صاحب ثلاثية الدولارات الشهيرة سيرجيو ليوني درس القانون... وخالفه

صاحب ثلاثية الدولارات الشهيرة سيرجيو ليوني درس القانون... وخالفه

90 سنة على ولادته و30 سنة على وفاته
الأحد - 1 شعبان 1440 هـ - 07 أبريل 2019 مـ رقم العدد [ 14740]
إيستوود وإيلاي والاك في «الجيد والسيئ والبشع». - (في الإطار) سيرجيو ليوني
بالم سبرينغز: محمد رُضـا
بدخول فن السينما عقد الستينات في القرن الماضي، بدأت تعرف معالجات مختلفة عما كان سائداً من قبل، من بينها ولادة نوع جديد من أفلام الغرب الأميركي عرف بالاسم الساخر «سباغيتي وسترن» نسبة إلى أن أفلامها كانت تُصنع في مطابخ إيطالية.
أحد صانعيها كان سيرجيو ليوني الذي وُلد سنة 1929 ورحل في مثل هذا الشهر من عام 1989. بذلك يكون عاش ستين سنة من بينها 32 سنة في السينما. معظم هذه السنوات لم يقضها مخرجاً إذ تأخر التحاقه بدرب صانعي الأفلام إلى سنة 1961 عندما حقق «عملاق رودس». قبل ذلك، ومن سنة 1961. عمل مساعد مخرج لأفلام رهط كبير من المخرجين الإيطاليين والأجانب، مما مكنه من الاختلاط بالمهنة من الداخل واستيعابها بكامل تفرعاتها وخصائصها.
دخول إيطاليا، وبعدها ألمانيا وإسبانيا، في سينما الغرب الأميركي (الوسترن)، كان أحد المتغيرات التي طرأت على هذا النوع من الأفلام في الستينات. في الولايات المتحدة، العرين الأول لهذه السينما.
أفلام مثل «الغرب الأخير» (إخراج روبرت ألدريتش، 1961) و«100 بندقية» (توم غرايز، 1969) و«بوتش كاسيدي وصندانس كِد» (جورج روي هِل، 1969) و«ذا شوتينغ» (مونتي هلمان، 1966) و«مسدسات بعد الظهر» (سام بكنباه، 1962) «الزمرة المتوحشة» (بكنباه، 1968) قدّمت أبطالاً يقفون على الجانب الآخر من القانون من دون أن يكونوا أشراراً سفاحين بذلك دخل عنصر جديد على تأليف البطولات التقليدية لم يكن سائداً (وإن كان موجوداً على نحو محدود فيما سبق من عقود).
صانعو سينما الوسترن الإيطالية أحبوا، بلا ريب، أفلام الغرب الأميركي لكن معظمهم، مثل كارلو ليزاني، وسيرجيو كوربتشي (وشقيقه برونو كوربتشي)، وإنزو باربوني، وإنزو كاستيلاري، وميشيل لوبو، وداميانو دامياني وآخرين عديدين، عالجوها كمادة كاريكاتيرية. هذا لا يعني أنهم عالجوها كوميدياً، ولو أن بعض تلك الأفلام كانت كوميدية، بل المقصود هو أن الإيطاليين الذين انغمسوا في تحقيق أفلام الوسترن حسب رؤاهم رفعوا عيار الدراما والتشخيص وخلق المناسبات التي يواجه فيها البطل الأشرار فيقضي عليهم بمسدس لا يفرغ من الرصاص. قلبوا المعادلات التقليدية التي كانت تقتضي بإيجاد مبررات مدروسة (قدر الإمكان) في الأفلام الأميركية وجعلوا الأفعال هي التي تتكلم أولاً بعيداً عن المنطق إذا كان لا بد من ذلك.

- مع الأميركيين في إيطاليا
ولد سيرجيو ليوني في بيت فني. والدته كانت ممثلة لعبت في أفلام إيطالية صامتة. التقت، سنة 1916. بالممثل والمخرج فنزتو ليوني فتوقفت عن التمثيل بينما استمر هو في العمل أحياناً تحت اسم روبرتو روبرتيني في أفلام إيطالية صامتة. المراجع لا توضح السبب الذي من أجله قام الحزب الإيطالي الفاشي في الثلاثينات بمنعه من العمل لسنوات عدة، لكنه عاد فأكمل دربه من أواخر ذلك العقد وحتى منتصف الأربعينات أو بعدها بقليل.
