البشير وأشقاؤه في السجن... و«العسكري» يعد بتسريع تسليم السلطة للمدنيين

إجراءات لمكافحة الفساد والبرهان يبدي زهده في الحكم... الأصم لـ«الشرق الأوسط»: طالبنا بتقليص صلاحيات العسكر

تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

البشير وأشقاؤه في السجن... و«العسكري» يعد بتسريع تسليم السلطة للمدنيين

تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

حقق المعتصمون أمام قيادة الجيش السوداني، انتصاراً جديداً، وخطوة أخرى في سبيل اجتثاث نظام الإنقاذ الوطني السابق، بعد أن قامت السلطة العسكرية الانتقالية، الحاكمة، بنقل الرئيس المعزول عمر البشير، إلى سجن كوبر المركزي، في الخرطوم بحري، ليل الثلاثاء، ليلحق برفيقيه، نائبه أحمد هارون، ووالي الخرطوم، عبد الرحيم محمد حسين، الذي لازمه طوال عهده الذي ناهز 30 عاماً، في حين تم وضع رئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر في الإقامة الجبرية فور عودته من قطر. في غضون ذلك، تعهد رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان، بتسليم السلطة للشعب في «أقرب وقت ممكن».
وقال المجلس العسكري، أمس، إنه جرى اعتقال شقيقين للرئيس المخلوع عمر البشير هما عبد الله والعباس، في إطار حملة الاعتقالات الجارية «لرموز النظام السابق».
وقال متحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي, شمس الدين كباشي، إن القوات غير النظامية الموالية للحزب الحاكم السابق بزعامة البشير وضعت تحت قيادة الجيش والشرطة.
وكشف، أن الجهات الثلاث (الدفاع الشعبي، ومنسقية الخدمة المدنية، والشرطة الشعبية) سيطرت عليها القوات المسلحة والشرطة، وأنه جارٍ حصر ممتلكاتها.
وقال أحد أقارب البشير لـ«الشرق الأوسط»، أمس: إن الرئيس المعزول نُقل إلى سجن «كوبر» الشهير الواقع على الضفة الشرقية للنيل الأزرق، عند مدينة «الخرطوم بحري». مشيراً إلى وجود عدد من قادة الإنقاذ حالياً في السجن نفسه، من بينهم عبد الرحيم محمد حسين، وأحمد هارون، وقادة حزب المؤتمر الوطني.
وكان المتحدث باسم «المجلس العسكري الانتقالي» الفريق شمس الدين كباشي، قد وعد الصحافيين قبل ثلاثة أيام بنشر قوائم المحبوسين والمتحفظ عليهم من رموز النظام السابق من المسؤولين الحزبيين والرسميين، بيد أنه لم يكشف عن قوائم الاعتقالات بعد؛ ما فتح المجال واسعاً أمام التكهنات.
وفور ذيوع خبر نقل البشير إلى السجن السياسي الشهير، كوبر، بضاحية الخرطوم بحري، سارعت أجهزة الإعلام المحلية والدولية، إلى نصب كاميراتها أمام بوابة السجن، بأمل السماح لها بالحصول على «صورة» للرجل الذي حكم السودان بالحديد والنار طوال ثلاثين عاماً، وهو يرسف في أغلاله، في حين نشرت قوات كبيرة من الجيش وقوات الدعم السريع خارج السجن.
وذكر مصدر «الشرق الأوسط»، أن البشير وضع في «حبس منفرد» بعيداً عن مكان رموز نظامه الأخرين الذين قبض عليهم قبله، وأن أسرته لا تعلم بوضعه الآن، وذلك بعد أن بقي محتجزاً بحراسة مشددة في «بيت الضيافة» داخل القيادة العامة للجيش.
من جهة أخرى، تواصلت عمليات التعبئة الجماهيرية بين المعتصمين، وسيّرت «لجنة الأطباء المركزية» – نقابية معارضة – موكباً للأطباء، في حين سيّرت «شبكة الصحافيين السودانيين»، موكباً انطلق من وكالة الأنباء الرسمية (سونا)، وتوجه الموكبان إلى مقر الاعتصام. وذكرت لجنة الأطباء المركزية، أن الموكب يهدف إلى دعم المعتصمين، وإعادة هيكلة النظام الصحي، وانتزاع مركز القرار الصحي من رموز النظام المعزول، في حين قالت شبكة الصحافيين إن موكبها يستهدف «إزالة آثار النظام القديم في أجهزة الإعلام الرسمية، وهيكلتها لتحقيق أهداف التحول الديمقراطي والعدالة والمساواة، وإيقاف هيمنة رموز العهد البائد على تلك الأجهزة، وذلك استمراراً لمسيرات الاعتصام «النوعية» التي بدأت بأساتذة جامعة الخرطوم أول من أمس.
من جهة أخرى، أصدر المجلس العسكري الانتقالي قراراً، قضى بمراجعة حركة الأموال، وحجزها المشتبه فيها ابتداء من الشهر الحالي؛ وذلك امتداداً لقراره السابق بإلزام المؤسسات الحكومية بالإفصاح عن حساباتها المصرفية داخل وخارج البلاد. وقال بيان صادر عن الإعلام العسكري أمس: إن رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان وجّه البنك المركزي، بمتابعة والإبلاغ عن «أي حركة كبيرة أو مشبوهة للأموال عن طريق المقاصة أو التحويلات».
