شي جينبينغ: إبهام موناليزي وتعبير مؤجّل!

الرئيس الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

شي جينبينغ: إبهام موناليزي وتعبير مؤجّل!

الرئيس الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

ثمّة إبهام موناليزي في وجه شي جينبينغ. الناظر إليه لا يعلم إن كان يبتسم أو يتحفّظ أو يزدري أو يداور شعوراً بالذنب. هذا الغموض التعبيري ربما أسّسته تجربة مبكرة: والده شي جونغكشون كان من أوائل القادة الشيوعيين، قاتل في الحروب المتعاقبة حتى انتصار 1949، لكنّه شاكس، ماو، فعوقب وسُجن، قبل «الثورة الثقافيّة»، أواسط الستينيات، وإبّانها وبعدها. نجله البالغ يومذاك 13 سنة نُفي إلى الريف للعمل في كوميون زراعيّ.
الأمر تكرّر بعد الماوية: دينغ هسياو بنغ، الذي كان جونغكشون قريباً منه، استاء من موقفه «الليبرالي» عام 1989، حينذاك حُسب الوالد على المجموعة «الرخوة» التي رفضت قمع «ساحة تيان أن مِن». الأب تقاعد، أمّا النجل البالغ 36 عاماً، فبات «رجل البيت».
شي راح يتدرّج في الحزب. بين 2000 و2007، صار حاكم إقليم، ومنه ارتقى إلى المكتب السياسي، حيث وُصف بـ«خليفة هو جنتاو» الذي تقاعدَ في 2012.
تاريخٌ شخصي مُلتوٍ كهذا يعلّم الحيرة أكثر مما يعلّم اليقين. بيد أنّ الحيرة قد تجعل صاحبها فنّاناً، إلا أنّها لا تنصّبه سياسياً ناجحاً. لبلوغ النجاح، لا بدّ من الحسم واليقين. وشي، الذي برهن تاريخه اللاحق أنّ النجاح بوصلته، حسم أمره في لحظة ما وبدا كأنّه أيقن. ضحيته الأولى كان الأب البيولوجي الذي ضُحّي به إرضاءً للأب الروحي وربّ العمل: دينغ هسياو بنغ. هكذا تقاعد جونغكشون، قانعاً بالقسمة: البيت لي والدولة للنجل، أو «القاتل» الرمزيّ.
في هذه المسيرة لا بد من تقية تأمر صاحبها بأن يتظاهر بعكس ما يضمر، وأوّلُ ما تفعله التقيّة منع الوجه من أن ينبئ بقرارة النفس.

- القومية أوّلاً
في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 سمّي شي أميناً عامّاً للحزب الشيوعيّ. بعد أسبوعين أطلّ على العالم إطلالته الأولى فألقى خطاباً في «متحف التاريخ الوطني» في «ساحة تيان أن مِن» إيّاها. يومها، توقّف المراسلون الأجانب عند اختيار الساحة، حيث قُتل أكثر من عشرة آلاف معارض. توقّفوا أيضاً عند المتحف حيث قرأوا كيف أنّ «القوى الإمبريالية» في القرن التاسع عشر «هبطت على الصين مثل أسراب النحل لتمتصّ كنوزنا وتسرق شعبنا». لاحظوا صوراً تعكس الآلام التي أنزلها الغزو والاحتلال اليابانيّان بالصين إبّان 1937 - 1945 حين قضى نحو 15 مليون صينيّ.
بالطبع لم تكن هناك قاعة تكرّم عشرات ملايين الصينيين الذين فتكت بهم «القفزة الكبرى إلى الأمام» الماويّة في 1958 - 1962. أو «الثورة الثقافيّة» التي تلتها. فالزعيم الشيوعي قومي قبل أي شيء، معني بتوحيد الأمّة في وجه عدوّ غريب، وبخنق تناقضاتها الداخليّة لصالح تناقضها معه.
والصين مُتخمة بماضيها وبجروحه الكثيرة التي تسبب بها غرباءٌ، لكنّها مُتخمة أيضاً بكونها «حضارة الخمسة آلاف سنة» و«إمبراطوريّة الوسط»، أي قلب العالم الذي سبق أن سوّر نفسه في وجه «البرابرة». أمّا شي فأضافت تجربته بُعداً آخر. فهو تسلّم الأمانة العامّة بعد ثمانية أيّام على انتخاب باراك أوباما لولاية ثانية في الولايات المتّحدة. وأوباما، ذو التوجّه الآسيوي والباسيفيكيّ، بدا مزعجاً، إنْ بسبب اهتمام إدارته بحقوق الإنسان والمنشقّين، أو لقلقه من البناء العسكري الصيني في بحر الصين الجنوبيّ. لكنْ ما هي إلاّ أسابيع على تسلّمه الأمانة العامّة، حتّى اختارت اليابان، عدوّ الصين التقليديّ، شينزو آبي رئيساً لحكومتها.
والحال أنّ التاريخ ربط على نحو رمزي بين شي وآبي، الذي لا يقلّ عنه قومية. فإبان حروب الثلاثينيات، كان جدّ شينزو، نابوسوكي كيشي، أحد كبار المديرين الإداريين في منشوريا المحتلّة، شمال الصين. وبدوره كان الوالد شي جونغكشون في منشوريا، يقاتل إلى جانب رفاقه الشيوعيين ضدّ اليابان.

- إنّه الاقتصاد...
بنسجه على منوال دينغ، اختار الزعيم الصيني الاقتصاد طريقاً إلى العظمة القوميّة. أكمل المعجزة التي انتشلت، بقوّة الرأسماليّة، مئات الملايين من الفقر. جعل الصين صاحبة الاقتصاد الثاني عالميّاً. صار المدافع الأوّل عن العولمة والتجارة الحرّة ضداً على حمائيّة دونالد ترمب. وسّع التبادل مع أفريقيا، وصار الشريك التجاري الأكبر لبلدان أميركيّة لاتينيّة في عدادها البرازيل. حسّن علاقاته الأوروبية ووسّعها. استفاد من كلّ فراغ تتركه أميركا، ومن كلّ استياء منها. سوقه الناشئة الأكبر عالمياً واحتياطاته المالية الهائلة تمخّضت عن مشروع ملحميّ: «الحزام الاقتصاديّ» الذي يُفترض أن يبعث طريق الحرير القديمة بين الصين وجيرانها إلى الغرب، أي في آسيا الوسطى والجنوبية، ومنها إلى أوروبا. تراجع النموّ الذي شهدته السنوات الأخيرة لا يزال قابلاً للاحتواء.
لكنْ، على رغم الإنجازات، لا تزال الأسئلة تحيط بتجربة شاءت الجمع بين الاقتصاد الرأسمالي وحكم الحزب الواحد، وبين حرية السوق وانعدام القوانين. وثمّة من يقول إنّ حالة الصين تشبه أعداداً هائلة من السيّارات تتسابق من دون إشارات مرور. هكذا يستحيل استبعاد الأسوأ على مدى بعيد.
ولأنّ التجربة مُقلقة، والحل «الليبرالي» مُستبعَد، اختار صاحب الوجه الموناليزي أن يشنّ حملة مبكرة على الفساد الذي يضعف شعبيّة الحزب وحكمه. لقد نظّف السكّين بدل تنظيف الجرح، واعتقل، على مدى سنوات ثلاث، بعض أغنى الصينيين وأكثرهم نفوذاً. العدد، في أواخر 2015، فاق المائة ألف.
الحملة على الفساد مهّدت الطريق إلى سلطويّة الحاكم الفرد، فضلاً عن الحزب الواحد. فهذا ما يغري بضبط الأزمات، خصوصاً في ظلّ مشكلات أخرى كتنامي المطالبة بالحريات، لا سيّما في هونغ كونغ، أو كحالة الأقليات المقهورة في التبت أو مسلمي كسينجيانغ.
في هذا التحوّل الذي أكسبه فائضاً سلطوياً: «قتل» شي «أباً» آخر: قتيله هذه المرّة كان هو جنتاو الذي حكم على رأس قيادة جماعيّة ورعى وصوله إلى الوراثة. «القاتل» صار أميناً عامّاً للحزب ورئيساً للجمهوريّة وللّجنة العسكرية المركزية. لم يكتف بهذا، فأُلغي من الدستور كلّ ما يحدّد المهل السلطويّة. عبادة شخصه الناشئة عكست ظلّها على تقنيّات الاتّصالات وتطبيقاتها، أو ما بقي متاحاً منها.

