برهم صالح لـ«الشرق الأوسط»: الأميركيون جاءوا بطلب عراقي وبلا قواعد

قال إن قرار بلاده تحركه مصلحتها لكنه يراعي المؤثرات أسوة بالدول الأخرى

الرئيس العراقي خلال الحوار مع رئيس تحرير {الشرق الأوسط}
الرئيس العراقي خلال الحوار مع رئيس تحرير {الشرق الأوسط}
TT

برهم صالح لـ«الشرق الأوسط»: الأميركيون جاءوا بطلب عراقي وبلا قواعد

الرئيس العراقي خلال الحوار مع رئيس تحرير {الشرق الأوسط}
الرئيس العراقي خلال الحوار مع رئيس تحرير {الشرق الأوسط}

قال الرئيس العراقي برهم صالح إن الأميركيين جاءوا إلى العراق بطلب من حكومته بعد احتلال تنظيم «داعش» الموصل ولتمكين القوات العراقية من مواجهة هذا التحدي. وأضاف أن التفاهم الذي جاءوا بموجبه يقضي ألا تكون لهم قواعد عسكرية دائمة أو قوات برية مقاتلة. وأكد أن بغداد لا تنظر إلى هذا الوجود الأميركي من زاوية إحداث توازن مع الوجود الإيراني.
وكان الرئيس العراقي يتحدث إلى «الشرق الأوسط» في تونس على هامش مشاركته في القمة العربية. وتطرق صالح في حديثه إلى علاقات بلاده بجوارها الإسلامي وعمقها العربي، مبدياً ارتياحه إلى ما سمعه خلال زيارته إلى السعودية. وأكد أن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي سيزور السعودية ودولاً أخرى في منتصف الشهر الحالي. وهنا نص الحوار:

> بماذا يشعر الرئيس العراقي الكردي حين يشارك في قمة عربية؟
- الجامعة العربية طرحت قبل فترة مشروع الدولة الوطنية. العراق بلد متعدد القوميات والتكوينات، فيه العرب والكرد والتركمان ويضم مسلمين ومسيحيين وطوائف عدة. هناك تعددية في كثير من دول المنطقة. الوضع العربي لا يحدد فقط بالعمق القومي أو التوصيف القومي. أنا أمثل العراق، وهو جزء من هذا العمق والامتداد العربي. لنا مصلحة حقيقية كعراقيين أن نكون متواصلين ومتضامنين ومتكاتفين مع العالم العربي لأن في ذلك مصلحة العراق ومصلحة المنطقة. والعلاقة تأكيد لما يربطنا بالعالم العربي من وشائج وأواصر ثقافية واجتماعية وتاريخية لا يمكن فصمها. نحن جزء من هذا العالم ومن هذه المنطقة ونتعامل في هذا السياق. الكردي والعربي والتركماني والمسيحي والمسلم يتشاركون في هذه المنطقة ويتشاطرون التطلع إلى الحياة الحرة الكريمة ونظام تربوي جيد ورعاية صحية جيدة. ويتطلعون أيضاً إلى منظومة أمنية تحميهم من «داعش» والتطرف والإرهاب. يتطلعون إلى احترام كرامتهم. آن الأوان ألا يكون التوصيف القومي هو المحدد الحصري لتعاملاتنا وتصوراتنا.
> هل تشعر أن العراق هو الضلع المستضعف في المثلث العراقي - التركي - الإيراني؟
- كلا ويقيناً كلا. مر العراق بظروف صعبة. قد يختلف المراقبون متى بدأت الأزمة العراقية. لكن لا خلاف على أن المشكلة في العراق تفاقمت بوصول صدام حسين إلى السلطة عام 1979. ثم جاءت الحرب العراقية - الإيرانية واجتياح الكويت والحصار وبعده 2003 واستباحة الإرهاب البلاد. على مدى أربعة عقود من الزمن لم يعرف العراق الاستقرار وكان مستباحاً وساحة لتصفية صراعات الآخرين. هذه الأحداث المتلاحقة دمرت الواقع العراقي والاقتصاد والدولة العراقية. تعرض العراق خلال العقود الأربعة الماضية إلى حالات خطرة من العنف الداخلي والاضطهاد وحروب الإبادة. هذا البلد استُضعف خلال عقود بسبب تحوله ساحة لتصفية حسابات الآخرين وبسبب تمكن الاستبداد واستباحة الإرهاب له. العراق الآن بعد الانتصار الأخير المتحقق ضد «داعش»، وهو انتصار مهم وتحول كبير، يعود قادراً ومقتدراً إلى المنطقة. نحن جزء من هذه المنطقة ولدينا جوار إسلامي مهم يتمثل في إيران وتركيا، ولدينا هذا العمق العربي الذي تحدثنا عنه.
نحن ننطلق من رؤية مفادها أن مصلحتنا يجب أن تكون الأساس في تعاملاتنا. نحتاج إلى علاقات جيدة مع إيران وبيننا وبينها 1400 كيلومتر ولدينا مصالح ووشائج وأواصر تاريخية وثقافية واجتماعية، وكذلك مع تركيا. من مصلحتنا أن تكون لدينا علاقات جيدة مبنية على حسن الجوار والمصالح المشتركة. غياب الدور العربي في العراق على امتداد الفترة الماضية كان عاملاً ترك أثره على الوضع في العراق. نتمنى أن يكون الدور العربي فاعلاً وجدياً في حضوره في العراق، وأن يساعد العراقيين ويمكنهم من التغلب على التحديات. هذا هو واقعنا وثوابتنا الجغرافية، والتراكم التاريخي الذي يجب أن نتعامل بموجبه. أنا متفائل بأن العراق نجاحه مطلوب. ما لمسته من خلال الزيارات المتبادلة مع دول الجوار أن هناك مصلحة إقليمية بدأت تتجسد في التمسك بالنجاح العراقي ودفع العراقيين نحو الاستقرار. كل هذه الدول قد تختلف في أجنداتها المباشرة حول هذا الموضوع أو ذاك، لكن تقديري أن نجاح العراق وتمكنه من تجاوز التحديات الحالية قد يمثل نقطة مشتركة في المصالح بين هذه الدول.
> تشددون في التصريحات على أن العراق لن يكون جزءاً من أي محور. هل هذا الموقف واقعي في ضوء موازين القوى لديكم وحولكم؟
- هذا واقعي، بل هو ضروري أيضاً. لا يمكن للعراق أن يكون منطلقاً وقاعدة لإيذاء أي من جيراننا. لا يمكن أن نكون على الإطلاق جزءاً من أي مخطط يستهدف أياً من جيراننا. ليس من مصلحتنا ذلك. لن نكون جزءاً من أي مخطط يستهدف أياً من جيراننا. أنا أتحدث عن مصلحة العراق ورؤية حكومته. هذه خلاصة تجربة أربعة عقود. نحن جزء من المنطقة، وإذا أردنا أن نلبي استحقاقات الإعمار وتوفير فرص العمل لشبابنا العاطل عن العمل وتوفير الخدمات، فنحن بحاجة إلى حالة توافق ووئام مع جيراننا. العراق كان ساحة لتصفية الصراعات. وهناك من يريد أن يحمل العراق وزر أولوياته. أنا أقول من منطلق مصلحتنا العراقية. مصلحة العراق أولاً. ولهذا لن نكون جزءاً من أي مخطط يستهدف أياً من جيراننا.

العلاقات مع السعودية

> زرتم المملكة العربية السعودية واستقبلتم في بغداد وفوداً منها. كيف تصفون العلاقات بين البلدين حالياً؟
- العلاقات السعودية - العراقية تنمو. زرت السعودية والتقيت جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان والمسؤولين السعوديين. تلمست من خادم الحرمين الشريفين كل الحرص على العراق، والتأكيد على ضرورة تنمية العلاقات. زارنا وفد وزاري سعودي وسيزور بغداد قريباً وفد سعودي كبير للتأكيد على تفعيل اللجنة السعودية - العراقية المشتركة. رئيس الوزراء العراقي السيد عادل عبد المهدي سيزور المملكة ودول الجوار في منتصف الشهر الحالي. نرى في توطيد العلاقات مع المملكة جزءاً أساسياً من منظورنا لما نريد أن تكون عليه علاقات العراق. قد نختلف في مفردات سياسية هنا وهناك وحول هذا الموضوع أو ذاك، لكن في الوقت نفسه هناك ثوابت جغرافية وتاريخية وثقافية وأواصر.
كان لقائي مع ولي العهد السعودي جيداً وصريحاً ومباشراً، وتحدثنا في عمق ما هو مطلوب. وكان متفهماً لأوضاع العراق وضرورة تمكين العراقيين من تجاوز التحديات وضرورة عدم تحميل العراق وزر معادلات نحن في غنى عنها. وكان تأكيده واضحاً على ضرورة تعزيز العلاقات العراقية - السعودية وتنميتها.
> هل ترى عودة قريبة لسوريا إلى الجامعة العربية؟
- نحن نتمنى ذلك. سوريا تعرضت لكوارث وفواجع خطرة. ما جرى في سوريا جريمة مروعة إنسانياً وتمثل حقيقة خطورة على الأمن الإقليمي والدولي. بعد كل هذه السنوات ودوامة العنف، آن الأوان لنساعد سوريا وشعبها على التوصل إلى حلول سياسية يرتضونها بأنفسهم من دون قيمومة من الخارج. أنا أقول إن من الواجب على العرب احتضان سوريا وشعبها وتجاوز اختناقات تمنع الوصول إلى حلول سياسية. العراق دعا إلى عودة سوريا إلى الجامعة العربية، لكن لم نتمكن من ذلك خلال هذه الدورة. الوضع السوري خطر. هناك من يتصور أن الأخطار انحسرت بعد نهاية «داعش». أنا لست مع هذا الرأي. يجب ألا نستخف بحجم التحدي الإرهابي الباقي في سوريا ولا بحجم التحدي الإنساني الخطير الذي تشكله مشكلة النازحين واللاجئين. الواجب الإنساني والديني والأخلاقي، وكذلك الحرص على أمن المنطقة، كل ذلك يستوجب العمل الجاد من أجل دفع الأمور في الاتجاه الصحيح.

تواصل دائم مع دمشق

> هل هناك اتصالات بينك وبين الرئيس بشار الأسد؟
- هناك تواصل دائم بين الحكومتين العراقية والسورية. نحن نرى ذلك ضرورياً. الأخ مستشار الأمن الوطني العراقي يقوم بزيارات متكررة لسوريا ويلتقي الرئيس الأسد، وهناك تعاون أمني بين الحكومتين لضبط أمن الحدود والتصدي لخطر الإرهاب.
> أعادت كارثة عبارة الموصل تسليط الضوء على وحش الفساد في العراق. ما قصة هذا الوحش المتحكم بالبلاد؟
- الفساد آفة. وأنا أعتبره الاقتصاد السياسي للعنف. الفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة. إذا لم يتم القضاء على الفساد ومواجهته بجدية سيقضي علينا. المشكلة كبيرة وهي وليدة أربعة عقود من الزمن وسوء الإدارة والحروب والعنف والتدخلات وغيرها من الأسباب. نحن مطالبون الآن بإجراءات جدية. هذا هو الاستحقاق الوطني والسياسي أمامنا. السيد رئيس الوزراء يترأس الآن لجنة عليا لمكافحة الفساد ويتعامل مع هذا الموضوع بمنهجية وبصورةمؤسساتية. ونحن مطالبون كمؤسسات في الدولة وكقيادات سياسية بأن ندعم هذا الجهد بكل ما لدينا من قوة. التحدي كبير وخطر والحل ليس سهلاً لكن لا خيار لدينا غير مواجهة هذه الآفة.
> يحكي الكثير عن المليارات الضائعة في العراق. ما هو الرقم الحقيقي؟
- من الصعب جداً تحديد الرقم. لكن بغض النظر عن الرقم، هناك بالتأكيد أموال هائلة تهدر وتحجب عن خدمة الناس. وفي كثير من الأحيان تنتهي هذه الأموال لتصب في عملية إدامة العنف والفوضى. لذلك أقول إن هذا الاستحقاق سياسي وأمني، وأنا واثق من أن الحكومة والبرلمان جادان في التصدي لهذه المشكلة.

