نتنياهو طلب من بوتين مواصلة «الضغط لإخراج إيران» من سوريا

رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يقدم «خطة مكتوبة» في الكرملين

بوتين ونتانياهو خلال لقائهما في موسكو أمس (رويترز)
بوتين ونتانياهو خلال لقائهما في موسكو أمس (رويترز)
TT

نتنياهو طلب من بوتين مواصلة «الضغط لإخراج إيران» من سوريا

بوتين ونتانياهو خلال لقائهما في موسكو أمس (رويترز)
بوتين ونتانياهو خلال لقائهما في موسكو أمس (رويترز)

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جلسة مناقشات مطولة أمس، في الكرملين، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، ركزت على الوضع في سوريا، وآليات تعزيز التنسيق بين الطرفين، وأكدت الرئاسة الروسية أن البحث تطرق إلى «تفاصيل دقيقة» يعتقد أن لها علاقة بنشاط إيران في سوريا؛ فيما قال مسؤول اسرائيلي ان نتانياهو طلب دفع إيران إلى إخراج قواتها «بالضغط الجسدي المعتدل».
واستهل بوتين اللقاء بالترحيب بزيارة نتنياهو، التي تعد الثانية لموسكو منذ مطلع العام، وشدد على الأهمية الخاصة التي توليها موسكو لـ«مواصلة الاتصالات» بين الطرفين. وخاطب نتنياهو بالإشارة إلى أن اللقاءات بينهما «مطلوبة دائماً، ورغم أننا التقينا منذ فترة قصيرة، فإن اتصالاتنا تحظى بأهمية خاصة، مع الأخذ في الاعتبار حجم العلاقات الثنائية».
وقال بوتين إنه يذكر «دعوة رئيس الوزراء لزيارة إسرائيل، والمشاركة في افتتاح نصب تذكاري لضحايا حصار لينينغراد خلال الحرب الوطنية العظمى»، في إشارة عكست رغبة بوتين في القيام بالزيارة التي يمكن أن تتم الشهر المقبل.
ورغم أن الجانبين لم يعلنا في ختام اللقاء عن تفاصيل النقاشات؛ فإن مصادر الكرملين أشارت إلى التركيز على ملف التعاون الأمني العسكري في سوريا. ولفتت إلى أن الوفد المرافق لنتنياهو يضم رئيس الأمن الوطني الإسرائيلي مائير شابات، ومسؤول الاستخبارات الإسرائيلية مائير كوهين، بالإضافة إلى المسؤول العسكري تامير خايمان، ما يعكس طبيعة الملفات التي تم التركيز عليها.
وفي وقت لاحق، أعلن مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف، أن بوتين ونتنياهو «ناقشا سوريا بدقة، وبالتفاصيل، وعلى نطاق واسع». وأضاف أن «رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يقدم خطة على الورق لحل الوضع في سوريا».
وجاء تعليق أوشاكوف رداً على سؤال الصحافيين حول ما إذا كان الكرملين تلقى «خطة إسرائيلية» للتسوية في سوريا، وفقاً لتسريبات سابقة، وأكد المسؤول أنه «نوقشت سوريا بدقة ومن جوانب مختلفة، من دون طرح خطة على الورق».
وكان الكرملين قد أعلن قبل يومين استعداد بوتين لمناقشة الخطة الإسرائيلية إذا عرضت عليه، في حين استبق نتنياهو اللقاء بالتأكيد على أنه سيناقش الأحداث في سوريا، والتنسيق بين الجيشين الإسرائيلي والروسي في سوريا.
وبرزت معطيات إعلامية، أشارت إلى أن نتنياهو طلب من بوتين خلال اللقاء تحذير لبنان من بناء مصنع لإنتاج الأسلحة الدقيقة. ووفقاً لمصادر صحافية فإن نتنياهو طلب من بوتين نقل «تحذير شديد اللهجة» إلى لبنان، حول نية إيران و«حزب الله» إقامة مصنع لإنتاج الأسلحة الدقيقة سراً.
إلى ذلك، قال الناطق باسم نتنياهو، إنه بحث مع بوتين قضايا لم تكتمل في لقاءاتهما السابقة، حول الأوضاع في سوريا والخطة الروسية لإخلائها من القوات الأجنبية، والمقترحات الإسرائيلية لدفع إيران إلى إخراج قواتها «بالضغط الجسدي المعتدل».
وقال نتنياهو قبل سفره، إنه سيبحث مع بوتين «الأحداث المتراكمة في سوريا، والتنسيق المتواصل والخاص أيضاً بين جيشينا، ومواضيع أخرى مهمة لدولة إسرائيل». وتوقع مسؤولون أن يطالب نتنياهو بوتين بعدم تفعيل منظومة صواريخ «إس 300» لاعتراض الطائرات، الموجودة بحوزة جيش النظام السوري، ولكن لم يتم تفعيلها بعد. وأضاف نتنياهو أن بحوزة الوفد المرافق له مواد استخبارية جديدة سيتم عرضها على الجانب الروسي، وأن إخراج الإيرانيين من سوريا، ومجمل القوى الأجنبية، هي غاية معلنة من جانب روسيا، المعنية بإعادة الوضع في سوريا إلى ما كان عليه قبل الحرب.
وبحسب المحلل العسكري لموقع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، الذي رافق نتنياهو إلى موسكو، فإن «الموضوع الأهم الذي ناقشه نتنياهو وبوتين هو: حقيقة أن الإيرانيين يواصلون جهودهم لإقامة بنية عسكرية تتيح لهم فتح جبهة شمالية شرقية أخرى ضد إسرائيل».
وبحسبه، فإن قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري»، قاسم سليماني، استجاب للضغوطات الروسية، ونقل نشاطه إلى المناطق البعيدة عن الحدود مع إسرائيل، بناء على تفاهمات بوتين مع نتنياهو في لقاءات سابقة. وبناء عليه فإن طائرات الشحن الإيرانية التي تنقل مقاتلين وصواريخ لـ«حزب الله» والقوى العراقية والأفغانية الموالية لإيران، لا تهبط في مطار دمشق، وإنما جرى نقل النشاط الإيراني في سوريا من دمشق إلى منطقة حلب، التي قصفتها إسرائيل الأسبوع الماضي، وفقاً لمصادر خارجية.
في غضون ذلك، نقلت وكالة «نوفوستي» الحكومية الروسية عن مصدر مطلع، أن الجولة التالية للمفاوضات حول سوريا في إطار «مسار آستانة» سوف تعقد يومي 25 و26 أبريل (نيسان) الجاري، في العاصمة الكازاخية نور سلطان، وهي الجولة الأولى التي تعقد بعد تغيير اسم العاصمة في كازاخستان أخيراً.
وكان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين، قد قال إن الجولة ستعقد على مستوى نواب وزراء الخارجية.
وأعلن أمس، نائب وزير الخارجية الكازاخي، مختار تليوبيردي، أنه لا يستبعد مشاركة المبعوث الأممي الجديد الخاص إلى سوريا، غير بيدرسن، في مفاوضات آستانة حول سوريا، موضحاً أن هذا «يتوقف على الدول الضامنة؛ لكنني كنت مؤخراً في بروكسل في مؤتمر حول سوريا، نظمته الأمم المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، وقد أعرب المبعوث الأممي الجديد إلى سوريا عن رغبته في المشاركة في عملية آستانة، وهو شيء ليس مستبعداً، بالطبع».
إلى ذلك، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في مقابلة صحافية نشرت أمس، إن «الحرب في سوريا لم تنته بعد». مؤكداً ضرورة «القضاء نهائياً على بؤر الإرهاب هناك». وأوضح لافروف أن «ما يثير القلق هو الوضع في إدلب؛ حيث لا يزال هناك آلاف من الإرهابيين، بمن فيهم أشخاص من دول الاتحاد السوفياتي سابقاً، ومنها روسيا. ونعمل بشكل جاد مع تركيا، وبالطبع مع حكومة بشار الأسد. جيشنا يقوم باتصالات مكرسة لذلك. لقد أنشأ إرهابيو (جبهة النصرة) هيكلاً هناك يحمل اسماً جديداً، يحاولون من خلاله إخضاع جميع الجماعات المسلحة الأخرى، بما في ذلك الجماعات التي تعتبر معتدلة ومنفتحة للحوار مع الحكومة. هذه عملية سيئة، والآن وأخيراً، بدأت دوريات مشتركة من قبل الجنود الروس والأتراك في مناطق معينة من منطقة إدلب الأمنية».
وزاد الوزير الروسي أن «البؤرة الثانية على الضفة الشرقية من الفرات. يوجد نحو ألف إرهابي رهن الاحتجاز تحت إشراف الأكراد الذين يتعاونون مع الأميركيين. معظمهم مجنسون من دول أوروبا الغربية. إنه أمر مزعج للغاية أن ترفضهم دولهم، وهي تخطط لحرمانهم من جنسيتهم، وقال الأميركيون إنهم سيطلقون سراحهم إذا لم تستقبلهم دولهم، وهذا يعني أن التعاون في مجال الإرهاب، للأسف، ليس شاملاً، وأن كل فرد يتصرف بشكل أناني في مثل هذه الحالات».
وقال لافروف إن «اقتراح الرئيس الروسي بوتين، في حديثه أمام الأمم المتحدة عام 2015، بإنشاء جبهة عالمية حقيقية لمكافحة الإرهاب، لا يزال هدفاً بالغ الأهمية» مشيراً إلى أنه «الآن استؤنف الحوار حول مكافحة الإرهاب مع الأميركيين، عقب محاولاتهم الطويلة للتهرب منه، كما إننا نستعيد هذا الحوار مع الاتحاد الأوروبي، وكأحد المقترحات المحددة للغاية، نقدم فكرة انضمامهم إلى بنك البيانات الذي أنشأه جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، الذي يجمع المعلومات حول جميع تحركات المقاتلين الإرهابيين الأجانب».
في السياق، أعلنت الخارجية الروسية أمس، أن لافروف سيبحث في الأردن «ضبط المواقف» حيال منطقة التوتر في التنف، وكذلك عودة اللاجئين من مخيم الركبان.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.