المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة: نتلاقى مع السعودية وسنعزز تعاوننا في كل المجالات

نيبينزيا لـ «الشرق الأوسط» في أول حديث مع وسيلة إعلامية عربية: إيران وتركيا سترحلان عن سوريا في نهاية المطاف... واللجنة الدستورية تتشكل قريباً

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا (المركز الإعلامي للأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا (المركز الإعلامي للأمم المتحدة)
TT

المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة: نتلاقى مع السعودية وسنعزز تعاوننا في كل المجالات

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا (المركز الإعلامي للأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا (المركز الإعلامي للأمم المتحدة)

اعتبر المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، في حديث مع {الشرق الأوسط} هو الأول له مع وسيلة إعلامية عربية، أن النظام العالمي «لا يزال على حاله» منذ إنشائه، بعد الحرب العالمية الثانية، رغم ظهور «مراكز جديدة للقوة». بيد أنه أقر بوجود «تحديات وتهديدات جديدة» مثل الإرهاب، وتهريب المخدرات، والهجرة غير الخاضعة للرقابة.
وإذ دافع عن «مشروعية» الوجود الروسي في سوريا، أكد أنه ينبغي للجميع، بما في ذلك الإيرانيون والأتراك وغيرهم، أن يرحلوا في نهاية المطاف عن هذا البلد. وشدد على أن الوضع الراهن في إدلب «لا يمكن إبقاؤه مجمداً إلى الأبد»، معتبراً أن «صيغة آستانة هي الآلية الفعالة الوحيدة لتحقيق الاستقرار» في سوريا، متوقعاً أن يتمكن المبعوث الدولي الخاص، غير بيدرسن «قريباً» من إعلان تشكيلة اللجنة الدستورية. وذكَّر بأن موسكو دعت إلى إنشاء «منصة» لمناقشة المشكلات على الصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، معتبراً أن «ذلك سيحصل عاجلاً أم آجلاً»، وأن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يدافع عن فكرة مشابهة لعملية من نوع هلسنكي لهذه المنطقة.
وكشف عن أن الاتصالات السياسية المكثفة بين القيادتين الروسية والسعودية، تُظهر أن كلاً من موسكو والرياض تعتبران أن هناك «إمكانات (...) لها تأثير سلبي للغاية، ليس فقط على الأمن الإقليمي؛ بل أيضاً على الأمن والاستقرار العالميين». وعبّر عن تقدير الاتحاد الروسي للدور الذي تقوم به المملكة العربية السعودية، وهي «أكثر دول الشرق الأوسط ومنطقة الخليج نفوذاً» في ملفات كثيرة، ولا سيما فيما يتعلق باليمن وسوريا وغيرهما من دول المنطقة، لافتاً - خصوصاً - إلى أن المملكة تضطلع بـ«دور بنَّاء للغاية» في الأزمة اليمنية. وفي حديثه المتشعب لـ«الشرق الأوسط» عن عودة روسيا في السنين العشر الماضية كقوة عظمى، تحدث الدبلوماسي الروسي الرفيع، الذي تتسلح بلاده بامتياز حق النقض (الفيتو)، عن ملفات أخرى، مثل ليبيا وفنزويلا، وغيرهما من الملفات الملتهبة حول العالم.

> عادت روسيا إلى الظهور خلال السنين العشر الماضية كقوة عالمية كبرى، بما في ذلك في الشرق الأوسط. نسمع أناساً يتكلمون عن العودة إلى الحرب الباردة. وثمة من يعتقد أننا نتجه نحو نظام عالمي جديد. ما رؤيتك؟
- العنصر الرئيسي لنظام العلاقات العالمية الذي نشأ عقب الحرب العالمية الثانية، هو الأمم المتحدة وميثاقها. ولد نظام عالمي جديد في كل مرة بعد حروب مدمرة. هذه كانت هي الحال مع (معاهدة سلام) «صلح ويستفاليا» (القرن السابع عشر) ومؤتمر فيينا، ومحفل الأمم أو الأمم المتحدة. أكره حتى التفكير في سبب آخر مماثل لنظام عالمي جديد. كما قال ألبرت آينشتاين يوماً: «لا أعرف ما أسلحة الحرب العالمية الثالثة، ولكن في الرابعة سيتحاربون بالعصي والحجارة».
وقعت أحداث زلزالية في الماضي، مثل تداعي النظام الاستعماري، ونهاية الحرب الباردة، والانقسام الآيديولوجي المرتبط بها. ومع ذلك، لم يقل أحد إننا دخلنا في نظام عالمي جديد آنذاك. ولم ينته التاريخ كما ادعى فرنسيس فوكوياما. بالطبع، الأمور تتغير، توازنات القوة تتحول، ومراكز جديدة للقوة تظهر. ينعكس ذلك في النقاش الدائر حول إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ حيث نؤيد توسيعه المنظم مع البلدان النامية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، التي لديها بشكل جلي تمثيل ناقص.
على أي حال، هناك اتجاه آخر مقلق. يجري التفريط بشدة في فن المساومة خلال السنوات الأخيرة. إن عدم الرغبة وعدم القدرة على إدراك أن العالم لم يعد أحادي القطب، وأن لا كتلة واحدة مهيمنة، تقود إلى محاولات إنشاء «ائتلافات راغبين» متنوعة، وتحالفات لذوي التفكير المتشابه تدافع شفهياً عن القانون الدولي، ولكن عملها يتجاهله بصورة تامة. هناك ابتكار لمفهوم جديد - «نظام يستند إلى قواعد» - يخدم إنشاء بعض «القواعد» التي يعتدّون بها في المجموعة المتشابهة التفكير، ولكنها غير مقبولة من جزء كبير من المجتمع الدولي، ناهيك عن تقبلها في أي مكان. وعلاوة على ذلك، تظهر تحديات وتهديدات جديدة، مثل الإرهاب وتهريب المخدرات والهجرة غير الخاضعة للرقابة. يجري توظيف تقنيات سياسية جديدة، مثل القذف والتشهير ببعض الدول؛ حيث تصير التهمة بمثابة حكم بالإدانة. نعيش فيما يسميه كثيرون: عالم «ما بعد الحقيقة». وبصرف النظر عن ذلك، فإن النظام العالمي لا يزال على حاله منذ إنشائه بعد الحرب العالمية الثانية.
> ربما تكون سوريا هي المظهر الأوضح لصعود روسيا في عالم اليوم. هل أنجزتم المهمة في الحرب السورية؟ هل تتوقع أن تقوم إيران وتركيا والولايات المتحدة وغيرها بمغادرة سوريا؟
- وجود روسيا في سوريا قانوني. نحن هناك بطلب من الحكومة الشرعية، من أجل مساعدتها على مواجهة التهديد الإرهابي. إيران، بالمناسبة، موجودة هناك بصورة قانونية أيضاً. لا أحد آخر مدعو، كما نعلم جميعاً. ينبغي لكل الموجودين في سوريا من دون دعوة أن يغادروا البلاد. رغم الأضرار الجسيمة التي ألحقت بـ«داعش» في سوريا، لم يحصل اجتثاث كامل للتهديد الإرهابي الذي لا يزال كبيراً. هناك جماعة إرهابية أخرى، هي «هيئة تحرير الشام» (المعروفة أيضاً باسم «النصرة»)، التي عززت مواقعها في شمال سوريا. وهي تتخذ من إدلب الآن معقلاً لها؛ حيث أقام مقاتلو «النصرة» قواعدهم، وتولوا بشكل أساسي مهمات السلطات المحلية. لا يمكن إبقاء هذا الوضع مجمداً إلى الأبد. تنبغي معالجته. لهذا السبب كثفنا أخيراً اتصالاتنا مع شركائنا الأتراك في منطقة خفض التصعيد في إدلب. ونحن ندرك تماماً أن إدلب موطن لعدد كبير من السكان المدنيين، وبينهم نازحون داخلياً من أجزاء أخرى من سوريا. ونعلم أنهم يعانون تحت حكم الإرهابيين، ويحلمون بتخليصهم من التسلط. ولكن ينبغي بالطبع ألا يصير المدنيون مجرد «أضرار جانبية» لحرب مشروعة ضد الإرهابيين. شركاؤنا يحضون السلطات السورية وضامني آستانة على احترام اتفاقاتهم وصون المدنيين، معبرين عن خشيتهم من كارثة إنسانية قد تحصل، في حال وقوع أعمال عدائية واسعة النطاق. وفي الوقت نفسه، ليسوا متسقين بالدرجة ذاتها، حين يقومون بعمليات عسكرية ضد الإرهابيين في شمال شرقي سوريا؛ حيث - كما تعلمون - وقع عدد كبير من المدنيين ضحية القصف الجوي للتحالف.

بيدرسن وعملية آستانة

> ما الذي تتوقعه تحديداً من المبعوث الخاص الجديد للأمم المتحدة غير بيدرسن؟
- نحن نحافظ على الحوار مع المبعوث الخاص غير بيدرسن، حول التسوية السياسية في سوريا، سواء على المستوى الثنائي أو من خلال عملية آستانة. اتضح أن صيغة آستانة هي الآلية الفعالة الوحيدة لتحقيق الاستقرار «على الأرض» في سوريا. نحن مستعدون لتقديم مزيد من المساعدة للمبعوث الخاص، في جعل التسوية السياسية مستدامة. نتوقع أن يتمكن قريباً من إعلان تشكيل اللجنة الدستورية وبدء عملها. نحن نعول على المبعوث الخاص، ونأمل في أن يبني الثقة مع جميع أصحاب المصلحة، مع الحفاظ على الحياد. هذا هو مفتاح النجاح لأي وسيط.
> قلت إن عملية آستانة باتت الآلية الوحيدة الفعالة على الأرض. هل تريدون للمبعوث الخاص أن يتبناها؟
- عملية آستانة جزء من الصورة الأوسع للتسوية، بدءاً من قرار مجلس الأمن رقم 2254، وعبر مؤتمر الحوار الوطني، الذي وُلدت اللجنة الدستورية من رحمه. المبعوث الخاص بيدرسن مستعد للمشاركة في آستانة؛ لأن هذه العملية تناقش مواضيع مهمة، وهو تحديداً يهتم بها، مثل تبادل الأسرى على سبيل المثال. على حد علمي، يخطط للمشاركة في الاجتماع المقبل في آستانة، نور سلطان الآن، يومي 25 و26 من هذا الشهر الجاري.
> على ذكر اسم عاصمة كازاخستان، هل سيتم تغيير اسم العملية؟
- لا، سيحافظون على اسم «عملية آستانة».
> ذكرتَ أيضاً أن اللجنة الدستورية ستشكل قريباً، متى ينبغي أن نتوقع ذلك؟
- لا يوجد جدول زمني محدد؛ لكن المبعوث الخاص نفسه قال إن هناك قليلاً من «الرتوش» (التعديلات) قبل أن يعلن الانتهاء من الموضوع، وبدء عمل اللجنة.
> ما الذي تقوله حول ما حدث أخيراً بخصوص اعتراف الولايات المتحدة بالجولان، كجزء من إسرائيل؟ هل تحاولون في روسيا عدم المس بأي شيء يتعلق بإسرائيل، بما في ذلك عندما تضرب هدفاً في عمق سوريا؟ الجيش الروسي موجود ولكنه لا يحمي سيادة سوريا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. ثم أنت تطلب من جميع غير المدعوين أن يغادروا سوريا باستثناء الروس والإيرانيين والإسرائيليين.
- أعتقد أنناً عملياً سنرحل أيضاً عندما يحين الوقت، وعندما تنضج الظروف، وسنفعل ذلك بالتشاور مع الحكومة السورية. الإيرانيون هناك أيضاً بشكل شرعي؛ لأنهم تلقوا دعوة. سيرحلون أيضاً عندما تقرر الحكومة السورية أن مساعدتهم لم تعد ضرورية.
> سيغادرون؟
- أعتقد أنه عملياً يجب أن يغادر الجميع عندما تستقر سوريا؛ لكن هناك أطرافاً في سوريا لم تدع على الإطلاق، مثل الولايات المتحدة وفرنسا والبعض الآخر. إن وجود إسرائيل في الجولان بدأ قبل النزاع السوري. هذه قصة طويلة. نحن لم نعترف قط بالجولان كجزء من إسرائيل. إنه جزء من سوريا. وأيدنا كل القرارات التي تؤكد ذلك. في الواقع، نددنا بالقرار الأميركي. ولكن لدينا علاقات جيدة مع إسرائيل. وإسرائيل شريكتنا في الشرق الأوسط، مثلها مثل كل الدول العربية. نحن محظوظون وفخورون بأننا إحدى القوى الكبرى التي تتمتع بعلاقات جيدة مع أي طرف وكل طرف في المنطقة، من دون استثناء.
> ماذا عن تركيا؟
- نعم، تركيا لم تكن مدعوة أيضاً. هذا صحيح؛ لكن تركيا شريكة مهمة في عملية آستانة، وفي عملية التسوية السورية. تركيا لديها مخاوفها الخاصة فيما يتعلق بأمنها؛ لكن بالطبع نعتقد أنه سيتعين عليهم في نهاية المطاف أن يغادروا سوريا، كأي وجود أجنبي آخر في البلاد.
> ماذا يمكنك أن تخبرنا عن رفات الجندي الإسرائيلي الذي قتل في لبنان عام 1982؟ ماذا حدث؟
- لا أعرف التفاصيل، ولكن كما قال الرئيس (فلاديمير) بوتين علناً: كانت تلك عملية للقوات الروسية الخاصة التي تمكنت من تحديد مكان الرفات ونبشه.
> من لبنان؟
- بصراحة، لا أعرف من أين. كانت تلك لفتة إنسانية عظيمة، وموضع تقدير كبير من الإسرائيليين.

مقاربات مشتركة لحل المشكلات

> كيف تصف وضع الدول العربية مع روسيا؟ وكيف ستعالج موسكو مخاوف العرب من التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لدولهم؟
- كما قلت، روسيا تتبوأ موقعاً متميزاً بين قوى رئيسية، كي تحتفظ بعلاقات ودية وثيقة مع كل الدول العربية من دون استثناء. نتفاعل على الصعيدين الثنائي، وفي أشكال أخرى، مثل: روسيا - جامعة الدول العربية، وروسيا - مجلس التعاون الخليجي. أنشأنا حواراً سياسياً فعالاً، ونتبادل وجهات النظر في شأن تسوية الأزمات الإقليمية. علاقاتنا التجارية والاقتصادية تتطور بسرعة. نحن مهتمون بوحدة العالم العربي، التي ندافع عنها بلا هوادة. القوة تنمو من الوحدة. والمشكلات الإقليمية يمكن حلها بفاعلية فقط على أساس المقاربات المشتركة.
> هناك كثير من التساؤلات حيال دور إيران في المنطقة. ترفع الإدارة الأميركية الصوت حيال تهديدات إيران لدول أخرى، بما فيها إسرائيل. هل أنتم قلقون من أي مواجهات خطيرة؟
- إيران جزء من المنطقة، وليست كياناً غريباً عنه. لإيران مصالح مشروعة تتجاوز حدودها الوطنية، وهي تهدف - من بين أمور أخرى - إلى ضمان أمنها القومي. الدول العربية أو إسرائيل أو تركيا، لديها مصالح كهذه. ويكمن السبب في الطبيعة عبر الوطنية للتهديدات العالمية اليوم. تتحدث عن التهديدات التي تمثلها إيران، لكن لا تنسى التهديدات التي تواجهها إيران. هذه التهديدات واضحة ووشيكة اليوم. يجري إعلانها والتصريح بها جهاراً. هل تعتقد أنه لا ينبغي لإيران أن تأخذها على محمل الجد؟ لسوء الحظ، فإن الخطوات والخطابات الأخيرة من واشنطن، بما في ذلك الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي بين الدول الكبرى وإيران) وبدء ضغط العقوبات على نطاق واسع، تزيد فقط من أخطار تصاعد التوترات، وتجعل التطورات الأخرى للوضع غير متوقعة على الإطلاق.
وبالنسبة إلى الهواجس من تدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول في الشرق الأوسط، هناك آراء متباينة حول هذا الأمر، حتى بين العرب أنفسهم. إن مقاربتنا يمكن أن توصف بأنها بسيطة للغاية؛ بل هي معيارية. كل بلدان المنطقة لديها مصالحها الخاصة، وينبغي أن تؤخذ في الاعتبار. الشرط الوحيد هو أن تكون هذه المصالح مشروعة. إذا كانت هناك أي مخاوف، فيجب حلها بالوسائل السياسية والدبلوماسية. ولذلك، نحن بحاجة إلى منصة مناسبة لمناقشة مجموعة كاملة من المشكلات القائمة. روسيا اقترحت قبل سنوات كثيرة مفهوماً أمنياً للخليج (...) برؤية منصة حوار لكل بلدان المنطقة، تنضم إليها في نهاية المطاف دول أخرى من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذه قد تكون خطوة أولى نحو إنشاء هيكلية أمنية إقليمية، تساعد في الحفاظ على السلام والأمن في هذا الجزء من العالم. نحن نناقش هذه الفكرة مع أصدقائنا العرب. لم توضع على قيد الحياة بعد؛ لكن ذلك سيحصل عاجلاً أم آجلاً. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يدافع عن فكرة مشابهة لعملية من نوع هلسنكي لـلشرق الأوسط.
> هل يمكن أن تصف العلاقات بين روسيا ودول الخليج، وخصوصاً المملكة العربية السعودية؟ كيف يمكن أن يتعاون البلدان لحل الأزمات الراهنة، وأن يعززا العلاقات سياسياً واقتصادياً؟
- تحافظ روسيا على علاقات ودية مع كل الدول العربية، بما في ذلك دول الخليج. أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التزامنا تكثيف التفاعل مع هذه الدول، خلال رحلته الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة. خلال السنوات الأخيرة، قمنا بزيادة تعاوننا الاقتصادي والسياسي بشكل كبير مع المملكة العربية السعودية. نحن ننسق موقفنا من وضع سوق النفط العالمية من خلال عملية «أوبك زائد». وزير الخارجية لافروف ناقش آفاق تنمية العلاقات خلال زيارته للمملكة العربية السعودية، من 4 مارس (آذار) إلى 5 منه، حين استقبله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، واجتمع مع زميليه (وزير الخارجية) إبراهيم العساف و(وزير الدولة للشؤون الخارجية) عادل الجبير.
إن الاتصالات السياسية المكثفة بين القيادتين الروسية والسعودية تُظهر أن كلاً من موسكو والرياض تنطلقان من افتراض أن إمكانات النزاع المتبقية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لها تأثير سلبي للغاية، ليس فقط على الأمن الإقليمي؛ بل أيضاً على الأمن والاستقرار العالميين. كلانا يلتزم بشكل حاسم بمكافحة الإرهاب بكل مظاهره، والقضاء على الآيديولوجيا الإرهابية.
تتلاقى وجهات النظر الروسية والسعودية حول التسوية في الشرق الأوسط، مما يضع أساس العمل لمزيد من التفاعل. نحن نؤيد حل الدولتين للقضية الفلسطينية الذي يستند إلى الأساس القانوني الدولي ومبادرة السلام العربية. ونحن ننسق النشاطات المتعلقة بتسوية الأزمات الإقليمية. ونقدر جهود الرياض في تسهيل التسوية السياسية في سوريا، وخصوصاً فيما يتعلق بتوحيد المعارضة السورية. نحن نتقاسم الفهم حول أن العملية السياسية السورية ينبغي أن تستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 2254. ونحن نحترم آراء المملكة العربية السعودية، ونطلع أصدقاءنا على آخر المستجدات حول عمل الجهات الضامنة لعملية آستانة، بما في ذلك النشاطات المتعلقة بإنشاء اللجنة الدستورية.
منذ بداية الأزمة في اليمن، حافظنا على حوار بناء مع المملكة العربية السعودية والأعضاء الآخرين في التحالف العربي. وأطلقنا العنان واستخدمنا باستمرار إمكانات اتصالات العمل التي أنشأها الجانب الروسي مع أصحاب الشأن في النزاع، بما في ذلك «أنصار الله»، من أجل إعادة السلام إلى البلاد. تدعم موسكو والرياض جهود المبعوث الخاص للأمين العام مارتن غريفيث. ونأمل في أن يتمكن من إحراز تقدم قريباً. سنقوم بتعزيز تعاوننا على كل المسارات. إن المملكة العربية السعودية واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط ومنطقة الخليج نفوذاً.

المهمة المستحيلة في اليمن

> هل تتجنب التنديد بشحنات الأسلحة إلى الحوثيين في اليمن، أو ذكر القرار 2216، أو حتى استهداف المملكة العربية السعودية بالصواريخ الباليستية من قبل الحوثيين؟
- نحن ندين استهداف السعودية بالصواريخ. نقول ذلك في كل مرة يحدث ذلك؛ لأنه غير مقبول. بالنسبة إلى القرار 2216، نحن امتنعنا عن التصويت لأننا لم نوافق تماماً على بعض أجزاء القرار، ولكن جرى اعتماده. لم نعطله. فيما يتعلق بالحصول على الأسلحة، اليمن بلد كان مليئاً بالأسلحة منذ ما قبل النزاع، ولم يقدم أحد حتى الآن الدليل بنسبة مائة في المائة على أنهم لا يزالون يحصلون على الأسلحة مباشرة من إيران. لديهم وسائل أخرى لتجهيز أنفسهم. هم مسلحون فوق حاجاتهم. اليمن بلد كان سوقاً للأسلحة حتى في العصور القديمة. كان الجميع يتنافسون على تزويد اليمن بالأسلحة، بما في ذلك الاتحاد السوفياتي. لذلك هم ليسوا بحاجة ماسة إلى الأسلحة.
> هل تأمل في حل للوضع؟
- كل الأمور هناك صعبة للغاية بالطبع. ولكن ما يلعب دوراً إيجابياً هو وحدة مجلس الأمن حولها، والضغط القوي من مجلس الأمن لحل النزاع سياسياً. المقاربة التي اعتمدها التحالف، وخصوصاً في الآونة الأخيرة. نحن نعلم أن التحالف، المملكة العربية السعودية بالتحديد، تلعب دوراً بناءً للغاية. ندعم ما يفعله مارتن غريفيث. إنه عمل شبه مستحيل، مهمة مستحيلة؛ لكنه يحاول تجاوز هذه الظروف الصعبة للغاية، والتي تفاقمت بسبب انعدام الثقة التام والكامل بين الأطراف، مما تسبب في عدم تنفيذ اتفاقات استوكهولم حتى يومنا هذا في موانئ الحديدة وغيرها. بالطبع، من المهم للغاية مواصلة الخطوات نحو التسوية السياسية. ولا ينبغي أن تكون هذه الخطوات رهينة التوصل إلى تنفيذ الاتفاق على الحديدة؛ لكن تنفيذ اتفاق الحديدة مهم جداً. نحن نعمل بجد لتحقيق ذلك.

لسنا مع أحد في ليبيا

> رأينا تقارير إعلامية تفيد بأن روسيا تدعم المشير خليفة حفتر في ليبيا. هل هذا صحيح؟
- لا تصدق وسائل الإعلام (ضحك). روسيا تدعم المصالحة والوحدة الوطنية في ليبيا. حفتر لاعب مهم للغاية؛ لكن هناك أطرافاً أخرى في هذا البلد تلعب أدواراً مهمة. نحن لسنا مع أي طرف محدد في ليبيا. نأمل في ألا تؤدي التطورات الأخيرة إلى العنف، وأن تحل بصورة سلمية من خلال الحوار السياسي.
> لدى روسيا ذكريات مريرة في ليبيا بسبب كيفية إطاحة الغرب بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011. هناك هذا الخلاف.
- لم يتبق كثير من الشروخ بيننا وبين الدول الغربية على ليبيا. هناك كثير من عدم اليقين وعدم فهم كيفية إعادة توحيد البلاد التي تحطمت كآنية من زجاج، والآن علينا استعادة كل تلك القطع الصغيرة التي كانت مبعثرة. ليست لدينا تناقضات كبيرة في ليبيا مع زملائنا في مجلس الأمن. لقد قلنا باستمرار إن ما يحصل في ليبيا كان نتيجة للسياسات التي اعتمدتها الدول الغربية عام 2011، عندما خدعونا أساساً في مجلس الأمن، وقصفوا البلد وجعلوه يتدمر. ليبيا ليست وحدها من عانى في أعقاب ذلك، ولكن كل المنطقة جنوبها. ما حصل في بلدان الساحل، وكثير من بلدان غرب أفريقيا ووسط أفريقيا هو نتيجة للتدخل في ليبيا. توجه الجهاديون جنوباً. هذا معترف به علناً من الزعماء الأفارقة أنفسهم.
> ماذا يفعل المستشارون والخبراء العسكريون الروس في فنزويلا؟
- لدينا اتفاق للتعاون العسكري. ذهبوا لخدمة ما قدمناه لهم من قبل. إنهم متخصصون عسكريون جاؤوا لصيانة معدات قدمناها سابقاً للفنزويليين.

عالم غير أحادي

> يتعرض النظام الدولي المتعدد لتحديات جدية. هل تعتقد أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن لا يزالان ذوا صلة؟ ولماذا؟
- لا يوجد بديل عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، الذي هو الهيئة الرئيسية المسؤولة عن صون السلم والأمن الدوليين. إنهما ذوا صلة اليوم كما كانا من قبل. لا يمكننا دائماً أن نجد الحلول في المجلس (رغم أننا نستطيع ذلك في معظم القضايا). بيد أن ذلك ليس لأن مجلس الأمن غير فعال أو غير ذي صلة، ولكن لأن هذا العجز يعكس الانقسامات التي يواجهها العالم. على أي حال، لا بديل لهذه الآلية. ينبغي أن نتعلم مرة أخرى فن التسوية وحسبان المصالح المتبادلة، وهما الأمران المنسيان بعض الشيء اليوم. ينبغي أن نبني عملنا على ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. وينبغي أن يدرك الجميع ويقبلوا أن العالم لم يعد أحادياً. إنه متعدد الأقطاب بمراكز قوة جديدة مستعدة للاعتراف بها وسماعها واحترامها. سيساعد هذا الفهم في إعادة التعددية إلى مركز التعاون الدولي.
> ماذا تتوقع من السفيرة الجديدة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة؟
- لم ألتق بها قط. لكننا مستعدون للعمل مع أي سفير أميركي يعين في الأمم المتحدة. أنا متأكد من أننا سنكون قادرين على العمل سوياً لحل القضايا ذات الاهتمام المشترك.
> كانت لديكم لحظات عصيبة مع نيكي هايلي.
- لحظات صعبة مع نيكي هايلي في مجلس الأمن. ولكن أيضاً لحظات حلوة خارج مجلس الأمن (ضحك).



ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

أفادت مصادر فلسطينية ومصرية، لـ«الشرق الأوسط»، بأنَّ وفداً من حركة «حماس» يصل إلى القاهرة الجمعة؛ لعقد اجتماعات مع الممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، والفصائل الفلسطينية، بجانب السلطات المصرية.

تلك الاجتماعات التي تعدُّ الثانية في نحو أسبوع، تأتي لبحث «تفاهمات حاسمة»، بشأن ملف نزع السلاح، وفق ما تقول المصادر، غداة حديث إعلام إسرائيلي، عن أنَّ مهلة ملادينوف للحصول على رد «حماس» بشأن نزع السلاح بالقطاع تنتهي الجمعة، وإن لم تحسم الحركة ردَّها بالإيجاب ستشن إسرائيل عمليةً عسكريةً جديدةً.

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

تحركات وتهديدات

ووفقاً لصحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، الخميس، فإنَّ إسرائيل تترقب ردود «حماس»، بعد انتهاء مهلة ملادينوف.

وكانت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» نقلت الثلاثاء، عن 3 مصادر، أن «مجلس السلام منح (حماس) مهلةً حتى الجمعة لقبول اقتراح نزع السلاح».

وقبيل انتهاء المهلة، قال ملادينوف، في تغريدة مساء الخميس عبر حسابه على منصة «إكس»: «دخلت 602 شاحنة إلى غزة مُحمَّلةً بإمدادات أساسية للعائلات التي انتظرت طويلاً».

وشكَّك المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الجمعة، من صحة ذلك، قائلاً: «تؤكد البيانات الفعلية ليوم 9 أبريل (نيسان) الحالي دخول 207 شاحنات فقط إلى القطاع، من بينها 79 شاحنة مساعدات في حين تضم حمولة بقية الشاحنات الـ207 عادة بضائع تجارية لشركات خاصة».

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المُدمَّرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وقال المصدر المصري، إنَّ المحادثات ستبدأ مساء الجمعة وتتوالى، ومن المتوقع أن تبدي «حماس» رداً إيجابياً، خصوصاً مع تحريك في أعداد شاحنات المساعدات كبادرة إبداء نوايا حسنة من جانب ملادينوف، مع تفهم للاختلافات في الأعداد التي يطرحها كل جانب، لكنه تطور إيجابي يبنى عليه خلال المحادثات.

ويعتقد أن «هناك مؤشرات إيجابية حتى الآن تقول إن (حماس) ستناقش بعد ردها الإيجابي كيفية التنفيذ، وهذا يحتاج لتفاهمات حاسمة، للانتقال إلى تدابير وأفعال على الأرض، ونرى دخولاً فعلياً للجنة إدارة غزة»، مع مفاوضات متواصلة، مشيراً إلى أنَّ إسرائيل سلوكها متقلب دائماً، وقد تتذرَّع بأنَّ «حماس» تناور وتتجه إلى عمليات عسكرية.

لكن المصدر الثاني وهو فلسطيني، قال إنَّ الوفود الفلسطينية ستكتمل الجمعة أو السبت بحد الأقصى، لافتاً إلى أنَّ رد «حماس» قد لا يتضمَّن رفضاً تاماً أو قبولاً تاماً.

وأوضح المصدر أن الحركة والفصائل تنتظر رداً من ملادينوف على استفسارات بشأن تنفيذ الإطار المطروح، ومدى التزام إسرائيل بالاتفاق والانسحاب من القطاع، بخلاف أولوية نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل «لجنة إدارة غزة».

ويعتقد المصدر الفلسطيني الثالث، المقرَّب من «حماس»، «أن لقاء القاهرة لن يكون سهلاً لجميع الأطراف، خصوصاً أنَّ هناك استياء مما أثاره ملادينوف من حديث غير مطابق للواقع بشأن المساعدات، لكن الحركة معنية بتخفيف المعاناة عن الفلسطينيين، والسعي للتنفيذ الكامل للاتفاق، خصوصاً من جانب (الاحتلال)».

مصادر تتوقع بوادر إيجابية

ومن الواضح حسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، أنَّه في حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة، وسط تأكيد منهما أنَّ «جميع الخيارات مطروحة، وننتظر التوجيهات السياسية، ولكن في ظلِّ تركيز الاهتمام على لبنان، يصعب توقُّع استئناف القتال في غزة خلال الأيام المقبلة».

وهذا يتماشى مع ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الاثنين، عن مصادر بأنَّ هناك ضغوطاً إقليمية مكثفة من قبل الوسطاء؛ لدفع الحركة نحو القبول بهذه المبادرة، لتجنُّب جولة جديدة من العمليات العسكرية الشاملة، خصوصاً في ظلِّ تلويح الإدارة الأميركية باستخدام خيارات عسكرية حازمة في حال رفض المسار السلمي.

وفي ضوء تلك التطورات، يعتقد أستاذ العلوم السياسية المتخصص بالشأن الإسرائيلي والفلسطيني، الدكتور طارق فهمي، أنَّ لقاء القاهرة الثاني خلال أسبوع، يبدو أنَّه يتجه لمشهد إيجابي، شريطة التزام كل الأطراف بالتوافق.

ويرى فهمي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّه في ضوء ردود «حماس» المتوقع أن تكون إيجابيةً ومشروطةً، وتحركات ملادينوف بشأن المساعدات، ومساعي القاهرة، يمكن أن نقول إن فرص النجاح قائمة في التوصُّل لتفاهمات تُنفَّذ بشأن ملفات اتفاق غزة، محذِّراً من أنَّ البديل حال الفشل سيكون احتلال إسرائيل باقي القطاع كما تخطِّط حالياً وتتمنى.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أنَّ التهديدات المتوالية خلال الأسبوع الحالي، وعشية لقاء ملادينوف و«حماس»، من باب الضغوط لا أكثر على الحركة.

وأشار الرقب في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّ أفضل المسارات التي يجب أن يذهب لها لقاء القاهرة، هو التوافق المبدئي على تسليم السلاح، وذلك بعد تشكيل الشرطة الفلسطينية ووصول قوات الاستقرار الدولية، ولكن هذا يتوقف على حسابات «حماس»، خصوصاً وهي تسعى لأن يكون المسار الإجباري للخروج من المشهد بأقل الخسائر.


مبيدات قاتلة بأسماء جذابة تهدد الأمن الغذائي اليمني

في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
TT

مبيدات قاتلة بأسماء جذابة تهدد الأمن الغذائي اليمني

في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)

تحصل بعض المبيدات الخطرة التي يجري ترويجها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية على أسماء جذابة، في حين يعيش السكان والمزارعون مخاوف متزايدة على صحتهم وجودة المحاصيل، في ظل انتشار معلومات عن احتوائها على مواد محظورة أو مجهولة المصدر، في ظل فساد الجماعة وغياب رقابة فعّالة.

وحذّر عدد من المزارعين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من انتشار مواد يُشتبه في خطورتها على المحاصيل وصحة الإنسان، مبدين قلقهم على مزروعاتهم ومحاصيلهم وأراضيهم الزراعية من تأثيرات خطيرة تنعكس أيضاً على صحة المستهلكين، بالتزامن مع تزايد الاتهامات الموجهة إلى شبكات تجارية تابعة للجماعة الحوثية بالوقوف وراء إدخال مبيدات مجهولة المصدر تحت أسماء لافتة؛ مثل: «العبد» و«الفيل» و«الوسام».

ويقول المزارعون إن استخدام تلك الأنواع من المبيدات يتسبّب في أضرار جسيمة للمحاصيل الزراعية، مشيرين إلى أن زراعة «القات» تحظى بالنصيب الأكبر من استخدام هذه المواد، في بلد يستهلك غالبية سكانه هذه النبتة يومياً في طقوس الترفيه والاسترخاء. كما حذّر المزارعون والناشطون من احتواء «القات» على كميات كبيرة من السموم والمبيدات التي تشكّل تهديداً كبيراً ومباشراً على صحة المستهلكين، وذلك بسبب رغبة مزارعي هذه النبتة في تحقيق نمو سريع لأغصانها وأوراقها في زمن قياسي. وذكرت مصادر مطلعة في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، أن غالبية مزارعي «القات» يبررون إقدامهم على استخدام المبيدات بشكل مفرط، بسبب الإتاوات الكبيرة التي تفرضها جهات تابعة للجماعة الحوثية عليهم، مما يقلّل من أرباحهم بشكل كبير، ويضطرهم إلى مضاعفة الإنتاج بسرعة.

وثيقة مسرّبة تكشف عن تواطؤ القطاع الزراعي الذي يسيطر عليه الحوثيون مع تجار المبيدات (إكس)

وأوضحت المصادر أن الجهات الرقابية في القطاع الزراعي الذي تسيطر عليه الجماعة الحوثية تتجاهل الشكاوى والبلاغات التي ترد إليها، بما في ذلك التحذيرات التي تطلقها جهات صحية، وترفض إجراء أعمال رقابية وفحوصات ميدانية سواء في الأسواق والمزارع.

وثائق وشهادات

تفسّر المصادر الصمت الذي تمارسه هذه الجهات، بوجود أوامر من قيادات حوثية عليا من مصلحتها استمرار بيع المبيدات من جهة، وزيادة الإنتاج الزراعي مهما كان ملوثاً من جهة أخرى، للحصول على المزيد من الأموال بفرض المزيد من الجبايات عليه. ولا تقتصر هذه المخاوف على مزارعي «القات» فحسب؛ إذ يؤكد المزارعون أن تلك المبيدات تُستخدم أيضاً في زراعة الخضراوات والفواكه، مما يوسع دائرة القلق لتشمل سلامة الغذاء الذي يصل إلى موائد السكان، في بلد يعاني أصلاً من هشاشة أمنه الغذائي واعتماد كبير على الإنتاج المحلي المحدود.

مزارع «القات» في اليمن تشهد استخداماً مفرطاً لأنواع مختلفة من المبيدات المحظورة (فيسبوك)

وخلال الأيام الماضية، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لمزارع من مديرية بني مطر غرب العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يحذّر من دخول مبيدات وصفها بـ«الخطرة والمسرطنة» إلى الأسواق عبر التهريب، منبهاً إلى أن استخدامها ألحق أضراراً بالمزروعات. وكشف المزارع عن أنه تعرّض لضغوط وتهديدات لإجباره على سحب شهادته تلك، أو إثبات ما قام بنشره رغم تقديمه شهادات من مزارعين آخرين أكدوا تجربة تلك المواد. ويتزامن ذلك مع تداول وثيقة تشير إلى سماح قطاع الزراعة في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، بدخول مبيدات مُصنّفة ضمن المواد المقيدة أو المحظورة دولياً إلى الأسواق في مناطق سيطرة الجماعة، مقابل مبالغ مالية كبيرة يُلزم التجار بدفعها بوصفها رسوماً.

هيئات الرقابة الخاضعة للحوثيين متهمة بعدم التفاعل بخصوص المبيدات القاتلة (فيسبوك)

وتكشف الوثيقة عن أنه تم الإفراج عن شحنة مبيدات بعد دفع نحو 30 ألف دولار من إحدى الشركات التجارية، رغم التحذيرات المرتبطة بخطورة مكونات تلك المواد على الصحة العامة والبيئة الزراعية.

تواطؤ مكشوف

اتهم عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي الجماعة الحوثية بالتناقض في مواقفها السياسية المعلنة وممارساتها الحقيقية على أرض الواقع، وذلك بالإشارة إلى معلومات تتحدث عن استيراد مبيدات خطرة من إنتاج إسرائيلي، رغم الخطاب المعادي للدولة العبرية.

ومنذ سنوات يتناقل السكان معلومات، لم يجرِ تأكيدها، بدخول مبيدات إسرائيلية المنشأ، إلى مناطق سيطرة الجماعة، في حين يقول خبراء زراعيون وكيميائيون إن خطورة المبيدات لا يقضي بالضرورة أن يكون مصدرها إسرائيل. وخلال جلسات محاكمته خلال العامَين الماضيَين، أقر تاجر المبيدات الموالي للجماعة الحوثية، عبد العظيم دغسان، والمتهم بإدخال وبيع مبيدات مهرّبة ومحظورة ومنتهية الصلاحية، باستيراد تلك المواد عبر التهريب، وحصوله على توجيهات عليا بالإفراج عن الشحنات المضبوطة. ورغم صدور قرار من القضاء التابع للجماعة بالقبض القهري على دغسان، وإغلاق محلاته التجارية، يؤكد ناشطون موالون للجماعة أن ذلك القرار لم يجد طريقاً للنفاذ، بسبب حصوله على حماية من قيادات عليا.

وقفة احتجاجية سابقة ضد مخطط حوثي لإنشاء مصنع مبيدات وسط التجمعات السكنية (إعلام محلي)

وخلال العامَين الماضيَين تعرّض عدد من الناشطين الموالين للجماعة الحوثية لملاحقات أمنية وإجراءات تعسفية شملت الاعتقال والتهديد بتعريضهم لمحاكمات بتهم تتعلق بالإساءة للأمن العام والتجسس على خلفية انتقادهم انتشار المبيدات المحظورة، وأحاديثهم عن انتشار شبكات لتجارتها. ومنذ أكثر من شهر، دعت الجمعية اليمنية لحماية المستهلك في صنعاء، الجهات المعنية التابعة للجماعة الحوثية، إلى اتخاذ إجراءات صارمة لمنع استيراد المبيدات المحظورة دولياً وغير المسجلة، وتشديد الرقابة على المنافذ الجمركية، ونشر قوائم بالمبيدات الممنوعة لحماية المزارعين والمستهلكين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المنفي يحضّ الأطراف الليبية على التوافق لإنجاز الانتخابات

المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
TT

المنفي يحضّ الأطراف الليبية على التوافق لإنجاز الانتخابات

المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)

يكثّف محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، على نحو غير معهود، من لقاءاته بمختلف أطياف المجتمع في غرب البلاد، على خلفية خلافه غير المعلن مع عبد الحميد الدبيبة، رئيس «حكومة الوحدة» المؤقتة.

عدد من أعضاء «الحوار المهيكل» خلال اجتماعهم من المنفي (المجلس الرئاسي)

وقال مكتب المنفي إنه «في إطار مواصلة التشاور الوطني، وتعزيز مسارات التوافق السياسي»، بحث المنفي مع عدد من أعضاء «الحوار المهيكل» مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد، بالإضافة إلى «التحديات الراهنة»، كما جرى «استعراض السُّبل الكفيلة بالدفع قدماً نحو ترسيخ الاستقرار، من خلال الوصول إلى استحقاق انتخابي شامل، يلبّي تطلعات الشعب الليبي».

وجدد المنفي، الذي التقى سياسيين وعسكريين عديدين خلال الأيام الماضية، مناشدته جميع الأطراف الليبية التوافق السياسي من خلال الحوار، بعيداً عن «الصفقات»، بهدف إنجاز الاستحقاق الرئاسي والنيابي، الذي يتوق إليه الشعب الليبي.

وفي ظل ما تعانيه السلطة التنفيذية في العاصمة طرابلس من تجاذبات حادة، شدد المنفي على «أهمية توحيد الجهود الوطنية، وتكثيف العمل المشترك بين مختلف الأطراف؛ بما يضمن إطلاق عملية سياسية جامعة لا تُقصي أحداً، وترتكز على مبادئ الشفافية والتوافق ومحاربة الفساد»، لافتاً إلى أن ذلك من شأنه الوصول بالبلاد إلى إجراء انتخابات عامة، تعبّر عن الإرادة الحرة والصادقة لليبيين.

ويمثل «الحوار المهيكل»، الذي انطلق منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أحد المسارات الأساسية ضمن «الخريطة الأممية»، التي عرضتها المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، لمعالجة الانقسام بين حكومتي شرق ليبيا وغربها.

المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه (غيتي)

وتعمل البعثة الأممية لدى ليبيا، برئاسة هانا تيتيه، على دعم العملية السياسية في البلاد على نحو يتيح إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية المؤجلة منذ نهاية عام 2021؛ بسبب الخلافات على القاعدة الدستورية اللازمة للاستحقاق.

وسعياً لرأب الصدع بين منظومة القضاء في ليبيا ومنع انقسامها، سارعت البعثة من خلال نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا للشؤون السياسية ستيفاني خوري إلى مناقشة الأزمة مع النائب العام الصديق الصور، مساء الخميس، حيث أطلع النائب العام خوري على مستجدات جهوده المستمرة في الوساطة، الهادفة إلى معالجة الانقسامات المؤسسية داخل السلك القضائي.

النائب العام الليبي مستقبلاً خوري لبحث أزمة «القضاء» (مكتب النائب العام)

من جانبها، جدّدت البعثة الأممية دعمها لمقترحات لجنة الوساطة الليبية، مؤكدةً أهمية الحفاظ على «وحدة القضاء، وضمان أن تسهم الجهود الجارية في تعزيز نظام العدالة في ليبيا، بما يتماشى مع مبادئ سيادة القانون».

في شأن مختلف، نفت شركة الخطوط الجوية الليبية ما تم تداوله من أنباء حول فصل عدد من موظفيها، موضحة أن «ما يجري راهناً هو عملية إعادة تنسيب لأكثر من ألف موظف إلى قطاعات مختلفة، وفقاً لدرجاتهم الوظيفية وتخصصاتهم، ضمن خطة تنظيمية تهدف إلى تحسين توزيع الكوادر ورفع كفاءة الأداء».

وأوضحت الشركة، في وقت مبكر من صباح الجمعة، أن هذه الخطوة «تأتي في إطار إعادة تنظيم الهيكل الوظيفي، بما يعزز كفاءة العمل داخل مختلف الإدارات والقطاعات التشغيلية، مع التأكيد على التزامها الكامل بالحفاظ على استقرار موظفيها، وضمان حقوقهم الوظيفية كافة».

وقالت الشركة إنها عقدت اجتماعاً مشتركاً بمدينة بنغازي، ضم مدير منطقة بنغازي بالشركة الدكتور فرج المسلاتي، ورئيس مصلحة الطيران المدني محمد الغرياني؛ لبحث استكمال إجراءات تنسيب عدد من موظفي الشركة إلى مصلحة الطيران المدني. ولفتت إلى أن الاجتماع تناول متابعة الترتيبات الإدارية المتعلقة بعملية التنسيب، حيث تم الاتفاق على استكمال الإجراءات، وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، و«بما يضمن انتقالاً منظماً وسلساً للموظفين».