استهداف قضبان السكك الحديدية يثير هلع المصريين

مسؤولون: المسافة بين محطات القطارات كبيرة ويصعب تأمينها بصورة كاملة

مصريون يركبون على حافة أبواب قطارات الدرجة العادية («الشرق الأوسط»)
مصريون يركبون على حافة أبواب قطارات الدرجة العادية («الشرق الأوسط»)
TT

استهداف قضبان السكك الحديدية يثير هلع المصريين

مصريون يركبون على حافة أبواب قطارات الدرجة العادية («الشرق الأوسط»)
مصريون يركبون على حافة أبواب قطارات الدرجة العادية («الشرق الأوسط»)

حضن عبد الرحيم عبد الرحمن أولاده الاثنين وزوجته خلال رحلتهم من القاهرة إلى أسوان خوفا عليهم من الموت المحقق في قطار رقم 886، عندما أخذت عربة القطار تتأرجح يمينا ويسارا وكادت تنقلب. حال الأب عبد الرحمن لم يختلف كثيرا عن باقي ركاب القطار الذين أثارهم الفزع والخوف من حالة الاهتزاز والتمايل التي أسفرت عن إصابات بين الركاب نتيجة التدافع وسقوط بعض الأمتعة من على الأرفف على رؤوسهم.
وتكشف مصادر مسؤولة بهيئة السكك الحديدية عن رصد عمليات لاستهداف قضبان السكك الحديدية في محافظات صعيد مصر خلال الشهر الحالي، وقالت المصادر التي التقطها «الشرق الأوسط»، إن «أنصار جماعة الإخوان المسلمين يضعون قطعا من الحديد والحجارة والأخشاب على قضبان السكة الحديد في المناطق البعيدة من المحطات الرئيسية، وعند مرور القطارات عليها تضرب العجل وتحدث تأرجحا في العربات، مما يمكن أن يؤدي إلى انقلاب القطار».
وبحسب تقارير عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء المصري، وصل عدد ركاب السكك الحديدية في البلاد إلى 235.5 مليون راكب عام 2012. لكن هذه الملايين من الركاب ليست بمأمن من الخطر، حيث تؤكد الإحصائيات الرسمية أن عدد ضحايا حوادث الطريق يقترب من 8 آلاف شخص سنويا، ويشير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى ارتفاع عدد المتوفين في حوادث الطرق إلى 7115 شخصا عام 2011 مقابل 7040 شخصا عام 2010.
وزادت أحوال السكك الحديدية السيئة في مصر من هموم وفزع المصريين بسبب تدني الخدمة داخل القطارات وعدم وجود وسائل تأمينية للركاب داخل القطارات والاكتفاء بها على أرصفة المحطات الرئيسية فقط في القاهرة والجيزة، ويقول عبد الرحمن (39 عاما) إن «وسائل التفتيش سيئة جدا على أرصفة المحطات ويسهل على أي راكب حمل قنبلة أو عبوة ناسفة والدخول بها داخل القطارات وتفجيرها في سهولة ويسر»، لافتا إلى أن «مسؤولي القطار كل همهم هو التوقيع على التذاكر والتقليل من غضب الركاب نتيجة انقطاع أجهزة التكييف عن العربات في القطارات المكيفة خلال الرحلة من أسوان إلى القاهرة، والتي تصل إلى 16 ساعة في درجة حرارة تفوق 45 درجة».
ويسرد عبد الرحمن رحلته داخل قطار 886 الذي تحرك من القاهرة في الساعة الحادية عشر والربع مساء إلى أسوان، قائلا: «فوجئنا أن القطار يتأرجح وكأنه سينقلب، كما تساقطت الأمتعة من على الأرفف لتصيب بعض الركاب بكدمات»، لافتا إلى أنه «لا أحد من مسؤولي القطار طمأنا على ما يحدث؛ واكتفى بعضهم بالتلميح بأن هناك أشياء معدنية على القضبان أدت لذلك». وتابع عبد الرحمن: «حضنت أبنائي (الاثنين) وزوجتي وقرأت الفاتحة وقلت إننا لن نصل إلى منزلنا». ورصد عبد الرحمن حالة الفوضى على أرصفة المحطات طوال الرحلة وداخل القطارات بقوله: «لا يوجد تفتيش للأمتعة، والجهاز الذي تمر من فوقه الأمتعة لا يرصد أي شيء في محطة مصر (أكبر محطات القطارات) ويسهل معه أن يصعد أي شخص للقطار بأي شيء دون أن يكشف شخصيته أحد».
ولم تتوان الحكومات المتتابعة - قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011 وبعدها - من التأكيد على تبنيها تطوير السكك الحديدية، وتأكيد وزراء النقل المتتابعين على وجود خطط لديهم للنهوض بهذا المرفق. لكن عبد الرحيم عبد الرحمن يقول، إن «أوضاع السكة الحديد تزداد سوءا يوما بعد يوم، الحكومة لا تلتفت إلى القطارات إلا بعد وقوع الحوادث، فعندما تسيل الدماء يذرف الجميع الدموع، ثم ما هي إلا أيام قليلة حتى ينسوا الأمر ككثير من الأمور حولنا». مضيفا: «داخل القطار لا يوجد مكيفات ولا دورات مياه صالحة للاستخدام الآدمي ومعظم العربات عمرها الافتراضي انتهى، فضلا عما يتردد عن زيادة أسعار تذاكر السفر»، محذرا من وقوع أي كارثة في أي وقت نتيجة الإهمال وعدم الصيانة، بقوله: «القطارات لا تحتمل أي شيء على القضبان من (الإخوان)، وقد تنقلب في أي لحظة».
وشكا عبد الرحمن من عدم تفعيل اللوائح والقوانين لضمان سلامة القطارات‏. ‏ويقول «اللوائح تمنع صعود الركاب بأي مواد قابلة للاشتعال؛ مثل مواقد الكيروسين أو أسطوانات الغاز، أو الحيوانات مثل الكلاب، وهي الأشياء التي توجد دائما بحوزة ركاب قطارات الصعيد لطول المسافات بينها وبين العاصمة القاهرة». وتابع: «خلال رحلتي أنا وأولادي في الدرجة الأولى (درجة سياحية في القطارات تصل سعر التذكر في السوق السوداء بها إلى 150 جنيها) لاحظنا وجود كلب مع أحد الركاب، وللأسف رئيس القطار لم يفعل معه أي شيء واكتفى بقوله لصاحبه لا تدعه ينبح». وأكد عبد الرحمن أنه «أثناء عودته من أسوان للقاهرة لاحظ أيضا وجود اهتزازات عنيفة في القطار ولم يختلف الوضع كثيرا خلال رحلة ذهابه».
من جانبها، اعترفت المصادر المسؤولة في هيئة السكك الحديدية، بعدم قدرة السلطات المصرية تأمين خطوط السكك الحديدية، قائلين: «المسافة بين محطات القطارات كبيرة ويصعب تأمينها بصورة كاملة». مضيفة أن «الهيئة رصدت وجود أنابيب بوتاجاز على القضبان وبعض القنابل محلية الصنع في بعض المحافظات خلال الفترة الماضية، ولم يتم الإعلان عنها حفاظا على سلامة وأمن الركاب».
وأكدت المصادر المسؤولة نفسها، أن «حركة قطارات السكة الحديد توقفت أكثر من مرة منذ ذكرى فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في القاهرة والجيزة الشهر الحالي، بسبب بلاغات بوجود قنابل وعبوات ناسفة». بينما قال مصدر أمني مسؤول، إن «الفاعل في جميع الحالات واحد.. حيث جرى وضع العبوات بطريقة متشابهة ووضع دوائر كهربائية وهمية».
ومنذ أغسطس (آب) من العام الماضي، قررت الحكومة وقف حركة القطارات نهائيا لـ«دواع أمنية». وقالت الحكومة، التي عينت في يوليو (تموز) بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، إنها بصدد تحسين النقل عبر خطة لتحفيز الاقتصاد تتكلف 26.9 مليار جنيه (4.3 مليار دولار). وكشفت المصادر المسؤولة في السكة الحديد وقتها، عن أن «خسائر الهيئة منذ توقف حركة القطارات تجاوزت 150 مليون جنيه (نحو 22 مليون دولار)».
ويضيف المصدر الأمني نفسه أنه «فور التأكد من صدق المبلغ، يجري الانتقال بشكل فوري لموقع البلاغ»، مشيرا إلى أنه فور الوصول لمكان البلاغ يجري فرض ثلاثة كردونات (نطاقات) أمنية؛ إحداها حول العبوة، والآخر حول الأجهزة التي سوف تستخدم في التعامل معها، والثالث حول القيادات الأمنية؛ لكن في بعض الأحيان تكون المناطق بعيدة يصعب الوصول إليها فضلا عن عدم الإبلاغ عنها من الأصل، مؤكدا أن «أغلب البلاغات تتهم أعضاء بجماعة (الإخوان) بارتكابها».
وتعد خطوط السكك الحديدية في مصر من أقدم وأكبر شبكات السكك الحديدية في العالم، حيث إنها الثانية في العالم تاريخيا في إنشائها بعد السكك الحديدية البريطانية، وهي تمتد لنحو خمسة آلاف كيلومتر، ويستخدمها ملايين المواطنين يوميا، لكنها لا تلقى اهتماما أو تطويرا منذ عقود.
ويقول حسن، وهو سائق قطار طلب الاكتفاء باسمه الأول، لـ«الشرق الأوسط»: «لا نجيب عن أي أسئلة للركاب عن انقطاع أجهزة التكيف أو حجز المقاعد العشوائي أو عدم سلامة دورات المياه، ومع كل كارثة في قطار تعد الحكومة بإجراء عملية إصلاح كبرى، وتطوير أحوال السكك الحديدية، ثم تهدأ العاصفة»، لافتا إلى أن «حال القطارات يحتاج لوقفه جادة، ونعاني من التصريحات الوردية للمسؤولين عن أن هناك تطويرا في القطارات، والواقع أن غالبية القطارات بها مشكلات، والقضبان تحتاج لعناية وملاحظة باستمرار».
وقال السائق حسن إنه «عند وقوع أي كارثة من الأشياء التي يتم وضعها على القضبان، يتم تحميل السائق المسؤولية وحده، ويتركون الفاعل الحقيقي من وضعها والمسؤول عن صيانة القضبان ومراقبتها».
وشهدت خطوط السكك الحديدية في مصر حوادث وصفت بالأسوأ أشهرها حادث قطار الصعيد عام 2002 في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، والذي أسفر عن مقتل 360 شخصا على الأقل، عندما اشتعلت النار بسبع عربات في قطار للركاب بجنوب البلاد، وفي 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، اصطدم قطار في أسيوط بأتوبيس مدرسي أسفر عن مصرع أكثر 50 طفلا، واستقال على إثره وزير النقل الأسبق رشاد المتيني. كما قتل 27 شخصا وأصيب 34 آخرون في حادث تصادم مروع لقطار بسيارتين في منطقة «دهشور».
من جهة أخرى، أبدى كثير من ركاب القطارات استياءهم من حال الدرجات العادية للقطارات. ويوضح محمد فتحي (37 سنة): «الحكومة لا تعرف شيئا عن القطارات العادية سيئة الخدمات، بل إنه لا خدمات من الأساس، فالقطارات لا يوجد بها إنارة، مما يجعلها سهلة لزرع أي عبوات ناسفة، خصوصا مع ضعف نظام الرقابة الأمنية، ولا يوجد زجاج في النوافذ أو صناديق للقمامة».



رفض عربي لافتتاح «أرض الصومال» سفارة في القدس

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
TT

رفض عربي لافتتاح «أرض الصومال» سفارة في القدس

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

لقي افتتاح الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» سفارة في القدس رفضاً عربياً متواصلاً لمُخرجات ذلك التطبيع الذي بدأت أولى محطاته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ووصفته جامعة الدول العربية بأنه خطوة «باطلة وبلا أثر قانوني».

ووفق خبير في الشأن الصومالي، فإن ذلك الرفض العربي يحمل «خط دفاعٍ دبلوماسياً مهماً للصومال»، مشيراً إلى أن قوته الأساسية تكمن في عزل أي محاولة لتقديم الإقليم كدولة مُعترَف بها، وتأكيد أن العالم العربي يقف خلف وحدة الصومال.

وأعربت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، في بيان، الثلاثاء، عن «استنكارها الشديد وإدانتها، بأشدّ العبارات، إقدام إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية على فتح سفارة في مدينة القدس المحتلة».

كانت «أرض الصومال» قد افتتحت سفارة لها في القدس، الاثنين، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية. وقال رئيس الإقليم الانفصالي عبد الرحمن عرو، عبر حساب ما يسمى «رئاسة أرض الصومال»، إن افتتاح السفارة في القدس سيكون مدخلاً لـ«عصر جديد من الشراكة والتعاون مع دولة إسرائيل».

وأكدت الجامعة العربية، في بيانها، أن «إقامة بعثات دبلوماسية في القدس المحتلة أو الاعتراف بها مقراً للبعثات الأجنبية تمثل تقويضاً للجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام العادل والشامل على أساس مبدأ حل الدولتين».

ووصفت هذه الخطوة بأنها «مرفوضة شكلاً ومضموناً»، وشددت على أنها تُعد «أحد أوجه ترسيخ الاحتلال غير الشرعي، وتُعد باطلة ومُلغاة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني»، داعية المجتمع الدولي لتحمُّل مسؤوليته ووقف تلك الإجراءات.

كما أدانت مصر، في بيان لـ«الخارجية»، الثلاثاء، بـ«أشدّ العبارات، افتتاح إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية، ما يسمى منطقة أرض الصومال، سفارة مزعومة له في مدينة القدس المحتلة»، وعدّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي». وشددت على أن أي خطوات تهدف إلى تغيير وضع القدس القانوني والتاريخي «تُعد باطلة وملغاة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني».

«دفاع عن وحدة الصومال»

ويلفت المحلل السياسي الصومالي عبد الكامل أبشر إلى أن وصف «أرض الصومال» بـ«إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية» يعكس تمسك الجامعة العربية بالاعتراف بوحدة الصومال وسيادته ورفض أي اعتراف بانفصال الإقليم.

واستطرد قائلاً إن الرفض العربي «يُعد انتصاراً دبلوماسياً للحكومة الصومالية؛ لأنه يجدد التأكيد العربي بوحدة أراضي الصومال، ويرفض التعامل مع الإقليم كدولة مستقلة».

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال افتتاح سفارة بالقدس المحتلة (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

وفي 24 مايو (أيار) الماضي، أصدر وزراء خارجية 14 دولة عربية وإسلامية والسلطة الوطنية الفلسطينية بياناً مشتركاً أدانوا فيه إقدام الإقليم الانفصالي على افتتاح «سفارة» بمدينة القدس.

وشملت الدول الرافضة تلك الخطوة كلاً من السعودية، ومصر، وقطر، والأردن، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، وجيبوتي، والصومال، والسلطة الفلسطينية، وسلطنة عُمان، والسودان، واليمن، ولبنان، وموريتانيا.

وكانت إسرائيل قد عمَّقت وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر ديسمبر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً إلى الإعلان في مايو قرب تبادل افتتاح السفارات، وفق بيانات وتصريحات رسمية بالجانبين.

وعيّنت إسرائيل في أبريل مايكل لوتم أول سفير لها في «أرض الصومال»، وذلك بعدما أعلن الإقليم الانفصالي، في فبراير (شباط) تعيين محمد حاجي سفيراً له لدى إسرائيل.

«خط دفاع دبلوماسي»

وقال المحلل السياسي الصومالي أبشر إن ذلك الرفض العربي ليس مجرد تعبير عن التضامن، «بل هو ورقة دبلوماسية مهمة للصومال في صراع الشرعية الدولية»، لكنه أشار إلى أن قيمته الحقيقية «ستُقاس بما إذا تحوّل إلى تحرك دبلوماسي جماعي طويل الأمد داخل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والعلاقات الثنائية مع الدول المؤثرة».

وأضاف: «البيانات وحدها نادراً ما تحسم قضايا الانفصال، بينما التحالفات والضغوط المستمرة قد تؤثر، بشكل كبير، في مسارها».

وأكد أنه «عندما تتلاقى الشرعية الدولية (الأمم المتحدة) والشرعية الإقليمية الأفريقية (الاتحاد الأفريقي) والدعم السياسي العربي (جامعة الدول العربية)، فإن ذلك يخلق جبهة دبلوماسية واسعة ترفع الكلفة السياسية لأي دولة قد تفكر في الاعتراف بـ(أرض الصومال) أو إقامة علاقات رسمية معها».

وخلص إلى أن الموقف العربي «يشكل خط دفاع دبلوماسياً مهماً للصومال، لكنه ليس نهاية المنافسة الجيوسياسية في القرن الأفريقي، بل جزء من صراع أوسع على النفوذ والممرات البحرية في المنطقة».


خريجو الجامعات اليمنية بمناطق الحوثيين في قبضة البطالة

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

خريجو الجامعات اليمنية بمناطق الحوثيين في قبضة البطالة

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

أصبحت البطالة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية واحدة من أكثر الأزمات بين أوساط الشباب، خصوصاً خريجي الجامعات والمعاهد الفنية والتقنية الذين يجدون أنفسهم بعد سنوات من الدراسة أمام واقع اقتصادي مأزوم وسوق عمل عاجز عن استيعابهم.

ومع تزايد أعداد الخريجين سنوياً، تتسع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، في وقت يشهد فيه النشاط الاقتصادي انكماشاً مستمراً نتيجة تداعيات الصراع وتراجع الاستثمارات وإغلاق عدد من المؤسسات والمنشآت الاقتصادية؛ الأمر الذي جعل الحصول على وظيفة مستقرة هدفاً بعيد المنال بالنسبة لكثير من الشباب.

وحسب مصادر تعليمية يمنية، فإن الجامعات والمعاهد الحكومية والأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين تواصل تخريج آلاف الطلاب سنوياً في مختلف التخصصات، غير أن سوق العمل المحلية لا تمتلك القدرة على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة؛ ما يدفع أعداداً كبيرة من الخريجين إلى القبول بأعمال مؤقتة أو مهن لا ترتبط بتخصصاتهم العلمية، في حين يختار آخرون الهجرة إلى مناطق سيطرة الحكومة اليمنية أو إلى خارج البلاد بحثاً عن فرص أفضل.

ويؤكد خريجون أن سنوات طويلة من البحث عن وظائف مناسبة لم تؤدِّ إلى نتائج ملموسة، في ظل محدودية الفرص المتاحة وتراجع التوظيف في المؤسسات العامة والخاصة، على حد سواء.

أطفال يمنيون يجلبون مياه الشرب في أحد أحياء صنعاء (الشرق الأوسط)

ويقول محمود (27 عاماً)، وهو خريج هندسة معمارية من صنعاء، إنه أمضى ما يقارب ثلاث سنوات في البحث عن وظيفة مستقرة دون أن ينجح في ذلك، رغم تقدمه بطلبات توظيف إلى جهات حكومية عدة.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الوظائف المتاحة في بعض المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين باتت تخضع منذ سنوات لمعايير وإجراءات يراها كثيرون بعيدة عن الكفاءة المهنية؛ وهو ما جعل فرص حصول الخريجين على وظائف تتراجع بصورة كبيرة.

ويضيف أن الحصول على فرصة عمل مناسبة أصبح بالنسبة لكثير من الشباب حلماً يصعب تحقيقه، خصوصاً مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وتقلص النشاط العمراني والاستثماري الذي كان يوفر فرصاً لخريجي التخصصات الهندسية.

مهن اضطرارية

أما سليمان (25 عاماً)، وهو خريج أحد المعاهد الفنية في ضواحي صنعاء، فيقول إن البطالة أجبرته على العمل في مهن يومية متفرقة لا تمت بصلة إلى المجال الذي درسه لسنوات.

ويشير إلى أنه كان يأمل في توظيف المهارات التي اكتسبها خلال فترة دراسته في عمل مهني يحقق له الاستقرار، إلا أن غياب الفرص المناسبة دفعه إلى القبول بأي عمل يضمن له الحد الأدنى من الدخل لتغطية احتياجاته المعيشية.

وتروي إحدى خريجات المحاسبة، تجربة مشابهة، مؤكدة أن سنوات الانتظار الطويلة للحصول على وظيفة دفعتها إلى تأجيل كثير من مشاريعها الشخصية والمهنية.

وقالت إنها كانت تتطلع إلى بناء مسار وظيفي واضح بعد التخرج، غير أن الظروف الاقتصادية الصعبة وانعدام فرص التوظيف جعلتها عاجزة عن تحقيق تلك الطموحات، مضيفة أن حالة الانتظار المستمرة أصبحت جزءاً من حياتها اليومية.

معلمة بصنعاء توجهت للعمل في مهنة أخرى لإطعام أطفالها (الشرق الأوسط)

وتعكس البيانات الدولية حجم الأزمة التي يواجهها الشباب اليمني في سوق العمل. فوفقاً لتقارير دولية حديثة، بلغ معدل بطالة الشباب في اليمن أكثر من 32 في المائة خلال عام 2024، في حين تجاوز معدل البطالة العام 17 في المائة؛ ما يشير إلى اتساع الفجوة بين أعداد الداخلين إلى سوق العمل والفرص المتاحة.

وتؤكد تقارير أممية أن الشباب يمثلون قرابة ثلث سكان اليمن؛ الأمر الذي يجعل قضية التوظيف واحدة من أكثر القضايا تأثيراً على مستقبل البلاد واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.

آثار تتجاوز الجانب المعيشي

ولا تتوقف آثار البطالة في اليمن عند الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية متزايدة التأثير.

ويقول مختصون اجتماعيون إن فترات الانتظار الطويلة بعد التخرج، وعدم القدرة على تحقيق الاستقلال المالي، تولد لدى كثير من الشباب مشاعر الإحباط والقلق وفقدان الثقة بالمستقبل.

كما تسهم البطالة المزمنة في زيادة احتمالات الإصابة بالاكتئاب والعزلة الاجتماعية، خصوصاً لدى الخريجين الذين يشعرون بأن سنوات الدراسة والجهد لم تنعكس على واقعهم المعيشي أو المهني.

ويشير المختصون إلى أن الضغوط الاقتصادية المتواصلة تدفع كثيراً من الشباب إلى الشعور بالعجز أمام متطلبات الحياة الأساسية؛ وهو ما ينعكس سلباً على علاقاتهم الأسرية والاجتماعية ويزيد من حدة التوتر داخل المجتمع.

خريج جامعي يعمل في بيع الملابس بإحدى أسواق صنعاء (الشرق الأوسط)

ومن أبرز النتائج الاجتماعية المترتبة على البطالة، وفق مراقبين، ارتفاع معدلات تأخر الزواج بين الشباب.

ففي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على دخل ثابت، يجد كثير من الخريجين أنفسهم غير قادرين على الإقدام على خطوة الزواج أو تحمّل المسؤوليات المالية المرتبطة بتأسيس أسرة.

وفي المقابل، تتزايد رغبة الشباب في الهجرة إلى مناطق أخرى داخل اليمن أو إلى الخارج؛ بحثاً عن فرص عمل أكثر استقراراً، وهو ما يفاقم من ظاهرة نزيف الكفاءات البشرية التي تحتاج إليها البلاد في مرحلة إعادة الإعمار والتنمية المستقبلية.


اتهامات للحوثيين بتوزيع أغذية فاسدة

يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
TT

اتهامات للحوثيين بتوزيع أغذية فاسدة

يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)

تواجه الجماعة الحوثية اتهامات بتوزيع مساعدات غذائية غير صالحة للاستهلاك الآدمي أو قاربت صلاحيتها الانتهاء على آلاف الأسر الفقيرة والنازحة في مناطق سيطرتها، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن سلامة المستفيدين من المعونات الإنسانية في بلد يعاني إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.

وتقول مصادر مطلعة إن الجماعة وزعت خلال الأسابيع الأخيرة، عبر ما تُسمى «هيئة الزكاة»، كميات من المواد الغذائية شملت القمح وزيت الطهو ومنتجات أخرى على أسر محتاجة في صنعاء وذمار وإب ومناطق أخرى، قبل أن تتكشف شكاوى متصاعدة بشأن جودة تلك المواد وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

ووفق المصادر، فقد اكتشف عدد من المستفيدين وجود علامات تلف في جزء من كميات القمح التي تسلموها، في حين تحدث آخرون عن تعرض أطفال ونساء لأعراض صحية بعد استهلاك منتجات غذائية يشتبه في فسادها أو عدم مطابقتها معايير السلامة.

طفلة يمنية قرب إحدى الجمعيات الخيرية التي توزع الغذاء في صنعاء (الشرق الأوسط)

ويؤكد عامل في المجال الإغاثي بصنعاء أن الشكاوى المتعلقة بجودة بعض المساعدات الغذائية تكررت خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن الأمر «يتطلب رقابة أشد صرامة على عمليات التخزين والنقل والتوزيع، بما يضمن وصول المساعدات للمستحقين وفق المعايير الإنسانية المعتمدة».

وتتزامن هذه الاتهامات مع انتقادات متكررة وجهها ناشطون حقوقيون للجماعة الحوثية بشأن إدارة المساعدات الإنسانية، متهمين إياها بحرمان آلاف المحتاجين من الإغاثة عبر الاحتفاظ بكميات كبيرة من المعونات في مخازن تابعة لها لفترات طويلة؛ مما يؤدي إلى تلفها أو تراجع جودتها قبل توزيعها.

سوء تخزين وفساد إداري

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن بعض المسؤولين في «هيئة الزكاة» الحوثية أقدموا على شراء شحنة من القمح من أحد التجار المقربين من الجماعة رغم وجود مؤشرات مسبقة على تضرر أجزاء منها نتيجة الرطوبة وسوء التخزين خلال النقل البحري، مما انعكس على جودة الكميات الموزعة لاحقاً.

ويرى هؤلاء أن توزيع أغذية منتهية الصلاحية أو متضررة يشكل انتهاكاً مباشراً لحقوق المدنيين، لا سيما الفئات الأشد ضعفاً التي تعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتها اليومية.

كما دعوا إلى فتح تحقيقات مستقلة في ملابسات توزيع تلك المواد، ومحاسبة المتورطين في حال ثبوت المخالفات، مع وضع آليات تضمن عدم تكرار هذه الممارسات مستقبلاً.

وأثارت هذه الاتهامات حالة من القلق والاستياء بين أوساط المستفيدين الذين أكدوا أنهم يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب مصادر دخل مستقرة.

الحوثيون يسخرون غالبية المساعدات الإنسانية لأتباعهم (الشرق الأوسط)

ويقول خالد، وهو عامل بالأجر اليومي في صنعاء، إنه فوجئ بعد تسلمه سلة غذائية من فرع «هيئة الزكاة» الحوثية في مديرية معين بوجود مواد غذائية تحمل تواريخ صلاحية منتهية منذ أشهر عدة.

وأضاف: «لم يكن أمامي خيار آخر، فأنا أعتمد على هذه المساعدات لإطعام أسرتي، لكنني اكتشفت أن بعضها لم يعد صالحاً للاستهلاك».

وفي محافظة إب، أكدت أم محمد، وهي أم لـ5 أطفال، أن أسرتها اضطرت إلى التخلص من جزء من المواد الغذائية التي تسلمتها بعد ملاحظة تغيرات واضحة في اللون والرائحة، مشيرة إلى أن انتظار المساعدات يتحول صدمةً عندما يكتشف المستفيدون أن بعض محتوياتها تالفة.

أما في محافظة ذمار، فأفاد أحد المستفيدين بأن عدداً من الأسر اشتكى من رداءة بعض المواد الموزعة، موضحاً أن البلاغات التي قُدمت للجهات التابعة للجماعة لم تلقَ استجابة واضحة أو معالجة فورية للمشكلة.

نمط متكرر

ويرى مراقبون يمنيون أن هذه الحوادث تعكس اختلالات أوسع في منظومة إدارة المساعدات الإنسانية بمناطق سيطرة الحوثيين، حيث سبق أن أثيرت اتهامات باحتجاز شحنات إغاثية فترات طويلة أو التلاعب بعمليات التوزيع؛ الأمر الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى تلف المواد الغذائية قبل وصولها إلى مستحقيها.

وكانت الجماعة قد أعدمت خلال سنوات سابقة كميات كبيرة من المساعدات الغذائية، خصوصاً القمح المقدم من منظمات دولية، بعد تعرضها للتلف نتيجة سوء التخزين وتأخر توزيعها، وفق ما وثقته تقارير وشهادات محلية.

إتلاف أغذية في صنعاء انتهت صلاحيتها نتيجة سوء التخزين (الشرق الأوسط)

ويحذر خبراء في الشأن الإنساني بأن أي تلاعب في المساعدات أو سوء إدارتها يضاعفان من معاناة ملايين اليمنيين الذين يواجهون أوضاعاً اقتصادية متدهورة ومستويات متصاعدة من انعدام الأمن الغذائي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تزداد فيه التحذيرات الدولية من استمرار تدهور الوضع الإنساني في اليمن، مع اعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات الإغاثية بصفتها المصدر الرئيسي لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية.

ويؤكد خبراء أن الحفاظ على سلامة المساعدات الإنسانية وجودتها يمثل ضرورة ملحة لا تحتمل الإهمال أو التسييس، «خصوصاً في ظل اتساع رقعة الفقر والنزوح وتراجع القدرة الشرائية لمعظم الأسر اليمنية؛ الأمر الذي يجعل أي خلل في إدارة المعونات تهديداً مباشراً لحياة الفئات الأعلى هشاشة».