كانت وصية الأب لابنه سيرجيو الابتعاد عن العمل السينمائي، ووجدنا سيرجيو الشاب يلتحق بدراسة القانون لعله يصبح محامياً، هذا من بعد أن أسند إليه والده دوراً صغيراً في فيلم عنوانه «الفم على الطريق» (La bocca sulla strada) سنة 1941. بعده انصرف سيرجيو لدراسته القانونية ثم توقف عنها وانخرط في عداد العاملين في السينما. كان، وحتى سنوات عدة قادمة، مجرد عامل وراء الكاميرا يساعد مساعدي المخرج في أعمالهم. من بين تلك الأفلام «لصوص الدراجة» لفيتوريو دي سيكا (1948) و«فاوست والشيطان» لكارمن غالوني (1950).
بعد عام تسلم مقاليد إدارة الوحدة الثانية للفيلم التاريخي الأميركي «كيو فاديس» الذي صوّره الهوليوودي مرفن ليروي في إيطاليا. بعد ذلك نجد أن اسمه كمساعد مخرج أو ككاتب ورد على عدد كبير من أفلام الفترة من بينها فيلم أميركي آخر قام بالإشراف على إخراج معاركه هو «هيلين طروادة» لروبرت وايز (1956). كذلك قام بالعمل ذاته بعد ثلاث سنوات عندما قام الأميركي ويليام وايلر بتحقيق «بن حور» سنة 1959
في العام ذاته، قام ليوني بإكمال إخراج فيلم كان بدأه ماريو بونارد ولم يستطع (لكبر سنه) استكماله. الفيلم كان «آخر أيام بومباي» الذي، حين تم توزيعه على صالات السينما حمل اسم بونارد كمخرج. ولم يحمل اسم ليوني مطلقاً.
لكن هذه المجموعة من الأفلام المميزة بمعارك تاريخية وحجم إنتاجي كبير تركت في ذات سيرجيو ليوني حب تقديمها إلى الجمهور مازجاً خبرته في العمل لأفلام أميركية تم تصويرها في إيطاليا بخبرته بالسينما الإيطالية ذاتها. وهذا ما قاده إلى وضع سيناريو وإخراج «عملاق رودس» سنة 1961 الذي انتمى إلى الفترة التي شاعت فيها أفلام هركوليس وماشيستي وأبطال المعارك الرومانية الآخرين. نراه بعد ذلك كتب أفلاماً من النوع ذاته من بينها «مبارزة العمالقة» و«الانتقامات السبعة» كما عاد لتقديم خبرته في مجال الإشراف على مشاهد المعارك وتحريك الجيوش في فيلم «سادوم وغوموره» للأميركي روبرت ألدريتش.

- بقعة بيضاء
كل ما سبق كان تحضيراً لفيلم الوسترن الأول له (والثاني في عداد أفلامه كمخرج) وهو «حفنة دولارات». سنة 1964.
ما دارت حوله كتابات غربية (وعربية تم ترجمتها) أن ليوني ابتدع سينما الوسترن الإيطالية وبالتالي الأوروبية، وبذلك كان «رائداً» لها. لكن الحقيقة تختلف. في عام 1962 قام الألماني هارولد رايني بإخراج فيلم وسترن بعنوان «كنز سيلفر لايك» المأخوذ عن روايات ألمانية رائجة وضعها كارل ماي بطلها بطل هندي اسمه وينيتاو. نسبة لرواجها قام الألمان بتحقيق هذا الفيلم متبوعاً بعشرة أفلام أخرى من السلسلة. وكان أول المتأثرين بذلك الإسبان الذين سارعوا ما بين 1962 و1964 لتحقيق أفلامهم من الوسترن.
في إيطاليا ذاتها كانت هناك أفلام قليلة من النوع أحدها ورد سنة 1964 بعنوان «المسدسات لا تُناقش» للمخرج ماريو كايانو. تأثير ذلك على منهج ليوني غير معروف، لكن المؤكد أن سيرجيو ليوني استوحى «حفنة دولارات» من فيلم ياباني لا علاقة له بالوسترن هو «يوجيمبو» الذي حققه أكيرا كوروساوا سنة 1961 وشاهده ليوني في صيف العام ذاته، وأعجبه لدرجة أنه قرر نقله إلى فيلم وسترن. رأى سيرجيو فيه صلاحيته لذلك فنقل حكايته إلى سيناريو حمل اسمه.