- فخّ ثوسايديدِس
لقد بات شي، وهو أوّل زعيم للصين يولد بعد ثورة 1949، ثاني زعمائها تجميعاً للسلطات بعد ماو. لكنّ هذا كلّه لم يحدّ من حاجته إلى الإبهام الموناليزيّ: ذاك أن النظرية الصينية التي تؤكد على التجارة الخارجية طريقاً إلى الرفاه، تؤكّد أيضاً على الرغبة في السلام.
وما يثير القلق، ويكذّب الزعم، هو البناء العسكري لبكين في بحر الصين الجنوبي، المرفق بتضارب المزاعم السيادية بينها وبين ثمانية بلدان مشاطئة. وعلى عكس الرواية الصينيّة، يعرف مَن يحتكمون إلى التاريخ الأوروبي الحديث أنّ السباق على الأسواق بين أطراف غير ديمقراطيين لا يفضي إلاّ إلى الحروب.
فهل تستطيع بكين الجمع بين «تجديد القوة الصينية» و«الصعود السلمي»، وهما شعارا شي الأثيران؟
لقد أشير، غير مرّة، إلى أنّ «فخ ثوسايديدِس» يقف حائلاً دون ذلك. وثوسايديدِس، من مؤرّخي اليونان القديمة، لاحظ أنّ ما أثار الحرب بين أثينا وإسبارطة في القرن الخامس ق.م هو خوف الثانية من صعود الأولى. فـ«الفخّ» إذن هو التوتّر الذي ينشأ حين تهدّد قوّة جديدة معادلات الوضع القائم وقواه. فكيف وأنّ الدول المعنيّة باتت كلّها محكومة بزعماء قوميين وشعبويين من طراز جينبينغ:
* اليابان في ظلّ شينزو آبي، وبينها وبين الصين فائض تاريخي مسموم يؤجّجه البناء العسكري الصينيّ.
* الهند في ظلّ نارندرا مودي، التي تجمعها بالصين أطول حدود نزاعيّة في العالم، وسبق للبلدين أن خاضا حرب حدود في 1962، كما أنّ لبكين مزاعمها في أجزاء من إقليم أروناشال براديش الهنديّ.
* روسيا في ظلّ فلاديمير بوتين، التي لا يحول توافقها مع الصين في سياسات خارجيّة تستفزّ أميركا، دون قلقها من توسّع النفوذ الصيني في آسيا الوسطى، قياساً بانكماش نفوذها ونفوذ اقتصادها الضعيف.
* والأهمّ والأخطر، الولايات المتّحدة في ظلّ دونالد ترمب. فلأميركا حضورها العسكري والاقتصادي الكبير في آسيا، حيث خاضت حربي كوريا وفيتنام. وهي في قلقها من البناء العسكري الصينيّ، ومن التهديد بقضم تايوان، تجد لدى دول آسيويّة كثيرة، كاليابان وفيتنام، مَن يدعوها إلى توسيع وجودها في آسيا كضمانة دون التوسّع الصيني. هذا كلّه قبل أن يضيف ترمب حربه التجارية والحمائية التي تستهدف الصين قبل أي بلد آخر.
فإلى متى سيتمكّن الوجه الموناليزي لشي من أن يؤجل التعبير؟



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.