء، لأن الحصول على تبرعات المواطنين التي يتنافس المرشحون الديمقراطيون على كسب دولاراتهم لن تكون كافية لتسديد كلفة الدعايات التلفزيونية، والاحتفاظ بالماكينة الانتخابية ناشطة في الولايات، ودفع نفقات موظفي الحملات.

بداية خلع القفازات
لهذا، قد يكون المتنافسون الديمقراطيون يستعدون لخلع القفازات، والتأهب لخوض مناظرات شرسة، مع تقاسم بايدن وساندرز الصدارة في هذه المرحلة المبكرة من السباق. وبينما لا تزال لغة المجاملات مهيمنة بين المتنافسين، يتحضر مرشحو «الطبقة الوسطى» لتحطيم صورتيهما، مما ينذر بسباق قاسٍ قد تسقط فيه كل المُحرّمات لإزاحتهما.
ثم إنه رغم كون الحلبة خالية من «الدخلاء» أو «المتطفلين»، كما جرى في انتخابات الجمهوريين عام 2016، فإن ثمة مَن يحذر من أن تؤذي الحملات الشرسة الحزب، وتؤدي إلى فوز ترمب، إذ قال أندرو فيلدمان، وهو خبير استراتيجي ديمقراطي، إن «السباق التمهيدي مفيد للحزب، حيث نرى أفكاراً جديدة، لكن علينا ضمان ألا يمزّق بعضنا بعضاً إلى الحد الذي يتعذر بعدها توحيد الحزب... فنخسر السباق». كذلك، يحذر كثيرون من أن يكرر ساندرز تجربته مع هيلاري كلينتون، حين فازت بترشيح الحزب، لكن قاعدته الشعبية أحجمت عن دعمها. هذا حصل، مع أنه شخصياً بذل جهوداً متواضعة لإقناع هذه القاعدة بتغيير موقفها. هذه تحذيرات نفتها حملته التي شددت على الترحيب بدخول بايدن السباق «شرط أن تبقى المنافسة مركزة على القضايا»، بحسب فايز شُكر، مدير حملة ساندرز، الذي تابع أن هذه الحملة لا تتعلق بالأشخاص، بل بالأفكار والسياسات التي تسمح للناخبين باتخاذ قرارات التصويت لمصلحتها. ثم أضاف أن ساندرز سيكون هو المسؤول عن «الوقوف في وجه مصالح الشركات القوية، وسيطرة المليارديرات، وهزيمة ترمب، وبناء حكومة تناسب جميع الناس». في المقابل، يتأهب منافسو ساندرز لاستحضار الملفات التي سينتقدونه فيها... من دعوته إلى منح المجرمين العنيفين المسجونين والإرهابيين الحق في التصويت، وصولاً إلى امتناعه عن وصف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بـ«الديكتاتور».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.