خسائر «داعش» قد تدفعه إلى «إنهاك الدول»

خسائر «داعش» قد تدفعه إلى «إنهاك الدول»

بث فيديوهات قديمة وأخباراً كاذبة لرفع المعنويات
الاثنين - 24 شعبان 1440 هـ - 29 أبريل 2019 مـ رقم العدد [ 14762]
لقطة من الإصدار المرئي الأخير لـ«داعش - سيناء»
القاهرة: وليد عبد الرحمن
هل خسائر تنظيم «داعش» الإرهابي سوف تدفعه للرهان على «إنهاك الدول» من جديد عبر عمليات خاطفة هنا وهناك؟. سؤال يتبادر في ذهن الجميع خاصة مع فقدان التنظيم للأرض في سوريا والعراق وغيرها من الدول، وفرار عناصره، ومقتل أغلب قياداته. الإجابة عن السؤال باتت ملامحها تظهر خلال الفترة الماضية، عقب قيام التنظيم ببث أخبار كاذبة، وفيديوهات لاستهدافات قديمة، لرفع معنويات عناصره الباقية ومناصريه.
مختصون رجحوا أن «هزائم تنظيم (داعش) الأخيرة، سوف تدفعه إلى اللجوء لكتاب (إدارة التوحش) من جديد، لإحياء دستور إنهاك العالم، عبر ضربات خاطفة قد تكون غير مؤثرة على الصدى العالمي؛ لكنها ستؤكد أن التنظيم باقٍ وموجود». المختصون أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن خطاب كتاب «إدارة التوحش» هو أداة قتال رئيسية كان يعتمد عليها «داعش» بشكل كبير منذ ظهوره اللافت عام 2014. تزامن كلام المختصين مع تحذيرات أطلقتها دار الإفتاء المصرية أخيراً من خطورة تداول كتاب «إدارة التوحش» المرجع الرسمي لـ«داعش» بين الشباب.
ويرى مراقبون أن «الكتاب لعب دوراً محورياً في تشكيل وعي الجماعات المتشددة طيلة السنوات الماضية، وفي مقدمتهم (الدواعش)، وكان عبارة عن مجموعة مقالات نشرت على مواقع الإنترنت».

مشاهد الدماء
ووفق المراقبين «فإن كتاب (إدارة التوحش) يعتبره كثيرون دستور التنظيمات المتطرفة التي تمارس الإرهاب، عُثر عليه في عام 2008 ضمن وثائق ورسائل موجهة من وإلى زعيم تنظيم (القاعدة) السابق أسامة بن لادن... وجميع التنظيمات الإرهابية تداولت هذا الكتاب فيما بينهم بكثير من الاحترام والقدسية، ويقع الكتاب في 113 صفحة لمؤلف مجهول يُدعى أبو بكر ناجي».
ناجي قال في كتابه: «نحتاج إلى القتل، ولا بد من اتباع سياسة الشدة، بحيث إذا لم يتم تنفيذ المطالب، يتم تصفية الرهائن بصورة مروعة تقذف الرعب، في إشارة إلى قتل المخالفين معهم في العقيدة»... «وهو ما سارت عليه تنظيمات العنف بالفعل خلال الفترة الماضية بقتل المختلفين معهم في الرأي والتوجهات» - بحسب المراقبين.
خطاب الجماعات المتطرفة من العناصر الرئيسية التي تحدث عنها الكتاب، فيقول: إنها «تركز على فئتين، فئة الشعوب لدفع أكبر عدد منهم للانضمام للجهاد باسم الدين، وكسب التعاطف السلبي لمن لا يلتحق بصف الجماعات... والفئة الثانية أصحاب الرواتب الدنيا (المُعدمين) لدفعهم للانضمام باسم الجهاد».
وتابع الكتاب - بحسب مؤلفه المزعوم - أن التنظيمات المتطرفة تهدف إقامة خطة تستهدف في كل مراحلها تبريراً عقلياً وشرعياً للعمليات (أي القتال) خاصة لفئة الشعوب... وأن قيادات هذه التنظيمات يرون ضرورة إظهار مشاهد الأشلاء والدماء في وسائل الإعلام، لبث الرعب والخوف في نفوس العالم».
وقال رسمي عجلان، المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة، إن «داعش» سيعيد ما أخذه «داعش» من الكتاب، «هو بث الرعب في الطرف الآخر، وإحداث نوع من الحرب النفسية ببث بعض الأخبار الكاذبة، فضلاً عن الفيديوهات القديمة، لتصوير أنه تنظيم لا يُقهر رغم الخسائر»، مضيفاً: أن «لجوء التنظيم إلى كتاب (إدارة التوحش) من جديد، هدفه إحياء دستور إنهاك العالم، عبر ضربات خاطفة، قد تكون غير مؤثرة عالمياً؛ لكنها سوف تعزز لدى عناصره أنه باقٍ وموجود».