لم يمض سوى عام واحد أو نحوه قبل أن ينتبه كوراساوا ومساعده في الكتابة رايوزو كيكوشيما أن الفيلم الذي حقق نجاحاً كبيراً في إيطاليا ليس سوى فيلمهما الساموراي. هذا ما تبعه رفع دعوى لإيقاف عروض الفيلم مما أجل عروضه الأميركية لثلاث سنوات. وأدّى كذلك إلى دفع 15 في المائة من إيرادات الفيلم العالمية إلى كوراساوا الذي صرح بعد سنوات ساخراً: «في الحقيقة حققت من المال عن طريق هذا الفيلم أكثر مما حققته من الفيلم الأصلي».
من اللقطة التمهيدية الأولى لهذا الفيلم يدرك المشاهد رغبة ليوني في تمييز هذا الفيلم عن أفلام الوسترن الأميركية. هي لقطة لبقعة بيضاء على شاشة حمراء. على بساطة هذا الاختيار حدد المخرج مسبقاً رغبته في توفير فيلم يتعامل ونوازع شخصية لبطله تجعل ذلك البطل (كما قام كلينت إيستوود بتمثيله) مختلفاً عن بطولات الآخرين في هوليوود. شيء من العنف الممتزج بتاريخ الرجل الذي لن يتسنى لنا معرفته بالكامل، لكننا سنشهده أكثر من مرّة في الفيلم. في إحدى تلك المرّات يتبدّى البطل (الذي لا يحمل اسماً) كما لو كان يكرر ميثالوجيا المسيح الذي عاد من الموت مع فارق أن بطل «حفنة دولارات» عاد لينتقم وليس لإصلاح العالم.
إيستوود استخدم هذا المغزى أكثر من مرّة فيما بعد في أفلامه («اشنقهم عالياً» لتد بوست سنة 1968 و«هاي بلينز دريفتر» من إخراجه سنة 1973. هما أول ما يخطر على البال). لكن إيستوود، في مطلع الستينات، لم يكن اسماً معروفاً على الشاشة الكبيرة. كان له أتباعه في مسلسل وسترن تلفزيوني اسمه «روهايد» ولم يكن ليوني سمع به أساساً. تواصل مع هنري فوندا للعب الدور لكن ذاك رفضه. عرض الدور على تشارلز برونسون، لكنه هذا احتذى بفوندا واعتذر. الاختيار الثالث كان جيمس كوبرن الذي وافق إنما بأجر لا يمكن لليوني ومموليه القبول به.
على مضض اختار ليوني إيستوود بعد مشاهدته في حلقة من حلقات «روهايد» مما يجعل الاعتقاد السابق من أن ليوني أشار بأصبعه إلى إيستوود في تلك الحلقة وقال: «هذا هو الممثل الذي أريده» اعتقاداً غير صحيح. لا هو ولا إيستوود (الذي تقاضى 15 ألف دولار فقط عن دوره في هذا الفيلم عرف قدر هذا الاختيار وأهميته إلا من بعد أن دارت الكاميرا.
نجاح «حفنة دولارات» أدى للفيلمين اللاحقين مع إيستوود وهما «لأجل دولارات قليلة أكثر» (1965) و«الجيد والسيئ والبشع» (1966). في هذا الفيلم الأخير ضم ليوني إليه ممثلين أميركيين آخرين هما ممثل أدوار الشر لي فان كليف والممثل المتنوّع إيلاي والاك. الأول له عشرات الأدوار الشريرة في السينما وعشرات أخرى في الحلقات التلفزيونية، والثاني (والاك) لعب أدواراً مختلفة لكن سيرجيو ليوني، في مقابلة تمّـت بيننا بحضور الزميل محمد سويد في إحدى دورات مهرجان القاهرة سنة 1984 أكد أن اختياره لوالاك تم من دون أن يعرف اسمه:
«شاهدته في (السبعة الرائعون) - فيلم جون ستيرجز المأخوذ - قانونياً - من فيلم آخر لأكيرا كوروساوا هو (الساموراي السبعة) - وقلت لمن حولي هذا هو الممثل الذي سيلعب دور البشع».
بعد هذه الانتصارات حقق ثلاثة أفلام فقط هي «اختبئ أيها المغفل» و«ذات مرّة في الغرب» و«ذات مرّة في أميركا». لكن ليوني سيستمر في توسيع بؤرته واستيحاء مصادره من السينما الأميركية ومزجها برؤيته السوريالية.
أميركا سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة