عائلة لبنانية تهتم باللاجئين السوريين والعراقيين في شارتر الفرنسية

لا أحد يحلم بالعودة... وأكبر نسبة لجوء كانت بين 2015 و2017

نيلسون وجاكلين باحوط (الشرق الأوسط)
عبد القادر خوجة
نيلسون وجاكلين باحوط (الشرق الأوسط) عبد القادر خوجة
TT

عائلة لبنانية تهتم باللاجئين السوريين والعراقيين في شارتر الفرنسية

نيلسون وجاكلين باحوط (الشرق الأوسط)
عبد القادر خوجة
نيلسون وجاكلين باحوط (الشرق الأوسط) عبد القادر خوجة

عندما هاجرت اللبنانية جاكلين باحوط إلى فرنسا، في نهاية الثمانينات من القرن الماضي؛ هرباً من الحرب في منطقة الأشرفية في شرق بيروت، وسعياً إلى تأمين مستقبل أفضل لأولادها، وعندما وافق زوجها نيسلون على فكرة الهجرة، لم يصادفا صعوبة في ترتيب إقامة العائلة، ومن ثم حصولها على الجنسية الفرنسية والاستقرار في مدينة شارتر القريبة من باريس. وعندما بدأت مأساة هرب السوريين والعراقيين من بلادهم وبحثهم عن أوطان بديلة، لم تكن ترتيبات عملية اللجوء بالسهولة ذاتها؛ لذا بدأ نيلسون وجاكلين باحوط رحلة مساعدة اللاجئين العرب في شارتر، وذلك بالصدفة قبل سبع سنوات، كما يقول نيلسون لـ«الشرق الأوسط». ويضيف: «قابلت عراقياً لا يجيد الفرنسية طلب مساعدتي للتفاهم مع الجهات الرسمية والخيرية التي تتولى ملف قبول لجوئه إلى فرنسا. بعد ذلك تطورت الأمور. واعتمد علينا (المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين والمبعدين Ofpra) في المدينة لتولي أمور الترجمة ومساعدة اللاجئين على التأقلم والاستقرار».
ويشير إلى أن «مشكلة اللاجئين الأولى هي اللغة، وجهلهم بها يسبب لهم الإحباط. في البداية نساعدهم بترجمة الأوراق الرسمية التي يتلقونها، ونرافقهم إلى صندوق المساعدة العائلية وإلحاق الأولاد بالمدارس. ومن ثم مساعدتهم للعمل في المدينة».

- «M. moi travail» وعقدة اللغة
ويروي نيلسون، أن «ناجي وهو عراقي لا يجيد الفرنسية ما حال دون حصوله على عمل. فألحقته بمؤسسة تساعد على التأقلم، وأرسلت له طلبات العمل إلى الشركات. وكان يذهب يومياً ليراجع. ويردد كلمتين حفظهما، هما: «moi - travail» أي «أنا عمل»، حتى صار يلقبه من يراجعهم «M. moi travail» وفعلاً حصل على وظيفة عامل نفايات». ويضيف أن «اللاجئين ولدى وصولهم إلى فرنسا يحسبون أن الدولة بانتظارهم مع كل ما يسهل حياتهم. لكنهم يعجزون حيال الإجراءات وكمية الأوراق التي يتلقونها كل شهر لتجديد المعلومات اللازمة أو تتوقف المساعدات التي يحصلون عليها. وبما أن أكثرية اللاجئين يعتمدون على المساعدات، يهدد جهلهم اللغة بانقطاع هذه المساعدات».
ويشير نيلسون إلى أن «أكثرية العراقيين هاجروا من سهل نينوى والموصل. وهربوا إلى دهوك في كردستان، ومنها حصلوا على فرصة اللجوء. وبعض السوريين هارب من النظام، وبعضهم الآخر مع النظام السوري، لكنه يريد تأمين الجنسية. وهناك من يملك المال ولا يضعه في المصارف ليتمكن من الاستمرار في الحصول على المساعدات. ومع الأسف، المرتاحون مادياً يأخذون من درب المحتاجين فعلياً». وشدد على أن «الأغلبية لديهم ما يكفي حتى لا يجوعوا، ولديهم المأوى وأولادهم في المدارس».
وتقول جاكلين لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد يحلم بالعودة إلى سوريا أو العراق. فاللاجئون يعرفون مستقبل أولادهم في فرنسا». وتضيف أن «أكبر نسبة للجوء كانت بين 2015 و2017، لتتوقف عام 2018، واليوم نشهد حالات فردية، لم نعد ننتظر باصات تقودهم إلى المدينة، كما كان يحصل في السابق. كما أن الجهات الفرنسية المختصة بدأت تتشدد حيال قبول اللاجئين».
نيلسون باحوط يتكلم بدوره عن «رجل رفض إجراء المقابلة، وصل إلى شارتر قبل أشهر وهو يحمل آثار عنف، وذلك بعد اعتقاله ودفع أهله مبلغ عشرة آلاف دولار لإطلاق سراحه. وبعد قبول طلبه للجوء إلى فرنسا، تم تحويله إلى الطبيب الذي صدم لدى رؤية ما خلفه التعذيب الذي خضع له، وصرخ: هل يمكن أن يقوم إنسان بهذه البربرية».

- اللجوء هرباً من الخدمة العسكرية
في منزل جاكلين ونيلسون المفتوح لكل من يطلب المساعدة، تحدثت «الشرق الأوسط» إلى شاب أصرّ على عدم ذكر اسمه لحماية أهله في دمشق. هو هارب من الخدمة العسكرية. قال: «أنهيت دراستي الجامعية، والتحقت بالخدمة العسكرية عام 2012، وتحديداً في مطار الرقة العسكري، الذي كان محاصراً من (الجيش السوري الحر) ومن ثم (جبهة النصرة). وبقيت كالأسير مع رفاقي في المطار ثلاث سنوات. وإذا لم يأت الطيران ويرمي لنا المؤونة من الطعام نجوع. رفضوا أن يسرحوني. وعندما تمكنت من الحصول على إجازة لمدة شهر، هربت واختفيت عن الأنظار بضعة أشهر، حتى تدبرت على طريقة للهرب كلفتني ثلاثة آلاف دولار. المهرّب زودني بأوراق ثبوتية مزورة ساعدتني لمغادرة دمشق إلى المناطق المحررة من النظام، ومنها إلى تركيا. استغرقت الرحلة يوماً كاملاً. بقيت في تركيا نحو ثلاث سنوات، كانت الأغرب في حياتي. عملت في معامل أحذية وفي مطاعم، وأينما سنحت لي الفرصة. نسيت إجازتي الجامعية. قدمت طلب لجوء إلى القنصلية الفرنسية في إسطنبول. وبعد المقابلة تمت الموافقة على طلبي بعد شهرين؛ لأن شقيقي طبيب في فرنسا، وقد كفلني. فأنا لا أملك أوراقاً ثبوتية ولا جواز سفر. خرجت من تركيا برخصة القيادة وشهادتي الجامعية فقط».
الشاب المتحفظ عن ذكر اسمه يجيد بعض الفرنسية ويجد صعوبات في التعامل مع المستندات؛ لذا لجأ إلى جاكلين ونيلسون باحوط لمساعدته. وهو يرغب في العودة إلى الجامعة للتخصص في المعلوماتية أو في الإرشاد الاجتماعي. ويعتبر أن النظام السوري ظالم والمعارضة فوضوية. ويقول: «هربت في التوقيت المناسب قبل وصول (داعش) إلى المطار. رفاقي الذين بقوا في المكان قُتلوا جميعهم».

- مواجهة الموت غرقاً
عبد القادر خوجة من حلب، لا تحفُّظ لديه لذكر اسمه ونشر صورته. يقول لـ«الشرق الأوسط»: إن «العد العكسي للحياة العادية التي كان يعيشها بدأ مع حصار حلب عام 2012. شهد فظائع كثيرة. عائلات لم تكن ضد النظام ما أن دخل جيشه مناطقها حتى تمت إبادتها. قرى بكاملها أُفرغت من سكانها». ويحكي عن «مندسين للنظام جنّدوا شباباً مقابل 500 دولار شهرياً للتجسس على (الجيش الحر) واللجان الشعبية واغتيال الكوادر».
يقول إنه «عاش ظروفاً حياتية صعبة، لكنه لم يكن يفكر في الهجرة من سوريا. اكتفى بالنزوح مع عائلته من منطقة إلى أخرى بين 2012 و2014. لكن بدأ (داعش) يقترب من المنطقة التي كان يقيم فيها في الريف الشمالي لحلب. اقتحم مقاتلو (داعش) القرية وقتلوا شقيقه واعتقلوا والده، حينها قرر النزوح إلى تركيا. لم يحسن دفن أخيه. كان يجب أن يهرب وإلا يموت. مسلحو (داعش) كانوا يتكلمون العربية الفصحى ويطاردون الرجال لقتلهم».
ويضيف: «أقمت في تركيا مع عائلتي لمدة سنتين. وكنت دائماً أخطط للرجوع إلى سوريا. عدت إلى أعزاز عام 2016؛ لأفتح سوبر ماركت. وبدأت العمل على المشروع. لكن (داعش) وصلت إلى المنطقة وبدأ الصراع بينها وبين الأكراد. خفت أن يتكرر السيناريو ذاته، عدت إلى تركيا مع عائلتي. عانيت صعوبات مالية. ولم أجد أمامي إلا الهجرة. لم يكن الأمر سهلاً عليّ لأهرب مع زوجتي وأولادي الثلاثة، كان عليّ تأمين نحو خمسة آلاف دولار للمهرّب، وأنا بالكاد أكسب رزقي. استدنت ما أستطيع واقترحت على المهرّب أن أقود القارب المطاطي لأخفف تكاليف السفر؛ على أساس أن من يقود القارب لا يدفع. كنّا 65 شخصاً في قارب طوله ثمانية أمتار وحالته متردية. صعدنا بُعيد منتصف الليل. وما أن ابتعدنا عن الشاطئ حتى تعطل القارب وثُقب وبدأت المياه تتسرب إلى داخله، وشرعت النساء بالصياح. كان علينا أن نصل إلى المياه الإقليمية اليونانية ليتولى خفر السواحل أمرنا. رأينا الموت بأعيننا، ولم نرَ خفر السواحل. لا أعرف كم بقينا نصارع الغرق، حتى تمكنّا من الوصول إلى البر. هناك تولت أمرنا السلطات المختصة ونقلتنا إلى مخيمات في ثكنة عسكرية مهجورة وسط غابة نائية مع الثعابين والعقارب. وبدأنا معاملات إعادة التوطين. وبعد ستة أشهر تم استدعائي إلى القنصلية الفرنسية في أثينا. وأجريت مقابلة مع المسؤول عن الهجرة، ثم أبلغت بقبول لجوئي مع عائلتي».
واليوم، بعد مضي عامين على وصوله إلى شارتر، يعمل عبد القادر في البناء. أولاده يتكلمون الفرنسية بطلاقة ويحسبون أنها لغتهم الأم ويستغربون كيف لا يفهم والدهم ما يقولون. يقول إنه لن يعود إلى سوريا إلا عندما يرحل بشار الأسد.


مقالات ذات صلة

فرنسا تنقذ 119 مهاجراً خلال محاولتهم عبور قناة المانش إلى بريطانيا

أوروبا مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

فرنسا تنقذ 119 مهاجراً خلال محاولتهم عبور قناة المانش إلى بريطانيا

أعلنت السلطات الفرنسية أنها أنقذت أكثر من مائة مهاجر أثناء عبورهم قناة المانش للوصول إلى بريطانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع، في حين تم نقل أحدهم إلى المستشفى.

«الشرق الأوسط» (ليل (فرنسا))
الولايات المتحدة​ غالبية الأميركيين يعتقدون أن كل من يولدون في الولايات المتحدة يجب منحهم الجنسية تلقائياً (رويترز)

استطلاع: معظم الأميركيين يعارضون إلغاء حق الحصول على الجنسية بالولادة

أظهر استطلاع رأي أجرته «رويترز/إبسوس» أن غالبية الأميركيين يعتقدون أن كل من يولدون في الولايات المتحدة يجب منحهم الجنسية تلقائياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة توضيحية لمبنى رالف كار القضائي الذي يضم المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف بولاية كولورادو دنفر (أ.ب)

السلطات الأميركية تحتجز أسرة مصرية لعدة ساعات عقب الإفراج عنها

السلطات الاتحادية الأميركية احتجزت أسرة مصرية مجدداً لعدة ساعات بعد إطلاق سراحها الأسبوع الماضي بناء على أمر قضائي أنهى احتجازها لأكثر من 10 أشهر في مركز هجرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

توصلت السلطات الفرنسية والبريطانية لاتفاق جديد لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش بشكل غير قانوني، إلا أن لندن ربطت جزءا من تمويلها بفعالية التدابير المتخذة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.