ويليام بيرنز: ارتكبنا اخطاء في سوريا... وبوتين حدق في عيني وطلب معاملة ندية

النائب الأسبق لوزير الخارجية الأميركي أكد لـ «الشرق الأوسط» استعمال واشنطن الدبلوماسية للتعاطي مع صعود الصين ويقظة روسيا

ويليام بيرنز خلال حديثه إلى (الشرق الاوسط) في لندن أمس
ويليام بيرنز خلال حديثه إلى (الشرق الاوسط) في لندن أمس
TT

ويليام بيرنز: ارتكبنا اخطاء في سوريا... وبوتين حدق في عيني وطلب معاملة ندية

ويليام بيرنز خلال حديثه إلى (الشرق الاوسط) في لندن أمس
ويليام بيرنز خلال حديثه إلى (الشرق الاوسط) في لندن أمس

قال نائب وزير الخارجية الأميركي الاسبق، ويليام بيرنز، في حديث إلى «الشرق الأوسط» أمس، إن عدم رد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على تجاوز دمشق «الخط الأحمر» في نهاية 2013 «أثر سلباً على نفوذ أميركا ودورها في العالم»، لافتاً إلى ضرورة تحلي واشنطن بالواقعية إزاء التعاطي مع الأزمة السورية؛ لأن السنوات السابقة «وضعنا أهدافاً كبيرة من دون توفير الأدوات لتحقيقها».
وأشار بيرنز إلى أن قرار الرئيس دونالد ترمب الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل «خلق مشكلتين: الأولى، خدمة (للرئيس بشار) الأسد وإيران وروسيا، فبدلاً من الحديث عن إراقة الدماء في سوريا، يجري الحديث عن مقاومة الاحتلال. الثانية، تتعلق بعدم جواز كسب أراضي الغير بالقوة. هذا مبدأ دولي. المشكلة: ماذا ستقول لبوتين عن ضم القرم» إلى روسيا. وكان بيرنز يتحدث إلى «الشرق الأوسط» في لندن، بمناسبة إصدار كتابه «القناة الخلفية» الذي يرصد تجربته خلال ثلاثين سنة في الخارجية الأميركية، عمل فيها تحت إدارات خمسة رؤساء أميركيين، وعشرة وزراء خارجية.
وتطرق في الحديث إلى أهمية الدبلوماسية؛ خصوصاً في هذه المرحلة التي تتطلب قيام واشنطن باستعمال قوتها الاقتصادية والعسكرية ببراعة تؤدي إلى تحقيق مصالحها، في لحظة صعود الصين ويقظة روسيا.
وتحدث بيرنز عن أول لقاءاته مع العقيد معمر القذافي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قائلاً: «لبوتين خليط فريد من الشعور بالظلم والطموح وعدم الأمان. كل تلك المشاعر تشكّل خلطة نادرة. ويجب عدم التقليل من ذلك. كي تفهم الهجوم الروسي حالياً يجب فهم روسيا في البداية، عندما كان هناك خليط من الأمل والفوضى. بوتين جاء بعد عشرين سنة لتحقيق هدفين: إعادة الدولة الروسية، والدور الروسي». وأشار بيرنز، الذي يرأس حالياً «وقفية كارنيغي» في واشنطن، إلى ضرورة التمييز بين الصين الصاعدة وروسيا القلقة. وقال: «في ضوء المشكلات في الشرق الأوسط، وعودة روسيا وصعود الصين، فإن العلاقات الأميركية - الأوروبية هي أهم من أي مرحلة سابقة. لكن، للأسف، الآن هناك أوروبا ضعيفة ومنقسمة»، مستدركاً: «أنا متفائل في المدى المتوسط بأن الديمقراطية قادرة على حل المشكلات؛ لكن هناك تحديات في المدى القصير. أنا واقعي في المدى القصير، ومتفائل في المدى الطويل». وهنا نص الحديث:
> ما قصة كتابك «القناة الخلفية»؟ لماذا الآن؟ ماذا تريد أن تقول؟
- خلال عملي الطويل لثلاثة عقود، لم تكن الدبلوماسية مهمة للدفاع عن مصالح أميركا أو الترويج لها كما هي الحال الآن. أميركا لم تعد الدولة الكبرى الوحيدة في العالم، وهناك صعود الصين ويقظة روسيا. من دون غرور، لا تزال لدينا الغلبة مقابل منافسينا في حال لعبنا أوراقنا بحكمة. ليس فقط بفضل القوة الاقتصادية والعسكرية؛ بل عبر تعاون لتشكيل تحالفات. هذا ما ميزنا عبر العقود مقابل منافسينا؛ لكن قلقي الآن هو أننا لا نستخدم هذه الأداة، أي الدبلوماسية.
أيضاً، أردت تقديم الدبلوماسية إلى عموم الناس. وكنت محظوظاً بأنني لعبت دوراً متواضعاً عبر السنوات الطويلة في عملي الدبلوماسي، في لحظات مفصلية منذ انتهاء الحرب الباردة، من الذروة مع الرئيس جورج بوش والوزير جيمس بيكر، إلى الحرب على العراق، ثم المفاوضات السرية مع إيران، و«الربيع العربي»، وصولاً إلى عودة التنافس بين القوى الكبرى.

قميص القذافي
> والتقيت قادة عدة خلال هذه الفترة؟
- طبعاً، من العقيد معمر القذافي إلى الرئيس فلاديمير بوتين. وكدبلوماسي، كنت دائماً أضيف ألواناً على شخصية القادة. الدبلوماسية مهمة حالياً؛ خصوصاً في مرحلة لا يعطيها فيها البيت الأبيض كبير اهتمام.
> متى كانت الذروة؟
- عندما عملنا بداية التسعينات بشكل دؤوب لإقناع الأطراف بالذهاب إلى مؤتمر مدريد (للسلام بين العرب والإسرائيليين في 1991). ولم تكن تلك الرغبة الأولى لـحافظ الأسد وياسر عرفات وإسحاق شامير. كان هناك خليط من القوة والقدرة بالنسبة إلى أميركا لترتيب عقد المؤتمر.
> التقيت عدداً من القادة، ماذا تتذكر عن القذافي؟
- إنه أغرب زعيم يمكن للمرء أن يلتقيه. التقيته خلال معالجة تداعيات تفجير لوكربي، قبل ثلاثة عقود. حاولنا إقناعه بدفع التعويضات وإخراج ليبيا من قائمة الإرهاب بين 2001 و2003. تلك المحادثات قادت إلى التخلص من سلاح الدمار الشامل.
خلال لقاءاتنا كان القذافي دائماً يقوم بتصرفات غريبة. فجأة ينظر إلى سقف الغرفة، ويحدق لبضع دقائق لإعطاء الانطباع بأنه يجمع أفكاره. ذات مرة، كان يرتدي «بيجامة» عليها صور الديكتاتوريين الأفارقة. وعندما كان يحدق بالسقف، حاولت أن أحصي عدد صور الديكتاتوريين على قميصه. كما أتذكر عندما ألقى في عام 2009 خطاباً في الأمم المتحدة لـتسعين دقيقة، وانهار المترجم في الدقيقة 75 ليقول: «لا أستطيع الاستمرار». وفي كل لقاءاتي مع القذافي، لم أنسَ أن يديه ملطختان بالدم؛ بل إن أحد أصدقائي قتل في تفجير لوكربي. لم أنس ذلك يوماً.
> ماذا عن بوتين؟
- لديه خليط فريد من الشعور بالظلم والطموح وعدم الأمان. كل تلك المشاعر تشكّل خلطة نادرة. ويجب عدم التقليل من ذلك. كي تفهم الهجوم الروسي حالياً يجب فهم روسيا في البداية، عندما كان هناك خليط من الأمل والفوضى. بوتين جاء بعد عشرين سنة لتحقيق هدفين: إعادة دور الدولة الروسية والدور الروسي.
> هل تذكر أول لقاء؟
- لا أنسى أول مرة التقيته فيها صيف 2005، عندما ذهبت لأقدم أوراق اعتمادي مع رسالة من الرئيس الأميركي(جورج بوش). مبنى الكرملين صُمم بطريقة ترهب الضيوف الأجانب. قاعات ضخمة وممرات طويلة. ثم تركوني لبضع دقائق منتظراً. فجأة فُتح الباب وطل بوتين. جسدياً ليس من أكثر الرجال كاريزما في العالم. دخل وأخذ يدي ثم حدق في عيني، وقبل أن أحكي أي كلمة، قال: «أنتم الأميركيون يجب أن تصغوا أكثر. لا تستطيعون القيام بالأمور على مزاجكم. يمكن أن نقوم بعلاقات مؤثرة وجيدة، لكن ليس وفق معاييركم». لم تكن رسالة ودية؛ لكن هذا هو رأيه. وقاله بوضوح.
> هل بوتين قائد استراتيجي؟
- لا أظن أنه رجل استراتيجي؛ بل تكتيكي، يرى نقاط ضعف وفرصاً ويستغلها. وهذا ما فعله في الشرق الأوسط وأوكرانيا. من وجهة نظر الدبلوماسية الأميركية، يجب أن نتعامل بواقعية. ويجب أن ننخرط مع روسيا في الأمور؛ خصوصاً في شان اتفاق نزع السلاح الاستراتيجي الذي ينتهي بعد سنتين. ويجب أن يتحقق تقدم في العلاقات الروسية - الأميركية.
> قلت في مؤسسة «تشاتام هاوس» في لندن، إنه في انتخابات أميركا 2016، بصرف النظر عمن كان سيفوز، كان على الرئيس الجديد أن يتعامل مع أسئلة كبيرة تخص روسيا والصين.
- برأيي، إن أي شخص كان ليفوز بالرئاسة، كان عليه أن يتعامل مع موضوعَي الصين وروسيا. أيضاً، موضوع الفجوة بين شخص مثلي (الدبلوماسي في الخارجية) والمواطن الأميركي. أي رئيس عليه أن يتعاطى مع روسيا. قلقي حالياً هو وجود قناعة في البيت الأبيض بإمكانية حل القضايا المعقدة عبر علاقة شخصية مع حكام أوتوقراطيين. ظهر هذا في قمة هلسنكي بين الرئيس دونالد ترمب والرئيس بوتين؛ حيث اختلف الرئيس ترمب مع المؤسسات الأميركية حول دور روسيا في الانتخابات. هذا ليس مؤثراً على بوتين الذي يرى ذلك نقطة ضعف.
> هل سيتغير الأمر بعد تقرير روبرت مولر؟
- لا أعتقد أن الرئيس ترمب حر في التعامل مع روسيا. هناك حدود لتعامل أميركا مع روسيا. وهناك تحديات واقعية؛ لكن لا بد من حديث روسي وأميركي حول قضايا كبرى تخص العالم: سباق السلاح، وأوكرانيا، وسوريا... لدينا علاقة تنافسية؛ لكن يمكن البحث عن نقاط مشتركة حول بعض الأمور.

الصين ظاهرة فريدة
> ماذا عن الصين؟ وما أفضل طريقة للتعامل مع صعودها؟
- أعتقد أن الصين ظاهرة فريدة في القرن الـ21. هناك تحدٍّ كبير لأميركا، كيف تتعامل مع هذا الصعود. هناك من يظن ويريد احتواء الصين. الصين مختلفة. إنها مندمجة في الاقتصاد العالمي. هناك دول أخرى تصعد وقلقة من صعود الصين. التحدي هو كيف تتعاطى أو تتحالف مع دول قلقة من صعود الصين، ليس لفرض خيار عليها: إما أميركا وإما الصين؛ بل لخلق تحالفات مؤسساتية، بحيث نساهم في صياغة المستقبل. ويجب تقديم حوافز للتعامل مع أميركا ودعم الإصلاحيين فيها.
> ما الفرق بين الصين وروسيا؟
- الصين قوة صاعدة ودائمة. روسيا مختلفة. أمضيت سنوات طويلة في روسيا. لدي كل الاحترام للشعب الروسي؛ لكن روسيا ماضية في التراجع كدولة.
> تراجع؟
- نعم، قياساً للاتحاد السوفياتي. الإمكانات الاقتصادية قد تؤدي إلى مشكلات. بوتين قال ذات مرة بوضوح: ليس خطئي إذا لعبتُ بيدي الضعيفتين بشكل قوي، وأولئك الذين لديهم أيادٍ قوية يلعبون بضعف. طبعاً معروف من يقصد. من الأهمية بمكان عدم التقليل من طموحات بوتين.
اليوم، روسيا والصين لديهم زواج مصلحة. لديهما طموحات لمنافسة النظام الذي صاغه الأميركيون. روسيا لا تحب بالتأكيد لعب دور الآخر الأصغر مع الصين. وعبر الدبلوماسية يمكن الرهان على هذا للإفادة منه.
> ماذا عن سوريا؟
- قمنا بأخطاء. وأعتقد أن بوتين استفاد من أخطائنا.
> ما هي؟
- دائماً مطلوب المواءمة بين الأهداف والأدوات. نحن وضعنا في إدارة الرئيس باراك أوباما أهدافاً عالية؛ لكن لم نستخدم الأدوات في أيدينا. انظر ما فعله بوتين في نهاية 2015، القليل من الموارد العسكرية والمالية؛ لكنه استعملها بطريقة مقررة لتحقيق هدف معين. أما نحن، لو أخذت ما استثمرنا به خلال فترة بين 2011 و2015، لوجدته كثيراً؛ لكن قمنا به بطريقة غير فعالة.
قلنا إن على الأسد الرحيل، ثم وضع الرئيس أوباما «الخط الأحمر»؛ لكنه لم يحترمه.
> ماذا كان رأيك وقتذاك؟
- عندما يضع الرئيس الأميركي «خطاً أحمر» يجب أن يحترم ذلك. كنت معه تماماً في عدم التورط في حرب أخرى في الشرق الأوسط؛ لكن رأيي وقتذاك ورأيي الآن، هو أنه عندما نضع «خطاً أحمر» للنظام السوري، فيجب أن نرسل رسائل واضحة ونعاقبه (إذا تجاوز ذلك) للقول بوضوح إنه لا يجوز تجاوز الخط الأحمر. هذا ما كان يعني أننا كنا سنتورط في حرب واسعة لتغيير النظام؛ لكن كنا دافعنا عن مبادئنا في العلاقات الدولية.
> ثم جرى تفاهم أميركي - روسي في نهاية 2013 لنزع السلاح الكيماوي من سوريا؟
- نعم، وهذا أمر جيد؛ لكن ليس لدينا أي شك أن ذلك (عدم توجيه ضربات بعد تجاوز الخط الأحمر) أثر على «بريستيج» (نفوذ) أميركا، ودورها في العالم.

لا عصا سحرية لسوريا
> كيف ترى الحل للأزمة السورية؟
- أكيد لو كانت لدي عصا سحرية لتمنيت نظاماً آخر مستجيباً لمطالب الشعب السوري. لم تكن لدي أي أوهام حول النظام السوري؛ لكني أعرف أن روسيا وإيران مستعدتان لتقديم كثير من الدعم للنظام. في المدى القصير يجب أن نركز على خفض التصعيد ومنع حصول صدام بين القوى الخارجية. يجب تلبية المساعدات الإنسانية، ويجب عدم قطع المساعدات. ربما نحاول استعمال إعادة الإعمار كأداة ضغط للوصول إلى انتقال سياسي بمعنى ما، للوصول إلى نظام وإصلاحات. أنا واقعي في هذا السياق.
> إدارة ترمب قررت الإبقاء على 400 جندي.
- لدي كثير من الاحترام للجيش الأميركي. من المهم استعمال هذا الوجود كأداة تفاوض ضد إيران، ولدفع تركيا والأكراد لتفاهم، لكن يجب أن نكون واقعيين.
> ماذا عن تقليص النفوذ الإيراني؟
- ليس لدي أي وهم حول النظام الإيراني وتهديداته لشعب إيران وحلفائنا؛ لكن لا بد من الواقعية حول تأثير الـ400 جندي.
> خلال مفاوضات القناة الثانية التي شاركت فيها، هل جرى طرح الملف السوري أو دور إيران الإقليمي؟
- على هامش المحادثات، تم طرح الموضوع؛ لكن المفاوضات كانت تركز على البرنامج النووي. في بعض الأحيان، عندما أمضينا ساعات سوياً، تحدثنا عن أمور إقليمية.
> مثل ماذا؟
- المشكلة أنه كان لديها حلفاءعالميين، أي أوروبا والصين وروسيا، لذلك استعملنا الدبلوماسية للوصول إلى اتفاق نووي. لسنا في العالم المثالي؛ لكننا حققنا شيئاً. وأعرف أن بعض الدول لم تكن مرتاحة للاتفاق. كما أن هناك دولاً لم تكن مرتاحة لعدم التزام أوباما وعده بـ«الخط الأحمر».
> الإدارة الحالية تقول إن العقوبات تضغط على إيران.
- نعم، هي تؤثر؛ لكني لا أعتقد أنها ستؤدي إلى تغييرات كبرى واستسلام النظام ورفع الراية البيضاء.
> بوتين ساهم في إعادة «القوات الدولية لفك الاشتباك» (أندوف) إلى الجولان، وساهم في إعادة رفات جندي إسرائيلي، كيف تشعر حالياً، خصوصاً أنك ساهمت في المفاوضات السورية - الإسرائيلية؟ هل تعتقد أن روسيا تحل محل أميركا في الملف السوري؟
- لا أظن أن البحث يتناول قضايا شاملة. الروس يبحثون في مسائل محددة، ويستعملونها لأسباب دبلوماسية. الدبلوماسية الروسية هي بارعة أحياناً.
> ماذا عن قرار الرئيس ترمب الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري؟
- خلق مشكلة. إسرائيل تسيطر على الجولان لأكثر من نصف قرن. ليس هناك أي ضغط على إسرائيل للخروج من الجولان. وفي سوريا حرب أهلية دامية. لكن أن تعترف بسيادة إسرائيل حالياً، فإنك لا تضيف شيئاً لأمن إسرائيل؛ لكنك تخلق مشكلتين: الأولى، خدمة للأسد وإيران وروسيا، فبدلاً من الحديث عن إراقة الدماء في سوريا، يجري الحديث عن مقاومة الاحتلال. الثانية، تتعلق بعدم جواز كسب أراضي الغير بالقوة. هذا مبدأ دولي. المشكلة، ماذا ستقول لبوتين عن ضم القرم.
> هل سيحصل هذا أيضاً في الضفة الغربية؟
- قرأت هذا. ربما نعم؛ لكن على ماذا حصلت واشنطن في المقابل، بعد الاعتراف بضم الجولان أو نقل السفارة إلى القدس؟
> سؤال عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كيف ترى انعكاس ذلك على العلاقات عبر الأطلسي؟
- في ضوء المشكلات في الشرق الأوسط، وعودة روسيا، وصعود الصين، فإن العلاقات الأميركية - الأوروبية هي أهم من أي مرحلة سابقة؛ لكن، للأسف، الآن هناك أوروبا ضعيفة ومنقسمة، وكذلك بريطانيا؛ لكن يبدو أن هناك مشكلات على طرفي الأطلسي في أميركا وأوروبا، هناك صدام الأفكار وأسئلة حول الديمقراطية.
أنا متفائل في المدى المتوسط بأن الديمقراطية قادرة على حل المشكلات؛ لكن هناك تحديات في المدى القصير. أنا واقعي في المدى القصير، ومتفائل في المدى الطويل.



البابا ليو يدعو جماعة كاثوليكية إلى عدم الانشقاق

البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان... 29 يونيو 2026 (رويترز)
البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان... 29 يونيو 2026 (رويترز)
TT

البابا ليو يدعو جماعة كاثوليكية إلى عدم الانشقاق

البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان... 29 يونيو 2026 (رويترز)
البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان... 29 يونيو 2026 (رويترز)

دعا البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، جمعية كاثوليكية تقليدية إلى التراجع عن خطّتها القاضية بتعيين أساقفة جدد من دون موافقة الفاتيكان.

وكانت جمعية القديس بيوس العاشر، ومقرها في إيكون السويسرية، أعلنت نيّتها تعيين أساقفة جدد الأربعاء، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى الكرسي الرسولي أن هذه الخطوة ستمثّل عصياناً من شأنه أن يؤدي إلى معاقبة الأساقفة كنسيّاً.

وتأسست الجمعية في العام 1970 في إيكون على يد الأسقف الفرنسي مارسيل لوفيفر، وهي ترفض بشكل قاطع التغييرات التي شهدتها الكنيسة منذ المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965).

ويتمسّك أتباعها بتفسير صارم للتقاليد، بما في ذلك إقامة القداس باللغة اللاتينية حيث يؤدي الكاهن الصلاة بينما يدير ظهره للمصلين.

وقال البابا في رسالة موجّهة إلى رئيس الجمعية الاثنين، وكُشف عنها الثلاثاء، «أناشدكم وأطلب منكم من أعماق قلبي: أرجوكم تراجعوا!».

كما دعا البابا ليو الجماعة إلى «التفكير ملياً في الخير الروحي للمؤمنين»، الذين يُقدَّر عددهم بنحو 600 ألف شخص حول العالم.

وحذّر من أن «العمل الانشقاقي الذي أنتم على وشك القيام به سيحرمهم من تلقي الأسرار المقدسة بطريقة شرعية... مثل الزواج أو الاعتراف». وأضاف: «أصلّي من أجلكم، لأن تمزيق وحدة جسد المسيح خطيئة بالغة الخطورة».

يُذكر أن البابا يوحنا بولس الثاني كان وجّه نداءً مشابهاً في عام 1988 لمنع الجمعية من تعيين أساقفة، لكن دون جدوى، إذ أدى ذلك في حينه إلى حرمان الأساقفة كنسيّاً، قبل أن يُلغى هذا القرار في عام 2009.


تركيا تطالب بإشراكها في مبادرات الـ«ناتو» الأمنية بأوروبا

تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

تركيا تطالب بإشراكها في مبادرات الـ«ناتو» الأمنية بأوروبا

تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكد وزير الدفاع التركي، يشار غولر، أن «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» يتكيف مع المشهد الأمني المتغير، وأن قمته المرتقبة في أنقرة ستركز ‌على اتحاده، ‌وتقييم زيادة إنفاق ​الحلفاء على الدفاع، ‌وتعزيز التعاون في مجال الصناعات ‌الدفاعية، لافتاً إلى ضرورة إشراك تركيا في المبادرات الدفاعية الأوروبية.

وتستضيف تركيا في 7 و8 يوليو (تموز) القمة الـ36 لرؤساء دول وحكومات الـ«ناتو»، بالإضافة إلى مسؤولين من ‌دول الخليج ومنطقة ‌آسيا والمحيط الهادئ، ​في أنقرة لثاني مرة بعد استضافتها قمة «الحلف» في إسطنبول عام 2004.

وتستعرض «قمة أنقرة» التقدم المحرز منذ «قمة لاهاي» عام 2025، وستعمل على وضع خريطة طريق عملية لتحقيق أهداف الـ«ناتو» ذات الأولوية، ⁠وسط توتر داخله بشأن تقاسم الأعباء، والإنفاق الدفاعي، وشكاوى الولايات المتحدة من عدم مشاركة الحلفاء في إعادة فتح مضيق هرمز خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (وزارة الدفاع التركية)

وفي ردود مكتوبة على أسئلة من وكالة «رويترز»، الثلاثاء، ⁠قال غولر إن القمة ستركز ‌على اتحاد «الحلف» ‌وتقييم زيادة إنفاق ​الحلفاء على الدفاع، ‌وتعزيز التعاون في مجال الصناعات ‌الدفاعية، وزيادة الدعم لأوكرانيا، مضيفاً أنه يجب إشراك أنقرة في المبادرات الدفاعية الأوروبية.

دعم أوكرانيا

ويُعدّ دعم أوكرانيا أحد أهمّ الموضوعات المطروحة على أجندة القمة، وربما أكبرها إثارةً للقلق بالنسبة إلى روسيا، وسيعمل الحلفاء على تعزيز آليات المساعدة المستدامة طويلة الأجل، مع استمرار تلبية الاحتياجات الدفاعية العاجلة، وسيجري التركيز على تنسيق عمليات التسليم وبرامج التدريب من خلال قائمة الاحتياجات الأوكرانية ذات الأولوية.

زيلينسكي في أثناء مشاركته بقمة الـ«ناتو» في لاهاي خلال يونيو 2025 (أ.ف.ب)

ومن المتوقع أن يحضر الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، قمة أنقرة. ورأى مراقبون أن الحفاظ على وحدة حلف الـ«ناتو» في ظل استمرار حرب روسيا وأوكرانيا، أحد أهمّ اختبارات القمة.

وقال غولر: «لا يزال (الحلف) منصة لا ‌مثيل لها، وأساسية لأمن منطقة أوروبا والمحيط الأطلسي والدفاع عنهما، ⁠ونحن ⁠لا نعدّ الفترة التي نمر بها أزمة، بل عملية تَكيّف مع البيئة الأمنية المتغيرة».

وأكد أن الولايات المتحدة لا تنوي الانسحاب من الـ«ناتو»، لكنها «تريد أن يتحمل الحلفاء الأوروبيون وكندا مزيداً من المسؤولية عن أمن أوروبا»، الذي قال إنه ​يجب أن ​يتضمن إشراك تركيا في الخطط والمبادرات الدفاعية المتعلقة به.

وتشكل انتقادات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للـ«ناتو»، واحتمالية تراجع التزام بلاده بشأن أمن أوروبا، والضغط عليها لزيادة تقاسم الأعباء، أحد الاختبارات المهمة لقمة أنقرة.

الإنفاق الدفاعي

وتطرق غولر إلى مسألة زيادة الإنفاق الدفاعي للـ«ناتو» تدريجياً؛ من اثنين إلى 3.5 ثم 5 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للدول الأعضاء بحلول عام 2035، قائلاً إن تركيا تهدف إلى تحقيق جميع أهداف قدرات الـ«ناتو» بحلول عام 2029.

الأمين العام لحلف الـ«ناتو» مارك روته (أ.ف.ب)

ووصف الأمين العام للـ«ناتو»، مارك روته، قمة أنقرة بأنها «قمة إنجاز»، بمعنى أنه «ينبغي على الأعضاء تجاوز مجرد التعهد بزيادة الإنفاق العسكري، وبدء ترجمة ذلك إلى إجراءات عملية».

ويتوقع أن يقدم الحلفاء في قمة أنقرة خططاً ملموسة بشأن كيفية زيادة الإنفاق الدفاعي تدريجياً، وفقاً لما اتُّفق عليه في «قمة لاهاي» عام 2025.

ومن المتوقع أن يشهد «منتدى صناعات الدفاع» التابع للـ«ناتو»، الذي سيُعقد بقصر الرئاسة التركي في حي بيشتبه بأنقرة يوم 7 يوليو 2026، إبرام عقود جديدة واتفاقيات شراء مشتركة بقيمة عشرات المليارات من الدولارات، كما ذكر روته.

في الوقت ذاته، قال وزير الدفاع التركي إن بلاده تدرس جميع الخيارات لتعزيز دفاعاتها الجوية، بما في ذلك شراء منظومات «سامب تي» التي تنتجها إيطاليا وفرنسا، و«باتريوت» الأميركية.

وتواجه تركيا منذ مدة طويلة صعوبات في الحصول على أنظمة دفاعية من دول «الحلف»، في مقدمتها «باتريوت»؛ مما دفعها إلى اقتناء منظومة «إس400» الروسية؛ الأمر الذي عرضها لعقوبات أميركية في إطار «قانون مكافحة خصوم أميركا بالعقوبات (كاتسا)».

انتقادات للحكومة

في سياق متصل، انتقد الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، تونغر باكيرهان، التدابير الأمنية المشددة التي بدأت السلطات تطبيقها في أنقرة منذ 23 يونيو (حزيران)، قائلاً إن المدينة «تحولت عملياً (سجناً مفتوحاً)، ومن غير الواضح ما إذا كانوا يستعدون لقمة أم لحرب».

مظاهرة في إسطنبول يوم 27 يونيو 2026 احتجاجاً على استضافة قمة الـ«ناتو» في أنقرة (أ.ف.ب)

وندد باكيرهان، خلال كلمة أمام نواب حزبه بالبرلمان، الثلاثاء، بتوقيف 175 من الأكاديميين والصحافيين والمحامين وأعضاء المنظمات الأمنية؛ بسبب احتجاجات على انعقاد قمة الـ«ناتو» في أنقرة.

كما وجه انتقادات إلى سياسات التوسع في الـ«ناتو» التي قال إنها «أدت إلى خلق خطوط توتر جديدة، كما تُفرض التزامات عسكرية ومالية وصناعية ثقيلة على الدول الأعضاء؛ مما يعني الاقتطاع من ميزانيات الشعوب لتمويل شراء الأسلحة بذريعة الأمن، كما أن كل هذا يقرَّر بعيداً عن أعين الناس، دون أي رقابة، حيث لا توجد شفافية ولا مساءلة».


حروب العالم... من مدافع نابليون إلى الكلاشنيكوف فـ«المسيّرة»

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

حروب العالم... من مدافع نابليون إلى الكلاشنيكوف فـ«المسيّرة»

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)

لكل حرب ظروفها ووسائلها. في حروب نابليون، كانت القوى «تسير مُتفرّقة، لكنها كانت تتقاطع وتتلاقى على نقطة الحسم؛ حيث مركز ثقل العدو» لإنهائه. واعتبر المفكر البروسيّ، كارل فون كلوزفيتز، أن احتلال العاصمة لبلد ما، كما القضاء على الجيش، كانا يُشكّلان مقياساً للنصر. من هنا سعي نابليون الدائم إلى المعركة الحاسمة، مع التأكيد دائماً أن الهدف الأساسيّ كان الجيش؛ فاحتلال العاصمة لا يعني النصر من دون تدمير القوّة العسكريّة. وقد خاض نابليون حروبه في العمق الأوروبيّ، وعلى مسافات بعيدة وصلت إلى العاصمة موسكو، التي احتلّها، لكنه لم يكن قادراً على فرض النصر ونزع اعتراف القيصر آنذاك بإنجازاته... «فالعدو لم يُقهر الا إذا اعترف هو بذلك».

عايش نابليون حروب العصابات في إسبانيا. من هنا أتت تسمية «حرب الغيريلا» (Guerilla)، تعني بالإسبانية «حرب العصابات». وقد شكّلت المدفعيّة السلاح الحاسم في حروب نابليون، ومهمتها فتح الثغرة في صفوف العدو بعد حشدها في منطقة مُحدّدة. ألم يكن هو ضابطاً في سلاح المدفعيّة؟

وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية - اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل - 27 مايو 2026 (رويترز)

مع الثورة الصناعيّة، بدأت الحرب ووسائلها تأخذان أبعاداً مختلفة، لكنها ركّزت دائماً على غزارة النار، والحركيّة، والتموين اللوجستيّ، خصوصاً أنها أصبحت تستهلك كثيراً من الذخائر. وإذا كان نابليون قد اعتمد كثيراً على سلاح المدفعيّة، فإن الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين قد سمّى المدفعية «آلهة الحرب»، خصوصاً أن طريقة قتال الجيش السوفياتي كانت تعتمد على الحشد الكبير للعسكر مع غزارة نيران كبيرة جدّاً، لعزل قوى العدو ووضعها بما يُسمّى حالة المرجل (Cauldron). وبعد استنزافها إلى الحدّ الأقصى، يخرق الجيش السوفياتي الدفاعات للحسم الأخير (Stalingrad).

وتُعدّ الحرب الأهليّة الأميركيّة (1861 - 1865) أوّل حرب في عصر الثورة الصناعيّة، وتعبّر عن فكر كلوزفيتز بشكل واضح حول المعركة الحاسمة (Decisive Battle)، التي تهدف عادة إلى إبادة جيش العدو (Annihilation). كانت تكلفة الحرب الأهلية الأميركيّة نحو 650 ألف قتيل. يقول كثير من الخبراء إن الحرب الأميركيّة كانت مرحلة انتقالية بين حروب نابليون والحرب العالميّة الأولى. فيها استعمل المقاتلون البندقيّة المُحلزنة، واستعملوا أيضاً المدفعيّة، كما سكك الحديد والتلغراف، الأمر الذي سهّل عملية القيادة والسيطرة، كما عملية نقل العسكر بسرعة إلى حقل المعركة وخطوط التماس، وعلى مساحات أكبر من حروب نابليون.

ولأن الفكر الكلوزفيتزي كان مُكلفاً جدّاً بالأرواح، رد المفكر الإنجليزي ليدل هارت عليه بضرورة تجنّب المعركة الحاسمة، والاعتماد على المناورة والاقتراب غير المباشر، كما التركيز على نقاط الضعف على أنها مركز ثقل، بدل التركيز على نقاط القوّة. من هنا كتابه الشهير «الاستراتيجيّة» (Strategy). وجاءت الحرب الألمانيّة الخاطفة (Blitzkrieg) على فرنسا في الحرب العالمية الثانية، لتأكيد فكر ليدل هارت.

وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

في الظروف وتركيبة النظام العالميّ: السلاح

قد يمكن ربط ديناميكيّة النظام العالميّ، كما موازين القوى فيه والتوازنات، وكيفية سعي القوى العظمى إلى القوّة (Power) والحصول على مزيد منها، بما يتوفّر من تكنولوجيا معاصرة تُعدّ قوّة مُضاعفة (Force Multiplier)؛ فالصراع يُولّد التكنولوجيا ووسائلها الضروريّة للمنافسة. وتغير التكنولوجيا موازين القوى لتضخ مزيداً من اللااستقرار في النظام العالميّ. ألم يحدث هذا الأمر مع السلاح النووي بعد استعماله في اليابان؟ ألا يُعايش عالم اليوم صراعاً على قوّة الحوسبة (Computing Power)، والداتا، وعلى المواد الأوليّة لصناعة الرقائق وأشباه الموصّلات الأحدث في العام؟ ألا تراهن الدول العظمى على قدرتها على التحكّم بالذكاء الاصطناعي، واستعمالاته في مجالات متعدّدة خصوصاً الأبعاد العسكريّة؟

الكلاشنيكوف vs المسيّرة

عندما أعلن الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور، شعار «الردّ الشامل» (Total Response) النووي على كل من يعتدي على أميركا وعلى حلفائها، وجد الفريق الآخر المنافس طريقة ملتوية لتحسين وضعه الجيوسياسيّ في العالم، وذلك عبر دعم حركات المقاومة في العالم، بهدف تغيير الأنظمة لصالح العالم الشيوعيّ. وهذا بالطبع بالإضافة إلى تعزيز القدرات النوويّة، كما التقليديّة في أوروبا، عبر اعتماد استراتيجيّة العمليات العميقة (Deep Ops). بعد آيزنهاور، اعتمد الرئيس الأميركي جون كينيدي استراتيجية «الردّ المرن» (Flexible Response)، بمعنى توفير وسائل عسكرية متعدّدة، إلى جانب السلاح النوويّ، لتأمين كثير من الخيارات بدل الذهاب مباشرة إلى التدمير المُتبادل (MAD). وتُعدّ القوات الخاصة إحدى أهمّ هذه الوسائل خصوصاً لدى الأميركيّين، بوصفها ردّاً مباشراً على الحركات الثوريّة. ألا يتذكّر العالم «القبعات الخضراء» الأميركيّة، (Green Berets) التي استعملتها الولايات المتحدة الأميركيّة هذه؛ بدءاً من فيتنام وصولاً إلى أميركا اللاتينيّة؟

مسلحون من «العمال الكردستاني» يحملون رشاشات كلاشنيكوف في شمال العراق (أرشيفية - رويترز)

على كلّ، وفي هذا الإطار يقول الجنرال الفرنسي، فنسان ديبورت، في كتابه حول الاستراتيجيّة: «لا شكّ أن العدو هو الذي يصنع استراتيجيّتنا، والعكس صحيح». وعليه، قد يمكن القول إن عملية الوصول إلى التوازن في الصراعات كما الحروب، لا تحصل إلا إذا بدأت عملية التناضح (osmosis) بين المتقاتلين، خصوصاً أن عملية التأقلم خلال المعركة هي عملية مستمرّة ومُستدامة، تعتمد أصلاً على الفعل وردّ الفعل؛ إذ يقترب بعض المتقاتلين في أسلوب قتالهم من بعض، عبر التقليد (Mime) القسري للتكتيكات في ساحة المعركة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يُقاتل الجيش الإسرائيليّ اليوم تنظيم «حزب الله» في جنوب لبنان بأسلوب قتالي هجين، يجمع بين طريقة قتال حرب العصابات عبر تقليد طريقة قتال الحزب، وذلك بالإضافة إلى طريقة القتال التقليديّ حسب عقيدته العسكريّة.

الكاتب الأميركي سي.جي. شيفرز، اعتبر في كتابه عن «البندقيّة»، (The Gun) أن بندقيّة الكلاشنيكوف غيّرت السياسة العالميّة خلال الحرب الباردة، كما غيّرت الثورات وحركات المقاومة، وكذلك خصائص الحروب. وقد يمكن مقارنة هذا التغيير إلى حدّ ما، بدخول المسيّرة على الحروب في القرن الحادي والعشرين، لكن بطريقة مختلفة. ظهر فعل البندقية الروسية خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كان القتال في تلك المرحلة يُخاض عن قُرب وبوتيرة سريعة جدّاً. أمّن هذا السلاح تنفيذ المهمة من دون توقّف بسبب بساطة تركيبة هذا السلاح، وسهولة الاستعمال، وعدم الحاجة إلى التعهّد المُستدام، كذلك الأمر القدرة على الإنتاج الكميّ.

وحسب الكاتب أيضاً، هو سلاح لمن ليس لديه سلاح، وهو قاعدة ناريّة لمن ليست لديه قاعدة. وبسبب طبيعة الصراع الجيوسياسيّ بين الجبارين خلال الحرب الباردة، انتشر هذا السلاح على مدار الكرة الأرضيّة؛ من آسيا إلى أوروبا، إلى أفريقيا وغيرها من المناطق؛ فحيث وُجد هذا السلاح كانت هناك حركات ثوريّة، فهو قد أصبح رمزاً لها؛ ليس فقط عسكريّاً، لا بل أصبح رمزاً جيوسياسيّاً، يُصنّف من يحمله على أنه معادٍ للرأسماليّة والاستعمار.

وعليه، قد يمكن القول إن هذه البندقيّة قد أسهمت إلى حدّ بعيد في تعزيز دول اللاعب الثوريّ اللادولتيّ (NSA)؛ فهي زاوجت الوسيلة مع الآيديولوجيا. أعطت البندقية القوة الناريّة لمن ليست لديه القاعدة الناريّة. أمّنت قدراً من التكافؤ (Parity) بين الجندي المُستعمر أو الجندي الذي يخدم نظاماً رأسمالياً والمناضل الثوريّ، هذا إذا أمّن الثائر بالطبع ظروفاً ميدانيّة تناسب طريقة قتال حرب العصابات. ولأن لكل عصر حربه الخاصة، التي لها خصائص مختلفة، أتت المُسيّرة لتكون سلاح الجو لمن ليس لديه سلاح جو. هي تقاتل عن بُعد وليس كما بندقية الكلاشنيكوف. لها وظائف مختلفة؛ فهي تراقب، وتجمع المعلومات عن أرض المعركة، وتُصحّح رمايات المدفعيّة. وهي أيضاً انتحارية بدأت تأخذ من مدفعيّة الميدان دورها الأساسيّ. وتستعمل المسيّرة الذكاء الاصطناعيّ، بعكس البندقيّة، حتى لو بدأت بعض الشركات سعيها لتركيب آلة على منظار البندقيّة تستعمل الذكاء الاصطناعي بهدف تحسين دقّة الرماية.

نظام الهجوم بالطائرات المسيرة انتشر على نطاق واسع بين الوحدات العسكرية الأوكرانية (إ.ب.أ)

كشفت المسيّرة حقل المعركة (Transparency) كما ألغت خطوط التماس، وبدأت بتهميش دور المدرّعات. لا ينافس الكلاشنيكوف المسيّرة في هذه المجالات؛ فهو سلاح القتال عن قرب ومن المسافة صفر، ويُشغّل من قبل حامله. أما المسيّرة فتُشغّل عن مسافات بعيدة، وتبحث عن الهدف حتى لو كان متحرّكاً. تستعمل الجيوش البندقيّة، كما حركات المقاومة. وتستعمل الجيوش المسيّرات كما اللاعب اللادولتيّ. كان للكلاشنيكوف تأثير عالميّ، أيضاً للمسيّرة تأثير عالميّ؛ هو من نتاج الثورة الصناعيّة والمسيّرة من نتاج الثورة الصناعيّة، لكن مع إضافات كثيرة من الثورة التكنولوجيّة: تُسهم المسيّرة في ربط أبعاد مسرح العمليات من ضمن الفقاعة (Bubble)، وهي تسهم في الحرب متعدّدة الأبعاد (Multi Domain) عبر ربط سلاح البرّ بالبحر بالجو. الفضاء كما السايبر.

وفي هذا الإطار، يبدو الكلاشنيكوف متواضعاً جدّاً، فهو لا يزال مرتبطاً بالقتال الفرديّ. وكان انتشار الكلاشنيكوف عاماً وشاملاً على كل وحدات الجيش، وفي كل الاختصاصات. حتى الآن، لا تزال المسيّرات حكراً على قطاع متخصص في الجيوش، خصوصاً أن تركيبة المُسيّرة وكي تُنفّذ المهمة، وجب توفّر من يُصنّع (Industrial)، كما توفّر من يعمل على البرمجة (Software)، هذا بالإضافة إلى من يُشغّل (Operator). هذه الأبعاد ليست ضرورية في الكلاشنيكوف.

رفع الكلاشنيكوف تكلفة الاحتلال، كما ترفع المسيّرة تكلفته. صُنّع الكلاشنيكوف في مصانع الدولة-الأمة، فيما تُصنّع المسيّرة في القطاع الخاص، كما تُعدل للأهداف الحربيّة من قبل مستعملها. المشترك بين الاثنين قد يكون السعر. تكلفة الكلاشنيكوف تتراوح بين500 و1200$، أما سعر المسيّرة فهو متعلّق مباشرة بالمهمّة والمدى والتجهيزات الحديثة، وأين مكانها في الصورة الكبرى للمعركة. اعتمد الكلاشنيكوف على عدد الجنود (Mass)، في حين تمنع المسيّرة حالياً الحشد، إن كان في الآليات أو الجنود.

وفي الختام، قد يمكن القول إن الكلاشنيكوف قد أسهم في دعم حركات المقاومة والتحرّر، وهو سلاح لمن ليس لديه سلاح. لكن المسيّرة غيّرت أبعاد الحرب، وأعطت سلاحاً جوّياً لمن ليس لديه سلاح جوّي. وإذا كان الكلاشنيكوف قد وشم مرحلة معيّنة من صراع القوى العظمى ببصمته، فإن تأثير المُسيّرة على حروب القرن الحادي والعشرين، لا يزال في بداياته. ولأن الإنسان يستعمل قمة ذكائه من أجل القتل في الحروب، فإن غداً لناظره قريب.