راغدة شلهوب: لا أحلم باستمرارية طويلة وكل يوم جديد لي هو إضافة

تفاجأت بالظلم الذي تعيشه بعض ضيفاتها

راغدة شلهوب
راغدة شلهوب
TT

راغدة شلهوب: لا أحلم باستمرارية طويلة وكل يوم جديد لي هو إضافة

راغدة شلهوب
راغدة شلهوب

قالت المقدمة التلفزيونية راغدة شلهوب بأن عالم الإعلام بات اليوم بمثابة فرص مؤقتة علينا اقتناصها. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «من ناحيتي فأنا لا أحلم باستمرارية طويلة الأمد وكل يوم جديد أعيشه في هذا العالم هو بمثابة إضافة (بلاس) أستمتع به وأستغله إلى آخر نفس». فراغدة شلهوب التي اهتز عرش برنامجها التلفزيوني «قطعوا الرجالة» مؤخرا عندما أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر إيقافه لحين مراجعة الاسم والمحتوى، شغلت بأخبارها الساحة الإعلامية ولتسفر نتائج الاتصالات بالمجلس المذكور عن استبدال اسم البرنامج بآخر بعنوان «تحيا الستات» مع إجراء بعض التعديلات عليه.
وتقول في هذا الصدد: «لا يزال لدي 3 حلقات لأقدمها من برنامجي إلى حين وصول موسم رمضان إذ لا يتم عرضه أثناءه. ومن بعدها سيتم نقل وقائع كأس الأمم الأفريقية مما يعني أنني لن أطل قبل انتهائها. وفي هذه الحلقات المصورة سابقا أستضيف كلا من سماح أنور ودوللي شاهين ونيللي مقدسي تحت العنوان الجديد للبرنامج تحيا الستات». وعما إذا ستجري بعض التغييرات على البرنامج ترد: «ستحصل عملية مونتاج لبعض المقاطع كي يأتي المحتوى متناسقا مع الاسم الجديد».
ومن يتابع برامج راغدة شلهوب من «فحص شامل» و«100 سؤال» ومؤخرا «قطعوا الرجالة» والتي تنقلت فيها بين عدة قنوات مصرية وأحدثها «النهار» المصرية و«القاهرة والناس» سيلاحظ امتلاكها قدرة على التحاور مع ضيوفها بشكل سلس ومريح. وتعلّق: «إنني أتمتع بهذه القدرة بالفطرة، فمنذ بداياتي عرفت بهذا الأمر حتى أن بعض الضيوف في برنامج «عيون بيروت» على قناة أوربت في بداياتي كانوا يطلبونني بالاسم. ويمكنني القول بأنني أصغي باهتمام لضيفي وهي صفة أمارسها في حياتي اليومية عندما يفضفض لي أصدقائي بمشاكلهم. وعندما يرتاح الضيف مع محاوره ينعكس الأمر إيجابيا على الطرفين فتصبح الأحاديث أعمق وأشمل».
وعما إذا هي اليوم استطاعت أن تحقق في مصر ما لم يتمكن غيرها من زملائها اللبنانيين القيام به تقول: «لقد استطعت أن أحدث الفرق من دون شك. فهناك إعلاميون لبنانيون سبقوني في إطلالاتهم على محطات مصرية كطوني خليفة ورزان المغربي. ونسبة إلى الفترة الزمنية القصيرة التي صنعت فيها نجاحي على هذه الساحة الغنية بالمنافسة يمكنني القول بأنني حققت علامة فارقة».
ولكن ما هو سرّ راغدة شلهوب في أسلوب محاورتها لضيوفها؟ ترد: «لم أعمل يوما في ساحة الإعلام بهدف الشهرة. فأنا خريجة كلية الإعلام ولم آت من خلفية عادية لا صلة لها بهذا العالم. ويمكنني أن أصف سرّي بأنه يتكوّن من حبي وشغفي بعملي الذي لا أجيد غيره. ولو كان بمقدوري ممارسة مهنة ثانية إلى جانب تقديمي التلفزيوني لما تأخرت بالتأكيد. فلقد خضت تجربة التمثيل ولكني لم أستسغها بتاتا وبقيت في مملكتي التي أعشق ألا وهي الإعلام وعندما نحب عملنا لا بد من أن ننجح فيه».
وعن التصريحات التي باحت بها ضيفاتها في «قطعوا الرجالة» تقول: «لقد تفاجأت ببعضها كونها تحمل الكثير من الظلم الذي مورس عليهن من قبل الرجال رغم اعتراف غالبيتهن بحاجة المرأة عامة إلى الإحساس بالأمان مع شريكها الرجل».
وعما لفتها من مشكلات تعاني منها المرأة في علاقتها مع الرجل فتكون بمثابة السبب الأول للخلافات بينهما توضح راغدة شلهوب في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «لاحظت أن عدم تمتع الرجل بالمسؤولية هو من الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى الخلافات بين المرأة والرجل. وهذا ما يدفع ببعضهن إلى لعب الدورين معا وهو أمر غير صحي بتاتا، فتحدث فوضى وعدم توازن في العلاقة. فالمرأة بحاجة دائمة إلى رجل حقيقي يساندها ويحميها ويشعرها بالأمان تماما كرجال أيام زمان من الأجداد والآباء». وعن مطالب المرأة بشكل عام تقول: «النساء والرجال يطلبون الأمر نفسه وهو أن يقوم كل منهما بالدور الطبيعي له. فهناك اليوم تحركات نسائية كثيرة تطالب بدعم المرأة وإعطائها حقوقها الاجتماعية كالرجل تماما. ولكن هذا لا يلغي الدور الأساسي الذي يجب أن تلعبه في حياة الرجل والعكس صحيح. فمهما وصلت المرأة من مراكز وتبوأت مناصب هامة فإنها بحاجة دائمة في نهاية المطاف إلى كتف رجل تستريح عليه يشعرها بالأمان». وعما زودتها بها هذه التجربة في تعاملها مع الرجل تقول: «المرونة ضرورية في التعامل مع الرجل وصار لدي قناعة بما يقوله المثل اللبناني عندما ترين مصيبة الآخر تهون مصيبتك».
وعن رأيها بالساحة الإعلامية اليوم هي التي تملك خبرة طويلة فيها تقول: «في الماضي كانت الغالبية منا ذات خلفية دراسية بالإعلام الذي تدخله عن حبّ وشغف. وأتذكر بأنني في بداياتي ولشدة حماسي كنت أساعد فريق العمل في التلفزيون بتركيب الديكور، فلا الشهرة ولا الأجر المرتفع كانا هدفي. اليوم أصبحت هذه المهنة ملجأ من لا مهنة له، وهناك عدد لا يستهان به من إعلاميي اليوم يعملون في هذا المجال لأسباب أخرى. ففي الماضي برأيي كان هناك تقدير أوسع للعمل الإعلامي ومفهوم أشمل من النادر أن نصادفه اليوم». وهل برأيك هذا هو السبب الذي سطّح البرامج المقدمة وغيب عنها الحوار المفيد؟ تقول: «الشاشة التلفزيونية بحاجة دائمة إلى أكثر من نوع واحد من البرامج ترفيهية ومسلية وتثقيفية وغيرها. ومشكلتنا مع برامج الـ«هارد توك شو» المحببة لدى المشاهد هو اصطدامها بأجور مرتفعة للفنانين ضيوفها إذ يطلبون مبالغ مرتفعة لقاء ظهورهم في برنامج معين. فالمحطات لم تعد تملك تلك الميزانيات المالية العالية للقيام بهذه المهمة على أكمل وجه. كما أن الأفكار بشكل عام صارت تشبه بعضها ولذلك البرامج النوعية تستلزم التفكير من قبل أصحاب المحطات قبل الإقدام عليها». وتتابع: «فالمشكلة لا تتعلق فقط بالاحتراف الإعلامي بل هي بمثابة حلقة مقفلة تتصل عناصرها ببعضها بشكل مباشر مما يجعلنا نعيش اليوم أزمة حقيقية في الإعلام المرئي ليس في مصر فقط بل في لبنان أيضا ومختلف الدول العربية. هذا الأمر دفع بالبعض لممارسة هذه المهنة بأقل أجر ممكن يصل إلى المجاني أحيانا لأن الشاشة بالنسبة لهم هي مرض يعانون من غياب وهجه».
وتتابع راغدة شلهوب برامج تلفزيونية لغيرها وتقول: «بالتأكيد أتابع كثيرين مثل طوني خليفة وريما كركي ومنى أبو حمزة». ولكن هل لا تزالين تحنين إلى بلدك الأم لبنان؟ «أحن له بالتأكيد وإلى جمهوره كما أنني صرت اليوم على اطلاع أكبر باللعبة الإعلامية والمحسوبيات التي تتحكم بعالم الإعلام».



«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.