لبنان في عين المتغيرات الأميركية

رسائل حاسمة بضرورة إبعاد «حزب الله» عن المؤسسات اللبنانية

لبنان في عين المتغيرات الأميركية
TT

لبنان في عين المتغيرات الأميركية

لبنان في عين المتغيرات الأميركية

تتخطى نتائج زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بيروت التعهد الأميركي بالاستجابة لمطالب لبنان بالمساعدة في حل ملفات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، واللاجئين السوريين، والالتزام بالاستمرار في تقديم المساعدات التي بلغت في العام الماضي 800 مليون دولار.
فقد تصدرت الأولويات الأميركية مباحثات الزيارة، لجهة التحذيرات من مغبة التماهي مع «حزب الله»، وضرورة فصل المسار السياسي والاقتصادي الرسمي اللبناني عن المسار المتعلق بالحزب.
اعتمد وزير الخارجية الأميركي لهجة عنيفة للتعبير عن مطالب الأميركيين خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره اللبناني جبران باسيل، رغم التزام الوزير الأميركي باستقرار لبنان ومواصلة تقديم المساعدات له. في المقابل، بدت الأولويات اللبنانية في مكان آخر، وجرى المرور عليها «مرور الكرام» لجهة تعهد واشنطن بالمساعدة. كانت اللهجة الأميركية حاسمة تجاه ضرورة تحييد لبنان عن المسار الإيراني، وهو ما استدعى قلقاً من «حجم الجدية الأميركية في الملف المرتبط بحزب الله». رسمت اللهجة الأميركية الحاسمة شكلاً جديداً للمواجهة مع إيران، تقوم على استراتيجية «الحرب الناعمة» التي ترتبط بتوسعة مروحة العقوبات الاقتصادية، والدفع بضغوطات اقتصادية مكثفة لتقويض النفوذ الإيراني، والاستمرار في العقوبات «التي أثبتت نجاعتها»، وهو ما توقف عنده بومبيو في إشارته إلى آثار العقوبات على البنية المالية لـ«حزب الله».

تلقى اللبنانيون رسالة أميركية واضحة تفيد بأن سياسة احتواء الحزب، عبر القول بأنه ممثل في الحكومة والبرلمان وجزء من النسيج اللبناني، تبدلت بعد وصول الإدارة الأميركية الجديدة إلى السلطة، والتي أثبتت قطيعة مع موروث إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لجهة الانفتاح على إيران، وهي مختبر «الجدية» الأميركية، ومبعث القلق اللبناني من احتمالات انعكاس هذه المقاربة على الوضع الاقتصادي اللبناني الداخلي.
خلال زيارته إلى بيروت، شن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أعنف هجوم على «حزب الله»، معتبراً أنه «يسرق موارد الدولة اللبنانية التي هي ملك الشعب»، داعياً اللبنانيين للوقوف في وجه الحزب، مشيراً إلى أن «الاتجار بالمخدرات وتبييض الأموال يضعان حزب الله تحت مجهر المجتمع الدولي»، متعهداً بأن واشنطن ستواصل استخدام كل الوسائل للضغط على إيران و«حزب الله».
وسعى الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري ووزير الخارجية باسيل إلى تخفيف تداعيات الموقف الأميركي من «حزب الله»، حيث أشار عون إلى أن «الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي هو من الأولويات التي يحرص اللبنانيون على العمل بها»، مشيرا إلى أن «حزب الله هو حزب لبناني ممثل في مجلس النواب وفي الحكومة ومنبثق عن قاعدة شعبية تعيش على أرضها وفي قراها، تمثل إحدى الطوائف الرئيسية في البلاد».
موقف عون، انسجم مع موقف بري الذي أكد أن «حزب الله» هو «حزب لبناني وموجود في البرلمان، والحكومة ومقاومته واللبنانيين ناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي اللبنانية». كما يلتقي الموقفان مع موقف باسيل الذي أكد أن «حزب الله» «حزب لبناني غير إرهابي ونوابه منتخبون من قبل الشعب وبتأييد شعبي كبير، وتصنيفه إرهابياً، لا يعني لبنان. نحن نتمسك بوحدتنا الوطنية وأن هذا الأمر يحافظ على علاقاتنا الجيدة مع أميركا».
وتوقف اللبنانيون عند مفردات بومبيو التي استخدمها في المؤتمر الصحافي المشترك مع باسيل، وهو التصريح الرسمي الوحيد له خلال الجولة، معتبرين أن ما قاله ليس من مفردات القاموس الدبلوماسي، إذ تضمنت بعض الجمل تهديدا مبطناً وإحراجا للبنان الرسمي برسالة واضحة: إما أن تكونوا معنا ويكون موقفكم كما موقفنا من «حزب الله» أو أنتم مع الحزب ولا تريدوننا.
ولعل إتيانه على ذكر تجربتي فنزويلا وإيران، بحسب ما تقول مصادر سياسية مواكبة لـ«الشرق الأوسط»، «حملت دلالة بالغة بأن العقوبات جدية، ويمكن أن ترخي بتداعياتها على لبنان في حال لم يمتثل لجهود تقويض إيران وتحييد حزب الله عن المؤسسات اللبنانية».

- الاعتراف بالجولان وانعكاسه على لبنان
تزامنت زيارة بومبيو مع الاعتراف الأميركي بضم الجولان إلى إسرائيل، وهو ما رسم أسئلة حول ما إذا كانت هناك انعكاسات لهذا التطور على الوضع اللبناني، ورسائل بومبيو للبنانيين بضرورة تحييد أنفسهم عن أي مواجهة أميركية – إيرانية، أو سورية إسرائيلية محتملة على خلفية الاعتراف بمسألة الجولان.
لكن سفير لبنان السابق في واشنطن رياض طبارة، يستبعد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» المواجهة العسكرية، وارتباط التصعيد الأميركي بوجه إيران بهذا التطور حول هضبة الجولان. يقول طبارة: «لا أعتقد أن هناك علاقة بين التطورين، بالنظر إلى أن تغريدة ترمب حول الجولان فاجأت أشخاصاً كثرا في الإدارة الأميركية، ولا أعتقد أنها ستكون مرتبطة مباشرة بذرائع اهتزاز الأمن الإقليمي»، موضحاً أنه «لا مواجهات مباشرة الآن، فليست من مصلحة أميركا ولا إيران، ذلك أن واشنطن تحاول أن تخفف من عملها العسكري بالمنطقة وليس زيادته، وهي تمضي بالعقوبات الاقتصادية التي أثبتت نجاحها حتى الآن، أما الإيرانيون فلا يستطيعون دفع ثمن حرب ستكون قاسية، وهو باعتقادي ليسوا انتحاريين، لذلك ستبقى الأمور تحت سقف العقوبات، وستصبح عقوبات مكثفة»، لافتاً إلى أنها «مواجهة سياسية واقتصادية مكثفة».
هذه الوقائع قد يكون لها تأثيرات مباشرة على الواقع اللبناني، وهو ما دفع بومبيو لرفع لهجة التحذيرات. وفي المقابل، كان للبنان مطالب «جرى المرور عليها مرور الكرام»، كما يقول طبارة، شارحاً: «كان واضحاً أن هناك تعهداً بمساعدة لبنان في الملفات التي يطلبها من الأميركيين، لكن في الواقع، ركز الأميركيون على مطالبهم لجهة تحييد حزب الله عن المؤسسات اللبنانية، منعاً أن تطال العقوبات المؤسسات اللبنانية، وفي المقابل قدم وعوداً للبنان، لكن ملف اللاجئين لم يحن وقت حله بعد، أما ترسيم الحدود البحرية، فوعد الأميركيون بالمساعدة، وهو لا يمثل نقلة نوعية في الموقف الأميركي، بقدر ما يُقرأ على أنه تأجيل البحث به». ويرى طبارة، أمام هذه الوقائع، أن الأميركيين «ركزوا على مطالبهم من لبنان بما يتخطى أن تكون الملفات اللبنانية لها الأولوية في المحادثات».

- مقاربة أميركية جديدة
تنطلق التحذيرات الأميركية من واقع جديد، مفاده أن واشنطن بدلت مقاربتها تجاه التعامل مع الملف الإيراني، ومن ضمنه ملف «حزب الله»، عما كان عليه قبل العام 2015. وهو ما يستدعي تغييراً في المقاربة اللبنانية تجاه الملف. ويؤكد مدير «مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية» الدكتور سامي نادر أن الرسالة الأميركية واضحة بأنه لا تراجع بمسألة العقوبات، وهناك ضرورة لفصل الحزب عن باقي القوى السياسية في لبنان إذ «لم يعد ينفع نفس الأسلوب المعتمد في احتوائه على قاعدة أن الحزب جزء من النسيج اللبناني وموجود في الحكومة والبرلمان وأنه لا يمكن اعتباره إرهابياً، وهو ما كان مقبولاً بالنسبة للإدارة الأميركية قبل العام 2015».
ويقول: «هذا التبرير لم يعد مقبولاً مع وصول ترمب للرئاسة، وبعد حرب اليمن، حيث توجد اليوم سياسة مواجهة عربية وأميركية مع إيران، حتى أن واشنطن تعاتب الأوروبيين الذين يميزون بين الجناح السياسي والعسكري، ما يعني أن هامش التسامح الذي كان قائماً مع التمييز بين جناحي الحزب لم يعد ينفع»، ويضيف: «إثر التغييرات الأميركية في المقاربة الجديدة، لم تعد الخصوصية اللبنانية والتمييز بين جناحي الحزب التي كانت قاعدة للتسوية تسمح بذلك، بل صارت عبئاً على حزب الله وعلى لبنان، لأنها تكبر مخاطره من أن يسيطر على لبنان، وتشكل خطراً على البلد». لذلك، يرى نادر أن رسالة بومبيو «تنطوي على تحذير، بمعنى أن واشنطن لا تريد أذية لبنان، لكن على اللبنانيين في المقابل الفصل، ومسؤوليتهم التمييز بين ما هو سياسي وعسكري، ومن غير المسموح للحزب باستخدام الموارد اللبنانية»، مشدداً على أن «المقاربة الجديدة جاءت لأن المعطى الخارجي تغير».
ورغم أن تحييد لبنان عن أي مواجهة محتملة والنأي بالنفس هو الاستراتيجية اللبنانية القائمة، إلا أن الرسالة الأميركية تعني أن «المواجهة مستمرة مع أفرقاء تدعمه»، إذ «لم تعد استراتيجية جمع الحزب ومحاوله تذويبه بالتركيبة اللبنانية واحتمائه بالاقتصاد اللبناني ممكنة»، وهو ما شدد عليه بومبيو في مقابله مع «فوكس نيوز» حيث شدد على مصطلح «الفصل» في المقابلة.

- تحييد لبنان عن المسار الإيراني
اتضح أن بومبيو، جاء ليؤكد من بيروت على ما صرح به الموفدون الأميركيون قبله، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد، ووكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية السفير ديفيد هيل ومسؤولون آخرون، وأثبت خلال وجوده في بيروت ما كانوا صرحوا به في لبنان، بأن تحذيرات الولايات ليست عبثية، كما يقول سفير لبنان السابق في واشنطن رياض طبارة الذي يرى أن ما تريده الولايات المتحدة، هو تحييد لبنان لنفسه قدر الإمكان عن المسار الإيراني. ويقول طبارة لـ«الشرق الأوسط»: «يدرك الأميركيون أن هناك حالة خاصة للبنان، وهم يسمحون بهامش للتحرك عادة ما لا يطبق على دول أخرى، لكن رسائل واشنطن واضحة أن هناك حدوداً لهذه العملية».
تزامن التحذير الأميركي المكثف، مع تسلم «حزب الله» لوزارة الصحة، رغم أن الوزير جميل جبق معتبر مقرباً من الحزب وليس عضواً فيه، إلا أنها وزارة حساسة لجهة موازنتها الضخمة، والخدمات التي تقدمها، وشبكة العلاقات التي تؤسسها. وعليه، يقول السفير طبارة بأن هذا الواقع «دفع الأميركيين للتحذير بأن اللبنانيين وصلوا إلى الخط الأحمر، وعليهم مراقبة وزارة الصحة وحزب الله بشكل جدي»، لافتاً إلى أن الرسالة الأميركية حاسمة بأنه «لا تسامح من جهتنا أبدا تجاه ذلك». ويقول: «ما يعنينا من الزيارة أن بومبيو أبلغ اللبنانيين بوصولهم إلى الخط الأحمر، وهدد بالعقوبات بطريقته الدبلوماسية الخاصة».

- نهج واحد في العقوبات
في الواقع، لا يختلف الخبراء والمتابعون على أن ما قاله بومبيو، يمثل رسالة تنبيه للبنانيين بأن المرحلة المقبلة ستتضمن عقوبات إضافية على إيران، وعليهم الانتباه بأن المرحلة لن تكون عادية، وستتضمن تشديداً إضافياً تجاه «حزب الله». لكن مع ذلك، لا يعتقد السفير طبارة أن نوعية العقوبات ستتغير»، بمعنى أنها «ستؤثر على الحزب ومموليه من الخارج، لكنها لن تؤثر على الاقتصاد اللبناني والنظام المصرفي». وقال: «في الماضي القريب، عندما فرضوا عقوبات مالية على حزب الله ومموليه، استدعوا الأفرقاء اللبنانيين بينهم حاكم المصرف المركزي ووفد برلماني ومصرفي للتأكيد بأن العقوبات لا تؤثر على الاقتصاد اللبناني». ويضيف: «هذه المرة، تغير الأمر. تضمن تصريح بومبيو تحذيرات كي لا تؤثر العقوبات على النظام المصرفي»، لافتاً إلى أن وتيرة التصعيد والتهديد الأميركيين «تضاعفت بسبب وصول ترمب إلى السلطة».

- مواجهة إيران أولوية بعد إنهاء «داعش»
التصعيد الاميركي تجاه ايران، مرتبط بشكل مباشر بمواجهة ايران حيث اتخذت الادارة الاميركية هذا الخيار وجعلت منه أولوية، في قطيعة كاملة مع استراتيجية الادارة السابقة، وباتت الاولوية الآن بعد انتهاء المهمة التي كانت تحتل أولوية وهي انهاء تنظيم «داعش» الذي تحقق في الباغوز في الاسبوع الماضي. وكان ملف الحرب ضد داعش أبعد الاضواء عن مواجهة ايران، لتتحول كل الجهود الآن والضغوط باتجاه طهران، كما يرى الدكتور سامي نادر. ويشير نادر الى ان هناك بعداً آخر مرتبط بالتصعيد الاميركي، هو البعد الانتخابي في اسرائيل والولايات المتحدة.

- غاز المتوسط وترسيم الحدود
اتخذت الزيارة عنواناً آخر هو رسم خريطة الغاز في الشرق الاوسط، في ضوء اجتماع اليونان والاعلان عن خط تصدير للغاز يصل تل ابيب باوروبا، وهو من أول الانانيب التي تُقام من غير تنسيق مع روسيا. ويرى سامي نادر ان هذا التطور «هو اعلان مواجهة مع روسيا وتركيا، ولبنان من ضمنه».
لكن في الوقت نفسه، فتح بومبيو ثغرة ايجابية على صعيد ترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها مع اسرائيل، اذ أعرب بومبيو عن رغبة الولايات المتحدة الاميركية في «المساعدة مع جهود الامم المتحدة لمعالجة» ملف ترسيم الحدود جنوباً، وذلك خلال لقائه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي شدد على ان «يبدأ الحل بالحدود البحرية». واحيت الزيارة ما كان متفقاً عليه سابقاً لجهة أن تجمع الامم المتحدة ممثلين عن الطرفين، على طاوتها وتحت علمها وبرئاستها وحضور الوسيط الاميركي، لتثبيت حق لبنان وترسيم الحدود البحرية».

- لا توطين... ولا معالجة فورية لملف اللاجئين
لم يغب ملف عودة النازحين السوريين عن جدول أعمال مباحثات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في بيروت، ونقل عنه عدد من الوزراء والنواب قوله: إن عودة هؤلاء يجب أن تكون آمنة وطوعية، انسجاماً مع ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة الواجب علينا احترامه والتقيُّد به في التعامل مع هذا الملف. وتعليقاً على تعهد بومبيو بأن «لا توطين للنازحين السوريين في لبنان»، لا تنفي مصادر لبنانية مطلعة على أجواء زيارة بومبيو أن وزير الخارجية الأميركي تعهد بأنه «لا توطين للاجئين السوريين في لبنان»، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن هذا التعهد غير كافٍ، قائلة: «الفلسطينيون لم يتم توطينهم منذ وصولهم إلى لبنان قبل 71 عاماً، لكنهم في الواقع موجودون، ولا يستطيع أحد إرجاعهم إلى بلادهم. من هنا مصدر الخوف، ما يحتم السؤال عن ضرورة أن تكون هناك آلية لإعادة السوريين إلى بلادهم، مقرونة بتوقيت لإعادتهم».
ويقول السفير طبارة إن الواضح أنه «لا اختراق لملف اللاجئين، لا بزيارة بومبيو، ولا بالاتصالات الأخرى، ومن ضمنها زيارة الرئيس اللبناني ميشال عون إلى روسيا»، مؤكداً على أن ملف اللاجئين «لا يزال على نار خفيفة، ويجري استغلاله لأنه ملف حساس بالنسبة لأوروبا ولبنان ولكل المعنيين».
وأعلن بومبيو في بيروت تأييد عودة النازحين السوريين بشكل آمن في أسرع وقت يسمح بها، وأضاف: «أريد من الجميع أن يتأكد أن الولايات المتحدة سوف تبقى صديقاً للشعب اللبناني، وسنستمر في مساندة ودعم مؤسسات الدولة الشرعية في لبنان وجميع شعبه»، وأشار إلى أنه في عام 2018، قدمت الولايات المتحدة أكثر من 800 مليون دولار على شكل مساعدات للبنان.
وخلال لقائه مع الرئيس ميشال عون، قدم المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، عرضاً للآلية التي يعتمدها الأمن العام لتنظيم عودة النازحين السوريين منذ شهر مايو (أيار) الماضي، وقد بلغ عدد العائدين حتى أمس، 175 ألف عائد، مشيراً إلى أن «الأمن العام مستمر في تنظيم هذه العودة، سواء كانت فردية أو جماعية، ويتابع عن قرب أوضاعهم في مناطق وجودهم، ولم يتبلغ حتى الساعة أي معلومات عن تعرض العائدين لأي مضايقات». وسلم الرئيس عون، الوزير الأميركي، خريطة تظهر كثافة النزوح السوري في المناطق اللبنانية كافة.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.