المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة: نتلاقى مع السعودية وسنعزز تعاوننا في كل المجالات

نيبينزيا لـ «الشرق الأوسط» في أول حديث مع وسيلة إعلامية عربية: إيران وتركيا سترحلان عن سوريا في نهاية المطاف... واللجنة الدستورية تتشكل قريباً

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا (المركز الإعلامي للأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا (المركز الإعلامي للأمم المتحدة)
TT

المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة: نتلاقى مع السعودية وسنعزز تعاوننا في كل المجالات

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا (المركز الإعلامي للأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا (المركز الإعلامي للأمم المتحدة)

اعتبر المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، في حديث مع {الشرق الأوسط} هو الأول له مع وسيلة إعلامية عربية، أن النظام العالمي «لا يزال على حاله» منذ إنشائه، بعد الحرب العالمية الثانية، رغم ظهور «مراكز جديدة للقوة». بيد أنه أقر بوجود «تحديات وتهديدات جديدة» مثل الإرهاب، وتهريب المخدرات، والهجرة غير الخاضعة للرقابة.
وإذ دافع عن «مشروعية» الوجود الروسي في سوريا، أكد أنه ينبغي للجميع، بما في ذلك الإيرانيون والأتراك وغيرهم، أن يرحلوا في نهاية المطاف عن هذا البلد. وشدد على أن الوضع الراهن في إدلب «لا يمكن إبقاؤه مجمداً إلى الأبد»، معتبراً أن «صيغة آستانة هي الآلية الفعالة الوحيدة لتحقيق الاستقرار» في سوريا، متوقعاً أن يتمكن المبعوث الدولي الخاص، غير بيدرسن «قريباً» من إعلان تشكيلة اللجنة الدستورية. وذكَّر بأن موسكو دعت إلى إنشاء «منصة» لمناقشة المشكلات على الصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، معتبراً أن «ذلك سيحصل عاجلاً أم آجلاً»، وأن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يدافع عن فكرة مشابهة لعملية من نوع هلسنكي لهذه المنطقة.
وكشف عن أن الاتصالات السياسية المكثفة بين القيادتين الروسية والسعودية، تُظهر أن كلاً من موسكو والرياض تعتبران أن هناك «إمكانات (...) لها تأثير سلبي للغاية، ليس فقط على الأمن الإقليمي؛ بل أيضاً على الأمن والاستقرار العالميين». وعبّر عن تقدير الاتحاد الروسي للدور الذي تقوم به المملكة العربية السعودية، وهي «أكثر دول الشرق الأوسط ومنطقة الخليج نفوذاً» في ملفات كثيرة، ولا سيما فيما يتعلق باليمن وسوريا وغيرهما من دول المنطقة، لافتاً - خصوصاً - إلى أن المملكة تضطلع بـ«دور بنَّاء للغاية» في الأزمة اليمنية. وفي حديثه المتشعب لـ«الشرق الأوسط» عن عودة روسيا في السنين العشر الماضية كقوة عظمى، تحدث الدبلوماسي الروسي الرفيع، الذي تتسلح بلاده بامتياز حق النقض (الفيتو)، عن ملفات أخرى، مثل ليبيا وفنزويلا، وغيرهما من الملفات الملتهبة حول العالم.

> عادت روسيا إلى الظهور خلال السنين العشر الماضية كقوة عالمية كبرى، بما في ذلك في الشرق الأوسط. نسمع أناساً يتكلمون عن العودة إلى الحرب الباردة. وثمة من يعتقد أننا نتجه نحو نظام عالمي جديد. ما رؤيتك؟
- العنصر الرئيسي لنظام العلاقات العالمية الذي نشأ عقب الحرب العالمية الثانية، هو الأمم المتحدة وميثاقها. ولد نظام عالمي جديد في كل مرة بعد حروب مدمرة. هذه كانت هي الحال مع (معاهدة سلام) «صلح ويستفاليا» (القرن السابع عشر) ومؤتمر فيينا، ومحفل الأمم أو الأمم المتحدة. أكره حتى التفكير في سبب آخر مماثل لنظام عالمي جديد. كما قال ألبرت آينشتاين يوماً: «لا أعرف ما أسلحة الحرب العالمية الثالثة، ولكن في الرابعة سيتحاربون بالعصي والحجارة».
وقعت أحداث زلزالية في الماضي، مثل تداعي النظام الاستعماري، ونهاية الحرب الباردة، والانقسام الآيديولوجي المرتبط بها. ومع ذلك، لم يقل أحد إننا دخلنا في نظام عالمي جديد آنذاك. ولم ينته التاريخ كما ادعى فرنسيس فوكوياما. بالطبع، الأمور تتغير، توازنات القوة تتحول، ومراكز جديدة للقوة تظهر. ينعكس ذلك في النقاش الدائر حول إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ حيث نؤيد توسيعه المنظم مع البلدان النامية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، التي لديها بشكل جلي تمثيل ناقص.
على أي حال، هناك اتجاه آخر مقلق. يجري التفريط بشدة في فن المساومة خلال السنوات الأخيرة. إن عدم الرغبة وعدم القدرة على إدراك أن العالم لم يعد أحادي القطب، وأن لا كتلة واحدة مهيمنة، تقود إلى محاولات إنشاء «ائتلافات راغبين» متنوعة، وتحالفات لذوي التفكير المتشابه تدافع شفهياً عن القانون الدولي، ولكن عملها يتجاهله بصورة تامة. هناك ابتكار لمفهوم جديد - «نظام يستند إلى قواعد» - يخدم إنشاء بعض «القواعد» التي يعتدّون بها في المجموعة المتشابهة التفكير، ولكنها غير مقبولة من جزء كبير من المجتمع الدولي، ناهيك عن تقبلها في أي مكان. وعلاوة على ذلك، تظهر تحديات وتهديدات جديدة، مثل الإرهاب وتهريب المخدرات والهجرة غير الخاضعة للرقابة. يجري توظيف تقنيات سياسية جديدة، مثل القذف والتشهير ببعض الدول؛ حيث تصير التهمة بمثابة حكم بالإدانة. نعيش فيما يسميه كثيرون: عالم «ما بعد الحقيقة». وبصرف النظر عن ذلك، فإن النظام العالمي لا يزال على حاله منذ إنشائه بعد الحرب العالمية الثانية.
> ربما تكون سوريا هي المظهر الأوضح لصعود روسيا في عالم اليوم. هل أنجزتم المهمة في الحرب السورية؟ هل تتوقع أن تقوم إيران وتركيا والولايات المتحدة وغيرها بمغادرة سوريا؟
- وجود روسيا في سوريا قانوني. نحن هناك بطلب من الحكومة الشرعية، من أجل مساعدتها على مواجهة التهديد الإرهابي. إيران، بالمناسبة، موجودة هناك بصورة قانونية أيضاً. لا أحد آخر مدعو، كما نعلم جميعاً. ينبغي لكل الموجودين في سوريا من دون دعوة أن يغادروا البلاد. رغم الأضرار الجسيمة التي ألحقت بـ«داعش» في سوريا، لم يحصل اجتثاث كامل للتهديد الإرهابي الذي لا يزال كبيراً. هناك جماعة إرهابية أخرى، هي «هيئة تحرير الشام» (المعروفة أيضاً باسم «النصرة»)، التي عززت مواقعها في شمال سوريا. وهي تتخذ من إدلب الآن معقلاً لها؛ حيث أقام مقاتلو «النصرة» قواعدهم، وتولوا بشكل أساسي مهمات السلطات المحلية. لا يمكن إبقاء هذا الوضع مجمداً إلى الأبد. تنبغي معالجته. لهذا السبب كثفنا أخيراً اتصالاتنا مع شركائنا الأتراك في منطقة خفض التصعيد في إدلب. ونحن ندرك تماماً أن إدلب موطن لعدد كبير من السكان المدنيين، وبينهم نازحون داخلياً من أجزاء أخرى من سوريا. ونعلم أنهم يعانون تحت حكم الإرهابيين، ويحلمون بتخليصهم من التسلط. ولكن ينبغي بالطبع ألا يصير المدنيون مجرد «أضرار جانبية» لحرب مشروعة ضد الإرهابيين. شركاؤنا يحضون السلطات السورية وضامني آستانة على احترام اتفاقاتهم وصون المدنيين، معبرين عن خشيتهم من كارثة إنسانية قد تحصل، في حال وقوع أعمال عدائية واسعة النطاق. وفي الوقت نفسه، ليسوا متسقين بالدرجة ذاتها، حين يقومون بعمليات عسكرية ضد الإرهابيين في شمال شرقي سوريا؛ حيث - كما تعلمون - وقع عدد كبير من المدنيين ضحية القصف الجوي للتحالف.

بيدرسن وعملية آستانة

> ما الذي تتوقعه تحديداً من المبعوث الخاص الجديد للأمم المتحدة غير بيدرسن؟
- نحن نحافظ على الحوار مع المبعوث الخاص غير بيدرسن، حول التسوية السياسية في سوريا، سواء على المستوى الثنائي أو من خلال عملية آستانة. اتضح أن صيغة آستانة هي الآلية الفعالة الوحيدة لتحقيق الاستقرار «على الأرض» في سوريا. نحن مستعدون لتقديم مزيد من المساعدة للمبعوث الخاص، في جعل التسوية السياسية مستدامة. نتوقع أن يتمكن قريباً من إعلان تشكيل اللجنة الدستورية وبدء عملها. نحن نعول على المبعوث الخاص، ونأمل في أن يبني الثقة مع جميع أصحاب المصلحة، مع الحفاظ على الحياد. هذا هو مفتاح النجاح لأي وسيط.
> قلت إن عملية آستانة باتت الآلية الوحيدة الفعالة على الأرض. هل تريدون للمبعوث الخاص أن يتبناها؟
- عملية آستانة جزء من الصورة الأوسع للتسوية، بدءاً من قرار مجلس الأمن رقم 2254، وعبر مؤتمر الحوار الوطني، الذي وُلدت اللجنة الدستورية من رحمه. المبعوث الخاص بيدرسن مستعد للمشاركة في آستانة؛ لأن هذه العملية تناقش مواضيع مهمة، وهو تحديداً يهتم بها، مثل تبادل الأسرى على سبيل المثال. على حد علمي، يخطط للمشاركة في الاجتماع المقبل في آستانة، نور سلطان الآن، يومي 25 و26 من هذا الشهر الجاري.
> على ذكر اسم عاصمة كازاخستان، هل سيتم تغيير اسم العملية؟
- لا، سيحافظون على اسم «عملية آستانة».
> ذكرتَ أيضاً أن اللجنة الدستورية ستشكل قريباً، متى ينبغي أن نتوقع ذلك؟
- لا يوجد جدول زمني محدد؛ لكن المبعوث الخاص نفسه قال إن هناك قليلاً من «الرتوش» (التعديلات) قبل أن يعلن الانتهاء من الموضوع، وبدء عمل اللجنة.
> ما الذي تقوله حول ما حدث أخيراً بخصوص اعتراف الولايات المتحدة بالجولان، كجزء من إسرائيل؟ هل تحاولون في روسيا عدم المس بأي شيء يتعلق بإسرائيل، بما في ذلك عندما تضرب هدفاً في عمق سوريا؟ الجيش الروسي موجود ولكنه لا يحمي سيادة سوريا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. ثم أنت تطلب من جميع غير المدعوين أن يغادروا سوريا باستثناء الروس والإيرانيين والإسرائيليين.
- أعتقد أنناً عملياً سنرحل أيضاً عندما يحين الوقت، وعندما تنضج الظروف، وسنفعل ذلك بالتشاور مع الحكومة السورية. الإيرانيون هناك أيضاً بشكل شرعي؛ لأنهم تلقوا دعوة. سيرحلون أيضاً عندما تقرر الحكومة السورية أن مساعدتهم لم تعد ضرورية.
> سيغادرون؟
- أعتقد أنه عملياً يجب أن يغادر الجميع عندما تستقر سوريا؛ لكن هناك أطرافاً في سوريا لم تدع على الإطلاق، مثل الولايات المتحدة وفرنسا والبعض الآخر. إن وجود إسرائيل في الجولان بدأ قبل النزاع السوري. هذه قصة طويلة. نحن لم نعترف قط بالجولان كجزء من إسرائيل. إنه جزء من سوريا. وأيدنا كل القرارات التي تؤكد ذلك. في الواقع، نددنا بالقرار الأميركي. ولكن لدينا علاقات جيدة مع إسرائيل. وإسرائيل شريكتنا في الشرق الأوسط، مثلها مثل كل الدول العربية. نحن محظوظون وفخورون بأننا إحدى القوى الكبرى التي تتمتع بعلاقات جيدة مع أي طرف وكل طرف في المنطقة، من دون استثناء.
> ماذا عن تركيا؟
- نعم، تركيا لم تكن مدعوة أيضاً. هذا صحيح؛ لكن تركيا شريكة مهمة في عملية آستانة، وفي عملية التسوية السورية. تركيا لديها مخاوفها الخاصة فيما يتعلق بأمنها؛ لكن بالطبع نعتقد أنه سيتعين عليهم في نهاية المطاف أن يغادروا سوريا، كأي وجود أجنبي آخر في البلاد.
> ماذا يمكنك أن تخبرنا عن رفات الجندي الإسرائيلي الذي قتل في لبنان عام 1982؟ ماذا حدث؟
- لا أعرف التفاصيل، ولكن كما قال الرئيس (فلاديمير) بوتين علناً: كانت تلك عملية للقوات الروسية الخاصة التي تمكنت من تحديد مكان الرفات ونبشه.
> من لبنان؟
- بصراحة، لا أعرف من أين. كانت تلك لفتة إنسانية عظيمة، وموضع تقدير كبير من الإسرائيليين.