«عناصر غير منضبطة»

> هل الدولة العراقية قادرة على استيعاب الميليشيات أم أنها مهددة بالذوبان فيها؟
- برأيي أن ثمة مبالغة غير مبررة في هذا الموضوع. لنضع الأمور في سياقها الصحيح. في 2014 عندما استولى «داعش» على الموصل كانت بغداد مهددة. أصدر سماحة المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني فتوى «الجهاد الكفائي». العديد من الشباب هبوا للدفاع عن بلدهم، ولولا «الحشد الشعبي» الذي تشكل آنذاك لكنا في خطر محقق. ضحى هؤلاء بالغالي والنفيس وكانوا في صدارة الجهد من أجل القضاء على «داعش». الآن «الحشد الشعبي» مثبت حسب القانون ضمن المنظومة الأمنية للدولة. أنا لا أقول إنه ليست هناك عناصر مسيئة في «الحشد الشعبي». نعم هناك عناصر مسيئة كما هو الحال في الجيش والشرطة وحتى في البيشمركة. التعامل مع هذه الحالات يجب أن يكون في إطار القانون. لا يجوز تعميم التهمة وكأن ليس في العراق مشكلة إلا ما يسميه البعض الميليشيات. هناك عناصر غير منضبطة وعناصر خارجة على القانون ويجب التعامل مع هؤلاء في الإطار القانوني. أساس التعامل مع «الحشد الشعبي» هو أنه جزء من المنظومة الأمنية للدولة ومرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة (رئيس الوزراء).

سليماني والقرار العراقي

> بماذا يشعر المسؤول العراقي حين يقرأ كلاماً من نوع أن القرار العراقي هو عملياً في يد الجنرال قاسم سليماني؟
- في هذا الزمن حيث لديك وسائل التواصل الاجتماعي تحول كل شخص إلى محلل وخبير وقائد سياسي ويصرح كيفما أراد. أنا أقول لك إن إيران جارة مهمة لنا وساعدتنا ضد الاستبداد وضد «داعش». القول إن لإيران وجودها وتأثيراتها صحيح. كما أن للعراق تأثيراته داخل إيران. التأثير متبادل لكن القرار العراقي هو في النهاية متمثل في المؤسسات الدستورية أي الحكومة والبرلمان والقضاء وهناك عملية انتخابية تشارك فيها الأحزاب.
> هل تستطيع مثلاً أن تقول إن قرار العراق عراقي؟
- أنا أقول إنه في هذا الزمن ليس هناك قرار بمعزل عن الواقع الموجود. هل القرار الفرنسي فرنسي فقط أم يجب أن يأخذ بالاعتبار البعد الأوروبي والبعد الأميركي وإلى غير ذلك؟. هناك تأثيرات متبادلة وأنا لا أريد التغني بشعارات. نحن نعيش في هذه المنطقة ونراعي في قراراتنا العمق العربي والوضع الإيراني والتركي والخليجي. نحن مثلاً نجلس ونناقش تداعيات قراراتنا وترابطها أحياناً مع الوضع السوري. أرى أن هذا التهويل في غير محله. العراق جزء من هذه المنطقة، ومن مصلحتنا أن تكون علاقاتنا جيدة مع إيران ومبنية على المصالح المشتركة ومن دولة إلى دولة. ومن مصلحتنا أن تكون علاقاتنا جيدة مع السعودية والأردن ومصر. الأخ رئيس الوزراء زار مصر والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك عبد الله الثاني وكانت هناك أمور اقتصادية وتفاهمات لخير المنطقة. الحقيقة أن العراق يتحول إلى عنصر توازن وتواصل في المنطقة. إذا رجعنا إلى العقود الأربعة الماضية نجد أنها جعلت المنظومة الإقليمية مفككة أمنياً وسياسياً واقتصادياً، مما أتاح للإرهاب والتدخلات الخارجية أن تنفذ إلى داخلها. من منظور آخر أقول إن غياب العراق عن المنظومة الإقليمية كان من أسباب الفوضى والحراك غير المجدي. يعود العراق قادراً مقتدراً إلى المنطقة، والعراق بموقعه الجغرافي والتاريخي وموارده يمكن أن يكون محوراً لإعادة لم شمل المنطقة، وأن يكون جسراً للتواصل بين مصالح دولها. المنظومة الإقليمية لا يمكن أن تتجاهل إيران وتركيا، ولا يمكن حتماً أن تتجاهل العمق العربي للعراق. المنطقة مطالبة بإعادة النظر وتشكيل منظومة جديدة لأمنها واقتصادها والتعامل مع التحديات الخطرة التي نعاني منها وهي التطرف والبطالة والفشل الاقتصادي. ومن هذا المنظور يمكن أن يكون العراق منطلقاً لهذه المنظومة.
> لماذا لا يزال منصب نائب الرئيس لديكم شاغراً؟
- نعيش في نظام برلماني، وكل حزب بما لديهم فرحون. سجالات سياسية. فيما يتعلق بمنصب نائب الرئيس ننتظر استكمال تشكيل الحكومة ثم نتحرك.
> وهل هذا التأخير في تشكيل الحكومة طبيعي؟
- ليس طبيعياً، لكن قلت لك إن لدينا الكثير من الأحزاب وفي أي حال يبقى هذا أفضل من الاستبداد.
> هل هناك بدايات لكسر الجليد بينك وبين الرئيس السابق لإقليم كردستان مسعود بارزاني. وهل يلعب هوشيار زيباري وزير الخارجية السابق دوراً في هذا المجال؟
- هناك تواصل بين الإخوة في الحزب الديمقراطي الكردستاني وبيني. وإن شاء الله هذه المفردات لن نتوقف عندها والبلد أكبر من ذلك. زارني زميلي هوشيار في بغداد قبل فترة.
> هل كان لديك حلم أن تكون رئيساً للعراق؟
- لا شك أن لدى كل إنسان طموح في هذا المسعى أو ذاك. توسمت في نفسي وتوسم أصدقائي وحلفائي في القدرة على أن أكون رئيساً جيداً في هذه المرحلة، وعسى أن أكون ناجحاً وموفقاً في تقديم مساهمة جدية في إخراج بلدنا من نفق الأزمات التي ألمت بنا.
> للأسف دهمنا الوقت. أريد أن أسأل: هل يشكل الوجود العسكري الأميركي في العراق عنصر توازن مع الوجود الإيراني؟
- نحن لا ننظر إلى هذا الموضوع بهذا المنظار. العناصر الأميركية التي جاءت إلى العراق جاءت بدعوة من الحكومة العراقية لتمكين القوات العراقية من مواجهة «داعش» بعد التحدي الإرهابي الكبير الذي واجهته البلاد. أؤكد في هذا المجال أن هناك تأكيداً عراقياً على السيادة والأولوية للمصلحة العراقية والرؤية العراقية في التعامل مع الملف الأمني والاحتياجات. هناك تأكيد على ألا تكون هناك قواعد عسكرية أميركية وألا تكون هناك قوات برية مقاتلة. أي ما تراه القيادة العراقية مناسباً ضمن استحقاقات الأمن العراقي والسيادة العراقية.



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended