ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين

دار «غاليمار» تجمع رسائلهما المتبادلة

ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين
TT

ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين

ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين

كان الكاتب والمفكر الفرنسي ألبير كامو، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1957، يقاسي من ندرة الأصدقاء، ويعاني من الخيبات المتتالية التي تسبب بها من كان يعدهم أصدقاءه، ويقول: «الصديق هو الذي يصل عندما يكون الجميع قد ذهبوا». ولأن كامو لم يكن إنساناً عادياً بأي معيار، كان من الصعب جداً أن يقيم صداقات تصمد في وجه الزمن الذي يعري الحقائق، وتنحل في مائه الأوهام.
لكن ثمّة صداقة في حياة صاحب «الغريب» و«الطاعون» شذّت عن هذه القاعدة، واستمرّت منذ نشأتها في عام 1946 حتى وفاته في حادث سيارة، عندما كان عائداً إلى باريس مطلع عام 1960؛ إنها الصداقة التي ربطته بالشاعر الكبير رينيه شار الذي يقال إنه نام ذات ليلة في خريف 1982 مع جائزة نوبل، ليستفيق في اليوم التالي وقد «اختطفها» منه غابرييل غارسيا ماركيز.
أربعة عشر عاماً من الصداقة الوطيدة التي كانت تترسّخ يوماً بعد يوم، كما تشهد المراسلات التي جمعتها دار «غاليمار» التي كان كامو يتولّى رئاسة تحريرها، عندما نشر أوّل ديوان وضعه شار خلال انخراطه في المقاومة المسلّحة ضد الاحتلال النازي. أكثر من مائتي رسالة تشهد على أن الأخوّة ممكنة بين المبدعين، وتنفي القول بأن الصداقة بين أهل الفكر لا يمكن أن توجَد خارج أعمالهم، وتدحض الاعتقاد السائد بأن قراءة مراسلات الكتّاب غالباً ما تؤدي إلى الخيبة.
يقول رينيه شار إن أوّل عهده بألبير كامو كان خلال وجوده مع المقاومة الفرنسية، عندما أهداه أحد الأصدقاء نسخة من «الغريب»، لكن الظروف يومذاك «حالت دون أن أخصّص ما يكفي من الحلم لقراءة تلك الرواية التي لم تترك عندي عميق الانطباع».
قبل اللقاء، كان شار وكامو ينسجان على المنوال السياسي نفسه في الجبهة المناهضة للفاشيّة والنازيّة والاستعمار الفرنسي في الجزائر، حيث كان يعيش كامو ويكتب في صحيفة «الجزائر الجمهورية»، قبل أن يضطر للمغادرة منفياً بسبب مواقفه وأفكاره. وفي الجزائر، انضمّ كامو إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1935، لكن ما لبث أن تركه عندما قرّرت قيادة الحزب أن النضال ضد الاستعمار لم يعد بين أولوياتها.
كان كامو وشار يجتمعان على استحالة الفصل بين الالتزام السياسي والاجتماعي من جهة، والإنتاج الفكري والفني من جهة أخرى. «ليس في الظلماء مكان للجمال؛ كل المكان هو للجمال»، كان يقول شار، ويردّ عليه كامو بقوله: «قبل النبع، ثمّة أرض يتبجّس منها النبع، وينثال فيها الماء».
الكتابة لم تكن ولادة طبيعية عند أي منهما، وكان لا بد لها، في عنف صيرورتها واجتثاثها من رحم المخاض، من مجاورة أولئك الذين ينطقون بلغة الشعر، والذين يسمّيهم شار «الشفّافين». كلاهما كان يعيش في وحدة ذاتية عميقة، تولّدت منها صداقة راحت تتكشّف عن مساحات مشتركة بين مفكّرَين عملاقين يختلفان كثيراً عن بعضهما، لكنهما يترافدان في ذلك «الجدول الذي يسري تحت الأرض»، فتتجاوز الصداقة الحدود الفردية، وتتسّع أمامها مساحات الإبداع. صداقة معجونة بماء الإعجاب والمعرفة، تحترم وحدة المبدع وتصونها، رغم أن «الرغبة في كتابة الشعر لا تتحقّق إلا بقدر ما يولد هذا الشعر من أفكار ومشاعر تتفتّح بجانب حفنة نادرة من الرفاق»، كما يقول شار في إحدى الرسائل.
تذكر كاترين، ابنة كامو التي حفظت الرسائل وساعدت على نشرها، كيف «كانت زيارات شار إلى منزلنا تحمل البهجة التي تطفح بها تلك الشخصيّة الودودة، وتملأ المكان بالمرح والحياة». في الظاهر، لم يكن ثمّة ما يجمع بين الاثنين سوى ذلك الانتماء العميق إلى المتوسط، إلى «الجنوب الذي تعتمل بين ضفافه كل الأحزان». كان شار شاعراً فذاً «في مصاف رامبو وآبّولينير»، كما كان يقول كامو، وصديقاً للسورياليين وهايديغير، ترك المدرسة باكراً، وانصرف إلى المغامرات والأعمال التي كان يديرها والده في أسرة معروفة ميسورة. أما كامو الذين كان مدمناً على القراءة والكتابة منذ صغره، وعبقرياً في كل ما أنتجه من روايات ومسرحيات ومقالات، فقد وُلد في عائلة فرنسية فقيرة في الجزائر التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي، وكان متفوقاً في كل مراحل دراسته، ولافتاً لأنظار أساتذته وغيرة رفاقه الذين كان يجد صعوبة في التعايش معهم.
المراسلات التي تبادلها كامو وشار طوال عقد ونصف تحمل صورة مجتزأة عن تلك الصداقة التي تجاوزت التواصل الكتابي، وكانت تدور في المقاهي واللقاءات الطويلة والنزهات الريفية والرحلات الكثيرة بين باريس ومسقط رأس شار، حيث اشترى كامو منزلاً له بعد فوزه بجائزة نوبل. لكنها أكثر من مجرد قطعة أثرية جميلة يتهافت عليها عشاق هذين المبدعَين، ويغوص في ثناياها الاختصاصيون، بل هي الرواية التي كان الاثنان يحلمان بكتابتها معاً، ومعاهدة في الصداقة قلّ نظيرها في الأدب العالمي.
ويتضّح من هذه المراسلات أن شار كان الطرف الرائد في تلك الصداقة، فهو كان أكبر سناً من كامو الذي كان يشعر تجاهه بمزيج من المودة والاحترام والإعجاب، كان يتحوّل إلى ما يشبه السلطة التي نادراً ما تنضح من الرسائل التي غالباً ما كانت توحي بالعكس، كتلك التي يكتب فيها شار: «ألبير، أنت من القلّة النادرة من الناس الذين أكِّن لهم المحبّة والإعجاب في آن معاً». وفي كلام ماري كلود، أرملة شار التي ساهمت هي أيضاً في نشر الرسائل، ما يؤكّد ذلك عندما تقول: «كانت صداقة شفّافة صادقة، كما لو أنها من زمان مضى. لا سخرية فيها ولا محاباة، ولا مشاعر مبتذلة، كلاهما كان يأخذ الحياة والفكر على محمل الجِدّ، لكن من غير ادّعاء أو تكبّر. كانت إخوة في الحياة والالتزامات بحثاً عن العدالة والحقيقة والجمال».
في عام 1950، كتب كامو إلى صديقه شار يقول: «كانت هذه سنة صعبة جداً بالنسبة لي، وكنت أنت بين قلّة نادرة من الذين ساعدوني على الحياة، بفضل صداقتك وهذا الشعور الغريب بالأمل الذي يأتيني من هذه الصداقة. كم أنا محظوظ بمعرفتك!»، ويجيبه شار: «كلما تقدّم بي العمر، أدركت أن الحياة ممكنة فقط بجانب الذين ننعم بدفء مودتهم، ونذوق معهم طعم الحرية».
لم يتخلَّ أي منهما عن الآخر أبداً. معاً سعيا إلى حشد المؤيدين لمانيفست ضد ستالين، أو لمساعدة بوريس باسترناك الذي كان ملاحقاً من النظام السوفياتي، وكلاهما وقف ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر بجرأة كلفت كامو المنفى وعذابات نفسية كثيرة. وعندما نشر كامو كتابه الشهير «الرجل المتمرد»، الذي ينتقد فيه التوتاليتارية اليسارية، وانتفض ضدّه صديقه السابق جان بول سارتر الذي أصدر بحقه فتوى فكرية ضربت حوله حصاراً من الكتاب والشعراء والفنانين، وحده شار وقف بجانب صديقه الذي كان قد بدأ يشعر باليأس، كما يستدلّ من إحدى الرسائل الأخيرة التي كتبها: «تعبت من باريس، ومن العصابات التي تسرح فيها وتمرح. عندي رغبة عميقة في العودة إلى الجزائر، بلد الرجال، البلد الحقيقي القاسي الذي لا أنساه».



«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.


«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي
TT

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

تؤسس رواية «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالماً تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي، ويختلط فيه وعي بطلها البشري بـ«طموحات» الآلة، وتختبر الرواية موقع الإنسان أمام تكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مسخّرة لخدمته، وإنما عقل موازٍ يشارك في تشكيل تجربته واختبار إرادته.

صدرت الرواية أخيراً عن دار ديوان للنشر بالقاهرة، ومنذ استهلالها بعبارة «الريلز تحاصرني»، يدخلنا القرملاوي إلى وعي بطله وراويه بضمير المتكلم، وتمارس عليه الريلز (مقاطع فيديو سريعة) صورة من الضغط، عبر خلق عالم بديل يبدو أكثر إغراءً من واقعه؛ فرغم عمله مديراً لشؤون العاملين في شركة متعددة الجنسيات، وما يبدو عليه من استقرار مادي واجتماعي، يصف وظيفته بأنها مغموسة «في سخام الروتين وقانون العمل واللوائح الداخلية»، ويتصوّر أنه لو استُبدل مدير آخر به «لما شعر أحد بفارق يُذكر»، ولا ينفصل خوفه من أن يصبح «قابلاً للاستبدال» عن انجذابه إلى تجربة تعده بأن يكون مركز عالم يُصنع من أفكاره ورغباته.

يضعنا السرد أمام خريطة لوعي البطل، يبدو فيها «السأم» جزءاً من تكوينه منذ الطفولة، قبل أن يتفاقم إلى أزمة وجودية وشعور بانعدام المعنى مع انتصاف عمره، عندئذ يجد في المقاطع التي تروّج لتجربة «أخوية صفر فاصل خمسة» وعداً بعالم آخر، خصوصاً أنها تخاطب أزمته مباشرة، كما يقول: «يعرفون كيف يسحبونني من خيط السأم حيث يريدونني أن أكون»، فالإعلان لا يعرض عليه متعة عابرة فحسب، إنما يلتقط شعوراً قديماً بالعجز عن احتمال حياته كما هي، ويقدّم الدخول إلى التجربة كأنه فرصة للخروج منها.

عالمان وذهنان

يتشكّل المستوى الأول في الرواية من حياة البطل اليومية، بداية أزمته العمرية، ووظيفته، وعلاقته بعائلته الصغيرة، ويبدأ المستوى الثاني داخل الشقة التي يُعزل فيها المشاركون في تجربة «صفر فاصل خمسة»، كلٌّ في غرفة منفصلة، ليخوض تجربته مرتدياً «نظارة المحاكاة»، ليجمع المكان الواحد بين المشاركة والعزلة؛ فيدخل كل مشارك عالماً لا يصاحبه فيه سوى وعيه والعقل الاصطناعي.

أما المستوى الثالث فهو العالم الذي تفتحه النظارة أمام البطل، فيخوض رحلة سفر طويلة يلتقي خلالها بـ«باتريشيا»، راقصة المهرجانات التي ينجذب إليها، قبل أن تنزلق علاقتهما نحو الجنون. وتقوده مفاجآت الرحلة إلى مواجهة ذاته «الأخرى»، وإعادة اكتشاف علاقته بزوجته وعالمه العائلي، وكأن العقل الاصطناعي يعيد تركيب ما يكمن داخل البطل، ويمنحه هيئة أشخاص وأماكن ومواقف يستطيع التفاعل معها. فتغدو الرحلة مواجهةً مع الذات.

وتتجسد الصلة بين العالمين في «سلمى»، وهي كيان مطوّر من الذكاء الاصطناعي يتجسد للبطل وراء النظارة «بسمرة لطيفة وبشرة ملساء». يراها ويتفاعل معها، لكنه يظل يسألها: «هل أنت حقيقية؟»، وهو سؤال يزيد الالتباس والشك في الحدود بين الخوارزمي والواقعي. فملامحها البشرية لا تحسم طبيعتها، بقدر ما تجعل التمييز بين ما يشعر به البطل وما يعرفه عنها أكثر صعوبة.

تكشف «سلمى» طبيعة التجربة بعبارة تبدو «نزيهة» في اعترافها بحدود العقل الاصطناعي: «أنت تخوض هذه التجربة بمفردك، ليس ثمة سواك أنت والعقل الاصطناعي، هو من يتغذى على أفكارك وهواجسك، يترجمها إلى حياة وأحداث، وقد يقع في أثناء الترجمة في أخطاء جسيمة، فلا يزال أمامه كثير لكي يتعلمه»، وهكذا يتشكل وراء النظارة عالم «هجين» من ذهنين؛ فالبطل يمدّ الآلة بأفكاره وهواجسه، وهي تحوّلها إلى أمكنة وشخصيات وأحداث. فلا يكون المكان الروائي امتداداً خالصاً لوعيه، ولا ابتكاراً مستقلاً للعقل الاصطناعي؛ إذ إن ما يراه ينشأ من التفاعل بين ما يعرفه عن نفسه وما تصنعه الخوارزمية من تلك المادة.

من هذا التبادل تنشأ سردية الرواية المضادة؛ فالعقل الاصطناعي يحتاج إلى خبرة البطل كي يتعلم ويطوّر أدواته، بينما يتعلّق البطل بالعالم الذي تفتحه له التجربة، تعلقاً يقترب من «الإدمان»، إذ يختبر فيه احتمالات ومشاعر لا تبدو له أقل «حقيقية» مما يعيشه خارجها. ويصبح في الوقت نفسه مشاركاً في صنع التجربة ومادةً تتغذى عليها، وكلما أمدّها بالمزيد من ذاته، ازدادت قدرتها على منحه عالماً يصعب عليه الانفصال عنه.

اختبارات فلسفية

يصف البطل تجربته بمفردات تستدعي أسئلة قديمة عن الحقيقة والوجود وإرادة الإنسان، فهو يتحدث عن «الحقيقة» و«حُلكة العدم»، ويتساءل عن حدود اختياره في عالم تستخدم فيه الخوارزمية رغباته وهواجسه لتقوده إلى مسار قد تكون رسمته له مسبقاً، وهنا لا يتعلق الشك بما إذا كانت الصور التي يراها مصنوعة، فهو يعرف أنه يرتدي نظارة محاكاة، بل بما إذا كانت معرفته هذه تمنحه قدرة فعلية على مقاومة تأثيرها فيه.

فيصف «باتريشيا»، التي يلتقيها خلال التجربة، بأنها «حقيقية، مطلقة، جوهرية، داحضة للشك»، فتبدو هذه الصفات محاولةً منه للتمسك بيقين واحد، في وقت لم يعد يستطيع فيه الجزم بما إذا كان ما يراه نابعاً من وعيه أم من العالم الذي تصنعه له الخوارزمية، كلما اشتد يقينه بحقيقة شعوره تجاهها.

تحافظ لغة الرواية على صلتها بالتفاصيل اليومية الراهنة، من حصار مقاطع «الريلز»، وأداة الذكاء الاصطناعي «جيميناي»، إلى حضور السجائر الإلكترونية «الأيكوس» بديلاً للسجائر التقليدية، وهي مفردات يستخدمها القرملاوي لرسم عالم بطله قبل دخوله المحاكاة، فلا تبدو التجربة قطيعة مفاجئة مع حياته، إنما امتداد لواقع تتدخل فيه التكنولوجيا بالفعل في انتباهه وعاداته اليومية، وصورته عن نفسه. ومن هذا الواقع نفسه ينتقل البطل تدريجياً ليصبح أحد «مواد» العالم الاصطناعي وموارده.

ويكثف عنوان «صفر فاصل خمسة» المنطقة البينية التي تتحرك فيها الرواية؛ فرغم غموض دلالته، يوحي الرقم الكسري، الواقِع بين الصفر والواحد، بحالة البطل المعلّقة بين الحقيقة والمحاكاة، والاختيار والخضوع، وربما موقع ذكاء اصطناعي لم يكتمل تعلّمه، وإنسان لم يصل إلى يقين بعد.


«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».