مقاربات مشتركة لحل المشكلات

> كيف تصف وضع الدول العربية مع روسيا؟ وكيف ستعالج موسكو مخاوف العرب من التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لدولهم؟
- كما قلت، روسيا تتبوأ موقعاً متميزاً بين قوى رئيسية، كي تحتفظ بعلاقات ودية وثيقة مع كل الدول العربية من دون استثناء. نتفاعل على الصعيدين الثنائي، وفي أشكال أخرى، مثل: روسيا - جامعة الدول العربية، وروسيا - مجلس التعاون الخليجي. أنشأنا حواراً سياسياً فعالاً، ونتبادل وجهات النظر في شأن تسوية الأزمات الإقليمية. علاقاتنا التجارية والاقتصادية تتطور بسرعة. نحن مهتمون بوحدة العالم العربي، التي ندافع عنها بلا هوادة. القوة تنمو من الوحدة. والمشكلات الإقليمية يمكن حلها بفاعلية فقط على أساس المقاربات المشتركة.
> هناك كثير من التساؤلات حيال دور إيران في المنطقة. ترفع الإدارة الأميركية الصوت حيال تهديدات إيران لدول أخرى، بما فيها إسرائيل. هل أنتم قلقون من أي مواجهات خطيرة؟
- إيران جزء من المنطقة، وليست كياناً غريباً عنه. لإيران مصالح مشروعة تتجاوز حدودها الوطنية، وهي تهدف - من بين أمور أخرى - إلى ضمان أمنها القومي. الدول العربية أو إسرائيل أو تركيا، لديها مصالح كهذه. ويكمن السبب في الطبيعة عبر الوطنية للتهديدات العالمية اليوم. تتحدث عن التهديدات التي تمثلها إيران، لكن لا تنسى التهديدات التي تواجهها إيران. هذه التهديدات واضحة ووشيكة اليوم. يجري إعلانها والتصريح بها جهاراً. هل تعتقد أنه لا ينبغي لإيران أن تأخذها على محمل الجد؟ لسوء الحظ، فإن الخطوات والخطابات الأخيرة من واشنطن، بما في ذلك الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي بين الدول الكبرى وإيران) وبدء ضغط العقوبات على نطاق واسع، تزيد فقط من أخطار تصاعد التوترات، وتجعل التطورات الأخرى للوضع غير متوقعة على الإطلاق.
وبالنسبة إلى الهواجس من تدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول في الشرق الأوسط، هناك آراء متباينة حول هذا الأمر، حتى بين العرب أنفسهم. إن مقاربتنا يمكن أن توصف بأنها بسيطة للغاية؛ بل هي معيارية. كل بلدان المنطقة لديها مصالحها الخاصة، وينبغي أن تؤخذ في الاعتبار. الشرط الوحيد هو أن تكون هذه المصالح مشروعة. إذا كانت هناك أي مخاوف، فيجب حلها بالوسائل السياسية والدبلوماسية. ولذلك، نحن بحاجة إلى منصة مناسبة لمناقشة مجموعة كاملة من المشكلات القائمة. روسيا اقترحت قبل سنوات كثيرة مفهوماً أمنياً للخليج (...) برؤية منصة حوار لكل بلدان المنطقة، تنضم إليها في نهاية المطاف دول أخرى من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذه قد تكون خطوة أولى نحو إنشاء هيكلية أمنية إقليمية، تساعد في الحفاظ على السلام والأمن في هذا الجزء من العالم. نحن نناقش هذه الفكرة مع أصدقائنا العرب. لم توضع على قيد الحياة بعد؛ لكن ذلك سيحصل عاجلاً أم آجلاً. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يدافع عن فكرة مشابهة لعملية من نوع هلسنكي لـلشرق الأوسط.
> هل يمكن أن تصف العلاقات بين روسيا ودول الخليج، وخصوصاً المملكة العربية السعودية؟ كيف يمكن أن يتعاون البلدان لحل الأزمات الراهنة، وأن يعززا العلاقات سياسياً واقتصادياً؟
- تحافظ روسيا على علاقات ودية مع كل الدول العربية، بما في ذلك دول الخليج. أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التزامنا تكثيف التفاعل مع هذه الدول، خلال رحلته الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة. خلال السنوات الأخيرة، قمنا بزيادة تعاوننا الاقتصادي والسياسي بشكل كبير مع المملكة العربية السعودية. نحن ننسق موقفنا من وضع سوق النفط العالمية من خلال عملية «أوبك زائد». وزير الخارجية لافروف ناقش آفاق تنمية العلاقات خلال زيارته للمملكة العربية السعودية، من 4 مارس (آذار) إلى 5 منه، حين استقبله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، واجتمع مع زميليه (وزير الخارجية) إبراهيم العساف و(وزير الدولة للشؤون الخارجية) عادل الجبير.
إن الاتصالات السياسية المكثفة بين القيادتين الروسية والسعودية تُظهر أن كلاً من موسكو والرياض تنطلقان من افتراض أن إمكانات النزاع المتبقية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لها تأثير سلبي للغاية، ليس فقط على الأمن الإقليمي؛ بل أيضاً على الأمن والاستقرار العالميين. كلانا يلتزم بشكل حاسم بمكافحة الإرهاب بكل مظاهره، والقضاء على الآيديولوجيا الإرهابية.
تتلاقى وجهات النظر الروسية والسعودية حول التسوية في الشرق الأوسط، مما يضع أساس العمل لمزيد من التفاعل. نحن نؤيد حل الدولتين للقضية الفلسطينية الذي يستند إلى الأساس القانوني الدولي ومبادرة السلام العربية. ونحن ننسق النشاطات المتعلقة بتسوية الأزمات الإقليمية. ونقدر جهود الرياض في تسهيل التسوية السياسية في سوريا، وخصوصاً فيما يتعلق بتوحيد المعارضة السورية. نحن نتقاسم الفهم حول أن العملية السياسية السورية ينبغي أن تستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 2254. ونحن نحترم آراء المملكة العربية السعودية، ونطلع أصدقاءنا على آخر المستجدات حول عمل الجهات الضامنة لعملية آستانة، بما في ذلك النشاطات المتعلقة بإنشاء اللجنة الدستورية.
منذ بداية الأزمة في اليمن، حافظنا على حوار بناء مع المملكة العربية السعودية والأعضاء الآخرين في التحالف العربي. وأطلقنا العنان واستخدمنا باستمرار إمكانات اتصالات العمل التي أنشأها الجانب الروسي مع أصحاب الشأن في النزاع، بما في ذلك «أنصار الله»، من أجل إعادة السلام إلى البلاد. تدعم موسكو والرياض جهود المبعوث الخاص للأمين العام مارتن غريفيث. ونأمل في أن يتمكن من إحراز تقدم قريباً. سنقوم بتعزيز تعاوننا على كل المسارات. إن المملكة العربية السعودية واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط ومنطقة الخليج نفوذاً.

المهمة المستحيلة في اليمن

> هل تتجنب التنديد بشحنات الأسلحة إلى الحوثيين في اليمن، أو ذكر القرار 2216، أو حتى استهداف المملكة العربية السعودية بالصواريخ الباليستية من قبل الحوثيين؟
- نحن ندين استهداف السعودية بالصواريخ. نقول ذلك في كل مرة يحدث ذلك؛ لأنه غير مقبول. بالنسبة إلى القرار 2216، نحن امتنعنا عن التصويت لأننا لم نوافق تماماً على بعض أجزاء القرار، ولكن جرى اعتماده. لم نعطله. فيما يتعلق بالحصول على الأسلحة، اليمن بلد كان مليئاً بالأسلحة منذ ما قبل النزاع، ولم يقدم أحد حتى الآن الدليل بنسبة مائة في المائة على أنهم لا يزالون يحصلون على الأسلحة مباشرة من إيران. لديهم وسائل أخرى لتجهيز أنفسهم. هم مسلحون فوق حاجاتهم. اليمن بلد كان سوقاً للأسلحة حتى في العصور القديمة. كان الجميع يتنافسون على تزويد اليمن بالأسلحة، بما في ذلك الاتحاد السوفياتي. لذلك هم ليسوا بحاجة ماسة إلى الأسلحة.
> هل تأمل في حل للوضع؟
- كل الأمور هناك صعبة للغاية بالطبع. ولكن ما يلعب دوراً إيجابياً هو وحدة مجلس الأمن حولها، والضغط القوي من مجلس الأمن لحل النزاع سياسياً. المقاربة التي اعتمدها التحالف، وخصوصاً في الآونة الأخيرة. نحن نعلم أن التحالف، المملكة العربية السعودية بالتحديد، تلعب دوراً بناءً للغاية. ندعم ما يفعله مارتن غريفيث. إنه عمل شبه مستحيل، مهمة مستحيلة؛ لكنه يحاول تجاوز هذه الظروف الصعبة للغاية، والتي تفاقمت بسبب انعدام الثقة التام والكامل بين الأطراف، مما تسبب في عدم تنفيذ اتفاقات استوكهولم حتى يومنا هذا في موانئ الحديدة وغيرها. بالطبع، من المهم للغاية مواصلة الخطوات نحو التسوية السياسية. ولا ينبغي أن تكون هذه الخطوات رهينة التوصل إلى تنفيذ الاتفاق على الحديدة؛ لكن تنفيذ اتفاق الحديدة مهم جداً. نحن نعمل بجد لتحقيق ذلك.

