أطفال «الدواعش» الأجانب... مصير مجهول وراء القضبان في العراق

700 منهم في أحد سجون بغداد... وإجراءات بطيئة لإعادتهم إلى بلدانهم

أطفال «الدواعش» الأجانب... مصير مجهول وراء القضبان في العراق
TT

أطفال «الدواعش» الأجانب... مصير مجهول وراء القضبان في العراق

أطفال «الدواعش» الأجانب... مصير مجهول وراء القضبان في العراق

كان الأطفال يجرون في المكان الضيق وهم يتصايحون ويتعاركون ويصرخون لجذب اهتمام حارس السجن الذي كان يوزع الحلوى والبالونات بينما كان أطفال أصغر لم يتعلموا المشي بعد يتشبثون بالسور الذي يشبه السلاسل ويحدقون في الفراغ.
ومن خلال سياج الفناء الذي يعتبرونه ملعبهم، مد الأطفال الأكبر سناً أيديهم المغطاة بالأوساخ للحصول على البالونات. وقال اثنان منهم إن تلك البالونات هي اللعبة الوحيدة المتاحة لهم في سجن الرصافة النسائي في وسط بغداد.
قالت بنت أذربيجانية عبر السياج الأشبه بالسلاسل الذي يحيط بنحو 100 طفل «من فضلكم أريد العودة للبيت. لو سمحتم ساعدونا. هذا مكان غير صالح لنا».
كانت زيارة وكالة «رويترز» واحدة من المرات القليلة جدا التي سمح فيها السجن بدخول وسائل الإعلام. وهذا السجن من صميم معضلة التصرف مع نساء «داعش» وأطفالهن.
نفذ التنظيم المتشدد أعمال قتل جماعي وتعذيب واسترقاق جنسي وكذلك التلقين الفكري في المناطق التي احتلها في سوريا والعراق في عام 2014 وشن هجمات في جميع أنحاء العالم، مما يعني أن الأسرى يشكلون خطرا على الأمن كما أنهم عرضة للانتقام منهم.
وقالت مديرة السجن التي طلبت حجب اسمها إن الثقة في البداية كانت صعبة، مضيفة أن سجينات حاولن قتل أنفسهن وأطفالهن. وأضافت أن السجن يضم بين جدرانه 1241 امرأة وطفلا أجنبيا يشتبه في أنهم من أطفال مقاتلي «داعش» من أكثر من 12 دولة. وتابعت أن أعمار 774 طفلا منهم تتراوح بين تسعة أشهر و15 سنة.
تم نقل الأطفال إلى السجن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 بعد شهرين من وقوعهم في أيدى السلطات العراقية أثناء الهروب من تلعفر في شمال العراق. وتم نقل معظم الأطفال الذين يحتمل أن تنطبق عليهم شروط تقديمهم للمحاكمة في العراق إلى منشأة لاحتجاز القُصّر. وحوكم عدد لا يتجاوز أصابع اليد لتنفيذهم هجمات لكن أغلبهم حوكم بتهمة عبور الحدود بالمخالفة للقوانين وكان بعضهم صغارا في التاسعة من العمر. وفي الحالتين ليس من الواضح مدى مسؤوليتهم عما
حدث.
أما الأطفال الآخرون فيقيمون في سجن الرصافة مع أمهاتهم اللائي يقضين أحكاما طويلة بالسجن أو في انتظار محاكمتهن. وبعد احتجازهن عامين بموارد محدودة تسعى بغداد إلى إرسال من لا يمكن محاكمتهن إلى بلادهن لكن المشكلة معقدة من الناحية القانونية كما أنها تمثل معضلة سياسية. وقد رفضت دول كثيرة حتى الآن قبولهن.
قالت مديرة السجن خلال الزيارة التي تمت في 11 أبريل (نيسان) إن الأوضاع في السجن، الواقع داخل مجمع وزارة الداخلية ذي الحراسة المشددة، تحسنت منذ الأيام الأولى. ولم يتم السماح بزيارة الزنزانات التي تقضي فيها النساء وأطفالهن ما يقرب من 20 ساعة يوميا ولم تسمح السلطات بالتصوير. ورافق ثلاثة مسؤولين حكوميين على الأقل مراسلة «رويترز» معظم الوقت لكنها تحدثت لفترة وجيزة مع أربعة من الأطفال دون أن يكون أي منهم حاضرا.
سألت البنت الأذربيجانية المراسلة: «جبتي لنا ملابس أو دواء؟ محتاجين دواء كتير». وكانت ترتدي حجابا أزرق اللون. كانت البنت ضمن مجموعة قالت مديرة السجن إنها من الأطفال الذين صدرت على أمهاتهم أحكام بالسجن المؤبد ليقضين فترة لا تقل عن 20 عاما بسبب عضويتهن في تنظيم داعش ودخول العراق بصفة غير قانونية. والبنت أصغر من أن تُقدم للمحاكمة بموجب القانون العراقي وليس من الواضح طول الفترة التي ستقضيها وراء القضبان.
وأذربيجان من الدول التي توجد أكبر الأعداد من مواطناتها في سجون العراق بالإضافة إلى روسيا وتركيا. وهناك أيضا أخريات من طاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان والأردن وسوريا وفرنسا وألمانيا والسويد وترينيداد وتوباغو. ولم ترد وزارة الخارجية الأذربيجانية على طلبات للتعليق على سياساتها فيما يتعلق بإعادة أطفال رجال ونساء «اعش».
ويسمح للأطفال بالخروج إلى الفناء لمدة ساعتين يوميا وبخلاف ذلك يقضون أيامهم في زنازين مكدسة أو يشاهدون حلقات الرسوم المتحركة على التلفزيون. ويقول نحو 20 مصدرا مطلعا على الظروف في السجن وقضايا النساء حاورتهم «رويترز» قبل الزيارة إن الأطفال ينامون على حشايا رقيقة يعتريهم الملل وينهشهم الجوع بل والمرض في كثير من الأحيان دون رعاية طبية تذكر. وقالت أكثر من ستة من هذه المصادر إن الأوضاع السيئة أدت إلى وفاة سبعة أطفال على الأقل، فيما أكدت مصادر دبلوماسية ومن الاستخبارات أن عددا من النساء توفين أيضا.
وامتنعت مديرة السجن التي حاورتها «رويترز» في حضور أربعة مسؤولين آخرين عن التعليق واكتفت بالقول إن النزيلات تلقين رعاية جيدة تحت إدارتها. كما امتنع مسؤولو الحكومة العراقية عن التعليق.
ووافقت ثلاث نزيلات اختارتهن مديرة السجن على إجراء مقابلات معهن. وتحدثن أمام خمسة مسؤولين من السجن ووزارة الداخلية ووزارة العدل وجهاز الأمن الوطني. وقالت امرأة طاجيكية حُكم عليها بالسجن المؤبد بتهمة الانتماء للتنظيم ولها طفلان معها في السجن «بالنسبة إلى السجن هو السجن... إما في طاجيكستان أو العراق». وأضافت: «لكن أريد أن يذهب أطفالي إلى طاجيكستان ويعيشوا مع أمي».
وأعلنت طاجيكستان مؤخرا إنها ستبدأ إعادة بعض الأطفال. وروسيا وتركيا وفرنسا من بين عدد قليل من الدول التي قبلت بعض الأطفال لكن عملية إعادتهم تسير ببطء. وقالت كاترينا ريز، رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق والتي تنظم زيارات للسجينات وتقدم لهن المساعدة وتساعدهن في التواصل مع أسرهن، إنه «لا بد من موازنة الأمن والمحاسبة بتوفير الفرصة لهؤلاء الأطفال لإعادة بناء حياتهم في أوطانهم».
وتتجاوز المشكلة سجن الرصافة. فعلى الجانب الآخر من الحدود في سوريا تعيش آلاف من النساء الأجنبيات وأطفالهن في معسكرات احتجاز وقد تزايدت أعدادهم منذ استعادة السيطرة على آخر معاقل تنظيم داعش في الباغوز الشهر الماضي. وقال صبي أوزبكستاني محتجز في سجن الرصافة: «لماذا تركونا هنا؟» وأضاف «أريد أن أرجع إلى أوزبكستان. يمكن أن أعيش مع جدي وجدتي». ولم ترد وزارة الخارجية الأوزبكستانية على طلبات للتعليق على سياستها فيما يخص الأطفال المحتجزين.
وحسب مديرة السجن فإن نحو 225 طفلا ولدوا في السجن ببغداد لأن كثيرات من الأمهات وصلن إلى السجن وهن حوامل. وقالت ثلاثة مصادر مطلعة على الأمر إن بعض النساء تعرضن لانتهاكات جنسية بعد القبض عليهن في ظروف سادتها الفوضى على أيدي قوات مختلفة في شمال العراق وكذلك في الرصافة. وسئلت مديرة السجن عن هذه الاتهامات فقالت إن المحتجزات يحظين برعاية جيدة تحت رعايتها.
وبالنسبة لبعض النزيلات أدت مفاجآت قانونية إلى تفاقم معاناتهن. فقد تمت تبرئة سويدية عمرها 29 عاما دخلت السجن مع أطفالها الثلاثة من كل اتهامات الإرهاب خلال محاكمتها في أكتوبر (تشرين الأول) لكن حكم عليها بالسجن ستة أشهر لدخولها العراق خلسة. وبمساعدة الحكومة السويدية أرسلت أطفالها للعيش مع أقاربهم خوفا من تأثرهم بالأفكار المتشددة أثناء بقائهم معها في السجن. وقبل أيام من انتهاء فترة سجنها قيل لها إن حكما صدر بإلغاء حكم البراءة وإعادة محاكمتها عن الاتهامات نفسها. وقالت الحكومة السويدية إنها على علم بالأمر وتتابع الوضع لكنها رفضت التعليق على قضية بعينها. وقالت المرأة وهي تحبس دموعها «ظننت أنني سأبتعد عن أطفالي ستة أشهر فقط. والآن... لا أعلم ما سيحدث لنا».


مقالات ذات صلة

تركيا: إحالة 3 متهمين بهجوم قنصلية إسرائيل على القضاء

شؤون إقليمية انتشار لقوات الأمن التركية في موقع الهجوم على نقطة شرطة بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 أبريل (أ.ب)

تركيا: إحالة 3 متهمين بهجوم قنصلية إسرائيل على القضاء

أحالت سلطات التحقيق التركية 3 من المتهمين بالهجوم على القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول على القضاء.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية يوم 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

مسلحون يهاجمون قاعدة للجيش النيجيري... ويقتلون قائدها و6 جنود

اقتحم مسلحون متطرفون في وقت متأخر من مساء أمس (الأحد) قاعدة للجيش النيجيري، قرب الحدود الشمالية الشرقية للبلاد مع تشاد، ما أسفر عن مقتل قائد القاعدة و6 جنود.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
أوروبا صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية في محيط مجمع يضم مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين يرجح انتماؤهم لـ«داعش» الثلاثاء الماضي (أ.ب)

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

أوقفت السلطات التركية 14 شخصاً في إطار التحقيقات في هجوم على نقطة تفتيش بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية، كما ألقي القبض على 198 من عناصر «داعش».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية انتشار أمني كثيف في موقع الاشتباك الذي وقع قرب القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول الثلاثاء (رويترز)

مؤشرات على تورط «داعش» في هجوم القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول

اعتقلت السلطات التركية 12 مشتبهاً في صلتهم بالاشتباك الذي وقع مع عناصر الشرطة في نقطة تفتيش في محيط مجمع يقع به مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.