ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين

دار «غاليمار» تجمع رسائلهما المتبادلة

ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين
TT

ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين

ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين

كان الكاتب والمفكر الفرنسي ألبير كامو، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1957، يقاسي من ندرة الأصدقاء، ويعاني من الخيبات المتتالية التي تسبب بها من كان يعدهم أصدقاءه، ويقول: «الصديق هو الذي يصل عندما يكون الجميع قد ذهبوا». ولأن كامو لم يكن إنساناً عادياً بأي معيار، كان من الصعب جداً أن يقيم صداقات تصمد في وجه الزمن الذي يعري الحقائق، وتنحل في مائه الأوهام.
لكن ثمّة صداقة في حياة صاحب «الغريب» و«الطاعون» شذّت عن هذه القاعدة، واستمرّت منذ نشأتها في عام 1946 حتى وفاته في حادث سيارة، عندما كان عائداً إلى باريس مطلع عام 1960؛ إنها الصداقة التي ربطته بالشاعر الكبير رينيه شار الذي يقال إنه نام ذات ليلة في خريف 1982 مع جائزة نوبل، ليستفيق في اليوم التالي وقد «اختطفها» منه غابرييل غارسيا ماركيز.
أربعة عشر عاماً من الصداقة الوطيدة التي كانت تترسّخ يوماً بعد يوم، كما تشهد المراسلات التي جمعتها دار «غاليمار» التي كان كامو يتولّى رئاسة تحريرها، عندما نشر أوّل ديوان وضعه شار خلال انخراطه في المقاومة المسلّحة ضد الاحتلال النازي. أكثر من مائتي رسالة تشهد على أن الأخوّة ممكنة بين المبدعين، وتنفي القول بأن الصداقة بين أهل الفكر لا يمكن أن توجَد خارج أعمالهم، وتدحض الاعتقاد السائد بأن قراءة مراسلات الكتّاب غالباً ما تؤدي إلى الخيبة.
يقول رينيه شار إن أوّل عهده بألبير كامو كان خلال وجوده مع المقاومة الفرنسية، عندما أهداه أحد الأصدقاء نسخة من «الغريب»، لكن الظروف يومذاك «حالت دون أن أخصّص ما يكفي من الحلم لقراءة تلك الرواية التي لم تترك عندي عميق الانطباع».
قبل اللقاء، كان شار وكامو ينسجان على المنوال السياسي نفسه في الجبهة المناهضة للفاشيّة والنازيّة والاستعمار الفرنسي في الجزائر، حيث كان يعيش كامو ويكتب في صحيفة «الجزائر الجمهورية»، قبل أن يضطر للمغادرة منفياً بسبب مواقفه وأفكاره. وفي الجزائر، انضمّ كامو إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1935، لكن ما لبث أن تركه عندما قرّرت قيادة الحزب أن النضال ضد الاستعمار لم يعد بين أولوياتها.
كان كامو وشار يجتمعان على استحالة الفصل بين الالتزام السياسي والاجتماعي من جهة، والإنتاج الفكري والفني من جهة أخرى. «ليس في الظلماء مكان للجمال؛ كل المكان هو للجمال»، كان يقول شار، ويردّ عليه كامو بقوله: «قبل النبع، ثمّة أرض يتبجّس منها النبع، وينثال فيها الماء».
الكتابة لم تكن ولادة طبيعية عند أي منهما، وكان لا بد لها، في عنف صيرورتها واجتثاثها من رحم المخاض، من مجاورة أولئك الذين ينطقون بلغة الشعر، والذين يسمّيهم شار «الشفّافين». كلاهما كان يعيش في وحدة ذاتية عميقة، تولّدت منها صداقة راحت تتكشّف عن مساحات مشتركة بين مفكّرَين عملاقين يختلفان كثيراً عن بعضهما، لكنهما يترافدان في ذلك «الجدول الذي يسري تحت الأرض»، فتتجاوز الصداقة الحدود الفردية، وتتسّع أمامها مساحات الإبداع. صداقة معجونة بماء الإعجاب والمعرفة، تحترم وحدة المبدع وتصونها، رغم أن «الرغبة في كتابة الشعر لا تتحقّق إلا بقدر ما يولد هذا الشعر من أفكار ومشاعر تتفتّح بجانب حفنة نادرة من الرفاق»، كما يقول شار في إحدى الرسائل.
تذكر كاترين، ابنة كامو التي حفظت الرسائل وساعدت على نشرها، كيف «كانت زيارات شار إلى منزلنا تحمل البهجة التي تطفح بها تلك الشخصيّة الودودة، وتملأ المكان بالمرح والحياة». في الظاهر، لم يكن ثمّة ما يجمع بين الاثنين سوى ذلك الانتماء العميق إلى المتوسط، إلى «الجنوب الذي تعتمل بين ضفافه كل الأحزان». كان شار شاعراً فذاً «في مصاف رامبو وآبّولينير»، كما كان يقول كامو، وصديقاً للسورياليين وهايديغير، ترك المدرسة باكراً، وانصرف إلى المغامرات والأعمال التي كان يديرها والده في أسرة معروفة ميسورة. أما كامو الذين كان مدمناً على القراءة والكتابة منذ صغره، وعبقرياً في كل ما أنتجه من روايات ومسرحيات ومقالات، فقد وُلد في عائلة فرنسية فقيرة في الجزائر التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي، وكان متفوقاً في كل مراحل دراسته، ولافتاً لأنظار أساتذته وغيرة رفاقه الذين كان يجد صعوبة في التعايش معهم.
المراسلات التي تبادلها كامو وشار طوال عقد ونصف تحمل صورة مجتزأة عن تلك الصداقة التي تجاوزت التواصل الكتابي، وكانت تدور في المقاهي واللقاءات الطويلة والنزهات الريفية والرحلات الكثيرة بين باريس ومسقط رأس شار، حيث اشترى كامو منزلاً له بعد فوزه بجائزة نوبل. لكنها أكثر من مجرد قطعة أثرية جميلة يتهافت عليها عشاق هذين المبدعَين، ويغوص في ثناياها الاختصاصيون، بل هي الرواية التي كان الاثنان يحلمان بكتابتها معاً، ومعاهدة في الصداقة قلّ نظيرها في الأدب العالمي.
ويتضّح من هذه المراسلات أن شار كان الطرف الرائد في تلك الصداقة، فهو كان أكبر سناً من كامو الذي كان يشعر تجاهه بمزيج من المودة والاحترام والإعجاب، كان يتحوّل إلى ما يشبه السلطة التي نادراً ما تنضح من الرسائل التي غالباً ما كانت توحي بالعكس، كتلك التي يكتب فيها شار: «ألبير، أنت من القلّة النادرة من الناس الذين أكِّن لهم المحبّة والإعجاب في آن معاً». وفي كلام ماري كلود، أرملة شار التي ساهمت هي أيضاً في نشر الرسائل، ما يؤكّد ذلك عندما تقول: «كانت صداقة شفّافة صادقة، كما لو أنها من زمان مضى. لا سخرية فيها ولا محاباة، ولا مشاعر مبتذلة، كلاهما كان يأخذ الحياة والفكر على محمل الجِدّ، لكن من غير ادّعاء أو تكبّر. كانت إخوة في الحياة والالتزامات بحثاً عن العدالة والحقيقة والجمال».
في عام 1950، كتب كامو إلى صديقه شار يقول: «كانت هذه سنة صعبة جداً بالنسبة لي، وكنت أنت بين قلّة نادرة من الذين ساعدوني على الحياة، بفضل صداقتك وهذا الشعور الغريب بالأمل الذي يأتيني من هذه الصداقة. كم أنا محظوظ بمعرفتك!»، ويجيبه شار: «كلما تقدّم بي العمر، أدركت أن الحياة ممكنة فقط بجانب الذين ننعم بدفء مودتهم، ونذوق معهم طعم الحرية».
لم يتخلَّ أي منهما عن الآخر أبداً. معاً سعيا إلى حشد المؤيدين لمانيفست ضد ستالين، أو لمساعدة بوريس باسترناك الذي كان ملاحقاً من النظام السوفياتي، وكلاهما وقف ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر بجرأة كلفت كامو المنفى وعذابات نفسية كثيرة. وعندما نشر كامو كتابه الشهير «الرجل المتمرد»، الذي ينتقد فيه التوتاليتارية اليسارية، وانتفض ضدّه صديقه السابق جان بول سارتر الذي أصدر بحقه فتوى فكرية ضربت حوله حصاراً من الكتاب والشعراء والفنانين، وحده شار وقف بجانب صديقه الذي كان قد بدأ يشعر باليأس، كما يستدلّ من إحدى الرسائل الأخيرة التي كتبها: «تعبت من باريس، ومن العصابات التي تسرح فيها وتمرح. عندي رغبة عميقة في العودة إلى الجزائر، بلد الرجال، البلد الحقيقي القاسي الذي لا أنساه».



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».