لسنا مع أحد في ليبيا

> رأينا تقارير إعلامية تفيد بأن روسيا تدعم المشير خليفة حفتر في ليبيا. هل هذا صحيح؟
- لا تصدق وسائل الإعلام (ضحك). روسيا تدعم المصالحة والوحدة الوطنية في ليبيا. حفتر لاعب مهم للغاية؛ لكن هناك أطرافاً أخرى في هذا البلد تلعب أدواراً مهمة. نحن لسنا مع أي طرف محدد في ليبيا. نأمل في ألا تؤدي التطورات الأخيرة إلى العنف، وأن تحل بصورة سلمية من خلال الحوار السياسي.
> لدى روسيا ذكريات مريرة في ليبيا بسبب كيفية إطاحة الغرب بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011. هناك هذا الخلاف.
- لم يتبق كثير من الشروخ بيننا وبين الدول الغربية على ليبيا. هناك كثير من عدم اليقين وعدم فهم كيفية إعادة توحيد البلاد التي تحطمت كآنية من زجاج، والآن علينا استعادة كل تلك القطع الصغيرة التي كانت مبعثرة. ليست لدينا تناقضات كبيرة في ليبيا مع زملائنا في مجلس الأمن. لقد قلنا باستمرار إن ما يحصل في ليبيا كان نتيجة للسياسات التي اعتمدتها الدول الغربية عام 2011، عندما خدعونا أساساً في مجلس الأمن، وقصفوا البلد وجعلوه يتدمر. ليبيا ليست وحدها من عانى في أعقاب ذلك، ولكن كل المنطقة جنوبها. ما حصل في بلدان الساحل، وكثير من بلدان غرب أفريقيا ووسط أفريقيا هو نتيجة للتدخل في ليبيا. توجه الجهاديون جنوباً. هذا معترف به علناً من الزعماء الأفارقة أنفسهم.
> ماذا يفعل المستشارون والخبراء العسكريون الروس في فنزويلا؟
- لدينا اتفاق للتعاون العسكري. ذهبوا لخدمة ما قدمناه لهم من قبل. إنهم متخصصون عسكريون جاؤوا لصيانة معدات قدمناها سابقاً للفنزويليين.

عالم غير أحادي

> يتعرض النظام الدولي المتعدد لتحديات جدية. هل تعتقد أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن لا يزالان ذوا صلة؟ ولماذا؟
- لا يوجد بديل عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، الذي هو الهيئة الرئيسية المسؤولة عن صون السلم والأمن الدوليين. إنهما ذوا صلة اليوم كما كانا من قبل. لا يمكننا دائماً أن نجد الحلول في المجلس (رغم أننا نستطيع ذلك في معظم القضايا). بيد أن ذلك ليس لأن مجلس الأمن غير فعال أو غير ذي صلة، ولكن لأن هذا العجز يعكس الانقسامات التي يواجهها العالم. على أي حال، لا بديل لهذه الآلية. ينبغي أن نتعلم مرة أخرى فن التسوية وحسبان المصالح المتبادلة، وهما الأمران المنسيان بعض الشيء اليوم. ينبغي أن نبني عملنا على ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. وينبغي أن يدرك الجميع ويقبلوا أن العالم لم يعد أحادياً. إنه متعدد الأقطاب بمراكز قوة جديدة مستعدة للاعتراف بها وسماعها واحترامها. سيساعد هذا الفهم في إعادة التعددية إلى مركز التعاون الدولي.
> ماذا تتوقع من السفيرة الجديدة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة؟
- لم ألتق بها قط. لكننا مستعدون للعمل مع أي سفير أميركي يعين في الأمم المتحدة. أنا متأكد من أننا سنكون قادرين على العمل سوياً لحل القضايا ذات الاهتمام المشترك.
> كانت لديكم لحظات عصيبة مع نيكي هايلي.
- لحظات صعبة مع نيكي هايلي في مجلس الأمن. ولكن أيضاً لحظات حلوة خارج مجلس الأمن (ضحك).



الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

تبنّى الحوثيون هجوماً باتجاه إسرائيل، الأربعاء، هو الثالث منذ إعلان انخراطهم في الحرب إلى جانب إيران، في تطور يعكس تزايد التنسيق بين أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويشمل إلى جانب «حزب الله» اللبناني فصائل عراقية مسلحة بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي تصدّت، فجر الأربعاء، لصاروخ أُطلق من اليمن باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه جرى اعتراضه دون تسجيل إصابات أو أضرار. وأوضح، في بيان، أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد، قبل أن يُسمح لاحقاً للسكان بمغادرة المناطق المحمية.

وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين تنفيذ عملية صاروخية جديدة، قالوا إنها استهدفت «أهدافاً حساسة» في جنوب إسرائيل، ضمن ما وصفوه بـ«معركة الجهاد المقدس»، مؤكدين أن الهجوم جاء بالتنسيق مع إيران و«حزب الله» اللبناني.

مسيرة حوثية أُطلقت من مكان مجهول باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

الهجوم الأخير يأتي عقب هجومَين السبت الماضي، تبنّت الجماعة خلالهما إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، في أول انخراط مباشر لها في مسار الحرب، في حين تحدثت إسرائيل عن اعتراض صاروخَين وطائرتَين مسيرتَين فقط.

وعلى الرغم من هذا التصعيد، يرى مراقبون أن التأثير العسكري لهذه الهجمات سيظل محدوداً، بالنظر إلى عدم قدرة الجماعة على إطلاق أعداد كبيرة ومتزامنة من الصواريخ.

وتشير تقديرات المراقبين إلى أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه العمليات هو استنزاف جزئي لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة التعامل مع هجمات متعددة المصادر، بما في ذلك الصواريخ الإيرانية وهجمات «حزب الله».

تنسيق مشترك

إعلان الحوثيين أن عملياتهم نُفّذت «بالاشتراك» مع إيران و«حزب الله» يعكس مستوى متقدماً من التنسيق داخل المحور الداعم لطهران، وهو ما عزّزته تصريحات قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، الذي أشاد بما وصفه «الحضور في الوقت المناسب» لليمن في هذه المواجهة.

وفي رسالة موجّهة إلى الحوثيين، عدّ قاآني هذا الانخراط يعكس «تشخيصاً صائباً لتحولات المنطقة»، ويرتبط بمسار أوسع لما سمّاه «جبهة المقاومة الإسلامية» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أشار إلى أن الدعم الإيراني سيستمر في مختلف ساحات المواجهة، في تأكيد إضافي على وحدة الموقف بين أطراف هذا المحور.

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

هذه التصريحات، التي حملت نبرة تصعيدية واضحة، تعكس سعي طهران إلى إظهار تماسك حلفائها، وإرسال رسائل ردع في مواجهة التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

في المقابل، قدّمت الجماعة الحوثية مبررات لتدخلها العسكري، عبر رسائل بعث بها نائب وزير خارجيتها في حكومة الانقلاب، عبد الواحد أبو راس، إلى الأمم المتحدة، وعدد من الهيئات الدولية، أكد فيها أن هذا التدخل يأتي رداً على ما وصفه بـ«العدوان الأميركي-الإسرائيلي» على إيران ودول المنطقة.

وأشار المسؤول الحوثي إلى أن قرار التدخل، الذي دخل حيز التنفيذ في 28 مارس (آذار) الماضي، يستند -حسب وصفه- إلى «المسؤولية الدينية والأخلاقية»، وإلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن الهدف منه هو الضغط لوقف العمليات العسكرية في المنطقة، وليس توسيع نطاق التصعيد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)

رفعت القوات الحكومية اليمنية مستوى الجاهزية القتالية في جزيرة ميون الاستراتيجية التي تقسم مضيق باب المندب إلى جزأين، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من تهديدات محتملة لحركة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية بالعالم، بالتزامن مع إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار في ميناء الحديدة مهامها بشكل نهائي بعد سنوات من العمل دون تحقيق اختراقات ملموسة.

ويأتي هذا التطور في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة بالمنطقة، مع انخراط جماعة الحوثيين في الصراع إلى جانب إيران، وتبنيها إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل؛ مما يثير مخاوف متصاعدة من انعكاسات ذلك على أمن البحر الأحمر وباب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وأكدت مصادر عسكرية يمنية لـ«الشرق الأوسط» أن القوات المرابطة في جزيرة ميون تلقت توجيهات برفع الجاهزية القتالية إلى أعلى مستوياتها، ضمن إجراءات احترازية لمواجهة أي تهديدات محتملة قد تستهدف المضيق الحيوي. وأوضحت المصادر أن هذه التوجيهات جاءت عقب رصد تحركات مريبة، من بينها محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة في مدرج الجزيرة.

فنار إرشاد السفن في جزيرة ميون اليمنية وسط باب المندب (إعلام محلي)

ووفق هذه المصادر، فإن الطائرة، التي يُرجح أنها من طراز نقل عسكري، حاولت تنفيذ عملية هبوط مفاجئة، غير أن القوات الحكومية تصدت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب. ولم تُعرف هوية الطائرة حتى الآن، إلا إن التقديرات تشير إلى احتمال أنها كانت تقل عناصر بهدف تنفيذ عملية إنزال؛ مما يعكس حساسية الموقع الاستراتيجي للجزيرة.

وتحظى جزيرة ميون بأهمية استثنائية؛ نظراً إلى إشرافها المباشر على مضيق باب المندب؛ مما يجعل أي محاولة للسيطرة عليها أو اختراقها تهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية، ويمنح الطرف المسيطر عليها قدرة على التأثير في حركة السفن العابرة.

مخاوف متصاعدة

تزامناً مع هذه التطورات، تتصاعد التحذيرات من احتمال استهداف الحوثيين حركة الملاحة في البحر الأحمر، خصوصاً في ظل سجلهم السابق في مهاجمة السفن خلال العامين الماضيين، في أثناء الحرب على قطاع غزة، عندما تعرضت سفن تجارية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويُعدّ مضيق باب المندب أحد أهم الشرايين البحرية في العالم؛ إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتمر عبره يومياً كميات ضخمة من النفط والبضائع. وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، فضلاً عن تهديد أمن الطاقة العالمي.

حشد في صنعاء دعا إليه زعيم الحوثيين لمساندة إيران (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات ملاحية إلى أن استمرار التهديدات في هذه المنطقة قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأعلى تكلفة، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح؛ مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسواق العالمية.

إنهاء «بعثة الحديدة»

في موازاة ذلك، أعلنت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، المعروفة باسم «أونمها»، إنهاء عملياتها رسمياً، بعد استكمال نقل مهامها إلى مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي.

وأوضحت البعثة أن فريقاً مشتركاً منها ومن مكتب المبعوث الأممي، برئاسة القائمة بأعمال رئيسها ماري ياماشيتا، عقد مشاورات مع ممثلي الحكومة اليمنية، ركزت على استعراض ما جرى تحقيقه من مهام، وترتيبات المرحلة الانتقالية؛ لضمان استمرار التنسيق بين الأطراف المعنية.

مغادرة بعثة الأمم المتحدة الحديدة بعد إنهاء مهمتها المتعثرة (إعلام محلي)

وكانت البعثة قد أُنشئت عقب الهجوم الذي شنته القوات الحكومية في عام 2018، ووصولها إلى مشارف مدينة الحديدة؛ بهدف مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار في المدينة وموانئها، غير أن أداءها ظل محل انتقادات واسعة.

وتنظر الحكومة اليمنية إلى إنهاء مهمة البعثة بوصفه نتيجة طبيعية لفشلها في تنفيذ بنود الاتفاق، مشيرة إلى أن البعثة خضعت لقيود فرضتها جماعة الحوثيين؛ مما حدّ من قدرتها على التحرك والمراقبة الميدانية.

وكانت الحكومة قد سحبت ممثليها من لجان المراقبة في أبريل (نيسان) 2020، عقب مقتل أحد ضباطها المشاركين في فرق التنسيق برصاص الحوثيين داخل مدينة الحديدة، في حادثة زادت من تعقيد مهمة البعثة وأضعفت ثقة الحكومة بجدواها.

كما طالبت السلطات اليمنية مراراً بنقل مقر البعثة إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين؛ لضمان حرية حركتها، إلا إن الأمم المتحدة لم تستجب لهذه المطالب؛ مما أدى، وفقاً للمصادر الحكومية، إلى تقليص فاعلية البعثة وتحويلها إطاراً شكلياً أكثر منه عملياً.


كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.