وذلك ضمن إجراءات يُنتظر أن يتخذها المجلس لمحاسبة الفساد المستشري في البلاد، طوال حكم الرئيس المعزول عمر البشير، كما وجّه القرار السجّل التجاري، بوقف تبادل الأسهم ونقل ملكيتها، والإبلاغ عن أي عمليات نقل أسهم أو شركات بصورة مثيرة للشكوك. وألزم مرسوم أصدره البرهان مؤسسات الدولة بكشف حساباتها المصرفية والإيداعات داخل البلاد وخارجها، ونصّ على أن «كافة الوزارات والهيئات والمؤسسات والشركات والكيانات الحكومية، وجميع الجهات التي تمتلك حكومة السودان حصة فيها، عليها التقدم بالبيانات اللازمة حول الحسابات المصرفية والإيداعات والأوراق المالية والمبالغ النقدية أو أي معادن نفيسة أو مجوهرات داخل وخارج السودان»، وتسليمها لبنك السودان والجهات المعنية خلال 72 ساعة. وتوعد المرسوم المخالفين لقراره بالمساءلة، وإخضاعهم للمحاكمة التي لا تتجاوز عقوبتها السجن مدة لا تتجاوز عشر سنوات أو الغرامة أو العقوبتين معاً.
وفي حين أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان، عزمه على «نقل السلطة إلى الشعب في أقرب وقت ممكن»، بدا القيادي بـ«تجمع المهنيين السودانيين» محمد ناجي الأصم متفائلاً بالتطورات التي تشهدها البلاد. وقال الأصم لـ«الشرق الأوسط» أمس: «لقد تحقق جزء كبير من مطالب الثورة، لكن المطلب الأساس لا يزال قائماً»، وتابع: «نعمل على تعبيد طريق آمنة لمطالب الثورة السودانية، وذلك لن يتم إلا بتسليم السلطة السيادية للمدنيين مع تمثيل العسكريين».
وعقد المجلس العسكري الانتقالي أمس، أول اجتماعاته في القصر الجمهوري، على الضفة الغربية للنيل، وترأس الاجتماع رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان، وأبدى الرجل الذي جلس على «الكرسي» الذي ظل البشير يحتكره طوال الثلاثين سنة الماضية، زهده في السلطة، وتعهد بتسليم السلطة للشعب في أقرب وقت ممكن.
وبحسب تقارير صحافية، تناول الاجتماع تقارير أداء اللجان، وبحث قضايا تتعلق بالأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية بالبلاد، وصدرت خلاله عدد من التوجيهات والقرارات الاقتصادية والسياسية.
وأوضح الأصم، أن الثورة أدت إلى تغيير نظام عمر البشير، ودفعت الموجة الثانية من الثورة كلاً من رئيس المجلس العسكري الانتقالي وزير الدفاع السابق عوض بن عوف، ونائبه الفريق كمال عبد المعروف إلى التنحي، وتابع: «لكن هذه ليست القضية الأساسية، القضية الأساسية تسليم السلطة للمدنيين وتحقيق المطالب كاملة». وتوقع الأصم استجابة المجلس العسكري لمطالب الشارع، وقال: «قد لا يتم ذلك بسهولة، لكن المجلس مضطر للاستجابة؛ لأنه أكد أنه تسلم السلطة لتحقيق مطالب الشعب السوداني»، إضافة إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه تواجد الناس في الميادين من ضغط على المجلس، وتابع: «هذا التواجد أزاح البشير وبن عوف، وهو الذي يضمن تحقيق المطالب»، وأضاف: «لا توجد قوة تستطيع الوقوف ضد مطالب الشعب».
ونفى الأصم تقديم «ترشيحات» بأسماء الوزراء للحكومة المزمعة تكوينها، وقال: «سلمنا رؤيتنا للحكومة، وتتكون من ثلاثة مستويات، سيادية وتنفيذية وتشريعية»، وأضاف: «الخطوة المهمة بالنسبة لنا موافقة المجلس على تقليص صلاحياته، وبعدها يمكن النقاش حول التشكيلة الوزارية».
وفي السياق، سلمت لجنة من «قوى الحرية والتغيير» المجلس العسكري الانتقالي، ورقة تتضمن مقترحاتها بشأن آليات الانتقال والفترة الانتقالية، وقالت عضو لجنة التفاوض مريم المهدي لـ«الشرق الأوسط» أمس: «قدمنا ورقة (آليات ترتيب الانتقال للسلطة الانتقالية المدنية) المجمع عليها للمجلس العسكري الانتقالي».
وحسب المهدي، فإن اللجنة التي قابلت المجلس العسكري الانتقالي مكونة من شخصين لتمثيل «قوى الحرية والتغيير» وشخص عن «تجمع المهنيين»، وشخصين من ممثلين للمعتصمين «شاب وشابة». وأوضحت المهدي، أن اجتماعاً عقد أمس، قرر توسيع اللجنة المركزية لتحالف لقوى الحرية والتغيير لتشمل «الحركات المسلحة، ومنظمات المجتمع المدني»، وتكليف لجنة مصغرة منه للتفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي.
من جهته، قال عضو لجنة الانتقال كمال حامد البولاد لـ«الشرق الأوسط»: إن قوى الحرية والتغيير، اتفقت بشكل كامل على «مسودة الفترة الانتقالية» وتتمثل في تشكيل «مجلس رئاسي، ومجلس وزراء انتقالي، وبرلمان انتقالي». وأوضح البولاد أن لجنته ستقدم التصور للشعب السوداني باعتباره مدخلاً للفترة الانتقالية.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.