ادعاء الثبات
أخيراً بث تنظيم «ولاية سيناء» الفرع المصري لتنظيم داعش إصداراً مرئياً، عرض فيه لقطات مصورة - قال عنها: «إنها حديثة - لاستهداف عربات ومدرعات وكمائن أمنية في شمال سيناء»؛ إلا أن عمرو عبد المنعم، المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، أشار إلى أن «الإصدار يريد تأكيد فكرة أن التنظيم متماسك وثابت، وأن خسائر (داعش) في سوريا والعراق ليست فادحة»، لافتاً إلى أن «أعداد عناصر التنظيم التي ظهرت في الإصدار قليلة جداً على غير المعتاد، ووجوههم مكشوفة، وهو ما لم يعتَد عليه التنظيم في إصدارته السابقة، من إخفاء وجوه عناصره التي يخاف عليها، فضلاً عن قيامه بعمل مؤثرات صوتية على كلماتهم في أي إصدار، والاستهدافات التي تحدث عنها الإصدار لعمليات قديمة أعلن التنظيم تبنيها في أوقات سابقة».
كما بث الفرع اليمني لـ«داعش» مطلع أبريل (نيسان) الجاري، إصداراً مرئياً بعنوان «اثاقلتم إلى الأرض»، ضم عدداً من اللقطات القديمة، التي نشرتها المكاتب الإعلامية للتنظيم في سوريا والعراق، لما سمته تطبيق الأحكام الشرعية داخل معاقل التنظيم، معتبراً أن الإقامة في الأراضي التي لا يسيطر عليها التنظيم «حرام» - على حد وصف الإصدار - ووجه «داعش» في إصداره دعوة لأصحاب التخصصات الطبية، والقيادات الإدارية، ومن وصفهم بـ«الدعاة» للالتحاق به. مطالباً إياهم بالمساهمة في إقامة الدولة «المزعومة» باليمن. وهو «ما كشف حاجة التنظيم لهذه الكوادر تحديداً في الفترة الحالية» - بحسب المراقبين.
«إدارة التوحش» ليس الكتاب الوحيد الذي حذرت منه «دار الإفتاء»؛ لكنها أصدرت قائمة ضمت كُتباً أخرى هي، «مسائل في فقه الجهاد» لأبى عبد الله المهاجر، الذي قال فيه إن «قطع الرؤوس بوحشية أمر مقصود؛ بل مُحبب إلى الله»، و«معالم على الطريق» لسيد قطب (منظر تنظيم «الإخوان»)، و«الفريضة الغائبة»، ويعتبر الأساس الفكري الأول لتنظيم الجهاد لمحمد عبد السلام فرج، و«ملة إبراهيم» لأبو محمد المقدسي، و«الجهاد والاجتهاد» لأبو قتادة الفلسطيني، و«دعوة المقاومة الإسلامية العالمية» لأبو مصعب السوري، و«العمدة في إعداد العدة»، و«الإرهاب من الإسلام» لسيد إمام، أحد أكثر المؤثرين في الحركة الإسلامية، و«الولاء والبراء» لأيمن الظواهري زعيم «القاعدة»، و«الشريعة الإسلامية شريعة كاملة» لعمر عبد الرحمن، و«آيات الرحمن في جهاد الأفغان» لعبد الله عزام، و«إعلام الأنام بميلاد دولة الإسلام» للمسؤول الشرعي السابق في «داعش» عثمان بن عبد الرحمن التميمي.
تحذير «دار الإفتاء» من تداول هذه الكتب، لأنها «تحرض بشكل مباشر على استخدام العنف والإرهاب، وتؤسس لجماعات دينية متطرفة لا تعترف بقانون الدول، ولا هي من الدين في شيء، لأن الإسلام لم يُبح القتل أو استخدام العنف والتطرف».

انهيار التنظيم
«الإصدار المرئي الأخير لـ(ولاية سيناء) كشف عن انهيار آلة التنظيم الإعلامية، فلم تعد تلك الآلة التي اشتهر بها في السنوات الأخيرة. وقال المراقبون إن «تقنيات التصوير غائبة تماماً عن الإصدار، الأمر الذي يرسخ لدى الجميع أن التنظيم فقد قادته وكوادره الكبرى في مختلف التخصصات، ولم يبق سوى عناصر قليلة غير مؤهلة ولا مدربة على تنفيذ ما يطلب منها».
وأكد خالد الزعفراني، المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، أن «خطاب (داعش)» الذي استوحاه من «إدارة التوحش» يُعد أداة قتال رئيسية، والتنظيم سوف يضخم من الفيديوهات التي يبثها خلال الفترة المقبلة، لإقناع البسطاء في العالم أن «داعش» ما زال يملك كياناً. ونشر «داعش» نهاية الشهر الماضي مقطعاً مصوراً لعناصره بالباغوز في سوريا، حيث «ظهر استخدام للنساء والأطفال كدروع بشرية ومقاتلين».
في حين أكد سيث جونز، مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، مؤلف دراسة أصدرها المركز أخيراً لتقييم القوة العسكرية لـ«داعش»، أنه «عندما تخسر الجماعات الذكية أرضاً، فإنها تنتقل إلى استراتيجية وتكتيكات «حرب العصابات»، بما في ذلك الاغتيالات المستهدفة، والكمائن والغارات والتفجيرات، وبهذه الطريقة ترهق العدو - من وجهة نظرهم -».
وأضاف جونز في تصريحات له، «حتى فيما يتعلق بالتكتيك الإعلامي للتنظيم (الجهادي)، فقد غير (داعش) من استراتيجيته المعهودة بنشر بياناته عبر تطبيق «تليغرام»، وتحول لشبكة «زيرو نت» الإلكترونية، التي تتيح للتنظيم إبقاء مواده دائماً على الإنترنت دون حذفها».
ويوضح كتاب «إدارة التوحش» في فصله السابع، بحسب المؤلف، أنه «في مرحلة شوكة (النكاية والإنهاك) نحتاج لاستقطاب الشباب، وأفضل وسيلة هي العمليات المبررة شرعاً وعقلاً... وأعلى درجات التبرير، هو تبرير العملية نفسها بنفسها؛ لكن لوجود الإعلام المضاد، يصعب إيجاد العملية التي تبرر نفسها بنفسها، وإن كان من الممكن أن يحدث ذلك، عندما نصل لمرحلة عالية من الإعلام، وعندها يعجز الإعلام المضاد عن متابعتنا وتشويهنا».
وقال باحثون في «دار الإفتاء المصرية» إن «داعش» سعى بشكل حثيث لتشتيت جهود التحالف الدولي بفتح بؤر صراع جديدة في مناطق متباعدة وفي قارات مختلفة، تنفيذاً لاستراتيجية النكاية والإنهاك. وأوضحوا أن «النكاية والإنهاك تعتمد على توسيع ساحة الصراع وفتح بؤر جديدة، وتحويل أنظار التحالفات الدولية الموجهة ضده إلى أماكن مختلفة من العالم، وقد زاد اعتماد التنظيم على تلك الاستراتيجية في آونة سابقة، حيث نفذ التنظيم العديد من العمليات في عدد من البلدان العربية والأفريقية والأوروبية والآسيوية، وبشكل متزامن ومتوالٍ، وسعى لإنشاء كيانات جديدة محلية في تلك البلدان تابعة له».
داعش

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة